بعد أن تحولت قطرة الندى إلى عجوزة قبيحة، قالت لها ملكة الجان: "لقد خسرت جمالك، لكن مقابل ذلك اكتسبت سحرنا، ويمكنك فهم لغة الغزلان والظباء والمها. لا أعرف حقًا أيهما أحسن: الجمال أم السحر، لكن المؤكد أنه بعد أن كان الجميع يعشقك، فإنهم الآن سيهابونك لقوتك."
وعندما أتمت كلامها، لوحت بعصاها، فوجد الأمير مالك وقطرة الندى نفسيهما مرة أخرى أمام المغارة. لم يكن هناك أحد، فلقد انصرف فرسان السلطان بعدما أضرموا النار في مدخلها، وامتلأت بالدخان. جلس مالك على الأرض وفرك عينيه وقال: "هل كنت أحلم أم ما رأيناه هو الحقيقة؟ أجابت قطرة الندى:
"إنها الحقيقة، ويجب أن أتعود عليها. السلطان هو السبب في كل ما جرى لي، وسأجعله يدفع الثمن. معي الآن قوة الجان وكثير من المال، عليَّ فقط أن أحسن استعمالهما في طلب ثأري." قال مالك: "عندما ينتهي كل شيء، سأعود إلى ملكة الجان وأترجاها لتعيد لك صورتك." سألته قطرة الندى: "لماذا هذا العناء؟ وفيما سينفعنا ذلك؟ أجاب مالك:
"لأني أعشقك وأريد الزواج منك. عندما رأيتك لأول مرة لم أعد أعرف نفسي، ولما أنام لا أرى في أحلامي سوى طيفك، ولا أسمع سوى همساتك." لم ترد الجارية وأخفت دمعة كبيرة سقطت من عينيها، فالأمير مالك هو حبها الوحيد. أما السلطان، فقد تزوجته لتخرج من الفقر، وهي تعلم أنها لا تصلح إلا لتزيين مجلسه، ولو كان يحبها لما فكر في إيذائها مهما كان السبب. عليها أن تنسى الآن الحب وتتفرغ للانتقام.
لما رأى مالك صمتها وانكسار عينيها، فهم حقيقة مشاعرها. فهو يعلم أنها تتعذب وتتظاهر أمامه بالقوة، لكنه سيحارب من أجلها الإنس والجن، وعليه أولًا أن يبحث عن أبيه وأشراف قومه الذين ذهبوا للتجارة، والصدفة وحدها هي التي حملتهم بعيدًا عندما هاجمتهم القبائل. وقال لقطرة الندى: "يجب علينا شراء جملين والذهاب إلى الشمال. لا بد أن يعلم أبي بما حدث ونتدبر الأمر، فله أصدقاء كثيرون بين العرب."
مشيا قليلًا فوجدا راعيًا يقود قطيعًا من الإبل، فاشتريا منه جملين ومضيا في الصحراء. بعد يومين هبت عاصفة شديدة، ولما انتهت اكتشفا أنهما ابتعدا عن الطريق ولم يعد معهما ما يكفي من الماء. قال مالك: "لا أعرف كم من الوقت سنتحمل دون ماء. إذا لم يمر بنا أحد ويساعدنا، فذلك يعني نهاية الرحلة. سنستريح الآن ونواصل طريقنا في الليل، إني أرى من بعيد تلة صخرية. تعالي ننصب خيمتنا تحتها."
عندما اقتربا وجدا شيخًا ملقى على الأرض. أخرجت قطرة الندى قربتها وأرادت أن تسقيه، لكن مالك قال لها: "احتفظي بنصيبك من الماء، سأعطيه مائي والله سيرحمنا." شرب الشيخ وفتح عينيه وقال له: "لأنك أردت أن تضحي بنفسك من أجل تلك المرأة، فسيكتب لكما عمر جديد." نصب مالك الخيمة، وعندما عاد ليحمل الشيخ لم يجد له أي أثر، فتعجب من أمره وقال: "لا أفهم كيف وصل إلى هنا دون جمل، ثم ماذا يعني كلامه؟
جلس الرجل مع قطرة الندى، وأخذت البنت الجراب الذي أعطته لها ملكة الجان، فوجدت فيه دقيقًا وسمنًا وتمرًا. قالت الجارية: "علينا أن نكتفي بالتمر، ولو كان معنا قدر لصنعت ثريدًا." كان مالك ينظر في هذه اللحظة إلى التلة وقال لها: "انظري وراءك، هناك قدر وحطب وحجر صوان." ابتسمت قطرة الندى وقالت: "وأنا عندي خروف وسنشويه على حطبك." رد مالك: "لا أمزح، ما أراه ليس سرابًا." التفتت الجارية وراءها وشهقت، ثم قالت:
"لا يمكنني تفسير ذلك، لكن المهم أننا سنأكل شيئًا ساخنًا ونتدفأ في الليل من برد الصحراء." حضر الثريد فأكلاه مع التمر وبان عليهما الشبع. قالت قطرة الندى: "لم يعد لنا ماء، فماذا سنفعل؟ أشار مالك إلى السماء، فلقد ارتفع بخار القدر وبدأ يكون غيمة، وبعد قليل بدأت تمطر بغزارة وامتلأت الحفر في التلة بالماء الصافي، فشربا وملئا القربتين. سألت الجارية: "كيف يمكن أن يحصل ذلك في هذه الصحراء القاحلة؟
مضيا في طريقهما، ولم يكادا يبتعدان حتى وجدا قافلة متجهة إلى الشمال، وغطت قطرة الندى وجهها ورجليها ولم يكن يبدو منها إلا عينيها، وكان المسافرون كلما نظروا إليها يتعجبون من جمال عينيها ويقولون لها: "إنهما يشبهان عيون الظباء." ولم يكونوا يعلمون أنها نصف إنسان ونصف ظبية.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!