بعد أيام وصل مالك وقطرة الندى إلى الشمال، وسألا عن الشيخ سعيد، فقيل لهما إنه ينزل في خان التجار، وعليكما بالإسراع إذا كنتما تريدان رؤيته فهو على وشك الرحيل. ومن بعيد، شاهد مالك قافلة قومه تنوء بما تحمله من بضائع وسلاح. لقد كان الشيخ يتوقع قيام الحرب مع السلطان، لذلك اشترى كل ما يحتاج إليه من أسواق. ومن حسن حظه أن الماشية ارتفع ثمنها عند مجيئه، فكان ربحه هذه المرة جيدًا. لما سمع الشيخ سعيد ابنه يناديه تعجب، وقال له:
ما الذي أتى بك إلى هنا؟ عسى أن يكون الأمر خيرًا. أجاب مالك: لقد استغل الأعراب غيابك وهاجمونا وأخذوا ما عندنا من أموال، وهم الآن يسومون قومنا العذاب، وليس مستبعدًا أن ذلك الوزير اللعين هو من دبر تلك المكيدة ليتفرق شمل القبائل ويضعف شأن قطرة الندى. نظر الشيخ إلى الفتاة وسألها: لماذا تخفين نفسك تحت هذه العباءة؟ فأنا في مقام والدك وأنت ابنتي. لم تجب وأجهشت بالبكاء. قال مالك:
لقد ضحت بجمالها من أجلي وأصبحت الآن تشبه الظباء التي في الغابة. أجاب الشيخ: أنتما محظوظان، وما من أحد ذهب إلى أرض الجن التي وراء الجبل ورجع حيًا. لا تقلقوا، سأذهب إلى ملكتهم بنفسي لكي أسترضيها، وسأحمل لها جملًا محملًا بالشعير والحنطة، فالجن تحب هذا الطعام. مهما يكن من أمر، لقد لاحظت أن ابني يهواك، ولن أمانع من زواجك منه حتى ولو بقيت ظبية. مسحت قطرة الندى دموعها وقالت:
ما حصل لقومك من ظلم هو بسببي. السلطان يريدني في قصره، وسأذهب إليه لأرى هل ما زال راغبًا في أن أكون زوجته؟ قال مالك: لا أنصحك بذلك، فقد يقتلك ويستريح منك، فأنت الآن أقوى من قبل ولك سحر الجن. ردت عليه: إذا فعل ذلك يكون قد أدى لي معروفًا، فلا أريد أن أتعذب بقية حياتي. لم يكن مالك وأبوه راضيين على هذا الكلام، لكنها أصرت على موقفها. لما وصلت أمام القصر طلبت رؤية السلطان وقالت: أنا قطرة الندى. أذن لها بالدخول.
ولما رآها تعجب وقال: لماذا تغطين وجهك؟ أجابت: لقد فقدت جمالي، أليس هذا ما تريده في نهاية الأمر؟ قال: من أخبرك بذلك؟ هذا ليس صحيحًا. قالت: لنرى ذلك. وخلعت عنها عباءتها. وعندما رآها السلطان تراجع إلى الخلف حتى كاد يسقط، وصاح: من أنت؟ لا يمكن أن تكونين قطرة الندى التي أعرفها. ردت: بلى أنا نفسها. وأرته رقبتها ومعصميها وقالت: أليس هذه قلادتك وأساورك الذين أهديتهم لي وقت زواجي؟ ألا تذكر ذلك؟
نظر السلطان إليها، لقد أهداها فعلًا ذلك. سألها: ماذا حصل لك؟ أجابت: إنها حكاية طويلة. المهم لقد أرسلت رجالك للبحث عني وأوقعت بين القبائل بسببي. عليك بترك بني سليم وشأنهم وإرجاع أموالهم، وأنت مخير بين تركي على ذمتك أو طلاقي. احتار السلطان ولم يعرف ما الذي يجيبها. فكر قليلًا وقال: لا يمكنني تركك تخرجين من هنا، سأمنحك غرفة وجارية تخدمك، وسنشرح لها إن الجن هم من فعلوا بك ذلك ونطلب منها كتمان الأمر. قالت:
هذا يعني أنني أسيرة لديك؟ قال: بل ضيفة، وسأجلب السحرة ليرجعوا لك شكلك. أعطاها غرفة واسعة وجعل أمام الباب حارسين، وطلب منهما عدم السماح لها بالخروج. شرعت قطرة الندى في البكاء وتمنت لو أنها سمعت نصيحة الأمير مالك بعدم الذهاب. وفجأة ظهرت أمامها ملكة الجن وقالت لها: ما الذي يبكيك يا جارية؟ أجابتها:
أنا محبوسة ولا يمكنني رؤية الأمير مالك، وكما توقعت تنكر لي السلطان، أما هو فلم يتغير أبدًا. لم أر رجلًا يحمل كل هذا الحب لامرأة. قالت ملكة الجن: هل تتذكرين الشيخ في الصحراء؟ ردت عليها قطرة الندى: آه نعم، تذكرته. قالت لها:
إنه أنا. لقد تعجبت من رغبة الأمير مالك في التضحية بنفسه من أجلك وأردت أن أتأكد من الأمر. ففكرتنا نحن معشر الجن أن البشر مخلوقات أنانية لا تعرف الحب ولا الإخلاص. لقد كنا ننظر إليكم كما تنظرون أنتم إلى البهائم حتى وجدناكم في طريقي. توقفت ملكة الجن قليلًا كأنها تستجمع أفكارها وأضافت:
كثير من الأمور تغيرت عندي بخصوصكم. لم أكن أصدق أنه يرجى خير من بني آدم حتى قابلتكم. وأنا متأكدة أنك لو أصبحت ملكة هذه البلاد، فبإمكاننا أن نتفاهم، ولهذا سأساعدك على شرط إن حققته لنا وتفاهمنا، سأرجعك أولًا أجمل مما كنت.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!