نحنُ بائسون.. كأطفال ضائعين، وتائهين في غابة.
عندما تكون أمامي وتنظُر إليّ، ماذا عساك أن تعرف عن الحُزن الذي بداخلي، وماذا بوسعي أن أعرف أنا عن أحزانك؟!
___________________________________________
صباح يوم جديد..
وقف امام مرآته بنشاط وهو يرتب مظهره باهتمام شديد، لا يريد ان يكون هناك شيئ ينقصه، يريد ان يكون بكامل اناقته ووسامته التي تخطف القلوب...
انتهى من عمله ليأخذ اشيائه الخاصه من على التسريحه واتجه الى خارج الغرفه قاصداً الأسفل!.
وجد ابنه عمه تجلس في الردهه تحتسي القهوه وفي يدها مجله تشاهدها بملل..
اقترب منها متمتماً بهدوء: صباح الخير!.
رفعت عينيها له مجيبه بابتسامة رقيقه: صباح النور، انت هتخرج؟.
تساءلت باستفسار ليجيب ببساطه: ايوه، عندي شغل!
_ طب مش هتفطر الأول!.
رد باستياء: بجد انتي و"رامز" خنقتوني بالسؤال دا، مع انكم بتعرفو اني مبفطرش الصبح ومع ذلك بتسألوني!.
ضحكت بخفه مردده: عشان خايفين عليك يا "أسيف"، انت تهمنا!.
ابتسم بامتنان فهي حقاً تشعره ببعض الراحه والسعاده حين تسمعه تلك الكلمات، سعيد لان حياته تهم شخصاً بعد ان كان منفور من الجميع!.
اقترب منها مقبلاً قمه رأسها بحنان قبل ان يتمتم: استنيني على الغدا، تمام!.
أومأت بابتسامة صغيره ليتمتم مجدداً: انا طلبتلك خدامه، هتوصل كمان شويه، مش عايزك تتعبي!.
اتسعت ابتسامتها بشكر لتردد: ربنا يخليك ليا "أسيف"!.
_ ويخليكي ليا يا أجمل اخت في الدنيا، سلام دلوقتي!.
شعرت بوخزه في قلبها اثر تلك الكلمه لكنها حاولت بقدر المستطاع المحافظه على ابتسامتها...
ودعته لتتابعه بعينيها الى اختفى من امام ناظريها لتهمس لنفسها بأمل: امتى هتكون ملكي يا" أسيف"، امتى هتبطل تعتبرني زي أختك، امتى هبقى حبيبتك ومراتك، امتى؟!.
ولكن تبقى كلمه متى مجرد امنيه صعبه المنال، لا تعلم ان من وقعت في عشقه منذ الصغر قد سلم قلبه لأخرى ستنافسها بحبيب طفولتها، وستكون المواجهه حاسمه، حاسمه جداً!!.
___________________________________________
وصل الى سيارته ليجد "رامز" بانتظاره كالعاده، جلس في السياره وفعل "رامز" المثل!.
قام "رامز" بتشغيل محرك السياره وهم في الأنطلاق لكن صوت مديره اوقفه حين أمره ببرود: خدني الأول على مطعم "ليلى"!.
عقد ما بين حاجبيه باستغراب قبل ان يلتفت له متساءلاً باستفهام: "ليلى"؟، "ليلى" مين؟.
زفر بصبر ليضغط على نفسه وهو يجيب: البنت اللي قابلناها امبارح ياغبي!.
هتف بتذكر: ااااااااااه افتكرت، انت قصدك البنت اللي ضربتك صح؟!.
كانت اجابته نظره قاتله جعلت الآخر يبتلع ريقه بخوف ليردف بسرعه: حاضر، ياباشا، هنروح دلوقتي!.
اعتدل في جلسته وقام بتشغيل المحرك وانطلق بها متوجهه الى حيث اخبره مديره!.
كان يشعر بحماس داخلي رهيب، سيراها مجدداً، سيرى ضحكتها، وسيسمع صوتها، ستتحدث معه بمرح، ستجعل ضحكته التي لم تخرج منذ سنين ترج بعفويه، هو ذاهب ليقابل حياته الجديده!!.
___________________________________________
_ ياحلو صبح ياحلو طل، ياحلو صبح نهارنا فل، يـــــــــا حـــــــــــلــــــــــــو صــــــــبـــــــــــح، يـــــــــا حـــــــــــلــــــــــــو صــــــــبـــــــــــح، يـــــــــا حـــــــــــلــــــــــــو صــــــــبـــــــــــح، يـــــــــا.......
_ بس بقى الله يقرفك!.
هدرت بها "ليلى" التي دخلت المطبخ الى صديقتها "عزه" التي كانت تغني بصوت عالي غير مدركه ان صوتها وصل الى كل الجالسين في الخارج!.
التفتت الأخيره لها متمتمه بغيض: في ايه يا "ليلى"، متخليني اغني براحتي وطلع مواهبي المدفونه!.
اجابت بامتعاض: ياختي سيبيها مدفونه احسن ما تجيبلنا شلل في الودن!.
زمت شفتيها بحنق لتضرب قدمها في الأرض بقوه هاتفه: انتي من اعداء النجاح، ومش عايزاني اكون موهبه!.
اشاحت بيدها بلا مبالاه متمتمه: ياختي توكسي، بلا نجاح بلا بطيخ وركزي في شغلك احسن، خلصي بسرعه عشان اطلع الأكل للناس اللي برا دول!.
طالعتها "عزه" بحنق وهي تلج الى الخارج مجدداً فعادت الى عملها بمضض!..
خرجت "ليلى" الى زبائنها لتأخذ طلباتهم كالعاده، لفت انتباهها وصول سياره سوداء صفت بجانب المطعم، حدقت بها باستغراب، دققت النظر بها جيداً لتعقد حاجبيها بتعجب، فهي عرفت السياره، هي نفسها التي قامت بتصليحها ليله أمس، هي السياره الخاصه بـ "أسيف الجارحي"!.
رأته يترجل منها بغرور معتاد، وهو بكامل اناقته الجذابه التي جعلتها تسرح بشكله للمره الثانيه، تعترف ان قوه شخصيته جذابه جداً، لا احد يستطيع مقاومتها، لحظه، بماذا تفكر هي، ما هذا الهراء الذي تقوله، هل جنت حقاً ام ماذا؟.
فاقت من شرودها حين وقف امامها هاتفاً بابتسامة مهلكه: صباح الخير يا آنسه "ليلى"!.
تنحنحت بارتباك قبل ان ترد: صباح النور يا باشا، انت ايه اللي جابك؟.
ضحك بخفه على سؤالها الأحمق لكنها سارعت بتصحيحه قائله: اقصد يعني، في حاجه حصلت عشان تييجي هنا، او محتاج حاجه؟.
اجاب بهدوء: ايوه، انا جيت عشان افطر هنا، لو معندكيش مانع طبعاً!.
ابتسمت ببلاهه وهي تردد: لا طبعاً معنديش مانع، انت تنور..
ثم استرسلت بمرحها المعتاد: بس المرادي الأكل مش ببلاش زي امبارح، مهو مش فاتحاها سبيل انا!.
اطلق ضحكه رجوليه عاليه جعلتها تفغر فاهها ببلاهه وانشداه، لا تعلم لما تشعر بذلك الأنجذاب ناحيته...
لاحظ شرودها به ففرقع اصابعه امام وجهها قائلاً بنفس المرح: انا عارف اني أمور، بس مش لدرجه تسرحي فيا كده!.
تضجرت وجنتيها احمراراً بسبب خجلها ومن صراحته فحاولت ان تخفيه بكذبه صغيره: ايه.. ايه اللي بتقوله دا.. انا.. انا.. انا مكنتش سرحانه فيك على.. على فكره...
قاطعها بضحكه صغيره: طب خلاص خلاص انا مصدقك، المهم قوليلي هتأكليني ولا لا!.
اجابت بلطف: اكيد طبعاً، اتفضل!.
اشارت له بيدها قبل ان تسير امامه وهو يتبعها الى ان اجلسته على احدى الطاولات، ثم دلفت الى الداخل لتساعد صديقتها في تحضير الطعام بسرعه...
ضل هو بمفرده ينظر في ارجاء المكان، يتابع ذلك المكان الهزيل المسمى بمطعم بالنسبه لهؤلاء الناس المساكين، بجدرانه المهترئه وكراسي الخشب القديمه جداً، نظر الى ملامح الموجودين فوجد علامات السعاده مرسومه عليها براحه كبيره، يتعجب حقاً من تلك السعاده رغم وجودهم بمكان مزري كهذا، وهو لا يشعر بأي طعم للسعاده بوجوده بذلك القصر واملاكه التي لا تعد ولا تحصى، هل يا ترى الأنسان الفقير يعيش بسعاده عكس الرجل الغني، ام ان النفوس هي التي تختلف في ما بينهم؟!.
لفت انتباهه طفلين صغيرين، يتشاجرون في ما بينهم، احدهم في عمر السابعه تقريباً والآخر يبدو انه تخطى سنواته السبع..
احتد شجارهم الى ان اصبح تطاول في الأيدي، فقام الطفل الأكبر بدفع الصغير ليسقط الأخير على الأرض وفر الأول هارباً!.
جلس الطفل يبكي وهو يمسك ذراعه التي جُرحت، فلمح رجل شاب يقترب منه بلهفه، يبدو انه والده...
استطاع سماع الحديث الدائر بين الطفل ووالده حيث تمتم الوالد بحنان: خلاص ياحبيبي متعيطش، انت راجل والراجل ميعيطش!.
ردد الطفل ببرائه وبكاء: بس ايدي بتوجعني اوي يا بابا!.
قام والد الطفل بتقبيل جرح ولده الصغير قائلاً بعدها بابتسامة لطيفه: دلوقتي الوجع كله هيروح!.
مسح الطفل دموعه بقوه ليهتف بغل بريئ: انا مش هسيبه، انا هعمل فيه زي ما عمل فيا وهخليه يعيط...
وبخه والده بلطف: اوعى.. اوعى تعمل كده يابني، التصرف دا غلط...
هتف الطفل بتبرم: بس هو أذاني يا بابا!.
رد الرجل بعقلانيه: وانت متعملش زيه وتأذيه، لو مهما حصلك اوعى تأذي اللي أذاك، سلم أمرك لربنا بس وهو اللي هيحاسبه، لما تأذي نفس خلقها ربنا، فهو وقتها هيغضب عليك، وانت مش عايز ربنا يغضب عليك مش كده؟.
أومأ الطفل بطاعه وكأنه قد فهم كلام ابيه كاملاً، فهتف والده بابتسامة حنو: وبعدين انتم اصحاب واخوات كمان، مينفعش تتخانقو على كل حاجه، ابقو اصحاب عشان هتبقو سند بعض لما تكبرو!.
استطاع الرجل ان يرسم البسمه على وجه طفله بكلمات نابعه من القلب، فالقلوب النقيه لا يتوقف نبضها عن العطاء مهما حاول البعض كسرها، لانها تعيش في مساحه لا يصل اليها الا الأنقياء!.
كان يتابعهم بشرود، فهذا الموقف ذكره بسنين حارقه قد مر عليها سنين طويله، حاول كثيراً تناسيها لكنها ابت الخروج لتنحفر في ذاكرته وتبث سمها فيه كأفعى خبيثه...
تذكر ذلك اليوم التي اصبح فيها شخصاً اخر، تحول بلحظات من طفل صغير الى عقل مدبر، ذلك اليوم التي قتلت فيه طفولته ودفنت برائته بلا رحمه، ليصبح بما هو عليه الآن....
Flash Back...
في احدى زوايا غرفته يجلس وهو يضم ركبتيه الصغيرتين الى صدره، وجسده يرتعش بخوف بعد رؤيته لجثه والدته التي قُتلت بلا رحمه، ينظر امامه بجمود وهو يتخيل منظر الدماء امامه، يرى كيف والده قام بسحب جثتها الى الخارج وقام بدفنها في حديقه المنزل، هو كان يتابع كل هذا، وحين انتهى والده من دفنها قام هو بالجري نحو غرفته ليختبئ بها، وها هو جالس هنا منذ الصباح، ويرتجف كلما يسمع خطوات والده بالقرب من الباب!.
تطلع بهلع الى الباب حين انفتح بلا مقدمات ليضهر والده بقامته الطويله وعينيه الماكره تطالعه بهدوء مريب!.
اقترب منه بتأني لتبدأ نبضات قلبه تقرع كالطبول، ضم نفسه اكثر كانه يحتمي من بطش هذا الوحش، فظن انه سيؤذيه...
لكن ما حدث العكس، حيث جلس والده بجانبه قائلاً: مالك، خايف كده ليه؟، انا عارف انك شوفت كل حاجه، بس متخيلتش انك هتخاف كده، دا انت تربيتي يلا، ازاي تخاف، قوي قلبك!.
كان يتكلم ببرود جليدي كانه لم يقتل نفس منذ قليل، استرسل بنفس النبره حين وجد الصمت هو اجابه ابنه: بص يا بني، انا هديك نصيحه هتنفعك لآخر العمر، اي حد أذاك او حاول يأذيك او ضايقك، اعمل اسوء منه، أأذيه وحرق قلبه على اغلى حاجه عنده، اوعى تسيب حقك، مفيش حد هياخد حقك غير دراعك وبس، زيي بالظبط، امك ضايقتني عشان كده انا نهيتها، انت فاكر اني عملت كده في امك من فراغ، لا، انا تملت فيها كده عشان هي خانتني، وكان لازم تتعاقب، خليك راجل زيي، وأذي اي حد يأذيك!.
كان يعلم ان والده يكذب بخصوص خيانه والدته لكن كلماته الأخيره جعلته يطالع والده بغموض مردداً: اي حد؟.
أومأ الآخر بقوه مجيباً: ايوه اي حد، قوي قلبك وخد حقك، ومتخليش حد يقف قدامك!.
كلماته تلك حُفرت بداخل عقل هذا الطفل، لا يعلم انه قد قلب مسار ابنه ليجعل منه وحش كاسر، ولا يعلم انه سيكون اول ضحايا مخالب هذا الوحش!!.
Back...
_ ياباشا، "أسيف" باشا، انت سامعني، ياباشا!!!.
فاق من شروده على صوتها العذب لينظر لها بهدوء متناقض مع الصراع الذي يجيش بداخله...
حاول رسم شبح ابتسامه على شفتيه وهو يردد: ايوه يا "ليلى"؟.
استغربت كثيراً من قول اسمها بغير القاب لكنها تخطت هذا لتتساءل: انا بقالي كتير بكلمك وانت سرحان!.
_ معلش، افتكرت حاجه كده وكنت بفكر فيها!.
أومأت بتفهم لتردف بعدها: طب يله كل بسرعه قبل ما اكلك يبرد!.
نظر الى الطاوله امامه فوجد الاكل عليها، يبدو انها وضعته وهو شارد ولم لم ينتبه....
ابتسم بشكر متمتماً: شكراً ليكي!.
ابتسمت له بمجامله قبل ان يلفت انتباهه طبق يوضع عليه بعض السندوتشات فتساءل باستفسار: لمين دول؟.
نظرت الى الطبق اولاً ثم عاودت النظر له قائله ببساطه: دا عشان الأستاذ اللي معاك، مسكين قاعد في العربيه لوحده واكيد جعان!.
ثم هتفت بمزاح: على فكره، هم مش ببلاش، انت اللي هتدفع الحساب بتاعهم!.
ابتسم ببهتان فلم يكن لديه القدره على الضحك او المرح معها، فعودته ذكرياته له كافيه لجعل تركيزه يتشتت!.
تابعها بعينيه وهي تذهب ناحيه "رامز" الذي استقبلها بحفاوه، وابتسامه عريضه على شفتيه وهو يأخذ الطبق منها...
التفتت لتعود الى مكانها وهو ما زال يتابعها، مشيتها العفويه شعرها المتطاير خلفها، وتلك الأبتسامه المغريه على شفتيها، كل هذا جعل عينيه تشتعل بلمعه خاصه، لمعه حب!!.
لم ينتبه انها وقفت امامه وهي تجده قد سرح للمره الثانيه، ففرقعت باصابعها امام وجهه قائله بضحكه: جرى ايه ياباشا، انت جاي تسرح هنا ولا ايه؟.
نظر داخل عينيها ليتمتم بعفويه صادقه: انتي حلوه اوي!.
اختفت ابتسامتها تدريجياً ليحل محلها الخجل الواضح من احمرار وجهها وتمرير اصابعها على عنقها بتوتر...
ابتسم بتسليه على خجلها المثير فسمعها تتمتم بتلعثم: شـ.. شـ.. شكراً.. شكراً اوي!.
ردد بعينين لامعه: انا بقول الحقيقه على فكره، انتي بجد حلوه، من برا ومن جوا!.
ابتسمت بارتباك، وقبل ان تنطق بحرق قاطعهم صوت تكسير من خلفهم...
التفتو ليرو ما يحدث فوجدو شاب يدعى "سالم" قام برمي الأطباق على الأرض بقوه وملامحه لا تبشر بخير!.
استغرب جميع الجالسين من هذا التصرف الغير لائق، لكن "ليلى، قابلت هذا بهدوء...
تقدمت منه متمتمه: خير يا"سالم"، ايه اللي حصل؟.
قابلها بغضب حاد هاتفاً: ايه القرف اللي عاملاه دا؟.
قالها وهو يشير الى الطعام المرمي على الأرض لتجيبه هي بصبر: اول حاجه مينفعش تقول على نعمه ربنا قرف، تاني حاجه اللي عملته دا غلط وحرام لما ترمي الاكل على الأرض من غير احترام، وتالت حاجه ممكن تقولي ايه اللي مش عاجبك في الأكل!.
صاح بانفعال: انتي هتعلميني الأحترام ولا ايه يابت انتي، وهتقوليلي على الحلال والحرام...
قاطعته ببرود: ايوه هعلمك طالما انت متعرفش الأصول، ولو الأكل مش عاجبك، يبقى متجيش هنا تاني، سلام!.
شهقت بألم حين قام بامساكها من ذراعها بقوه صائحاً: جرى ايه يا "ليلى" انتي نسيتي نفسك، دا عمك لماكي من الشوارع!.
نفضت ذراعها عنه لتصيح بغضب اكثر وهي تشير بسبابتها امام وجهه: ةنت اللي متنساش نفسك وعرف انت بتكلم مين، ولو فكرت مره تانيه تلمسني في ايدك الوسخه دي انا هقطعهالك سامع، لا عاش ولا كان اللي يحط عينه في عين "ليلى" وتسكتله، وفي الآخر حيوان زيك ييجي ويعمل روحه دكر عليا!!.
كلمتها الاخيره استفزته جداً لذا قام برفع يده عالياً ناوياً صفعها لكن ذراعه تعلقت بالهواء اثر قبضه عنيفه امسكتها...
نظرو جميعهم الى "أسيف" الذي كان يتابعما يحدث بغضب شديد من وقاحه هذا الـ "سالم" الذي يكلم تلك القزمه بلاخوف، لم يتدخى في بدا الامر، فهو اراد ان يعرف كيف ستتصرف "ليلى" بموقف كهذا، لكن قد جن جنونه حين قام هذا الغبي بلمسها عنوه وأيضاً هم بصفعها، فتقدم هو ليكون له بالمرصاد...
ضغط "أسيف" على يد الآخر الذي يحدق به باستغراب ليتمتم من بين اسنانه: لو فاكر ان الرجوله هي انك تستقوى على بنت تبقى غلطان، وهي مغلطتش لما قالت انك مش راجل!.
حرر ذراعه بصعوبه من يد هذا الغريب ليهتف بحنق ساخر: ومين الأمور بقى؟.
اجابه بكلمه واحده كانت تحمل في طياتها تهديد صريح: عزرائيل!.
لا ينكر انه شعر برهبه من لهجته الجاده لكنه هتف باستخفاف: حصلنا الرعب ياباشا!.
عاد بنظره الى "ليلى" ليهتف: انا ماشي عشان ميشرفنيش اني اقعد بمكان فيه حثاله زيك!.
ما ان انهى كلماته حتى شعر بأن جميع اسنانه قد تحطمت اثر اللكمه التي تلقاها على حين غفله من قبضه "أسيف" حيث اسقطته ارضاً، ليشهق جميع الموجودين بذهول!.
لم يمهل" أسيف" فرصه لذلك المجثى على الأرض ينظر الى تلك الدماء التي خرجت من فمه وانفه، فقام بامساكه من ياقه قميصه بقوه حتى جعله يقف على قدميه...
زئر بوجهه بحده: الحثاله هم اللي زيك يازباله، اللي زيك مكانهم بيبقى تحت جزمتها، ورحمه الغاليين لو لمحت خيالك قريب من هنا انا همحيك من على وش الأرض، غور!.
قام بدفعه بعنف ناحيه الباب ليرتطم جسده به، نظر لهم بغل كبير قبل يلتفت متجهاً الى الخارج بعد ان جعل الدماء تفور في عروقها من كلماته الاذعه والمهينه، لكنها حاولت تهدئه نفسها بقدر المستطاع، وتحركت لتنضف المكان...
تابعه "أسيف" بعينيه وهو يميل برأسه الى الجانب، فهذه حركته الدائمه حين يجد فريسته ليعاينها جيداً، اشار بعينيه الى "رامز" الذي نزل من سيارته ليتابع ما يحدث بأن يقوم بمتابعته، فأومأ له الأخير بانصياع وذهب وراء الرجل دون ان يلاحظه!.
عاد الجميع الى ما كانو يفعلو بغير اكتراث، الا هو نظر لها للحظات قبل ان يجثى بجانبها على الأرض محاولاً مساعدتها!.
تمتمت بصوت متحشرج وهي تبعد قطع الزجاج عن مرمى يديه: ملوش داعي ياباشا، انا هنضفهم دا شغلي!.
نظر الى وجهها باهتمام ليجد دمعه حاره عالقه برمشها كادت ان تسقط لكنه اسرع ليمسكه بانامله مانعاً سقوطعها على وجنتها لتحرقها!.
اجفلت من حركته المباغته لتنظر له بعينين دامعتين حين تمتم بخفوت: اوعي تنزلي دموعك بسبب حد ميستاهلش، دموعك غاليه اوعي ترخصيها، وخليكي واثقه ان حقك هيرجعلك، تمام؟.
سقطت دمعه متمرده على وجنتها اليمنى احرقت قلبه بشده وجعلت غضبه يتزايد بداخله اكثر...
تمتم بجمود: كفايه يا "ليلى"، قولتلك حقك هيرجع!.
مسحت دموعها لتردف بنبره مختنقه: انا عارفه ان ربنا هيجيبلي حقي، وشكراً جداً لحضرتك عشان دافعت عني!.
ابتسم بجانبيه لطيفه مردداً: متشكرنيش، دا واجبي، ومن هنا ورايح، لو اي حد فكر انه يتعرضلك انا اللي هقفله!.
كلماته كانز كالبلسم لقلبها، منذ زمن لم تشعر بالأمان كما تشعر الآن، منذ وفاه عمها وهي تتحمل مسؤليتها بنفسها، لكن اليوم تشعر بان تلك المسؤليه قد زاحت من على كتفيها لتصبح على كتف احد اخر، لاول مره تشعر ان هناك شخص سيحميها، كم اسعدتها كلماته بحق...
حدقت به بامتنان لتردف: بجد شكراً جداً ليك ياباشا، هو دا العشم!.
ابتسم بحب قائلاً: "أسيف" قوليلي "أسيف"، مبحبش كلمه باشا دي، وخصوصاً لو كانت خارجه منك انتي!.
ها قد عادت لتوترها واحمرارها مره اخرى بسبب كلماته، ياللهي لما لا يكف عن قول تلك الكلمات...
لملمت ما تبقى من الزجاج بتوتر لتنهص قائله بسرعه: مش هينفع ياباشا، لازم نحافظ على المقامات، عن اذنك!.
لم تمهله فرصه الرد، وتحركت مبتعده عنه الى الداخل وهؤ تشعر بأن قلبها سيخرج من داخل قفصها الصدري بسبب سرعه ضرباته...
اما هو فقد استقام بجسده وعلى شفتيه ابتسامه واثقه، ها قد بدأ ينجح في اول خطواته للتقرب منها، وكم شكر ربه على تلك المشاده التي حدثت منذ قليل ليكبر مقامه بعينيها، لكن هذا لا يمنع من غضبه الذي لم يخمد بعد، هو اخبرها منذ قليل ان حقها سيعود، وهو لم يكذب بشأن هذا أبداً، هو سيأخذ حقها اليوم، فذلك الـ "سالم" اخطأ كثيراً حين تجاوز على شيئ يخص "أسيف الجارحي"، فهكذا هو حكم على نفسه بالموت!!.
___________________________________________
دخل الى مكتبه جالساً على مكتبه بشموخ ليسمع دقات الباب الخفيه ينبعها دخول "سمر"...
تمتمت بجديه: في شخص برا اسمه "ياسين"، بيقول ان حضرتك طلبته!.
اجاب بهدوء: دخليه فوراً!.
أومأت بانصياع قبل ان تخرج، مرت بعض اللحظات ليدخل بعدها الشاب المدعو "ياسين"!.
اشار له بالجلوس ليهتف باقتضاب: عملت ايه؟.
اجاب "ياسين" باسترسال جدي: عملت كل اللي طلبته يافندم، جبتلك كل المعلومات اللي طلبتها عن البنت، هي اسمها الكامل "ليلى عبد الرحمن"، 25 سنه، هي يتيمه، امها وابوها ماتو بحادث عربيه وهي عندها سنتين، وعمها هو اللي رباها، لحد اما بقى عندها 15 سنه، وبعدها اكتشفو انه عندنه سرطان في الدم، وكان محتاج لعمليه بس بسبب وضعهم المادي مقدروش يدفعو المبلغ، وبعد اما المرض انتشر في جسمه هو متحملوش ومات، عمها كان اخر حد في عيلتها ومكانش ليها اي قرايب غيره، فضلت عايشه لوحدها طول السنين دي، مكملتش مدرستها، سابتها وهي لسه في اعدادي بسبب المصاريف، وفتحت مطعم عمها وبدأت تشتغل فيه هي وصاحبتها اللي اسمها "عزه"، اما بخصوص حياتها العاطفيه، هي مش مرتبطه وشايله الفكره دي مز دماغها خالص، في شباب كتير اتقدمولها وهي رفضتهم، واخر واحد كان اسمه "سالم" اتقدملها كذا مره وهي رفضته، بس هو مصر على انه يتجوزها، وكان دايماً بيعملها مشاكل بس هي كانت بتصبر ومتهتمش ليه، هو دا كل اللي قدرت اعرفه ياباشا!..
كان يستمع له بانصات شديد واهتمام، وقد فهم لما افتعل المدعو"سالم" تلك المشكله في الصباح...
تمتم بهدوء: تمام لحد كده، تقدر تمشي!.
نهض "ياسين، ليتجه الى الخارج بعد ان القى السلام عليه، ليضل هو يفكر في حياه تلك الطفله القصيره، لم يكن يتخيل ان حياتها مأساويه هكذا، من يرى ضحكتها ومرحها لا يظن انها تحمل كل تلك الآلام خلف تلك الأبتسامه...
تنهد بقوه ليتمتم لنفسه باصرار: انا هغيرلك كل حياتك يا "ليلى"، انا هعوضك عن كل اللي اتحرمتي منه، هكون عيلتك، هكون ابوكي وامك وكل حاجه، اوعدك!!.
__________________________________________
سطع ضوء القمر قي السماء متلألأ بنجومه المنتشره ليصبح بابها طله...
في منتصف الليل، داخل منزل "سالم" الذي اتى من الخارج لتوه ليدخل منزله الذي يسكن به لوحده...
اشعل الأنوار ليجفل بذهول من ذلك الجالس امامه على الكرسي واضعاً ساق فوق اختها بكبرياء وبرود..
تمتم بدهشه: انت بتعمل ايه هنا، وازاي اصلا دخلت على بيتي؟.
ابتسم باصفرار متمتماً: ازاي دخلت على بيتك، دا شغلي اصلا، واكيد مش هيصعب عليا فتح الباب، اما بخصوص انا بعمل ايه هنا...
صمت لينهض عن الكرسي متقدماً ناحيته بتمهل بطيئ ليقف امامه مكملاً بخبث: الصبح قولتلك ان انا عزرائيل، عشان كده انا جيت عشان اخد روحك!.
وقبل ان يهم بالكلام شعر برصاصه تخترق قدمه ليسقط على الأرض صارخاً بألم، نظر باتجاهه ليجده يمسك بمسدسه الكاتم للصوت ويصوبه نحوه ببرود!.
أن بألم فضيع قبل ان يهتف بخوف: انت عايز مني؟.
جثى على ركبتيه امامه مجيباً بابتسامة: انا قولتلك، جيت عشان اخد روحك!.
تمتم بهلع: ليه، ليه انا عملت ايه؟.
اختفت ابتسامته فجأة ليحل الغضب محلها قبل انيقوم بالضغط على مكان الأصابه بيده ليصرخ الآخر بألم لا يضاهيه ألماً...
صاح بحده: اللي عملته ان انت النهردا اتعديت حدودك مع حاجه من ممتلكاتي، عليت صوتك على "ليلى"، و"ليلى" حاجه تخصني، واي حاجه تخص "أسيف" هتكون محرمه على الكل!.
وضع المسدس على ذراع "سالم" ليكمل: ايدك الوسخه دي لمستها، اتجرأت ولمستها وانا واقف!.
انهى حديثه ليضغط على الزناد مخرجاً رصاصه اخرى اخترقت ذراعه ليصيح بألم اكبر...
حدق به بابتسامة متشفيه قبل ان ينهض عائداً الى كرسيه ليجلس عليه ببرود قاتل...
اسند ضهره على الكرسي واشعل سيجارته الفاخره وأخذ منها نفس عميق ثم نفث دخانها بهدوء ثلجي وعينيه مركزه على ذلك المجثى امامه بلا حول ولا قوه فقط صوت انينه المتألم بسبب تلك الرصاصه التي تلقاها بكتفه الأيمن والرصاصه الأخرى في قدمه اليسرى لتصبح الدماء تغطي الأرض اسفله...
حرك رأسه الى الجانب لينظر الى ضحيته بابتسامه متشفيه وهو يسمعه يصيح بألم: حقك عليا يا باشا، انا غلطان، والله دي كانت اول مره واخر مره، بس ارحمني ابوس ايدك!.
اتسعت ابتسامته المتشفيه قبل ان ينهض ويحمل بيده علبه بنزين متوسطه الحجم ثم اتجه نحو ضحيته بنظرات ماكره...
تراجع الرجل الى الخلف بخوف وصعوبه وهو يصيح برجاء خائف: والله يا باشا دي اخر مره، ارحمني ارجوك، انا مش عايز اموت!.
فتح غطاء العلبه وقام بسكب البنزين عليه ليصيح الاخر باستجداء لم يجدي نفعاً معه حين قال بتهكم: مش عايز تموت ليه، دا الموت حق، وكلنها هنموت، وبعدين انت اكيد مش هتعمل كده تاني عشان دي اخر مره فعلاً، انت دلوقتي هتروح عند ربنا وهو هيحاسبك، انا مش هعملك حاجه غير اني هبعتك عنده، وهناك هتبقى منك لله، منك ايه.. منك لله!!.
اقرن كلمته الأخيره وهو يشعل قداحته الذهبيه ويرميها على الرجل لتشتعل النيران به بسرعه ليطلق صراخ حاد ومرعب من فرط الألم، لم يهز شعره بذلك الواقف امامه واضع يديه بجيب بنطاله وابتسامه مغلفه بتشفي مريض مرتسمه على شفتيه الغليضه وعينيه تشتعل بنيران ذلك القابع على الأرض وهو يتلوى بجسده، كان المنظر مرعب لأي شخص ما عداه هو، بل كان كجرعه قد ادمن عليها وهو يشعر ككل مره براحه غريبه لا تأتيه سوى حين يفعل هكذا، القتل ادمان لديه لا يمكنه الخلاص منه بسهوله ولا يمكن لأحد تجنبه مهما فعلوا!!.
التفت متجهاً الى الباب، فتحه ليجد "رامز" امامه، حدق به للحظات قبل ان يتمتم بهدوء: خلص الباقي!.
زم "رامز" شفتيه بغير رضا لكن ما بيده حيله فأومأ له بانصات، تابع مديره بعينيه وهو يتجه الى السياره ليجلس بها بهدوء غير مبالي!.
زفر "رامز" بثقل قبل ان يدخل الى الداخل ليخفي اي دليل يشير الى مديره، انتهى من تنضيفه ليخرج عائداً الى سيارته!..
نظر الى "أسيف" قائلاً بخفوت: كل حاجه نضيفه ياباشا!.
ابتسم بجانبيه ماكره ليردد: وبكده انا وفيت بوعدي لـ "ليلى"، عشان تعرف ان هي مش لوحدها،" أسيف" عمره ما ساب حق حد يخصه، حتى لو كان هيجيبه من بوأ السبع!!.
___________________________________________
توقعاتكم...
دمتم سالمين احبتي...
#byan
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!