تحميل رواية لقاء خط بمشرط وقلم بقلم جاسمين محمد pdf
بقلم جاسمين محمد
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
ليلى واقفة قدام موظف الاستقبال، ملامحها منهارة، شعرها متبهدل شوية من الجري، وصوتها جايب آخر الممر) ليلى (بزعيق وهي بتخبط على المكتب): يعني إيه مفيش دكتور؟ إنتو فاتحين مستشفى ولا فاتحين مكتبة؟ بقولك أمي بتموت جوه، نفسها بيروح! الموظف (بزهق): يا آنسة والله الدكاترة كلهم في غرف العمليات، فيه حادثة كبيرة على الطريق السريع وكل الطاقم مشغول. اهدي واقعدي. ليلى (بصريخ): أهدى فين؟ أمي لو حصل لها حاجة أنا هحر.ق المستشفى دي باللي فيها! يا عالم حد يلحقنا! يا دكاترة يا بتوع الضمير! (فجأة، يتفتح باب مكتب "ر...
رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الأول 1 - بقلم جاسمين محمد
ليلى واقفة قدام موظف الاستقبال، ملامحها منهارة، شعرها متبهدل شوية من الجري، وصوتها جايب آخر الممر)
ليلى (بزعيق وهي بتخبط على المكتب): يعني إيه مفيش دكتور؟ إنتو فاتحين مستشفى ولا فاتحين مكتبة؟ بقولك أمي بتموت جوه، نفسها بيروح!
الموظف (بزهق): يا آنسة والله الدكاترة كلهم في غرف العمليات، فيه حادثة كبيرة على الطريق السريع وكل الطاقم مشغول. اهدي واقعدي.
ليلى (بصريخ): أهدى فين؟ أمي لو حصل لها حاجة أنا هحر.ق المستشفى دي باللي فيها! يا عالم حد يلحقنا! يا دكاترة يا بتوع الضمير!
(فجأة، يتفتح باب مكتب "رئيس قسم الجراحة" بقوة، ويخرج منه "دكتور آسر". كان لابس القميص الأزرق بتاع العمليات، ملامحه حادة جداً وعيونه فيها غضب مكتوم، وقف وبص لليلى بنظرة خلت الكل يسكت فوراً)
آسر (بنبرة واثقة وهادية بزيادة مستفزة): إيه الفوضى اللي إنتِ عاملاها دي؟ إنتِ فاكرة نفسك في سوق الجمعة؟
ليلى (لفت له بكل غضبها): وأنت مين أصلاً عشان تتكلم معايا كدة؟ دكتور؟ طب وريني شطارتك بدل ما أنت واقف "تتمنظر" ببالطوك، أمي بتموت ومحدش معبرنا!
آسر (قرب منها جداً وبص في عينها): صوتك اللي زي "سرينة الإسعاف" ده هو اللي هيقومها؟ إنتِ مش بس قليلة الذوق، إنتِ كمان جاية تأذي المرضى اللي نايمين جوه. فيه ناس هنا بين إيدين ربنا، وصوتك ده كفيل يوقف قلبهم من الفزع!
ليلى (بقهره): وأنت مالك ومال صوتي؟ روح شوف شغلك ونقذ الناس بدل ما أنت فالح في المواعظ! أنت دكتور علي الورق ولا إيه؟
آسر(بابتسامة باردة مستفزة): أنا دكتور بعرف أفرق بين "الخوف" وبين "قلة الأدب". عماد! (نادى على الأمن) الآنسة دي لو صوتها طلع تاني، تترمي بره المستشفى، ولو أمها احتاجت حاجة، تيجوا تبلغوني أنا شخصياً عشان أشوف هتعامل معاها إزاي.
ليلى (بصدمة): تترمي بره؟ أنت فاكر نفسك مين؟
آسر (وهو بيديها ضهره): أنا اللي بقرر مين يقعد هنا ومين يمشي. ومستشفى "آسر الدمنهوري" مفيهاش مكان للهمجية دي وياريت تبطلي جعير بصوتك ده.
ليلى (بحرقة وعياط): "جعير"؟ أنت دكتور قليل الذوق فعلاً! لو كانت أمك اللي جوه كنت وقفت تتكلم عن النظام والهدوء؟ كنت هتسكت وهي بتروح منك؟
آسر ( حس بنغزه في قلبه او ما جابت سيره مامته وعيونه لمعت بحزن بس حاول يمثل البروده ولف ليها): لو كانت أمي، كنت هحترم المكان اللي هي فيه عشان الدكاترة يعرفوا يركزوا وينقذوها، مش هقعد أعمل "نمرة" ملهاش لازمة في الممرات.
ليلى (باندفاع): "نمرة"؟ أنت أكيد معندكش قلب، ولا جربت يعني إيه حد غالي يروح منك. روح يا شيخ، حسبي الله ونعم الوكيل فيك وفي برودك ده!
آسر (نادى بصوت عالي): يا عماد! (عامل الأمن جه جري) الآنسة دي لو صوتها علي تاني، تخرج بره المستشفى فوراً، وممنوع تدخل غير لما تتعلم إزاي تتكلم في حرم مستشفى.
(آسر سابها ومشي بخطوات سريعة ناحية العمليات، وليلى وقفت مكانها مشلولة من القهر، بتبص لضهره بتهدد وتتوعد وهي بتكتم شهقاتها بالعافية)
(ليلى قعدت في ركن في الطرقة، دموعها نازلة بصمت المرة دي. قعدت تدور على أي دكتور، تترجى الممرضات، لكن الكل كان بيقولها "الجدول مليان". لحد ما الساعة دقت 2 بالليل رحت علي مصليه المستشفي تصلي وتدعي لمامتها)
ليلى (بتهمس لربنا وهي ساجدة): يا رب، أنا يمكن غلط في اسلوبي بس انت عارف أنامرعوبة على أمي. يا رب سخر لها حد يرحمها من الوجع ده، أنا ماليش غيرها يا رب.
(فضلت قاعدة مكانها، لحد ما شافت الممرضة "هبة" جاية عليها بابتسامة غريبة)
هبة: يا آنسة ليلى.. مامتك خرجت من العمليات وحالتها استقرت جداً.
ليلى (قامت وقفت بصدمة): بجد؟ بتهزري صح؟ مين اللي دخلها؟ أنا سألت وقالوا مفيش دكاترة!
الممرضة: والله يا بنتي إحنا نفسنا استغربنا. جراح كبير جاله أمر من الإدارة ودخل فوراً، اشتغل في العملية 3 ساعات متواصلة، ورفض يخلي حد يبلغك غير لما يطمن إنها فاقت وبقت تماماً.
ليلى (بلهفة): طب هو فين؟ عايزة أشكره، عايزة أبوس إيده إنه أنقذ أغلى حاجة عندي.
الممرضة: مشي فوراً بعد العملية، ومرديش يسيب اسمه في التقرير، قال "دي حالة إنسانية". بس المهم إن والدتك دلوقتي في الرعاية وبقت زي الفل.
(ليلى راحت وقفت قدام شباك الرعاية، شافت أمها نايمة بسلام ونفسها بقى هادي. فضلت تعيط من الفرحة وتدعي للدكتور المجهول ده بكل ذرة في كيانها، وهي مش عارفة إنه هو نفسه اللي هزأها الصبح)
(تاني يوم الصبح، الشمس مالية الكافتيريا. ليلى قاعدة في ركن بعيد، فاتحة اللابتوب وبتبتسم وهي بتكتب بسرعة، كأنها بتطلع كل مشاعر الليلة اللي فاتت في روايتها. فجأة، حست بحد بيشد كرسي وبيقعد قدامها)
آسر (بصوته الرخيم): القهوة هنا طعمها "مش لذيذه"، بس الواضح إن الروائيين مبيهتموش بالتفاصيل دي.
ليلى (رفعت راسها بصدمة، وقفلت اللابتوب نص قفلة): أنت؟ دكتور آسر؟ عايز إيه تاني؟ جايب لي الأمن يمشيني؟
آسر (سند ضهره لورا ببرود): لا، جاي أقولك إن لسانك الطويل ده كان ممكن يضيع أمك، بس ستر ربنا كان أقوى.
ليلى (بكسوف وحزن): أنا عارفة إني غلطت، وكنت عايزة أعتذر لك.. بس أنا عرفت إن فيه دكتور "مجهول" هو اللي أنقذها، وكنت بدعي له طول الليل.
آسر (بص لها نظرة طويلة فيها لمعة ذكاء): طب وفري دعاكي، لأن الدكتور المجهول ده هو اللي قاعد قدامك دلوقتي.
ليلى (شهقت بصوت مسموع): أنت؟ أنت اللي عملت العملية؟ طب ليه؟ ده أنا.. أنا قلت عليك معندكش دم! وحسبنت عليك!
آسر (بابتسامة خفيفة لأول مرة): وقلتي إني "دكتور علي ورق" كمان. بصي يا ليلى، أنا عملت كدة عشان "المهنة" وعشان الست الغلبانة اللي ملهاش ذنب في ان بنتها لسانها طويل وعايز يتقص . بس دلوقتي، أنا اللي محتاج لك في موضوع "ورق".
ليلى (باستغراب): محتاج لي أنا؟ في إيه؟
آسر (طلع بحث طبي تقيل وحطه قدامها): عرفت من الطاقم إنك ليلى الروائية، ليكي روايات بتخلي الناس تعيط وتضحك. وأنا عندي بحث طبي عالمي عن "جراحات القلوب"، البحث ده ناشف جداً، كله أرقام ومصطلحات لاتينية.
ليلى (بدأت تفهم): وعايزني أنا أعمل فيه إيه؟
آسر: عايزك تحولي "الأرقام" دي لـ "مشاعر". عايز البحث لما يتقرأ في لندن، يحسوا بضربات قلب المريض، مش بس بنتيجة العملية. عايز روح "الروائية" في الورق ده.
ليلى (بصت للبحث وبصت له بتحدي): يعني دكتور سيف العظيم، محتاج مساعدة البنت اللي كان عايز يرميها بره؟
آسر (ضحك بصوت واطي): قلبي مبيعرفش يكتب مشاعر، وقلمك مبيعرفش يمسك مشرط. أنقذت أمك، فأنقذي مستقبلي في البحث ده. ها.. قلتي إيه؟
ليلى (فتحت اللابتوب بابتسامة واسعة): موافقة يا دكتور.. بس بشرط، طول ما إحنا شغالين، القهوة هتكون على حسابك، ومن بره المستشفى! عشان القهوه هنا مره ومش لذيذه !
آسر (بابتسامة): اتفقنا.. وريني بقى سحر قلمك هيعمل إيه في مشرطي.
رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الثاني 2 - بقلم جاسمين محمد
مر أسبوع كامل على ذلك الاتفاق الغريب في الكافتيريا. كانت ليلى تجلس في مكتب آسر الفخم، حيث يختلط عبق الأثاث الجلدي العتيق برائحة المعقمات. اللابتوب الخاص بها كان يكاد يختفي وسط جبال من الأبحاث الطبية "الناشفة" والتقارير التي لا تنتهي. كان الجو هادئاً بشكل يدعو للتوتر، لا يقطعه سوى صوت نقرات كيبورد ليلى السريعة، وصوت صرير قلم آسر وهو يوقع على حزمة من التقارير الطبية بصرامة معهودة.
ليلى (نفخت بضيق وأغلقت اللابتوب نصف إغلاق): "بقولك إيه يا دكتور آسر، أنا بجد استويت! إيه 'تضيق الصمام الميترالي المصحوب بارتجاع حاد' دي؟ أنت عايزني أخلي القارئ يحس بضربات قلبه من الانفعال، ولا يجيله جلطة من تعقيد المصطلحات؟ الرواية محتاجة روح، مش محاضرة في كلية الطب!"
آسر رفع رأسه ببطء من فوق الأوراق، ورمقها بنظرته الحادة التي بدأت ليلى تعتاد قسوتها المبطنة. قام من مكتبه بهدوء مهيب، واقترب منها حتى وقف خلف كرسيها مباشرة. شعرت ليلى بنبضها يتسارع كطبل أفريقي، ورائحة عطره التي تمزج بين الخشب والليمون بدأت تسيطر على أنفاسها.
آسر (بصوت منخفض ورخيم جداً قرب أذنها): "سمعيني يا ليلى.. وريني 'القلم' عمل إيه في 'المشرط' بتاعي. اقرئي لي آخر فقرة كتبتيها."
ارتبكت ليلى، وحاولت جاهدة أن تركز في الشاشة وهي تقرأ بنبرة ممسرحة لتداري خجلها: "كتبت.. 'القلب ليس مجرد عضلة صماء تضخ الدماء في العروق، بل هو مخزن الحكايات السري، والندبة التي يتركها المشرط فوق الصدر ليست علامة هزيمة، بل هي باب جديد للحياة، يفتحه جراح يملك شجاعة مواجهة الموت وجهاً لوجه'."
سكت آسر تماماً. كانت المسافة بينهما لا تتعدى سنتيمترات، لدرجة أنها شعرت بحرارة أنفاسه. مد يده ببطء شديد، ولمس طرف إصبع ليلى الذي كان يرتعش بشكل لا إرادي على الكيبورد. رفعت ليلى عينيها له في تلك اللحظة، وشعرت أن عقارب الساعة قد توقفت عن الدوران.
آسر (بنبرة غلفها وجع مكتوم): "عارفة يا ليلى.. ساعات المشرط بيخون، والباب اللي بنحاول نفتحه بيقفل للأبد في وشنا. مش كل الحكايات نهايتها حياة، ومش كل الجروح بتخف."
ليلى (نظرت له بحنان وعفوية هزت ثباته): "أنت بتتكلم عن مامتك؟ صح؟ الوجع اللي في صوتك ده مش وجع مهني.. ده وجع ابن خسر أغلى ما عنده."
اتصدم آسر أنها نفذت إلى أعماقه بهذه السهولة، ولمعت عيونه بحزن قديم حاول دفنه لسنوات: "ماتت بين إيدي.. كنت لسه طالب، وقفت عاجز، مجرد متفرج قدام قلبها وهو بيقف. ومن يومها، أي حد بيدخل المستشفى بوجع في قلبه، بشوف فيه ملامح أمي. بكون عايز أحارب الموت بكل قوتي عشان ميكررش كسر قلبي اللي حصل يومها."
ليلى، ودون أن تشعر، وضعت يدها الثانية فوق يده التي تلامس أصابعها، وكأنها تحاول ترميم ذلك الكسر: "عشان كدة أنت قاسي؟ عشان خايف تدي أمان لأي حد فتخسره تاني؟"
نظر آسر ليدها، ثم غرق في عينيها بنظرة طويلة مليانة بمشاعر محبوسة، وقرب أكثر وهمس: "أنا مش قاسي.. أنا بس محتاج حد يحسسني إن المشرط بتاعي كفاية.. حد زيك كدة، بيشوف الروح ورا الجرح."
قطعت هذه اللحظة السحرية دخول الممرضة هبة وهي تسند "الحاجة فاطمة" والدة ليلى. ابتعد آسر بسرعة البرق وهو يعدل بالطوه الأبيض ببرود مفتعل، بينما اشتعل وجه ليلى خجلاً وأصبح أحمر كحبة فراولة.
آسر (بابتسامة حقيقية ارتسمت على وجهه لأول مرة، واتجه نحو فاطمة): "أهلاً يا حاجة فاطمة! نورتي المكتب كله. تعالي ارتاحي في مكاني، الكرسي ده أريح بكتير."
أخذ يدها بحرص شديد وكأنها قطعة من الزجاج الغالي وقعدها على كرسيه الوثير. ليلى كانت واقفة مبهورة، تنظر لآسر الذي يتعامل مع والدتها بتقدير ملكي، وكأن قسوته ذابت تماماً.
فاطمة (بضحك): "يا بني أنا جيت أشكرك بنفسي، ليلى قالت لي إنك سهرت 3 ساعات فوق راسي عشان تنقذني وتطمن البت دي."
آسر (نزل لمستوى الكرسي وجلس على ركبتيه ومسك يدها بحب): "لو كنت أقدر أسهر العمر كله عشان أشوف الضحكة دي مكنتش هتأخر ثانية. أنتِ غالية أوي يا أمي."
طبطبت فاطمة على كتفه بحنان: "ربنا يجبر بخاطرك يا ابني ويرزقك باللي تريح بالك وتعرف قيمة قلبك الأبيض المستخبي ورا لبس الدكاترة ده."
آسر نظر لليلى بطرف عينه وقال: "دعوتك استجابت يا حاجة.. الظاهر ربنا بعت لي فعلاً اللي هترتب لي الورق.. والقلب كمان."
فجأة، استعاد آسر قناعه المهني البارد وقال لليلى بصيغة آمرة: "بكره عندنا سفر للإسكندرية، المؤتمر التحضيري للبحث الدولي. هتيجي معايا عشان لو سألوا في 'تنسيق المشاعر' اللي بتكتبيه ده تعرفي تجاوبي."
ليلى (بذكاء): "بشرط! نسفر ماما معانا عشان مش هقدر أسيبها هنا لوحدها، واهو تغير جو، والدكتور قال إن حالتها تسمح تخرج من المستشفى بالسلامة."
آسر: "موافق. التحرك الساعة 7 الصبح من قدام البيت. وأي تأخير ثانية واحدة، هعتبر العقد اللي بيننا باطل."
في طريق الإسكندرية:
كانت ليلى تجلس في الكرسي المجاور لآسر في سيارته المرسيدس الفارهة، بينما غطت والدتها في نوم عميق في المقعد الخلفي. ليلى كانت تشغل أغاني فيروز الهادئة وتراقب الطريق الممتد، وآسر يركز في القيادة لكنه لم يستطع منع نفسه من اختلاس النظر إليها وهي تخط كلمات سريعة في نوت بوك صغير معها.
آسر: "بتكتبي إيه دلوقتي؟ لسه بتكتبي عن العصافير والحب الأفلاطوني؟"
ليلى (نظرت له بتحدٍ): "بكتب عن دكتور قلبه عبارة عن جهاز رسم قلب، مبيتحركش غير بالكهرباء والأرقام الجامدة، بس فجأة اكتشف إن فيه نبض حقيقي مدفون بين السطور والورق."
آسر: "والدكتور ده نهايته إيه في قصتك؟ هيموت وحيد وسط أجهزته؟"
ليلى (سكتت ونظرت في عيونه بعمق): "لسه بشوف.. هل هيقدر يتخلى عن مشرطه لحظة عشان يمسك القلم ويشاركني الكتابة، ولا هيفضل مسجون في التلج اللي بنى حولين نفسه؟"
آسر أوقف السيارة فجأة على جانب الطريق، ونظر لها بجدية لم تعهدها: "أنا مش عايش في تلج يا ليلى.. أنا عايش في مسؤولية مرعبة. الغلطة عندي معناها 'روح' بتفارق. المشرط مش قسوة، المشرط أمانة ثقيلة جداً. وقلمك.. بدأ يخليني أشوف إن الأمانة دي ليها صوت حلو، صوت ممكن يطمن المريض قبل البنج."
كانت اللحظة مشحونة بتوتر جميل كاد أن ينتهي باعتراف، لكن تليفون آسر رن بحدة.. كان المستشفى.
آسر (بصوت قلقان): "إيه؟ حالة طارئة؟ جراحة قلب مفتوح ل طفل؟ طيب أنا مسافة السكة.. جهزوا غرفة 4 فوراً وبلغوا التخدير."
لف السيارة بسرعة جنونية وعاد للقاهرة وكأنه في سباق مع الزمن. ليلى كانت مبهورة بتحوله المفاجئ لقائد في معركة.
ليلى: "والمؤتمر؟ والبحث؟"
آسر: "البحث يستنى والكون كله يستنى.. فيه طفل حياته واقفة على دقايق. ليلى، امسكي التليفون ده، اتصلي بالدكتور عماد وبلغيه يجهز نفسه ويجهز أوضة العمليات فوراً عقبال ما أوصل."
ليلى شعرت بفخر غريب وهي تشاركه هذا الاستنفار، وفي تلك اللحظة، تأكدت أن بطل روايتها ليس من نسج خيالها، بل هو هذا المحارب الذي يقود السيارة بجنون لإنقاذ حياة.
بعد دقائق في المستشفى:
في ممر المستشفى المعقم، كان آسر يقف وعلامات التوتر والضغط واضحة على وجهه وهو يراجع ملف الحالة الحرجة بسرعة. التفت لـ "هبة" (الممرضة) بحدة أرعبت الجميع:
• "يعني إيه مفيش ممرضين عمليات متخصصين متاحين حالاً؟ الحالة مش هتستنى يا هبة! الطفل بيموت!"
هبة بأسف وخوف: "يا دكتور آسر، دكتور عامر ودكتور عماد عندهم عمليات طوارئ حالاً بسبب حادثة الطريق الدائري، وكل طاقم التمريض المتخصص في القلب جوه معاهم.. مفيش غير ممرضين أدوار وما ينفعوش يدخلوا عملية دقيقة زي دي!"
ضرب آسر الحائط بيده بغضب، وهنا تقدمت ليلى بخطوات واثقة، رغم الارتجاف الطفيف الذي كان يظهر في صوتها:
• "أنا ممكن أدخل معاك.. أنا أقدر أساعدك كويس جداً."
نظر إليها آسر بذهول وسخرية مريرة: "تدخلي فين يا ليلى؟ دي غرفة عمليات، مش مشهد في رواية هتكتبيه بقلمك وتصلحي الغلط بـ 'كوريكتور'! بالله عليكي مش وقت مجاملات ولا فرجة، إنتي إيه عرفك بالتعقيم وأدوات الجراحة؟"
قبل أن تجيب ليلى، تدخلت والدتها التي كانت تقف قريبة وتراقب الموقف بفخر: "خدها يا آسر يا ابني وأنت مطمن.. ليلى خريجة كلية تمريض بتقدير امتياز في كل السنين، وكانت أشطر واحدة في دفعتها قبل ما تقرر تتفرغ للكتابة.. بنتي مش بس بتعرف تمسك القلم، دي بتعرف تسند المشرط كمان!"
تسمر آسر في مكانه، ونظر لليلى بنظرة جديدة تماماً، وكأنه يراها للمرة الأولى.
رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الثالث 3 - بقلم جاسمين محمد
• "أنا ممكن أدخل معاك.. أنا عارفة الخطوات كويس."
نظر إليها آسر بذهول وسخرية مبطنة: "تدخلي فين يا ليل؟ دي غرفة عمليات، مش وقت مجاملات ولا فرجة، إنتي إيه عرفك بالتمريض وتعقيم الأدوات؟"
قبل أن تجيب، تدخلت والدتها التي كانت تقف قريبة: "خدها يا آسر وأنت مطمن.. ليل خريجة كلية تمريض بتقدير امتياز، وكانت أشطر واحدة في دفعتها، بس هي اللي كانت بعيدة الفترة اللي فات لسبب هي عارفاه."
اتسعت عينا آسر بدهشة، ونظر لـ "ليل" التي أومأت برأسها قائلة بجدية: "العملية دي محتاجة سرعة، وأنا جاهزة.. أي أسئلة تانية خليها بعد ما ننقذ المريض."
داخل غرفة العمليات
كانت المفاجأة الكبرى لآسر هي "ليل". لم تكن مجرد مساعدة، بل كانت تقرأ أفكاره، تسبقه بخطوة في تحضير المشرط، ثابتة الانفعال رغم دقة الجراحة. في تلك اللحظة، لم يرَ فيها الفتاة التي يحاول مساعدتها، بل رأى شريكة كفء تلمع عيناها بالذكاء خلف الكمامة.
بعد ساعات، خرج آسر من الغرفة، خلع رداءه الطبي وجلس في مكتبه يحاول استيعاب ما حدث. "ممرضة؟ وبالمستوى ده؟ ليه كانت مخبية؟"
قطع حبل أفكاره رنين هاتفه.. إنه والده.
• "آسر، خلص اللي وراك وتعالى البيت حالاً.. الموضوع ميتأجلش."
في منزل العائلة
دخل آسر ليجد والده بانتظاره، ملامحه صارمة ولا تقبل النقاش.
الوالد: "لحد إمتى يا آسر؟ بنت عمتك الخطاب بيخبطوا بابها كل يوم، وإحنا قاعدين نتفرج. البنت كبرت، والناس بدأت تتكلم."
آسر بضيق: "يا بابا، أنا مش بفكر في الموضوع ده دلوقتي، وبعدين هي لسه صغيرة.."
قاطعه والده بحدة: "لا صغيرة ولا حاجة! إنت لازم تروح تتقدم وتخطبها الأسبوع ده عشان نقفل الباب ده خالص، وتعرف الكل إنها محجوزة ليك."
في هذه اللحظة، قفزت صورة ليل وهي داخل غرفة العمليات أمام عيني آسر.. ثباتها، قوتها، والسر الغامض في عينيها. وجد نفسه يقول دون وعي:
• "بس أنا مش عايز أخطبها يا بابا.. مش هي دي اللي تناسبني."
وقف والده بصدمة: "مش عايزها؟ ده إنت كنت بتقول من وإنتوا صغيرين مش عايز غيرها! إيه اللي غيرك يا آسر؟ إيه اللي حصل في السفر قلب حالك كده وخلاك تتخلى عن وعودك؟"
آسر وهو يشعر بصراع داخلي: "السفر بيغير يا باب.. وهي كمان مبقتش البنت اللي كنت بشوفها زمان اتغيرت خالص عن الاول ....وأنا شفت إن في حاجات تانية أهم من مجرد وعود قديمة.. أنا محتاج وقت."
خرج آسر من الغرفة ووالده ينادي عليه، لكن عقله كان في مكان آخر تماماً.. كان يسأل نفسه: "هل فعلاً ليل هي السبب في اللي قلته؟ وإيه السر اللي مخبياه ورا مهنتها اللي سابتها؟"
خرج آسر من بيت والده والكلمات لسه بترن في ودنه، لكن صورة ليلى وهي بتتحرك في أوضة العمليات ببراعة كانت مسيطرة على خياله أكتر. "إزاي كاتبة رقيقة وبتحس بالكلمة، وفي نفس الوقت ممرضة قوية ومشرطها مبيغلطش؟"
دخل المستشفى بخطوات سريعة، عينيه بتدور في كل ركن لحد ما لقى هبة (الممرضة) واقفة بتجهز كشوفات.
آسر (بنبرة حادة وقلقة): هبة! ليلى فين؟ مشوفتهاش من وقت العملية.
هبة (بتعجب): ليلى؟ زمانها وصلت البيت يا دكتور. هي سألت على حضرتك كتير عشان تستأذن وتطمن علي والدتها قبل ما تمشي، بس لما ملقتكش، أخدت والدتها ومشيت من بدري.
سابها آسر من غير ولا كلمة ودخل مكتبه، قفل الباب وقعد ورا مكتبه يحاول يربط الخيوط ببعض. "ليلى.. إنتِ مين فيهم؟" قعد الساعات تعدي وهو غرقان في تفكيره، وصورة ملامحها وهي بتساعده في أصعب لحظات العملية مش بتفارق خياله.
لما الليل دخل، والهدوء سيطر على المكان، قام آسر وخرج لهبة تاني، المرة دي كان حاسم.
آسر: هبة، محتاج عنوان ليلى.. ضروري.
هبة (بتردد): بس يا دكتور..
آسر (مقاطعاً): قولت ضروري يا هبة، الموضوع ميتأجلش للصبح.
آسر مكانش قادر يستنى للصبح، الفضول والأسئلة كانوا بياكلوا في دماغه. أخد العنوان من هبة وطار على هناك. وصل قدام العمارة، طلع السلالم وهو بيحاول يرتب كلامه.. هيقول إيه؟ جاي يطمن على المريضة ولا جاي يفك شفرة ليلى؟
خبط على الباب، وفتحت ليلى وهي لابسة لبس البيت البسيط، ملامحها كانت تعبانة بس أول ما شافته عينيها اتسعت من الصدمة.
ليلى (بهمس وذهول): دكتور آسر! حضرتك بتعمل إيه هنا في وقت زي ده؟
آسر (انبهر بجمالها حتي وهي بلبس البيت بس حاول ميظهرش ده وببتسامه):هو مش المفروض بنقول للضيوف يتفضلوا ! ولا نقف متانحين ليهم!ده حتي اول مره اجي عندكم ! اعزميني علي كبايه مياه فاضي حتي ههه.
ليلي (فاقت من صدمتها):ها لا انا اسفه اكيد اتفضل!بس مستغربه اي اللي جابك لحد هنا في وقت زي ده؟
آسر (وهو بيبص في عينيها بتركيز): كان لازم أجي يا ليلى.. سألتي عليا ومشيتي فجأة، وأنا عندي أسئلة محتاج إجابة ليها.. إزاي الممرضة "البروفيسور" اللي أنقذت الموقف هي نفسها الكاتبة الرقيقة؟
ليلى اتوترت وسمحت له بالدخول عشان الجيران، دخل آسر الصالة وقعد، وسلم علي مامتها ويطمن عليها.
كان آسر جالساً بهدوء، يتبادل أطراف الحديث مع والدة ليلى، يسألها بفضول لم يستطع كتمانه:
آسر: "بصراحه بقا انا جيت عشان عايز اعرف ازاي ليلى ممرضة عبقرية،.. إزاي سابت التمريض وبقت كاتبة مبدعة؟ وليه التغيير المفاجئ ده؟"
قبل أن تفتح الأم فمها لتجيب، دوى صوت خبطات قوية على الباب. قامت ليلى، فتحت الباب، وتجمدت الدماء في عروقها.
جوه في الصالة، والدتها استغربت السكوت الطويل ده، وبدأت تقلق..
الأم (بقلق): "يا ليلى؟ مين اللي على الباب يا بنتي؟ واقفة كدة ليه؟"
لما ملقيتش رد، الأم قامت بصعوبة تسند نفسها، وآسر قام وراها تلقائياً بدافع الخوف عليهم. وأول ما قربوا من الباب، عم ليلى زق الباب ودخل بهيبته وصوته العالي اللي ملاه المكان.
آسر (بعصبيه وحدة):انت إزاي تدخل البيت بالهمجي دي ،اطلع بر.
العم (وهو ينظر لآسر بحدة): "أنت اللي مين يا جدع أنت؟ وبتعمل إيه هنا في بيت فيه حرمتين ومافيهوش راجل؟! إزاي تسمح لنفسك تدخل بيت حريم في وقت زي ده؟"
انتصب آسر في وقفته، كبرياؤه لم يسمح له بالصمت، ورد بصوت ثابت وقوي:
آسر: "أنا اللي بسألك أنت مين؟ وداخل بالطريقة دي إزاي؟ أنا دكتور والدتها وجاي أطمن على مريضتي."
هنا، تدخل ابن عمها بخطوات مستفزة، ووقف في المواجهة مباشرة:
ابن العم: "أنا خطيبها! ودي مرات عمي، وده أبويا.. يعني إحنا أصحاب البيت ورجالته. أنت بقى بأي حق تتكلم معانا كده؟ اطلّع بره، البيت ده ملوش مكان لأشكالك!"
وقع الكلمة على آسر كان كالصاعقة.. "خطيبها!". شعر وكأن الأرض تهتز من تحته. التفت ببطء نحو ليلى، كانت عيناه تصرخان بالأسئلة، تبحث عن تكذيب، عن صرخة منها تقول إن هذا كذب.. لكن ليلى كانت واجمة، مطأطأة رأسها في الأرض، والدموع تنهمر في صمت يقتله.
لم يجد آسر ما يقال. ابتلع غصته بمرارة، وأخذ أنفاساً ثقيلة وهو يتمتم بجمود:
آسر: "أنا بعتذر.. واضح إني دخلت مكان مش مكاني. عن إذنكم."
خرج آسر بخطوات مثقلة بالخيبة، تاركاً خلفه قلباً يتحطم.
أغلق ابن عمها الباب بعنف، والتفت العم لليلى ووالدتها بغضب أعمى:
العم: "أنتِ إيه اللي جرالك يا ليلى؟ نسيتي أصلك لما جيتي إسكندرية؟ إزاي تدخلي راجل البيت والبيت مافيهوش رجالة؟ نسيتي إحنا مين؟!"
ابن العم: "مافيش قعاد هنا واصل.. بكرة الصبح ترجعوا معانا الصعيد، هناك هنعرف نربيكي ونحكمك صح."
هنا، رفعت ليلى رأسها، وعيناها تشتعلان بنار القهر التي انفجرت أخيراً:
ليلى (بصراخ يملأ الشقة): "أنا مش هرجع الصعيد تاني! أنتم فاهمين؟ أنا مش هرجع!"
ابن العم: "هترجعي ورجلك فوق رقبتك!"
ليلى (بانهيار وقوة): "أنا تركت حلم التمريض اللي كنت بتمناه بسببكم! تركت كل حاجة وهربت وجيت هنا وغيرت نفسي وحياتي عشان مش عايزة أفتكركم ولا أفتكر الماضي بتاعي! أنا مش عايزة أشوفكم ولا أسمع سيرتكم.. أنا ما بقتش عايزاكم في حياتي واصل!"
كانت ليلى واقفة، صدرها بيعلو ويهبط من كتر الغضب والقهر، عينيها في عين ابن عمها وعمها بكل تحدي، وهي بتصرخ بكل الوجع اللي كتمته سنين:
ليلى: "أنا مش هسيب حياتي هنا.. مش هسيب إسكندرية وأرجع لسجنكم تاني! أنتم دمرتوا حلمي في التمريض، ودلوقتي جايين تدمروا اللي فاضل مني؟ اطلعوا بره حياتي.. بره!"
لم يتحمل العم كلمة "بره" من ابنة أخيه، شعر وكأن هيبته في الارض. وفي لحظه، ارتفعت يده الغليظة وجه ليلى بـ "كف"هز أركان الغرفة، لدرجة أن ليلى ارتمت في الارض من شدته، وساد صمت رهيب لم يقطعه إلا صوت أنفاس العم الثائرة.
العم (بفحيح مرعب) : انا هقطع .لسانك عشان صوتك ما يعلاش عليا تاني! بتعلي صوتك على عمك يا ليلى؟ نسيتي إننا أهلك وناسك؟"
الأم صرخت برعب وارتمت فوق ابنتها تحميها بجسدها الضعيف وهي بتبكي بحرقة:
الأم: "حرام عليك ! عايزين مني انا وبنتي اي تاني .. ارحمونا بقى!"
العم (وهو بيشاور لابنه): "نرجمكم إيه وزفت إيه! انتو تلموا لبسكم في الشنط ، وبكرة الصبح مع أول ضوء شمس هتكونوا في العربية وراجعين معانا الصعيد غصب عنكم.. والجدع اللي كان هنا ده لو شفت خياله تاني، حسابه هيكون بالدم!"
يتبع...
رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الرابع 4 - بقلم جاسمين محمد
بعد ما عمها مشي من عندهم
اترمت في حضن مامتها، وانفجرت في العياط .
الأم (وهي بتطبطب عليها بحنان): "بس يا حبيبتي، اهدي يا بنتي.. طول ما أنا فيّ الروح محدش هيقدر يلمس شعرة منك ولا يدمر حياتك تاني، كفاية اللي شوفناه."
ليلى (بصوت مخنوق): "يا ماما عمي مش بيعرف الرحمة، لو رجعنا هناك هيدفنوني بالحيا.. أنا خايفة، خايفة بجد."
الأم (بتردد وهي بتطلع موبايلها): "طب اسمعي.. أنا هرن على آسر، هو اللي هيقدر يقف في وش عمك ويساعدنا."
ليلى (بانتفاضة ورفض قاطع): "لا! آسر لا يا ماما.. أرجوكي بلاش ندخله في المشاكل دي. عمي جبروت، وممكن يضره أو يعمل فيه حاجة بسببي.. أنا مش عايزة أكون السبب في أذى لآسر كفاية الكلام اللي سمعوه منهم لم جو هنا وهو موجود."
الأم (بيأس): "طب والعمل؟ إحنا حريم يا بنتي، وعمك وراه رجالة وعيلة، لو صمم ياخدنا مش هنقدر نمنعه.. مين هيساعدنا دلوقتي؟"
سكتت لحظة، وبدأت ملامحها تتغير وكأن فكرة "مجنونة" خطرت على بالها.. بصت لليلي بعيون فيها بريق أمل ضعيف.
الام(فاطمة): "بصي يابنتي إحنا لازم نمشي .. تعالي نهرب! نهرب لمكان بعيد، مكان عمك ما يعرفش يوصلنا فيه أبداً."
ليلي (بدهشة ممزوجة بخوف): "نهرب؟.. (سكتت شوية وهي بتبص في عيون امها المكسورة اللي معندهاش حيله تنقذ بنتها ) هنفضل لحد ايمتا نهرب ياماما منهم ."
الأم(بحزن لانها مش قادره تعمل حاجة تنقذ بنتها ):طيب هنعمل اي،نفضل قاعدين كدا لحد ما يجي الصبح وياخدنا ؟
ليلى (بتحاول تتماسك قدام مامتها): ، قومي ارتاحي دلوقتي ونامي شوية، ومن هنا للصبح ربنا هيحلها من عنده.. الصبح هنعرف اي اللي ربنا مخبهولنا وره عتمه الليل ."
دخلت ليلى غرفتها، وأغلقت الباب خلفها ببطء. جلست علي السرير تضم ركبتيها إلى صدرها مثل الجنين . بدأ شريط ذكرياتها مع آسر يمر أمام عينيها؛ ضحكته، نظراته التي كانت تشعرها بالأمان، وقوته التي لطالما استندت إليها.
همست ليلى بدموع حارقة: "يا ريتني أقدر أرن عليك يا آسر.. يا ريتك تيجي تنقذني من الكابوس ده.. بس أنا خايفة عليك، خايفه يعملوا فيك حاجة بسببي."
ليلي بتفكير : "يا ترى يا آسر، القدر هيجمعنا تاني ولا ده هيكون النهاية؟" وفضلت تعيط لحد ما غلبها التعب فستسلمت للنوم
في الخارج، كانت الأم تراقب الباب بحذر. تسحبت بخطوات مهتزة ودخلت غرفة ليلى، تأكدت من غرقها في النوم، ثم مدت يدها ببطء وسحبت هاتف ليلى. كانت يدها ترتجف وهي تبحث عن اسم "آسر". ضغطت على زر الاتصال مرة.. واثنتين.. وثلاثة.. ولكن لا رد.
في مكان آخر تماماً..
كان آسر يجلس داخل سيارته أمام البحر، الأمواج تتلاطم بعنف وكأنها تعكس العاصفة التي بداخل قلبه. كلمة واحدة كانت تتردد في أذنه كأنها طلقة رصاص: "خطيبتي".. تلك الكلمة التي قالها ابن عم ليلى بكل برود.
نظر آسر للسماء بوجع وقال بصوت خافت: "يا رب.. ليه كل ما أتعلق بحد يتغير، أو تطلع ألف حاجة وحاجة تبعدنا عنه؟ ليه مش مكتوبلي اعيش مع حد اتعلقت بيه؟"
شاشة هاتفه كانت تضيء كذا مره باسم "ليلى"، ينظر إليها بقلب ممزق، يرفع يده ليجيب، ثم يتراجع بمرارة ويغلق الشاشة مرة أخرى. غرق في يأسه حتى غامت الرؤية أمام عينيه، فقرر أن يغادر، ركب سيارته وانطلق بسرعة جنونية لا يعلم إلى أين، هرباً من أفكاره.
في الصباح الباكر..
لم تكن خيوط الشمس قد اكتملت بعد، حين قطعت سكون المكان أصوات خبطات قوية وعنيفة على الباب. كانت خبطات لا تحمل أي نوع من الاستئذان، بل تحمل لغة التهديد.
استيقظت ليلى مفزوعة، لتجد عمها وابن عمها يقفان في الصالة بوجوه جامدة كالصخر.
العم (بصوت جهوري): "ها يا ليلى؟ الشنط جهزت؟ مش عايزين نضيع وقت، الرجالة مستنية والعربية تحت.. الصعيد وحشتك يا بت أخويا!"
ليلي (بتاخد نفس عميق، وبتحاول تثبت رجليها في الأرض رغم الرعشة الخفيفة في إيدها، وبتقول بصوت عالي وحاد): "أنا قلتلك ، وبعيدها تاني قدامك .. أنا مش راجعة معاك. مش راجعة معاكم تاني خلاص! مكاني هنا، وحياتي هنا، ومش هسمح لحد يقرر لي هعيش فين!"
العم (وشه بيحمر من الغضب وبيقرب منها بخطوات سريعة): "بقى صوتك علي يا فا.جرة؟ وبتقولي لا في وشي؟ شكلك اجواء اسكندريه غيرتك .. قسماً بالله ما هتبيتي ليلة كمان هنا، والشنط هتخرج قبلك!"
(العم بيمد إيده بعنف وبيقبض على دراعها بقوة عشان يجرها لباب الشقة، الأم بتصرخ وبتحاول تخلص بنتها من إيده وهي بتقول: "سيبها بالله عليك!")
ليلي (بتصرخ وهي بتحاول تشد دراعها): "سيبني! مش هروح معاك! سيب إيدي بقولك!"
وفجأة.. الباب بيتفتح بقوة، وبيدخل "آسر". ملامحه كانت زي العاصفة، ونظراته فيها شرر. بيقرب بسرعة البرق وبيحط إيده القوية على إيد العم اللي ماسك ليلي، وبيضغط عليها بقوة تخلي العم يسيب إيدها غصب عنه.
آسر (بصوت غليظ، حاد، وكأنه رعد): "سيبها.. ابعد إيدك عنها بسرعه !"
(آسر بيقف حاجز بجسمه بين ليلي وبين عمها، نظراته مثبتة في عين عمها بتحدي صلب.)
العم ( بغضب): "أنت اي جابك تاني ياجدع انت ؟ وإزاي تتجرأ تدخل البيت ده تاني ؟ أنت مين عشان تتكلم معايا أصلاً؟ دي بنت أخوي ودي أمها، وأنا حر فيهم!"
آسر (بابتسامة باردة كلها ثقة وفحيح صوت مرعب): "أنا اللي مش هسمحلك تلمس شعرة منها طول ما أنا فيّ نفس.. وكلمة 'حر فيهم' دي انساها تماماً، لأن اللي قدامك دي في حمايتي، والبيت ده خط أحمر.. جرب تمد إيدك تاني وشوف أنا هعمل فيك إيه!"
العم (بيضحك بسخرية وهو لسه مش مستوعب): "في حمايتك؟ أنت اتجننت يا جدع أنت ولا إيه؟ أنت اللي تمشي بسرعه وبأدبك، بدل ما اجيب رجالتي يادبوك !"
آسر (بيعدل وقفته وبكل برود وثبات، بيبص لـ "ليلى" نظرة طمأنينة وبعدين بيبص لعمه): "قلت لك في حمايتي.. لأن ليلى بتكون مراتي!"
(الصمت بيحل على المكان فجأة، الأم بتشهق وبتحط إيدها على بوقها، وليلى بتبص لآسر بصدمه ، والعم ملامحه بتتحول من الغضب للذهول التام.)
العم (بصوت متقطع وعيون مبرقة): "مراتك؟ مراتك كيف؟ وازاي؟ وامتى حصل الكلام ده ؟ أنت بتقول إيه يا راجل أنت؟"
آسر (بصوت حاد وقاطع كأنه سيف): "أظن ملكش دعوة إمتى ولا ازاي، دي خصوصياتنا.. المهم دلوقتي إنها مراتي، يعني مسؤولة مني، يعني ملمس إيدك ده لو اتكرر تاني هنسى إنك راجل كبير.. ابعد إيدك عنها!"
(في اللحظة دي، "ابن عم ليلى" اللي كان واقف مراقب من بعيد، الدم بيغلي في عروقه، بيجري فجأة بكل قوته ناحية آسر عشان يتهجم على آسر، وهو بيصرخ: "بتقول مراتك كيف يا جدع أنت؟")
(آسر بيستعد للمواجهة بجسمه القوي، وبيبقى واقف زي الجبل قدامه.)
(بمجرد ما ابن عمها هجم، "آسر" استقبله بضربة سريعة وقوية خلته يترنح، وبدأ ينهال عليه بالضرب بقسوة كأنه بيفرغ غضبه كله فيه. الصالة اتحولت لساحة معركة.)
ابن العم (بألم وصراخ): "آآه.. سيبني يا جدع أنت!"
العم (بيترعب لما بيشوف ابنه بيضرب قدام عينيه، بيسيب ليلى فوراً وبيجري على آسر يحاول يشده من علي ابنه ): "ابعد عن ابني! سيبه هتموته في إيدك! سيبه يا مجنون!"
(آسر بيبعد عنهم بدفعة قوية رمته على الأرض، وبيلف لعمه بوش محتقن وعيون بتلمع بالتهديد. العم بيرجع لورا بخوف لما بيشوف نظرات آسر.)
آسر بيقرب من ليلي ويمسك ايديها عشان يحسبها بالامان وهي هتبص ليه بنظره كلها امان وصدمه من اللي بيعملوا
آسر (بينفث أنفاسه بقوة، وبيشاور بصباعه في وش العم وابنه): "اسمعوني كويس.. الشقة دي عتبتها محرمة عليكم. اطلعوا حالا، وياك.. إياك أشوف رجل حد منكم هنا تاني، وإلا المرة الجاية مش هكتفي بالضرب، هخلص عليكم بجد!"
العم (وهو بيسند ابنه اللي بيحاول يقوم من الأرض بصعوبة): " انت بتقول اي ، انت اصلا كداب وليلي مستحيل تكون مراتك ،انت اللي يلا اطلع حالا .
.
ليلي (ليلي وهي عينها ثابته كله علي آسر وتحلت بشجاعه والقوه ):هو مش كداب ،أنا فعلا مراته ،يلا اطلعوا احسن ما ابلغ البوليس .
العم (بظرها كلها غصب ): انتي بتطردنا من بيت أخونا؟ ماشي يا ليلى.. حسابنا بعدين، والحكاية دي مش هتنتهي هنا."
(العم بياخد ابنه وبيطلعوا من باب الشقة بسرعة وهما بيتمتموا بكلام من التهديد والوعيد .)
(بعد ما الباب بيتقفل، آسر بيفضل واقف مكانه، صدره بيعلو ويهبط من المجهود، وبيلف ببطء لـ "ليلى".)
ليلى (واقفة مكانها، عينيها ثابتة على آسر بذهول تام.. قلبها بيدق بسرعة مش بس من الخوف، لكن من الصدمة. كانت مستغربة القوة والشجاعة اللي دافع بيها عنها، وحست لأول مرة إن في "ضهر" حقيقي واقف قدامها بيحميها من غير ما يتهز.)
آسر (صوته بيبدأ يهدى لكنه لسه غليظ): "إنتي كويسة؟ حد منهم لمسك تانى؟"
رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الخامس 5 - بقلم جاسمين محمد
بعد ما الباب اتقفل وعمها وابنه اختفوا من قدامهم، ساد صمت رهيب في المكان. ليلى كانت واقفة مكانها زي الصنم، عينيها مثبتة على آسر بنظرة ذهول تام، وكأنها بتشوفه لأول مرة أو كأن الكلام اللي قاله لسه بيرن في ودنها ومش قادرة تستوعبه.
آسر قرب منها وقلق باين في عينيه، وقال بصوت هادي:
"ليلى.. أنتِ كويسة؟"
ليلى فضلت باصة له بنفس النظرة، الصدمة كانت لسه ملجمة لسانها، لكن فجأة بدأت تستعيد وعيها، وراحت هازة راسها بعنف كأنها بتنفض الفكرة من دماغها، وقالت بصوت مهزوز ومرتبك:
"أنت.. أنت إيه اللي جابك هنا؟ وإيه اللي أنت قلته ده؟ فهمني إيه اللي قلته ده!"
حاولت تاخد نفسها وهي بتعلي صوتها من كتر التوتر:
"أنا مش مراتك! ليه قلت إن أنا مراتك؟ أنت عارف الكلمة دي معناها إيه؟"
آسر حاول يقرب منها عشان يهديها، ومد إيده وقالها:
"ليلى، اهدي.. أنا هفهمك كل حاجة، بس اهدي عشان نعرف نتكلم."
ليلى رجعت خطوة لورا وهي بتشاور بإيدها بانفعال:
"أهدى كيف؟ أنت جاي قدام أهلي وبتقول إن أنا مراتك وعايزني أهدى؟ وبعدين هم مستحيل يصدقوا.. مستحيل يصدقوا الكلام ده يا آسر! أنت حطيتني وحطيت نفسك في ورطة !"
آسر وقف مكانه بكل ثبات، وحط إيده في جيبه وهو بيبص لها بهدوء غريب، وكأن اللي قاله ده شيء عادي جداً، وقال بنبرة واثقة:
"ولا ورطة ولا حاجة يا ليلى.. أنتِ ليه مكبرة الموضوع كده؟ الموضوع أبسط من كل الخوف اللي في عينيكي ده."
ليلى برقت عينيها بصدمة أكبر، وحست إن الدم غلي في عروقها من بروده، وراحت رادة عليه بانفعال وهي بتخبط بإيدها على الطرابيزة اللي جنبها:
"أبسط؟! أنت بتقول موضوع بسيط؟ إزاي في ليلة وضحاها أبقى مراتك قدام الناس؟ أنت عارف يعني إيه كلمة 'نسب'؟ أنت عارف العواقب اللي ممكن تحصل من كذبة زي دي؟"
صوتها بدأ يعلى وهي بتكمل بذهول:
"أنت فاهم إن عمي وابنه مش هيسكتوا؟ دول هيدوروا وراك ويسألوا عن القسيمة وعن اليوم اللي اتجوزنا فيه! أنت متخيل الورطة اللي رميتنا فيها عشان بس 'تحميني' لحظه ؟"
آسر قرب منها خطوة، ونظرته لسه هادية، وقال لها بصوت واطي ومستفز:
"ومين قال لك إنها كذبة لحظه؟"
ليلى وقفت مكانها، والكلمة الأخيرة اللي قالها آسر "ومين قال لك إنها كذبة؟" خلت قلبها يدق بسرعة جنونية، بصت له بذهول وسألته بصوت واطي :
"قصدك إيه؟ مش فاهمة.. أنت عايز تقول إيه يا آسر؟"
آسر قرب منها أكتر، ونظرته اتحولت من البرود لجدية تامة، وبص في عينيها مباشرة وقال بوضوح:
"يعني مش كذبة يا ليلى.. أنا فعلًا عايزك تكوني مراتي. موافقة تتجوزيني؟"
السكوت حلّ في الأوضة للحظة، ليلى حست إن الدنيا بتلف بيها، ومسكت في طرف الكرسي عشان متقعش، وبدأت تضحك ضحكة قصيرة كلها صدمة وتريقة، وقالت بنبرة فيها سخرية ووجع في نفس الوقت:
"تتجوزني؟! أنت بتتكلم بجد؟ أنت متخيل إن ده الوقت المناسب لـ 'عرض جواز'؟"
ضحكت تاني باستهزاء وكملت وهي بتبص له من فوق لتحت:
"يا سلام! يعني إحنا في وسط المصيبة دي، وعمي اللي عايز يجرجرني وراه، وأنت تطلع تقرر فجأة إننا نتجوز عشان تداري الكذبة اللي قلتها؟ أنت فاكر الجواز لعبة يا آسر عشان تطلعني من ورطة تدخلني في ورطة تانية؟"
آسر فضل واقف مكانه متهزش من تريقتها، ورد بمنتهى الهدوء:
"أنا مش بلعب يا ليلى.. وأنا مش بطلب الجواز عشان أداري الكذبة، أنا قلت الكذبة دي عشان كان لازم تكوني ملكي قدامهم.. ودلوقتي بخليها حقيقة."
ليلى بصت لآسر بدموع محبوسة وقالت بصوت واطي:
"بس أنا كدة بعرض حياتك أنت للخطر يا آسر.. يعني لو أنا بنقذ نفسي، فبكون برمي بيك في النار.. عمي مش سهل."
آسر بصلها بنظرة كلها ثبات وطمأنينة، وكأنه بيحاوطها بكلامه قبل أفعاله، ورد عليها بصوت واثق:
"ما تقلقيش.. ما حدش يقدر يعمل أي حاجة طول ما أنتِ في حمايتي، والاسم اللي هتشيليه هيخلي الكل يعمل لك ألف حساب."
ليلى حست في اللحظة دي بشعور غريب هز كيانها، نظرة آسر كان فيها حاجة أبعد من مجرد "اتفاق".. حاجة خلت قلبها يدق بطريقة مش فاهماها، لكنها حاولت تتماسك وقالت بشروطها:
"بس بشرط.. الاتفاق يبقى زي ما قلنا، كم شهر أو سنة بالكتير وتطلقني.. وكل واحد يروح لحاله."
آسر حس بنغزة قوية في قلبه، وجع مكتوم وهو بيسمعها بتخطط لليوم اللي هتبعد فيه عنه، لكنه رسم الهدوء على وشه ورد بكلمة واحدة:
"وأنا موافق."
هنا الأم تدخلت بلهفة وخوف، وهي بتبص للباب كأنها مستنية عم ليلى يقتحم البيت في أي لحظة، وقالت:
"طب يلا.. خدوا بعضكم ويلا يا آسر خد ليلى واكتبوا الكتاب بسرعة قبل ما يرجعوا تاني، وحاول يا ابني تطلع أي ورقة أو حاجة تثبت إنكم متجوزين عشان يسكتوا ويبعدوا ."
آسر بص للأم وقال لها: "ما تقلقيش يا أمي، هعمل كل حاجه."
وبعدين التفت لليلى، ومد إيده ليها بكل رقي وهدوء عشان تمسكها ويخرجوا.. ليلى فضلت باصة لإيده الممدودة، كانت شايفة فيها طوق النجاة وفي نفس الوقت القيد اللي هيربطها بيه.. فضلت واقفة مكانها مترددة، خايفة تلمس إيده وتضعف قدام الأمان اللي حاسة بيه معاه.
آسر لما لقاها طولت في التفكير وواقفة متصلبة مكانها، راح ساحب ايدو بحراج ولف ضهره ليها بسرعة عشان يداري ملامحه اللي اتغيرت، وقال بنبرة جادة:
"يلا.. أنا مستنيكي في العربية تحت."
وسابها وخرج بخطوات سريعة من غير ما يلتفت وراه، وكأنه بيهرب من نظراتها اللي كانت بتحرقه.
ليلى فضلت واقفة مكانها، حاسة بتقل في رجليها مش قادرة تتحرك، لحد ما لقت إيد امها بتتحط على كتفها.. كانت مامتها اللي عينيها مليانة دموع وخوف، وبدأت تطبطب عليها بحنان وتقول لها بصوت واطي ومكسور:
"معلش يا بنتي.. روحي وراه، آسر شهم وهيقدر يحميكي. خلينا نخلص من عمك ومن اللي بيعمله فينا ده.. الجوازة دي هي اللي هتكسر عينه وتخليه يبعد عننا للأبد."
ليلى بصت لمامتها بيأس، وكأنها بتودع حياتها القديمة، وخدت نفس طويل وهي بتمسح دمعة خانتها ونزلت على خدها. هزت راسها بالموافقة من غير ولا كلمة، وطلعت وراه وهي شايلة هموم الدنيا فوق كتافها.. نزلت السلم وهي شايفة عربية آسر واقفة تحت، وهو قاعد ورا الدريكسيون، ملامحه جامدة وعينيه باصة للطريق قدامه، وكأنه بيستعد لمعركة مش لمجرد "كتب كتاب"....
نزل آسر وليلى من بيت والدتها، الصمت كان سيد الموقف. ركبا العربيه وتوجها مباشرة إلى المأذون. هناك، وسط كلمات "بارك الله لكما وبارك عليكما"، تمت الزيجة رسمياً.
بعد انتهاء المراسم، أخرج آسر مبلغاً من المال وأعطاه للمأذون قائلاً بنبرة منخفضة :
"يا ريت تستعجل في موضوع القسيمة.. ولو ينفع تتصرف لي في واحدة حتى لو مزورة اليومين دول أمشي بيها حالي لحد ما الأصلية تخلص."
هز المأذون رأسه بتفهم وهو يلمس المال:
"تمام يا آسر بيه، اعتبره حصل. لبكرة بالكتير هبعتلك نسخة تتصرف بيها لحد ما نطلع القسيمة الرسمية."
خرج آسر ومعه ليلى، ركبا السيارة وانطلقا. كانت ليلى تنظر من النافذة، غارقة في صمت غريب، ملامحها باهتة وكأنها في حلم. ظل آسر يراقبها بطرف عينه، حتى قرر أن يكسر هذا الجمود وسألها:
"مالك ساكتة ليه يا ليلى؟"
التفتت إليه ببطء، وعيناها تلمعان بلمحة انكسار وقالت بصوت خافت:
"أنا آسفة يا آسر.. بجد آسفة إني بوقعك في المشاكل دي كلها وبخليك تضطر تعمل كل ده عشاني."
نظر إليها آسر بحنان، ثم أبطأ من سرعة السيارة قليلاً وهو يقول:
"أنا اللي المفروض أعتذر لك.. إنتِ ناسية إنتِ عملتي إيه؟ إنتِ أنقذتي روح طفل في المستشفى، ووقفتي جنبي في أصعب وقت.. وبعدين تعالي هنا، مين اللي بيسهر يكتب لي البحث العلمي بتاعي ويظبطه؟ ده إنتِ ليكي جمايل مغرقاني يا ليلى!"
بدأت ملامح ليلى تلين قليلاً، فابتسم آسر ابتسامة جانبية ليخفف من جدية الموقف وقال بمزاح:
"وبعدين أنا أعمل أي حاجة عشان خاطر 'بتاعة العصافير'.. مش عايز أشوف التكشيرة دي تاني، إحنا قلبنا الجو نكد وأنا لسه عريس جديد ومحتاج البحث يخلص!"
ضحكت ليلى رغم الحزن الذي كان يسكنها، وشعرت لأول مرة أن هذا الزواج، رغم ظروفه الصعبة، قد يكون أجمل شيء حدث لها.
نظرت ليلى إلى آسر بقلق وسألت: "طب إحنا هنروح فين دلوقتي يا آسر؟"
رد آسر بهدوء وهو يغير اتجاه السيارة: "إحنا رايحين على شقتكم، هناخد والدتك وكل حاجتكم المهمة.. لازم تعيشوا معايا ورايح، مش هسيبكم لوحدكم وعمك لسه بيدور عليكي."
ارتبكت ليلى وقالت بتردد: "بس.. بس ما ينفعش أعيش في البيت عندك، الموضوع مش بالسهولة دي.. وبعدين أهلك لو رُحنا هناك أكيد هيحصل مشاكل، وأنا مش عايزة أكون سبب في خناقة بينك وبينهم."
أخذ آسر نفساً طويل ونظر إليها بنظرة مطمئنة وقال: "ما تقلقيش من النقطة دي خالص.. إنتِ دلوقتي بقيتي مراتي قدام ربنا والقانون، ومحدش له كلمة عليكي طول ما أنا موجود. الشقه اللي هنروحه مكان أمان وكمان دي بتاعتي وفي مكان بعيده عن اهلي، ومسألة أهلي أنا اللي هحلها.. المهم دلوقتي إنك تثقي فيا وتعرفي إن مفيش حد هيقدر يلمس شعرة منك."
سكتت ليلى وهي تشعر لأول مرة بالأمان الذي كانت تفتقده، لكنها ظلت تتساءل في سرها: "هل فعلاً آسر هيقدر يواجه عيلته عشانها؟"
نظر إليها آسر بفضول وقال:
"بس قولي لي يا ليلى.. أنا عايز أفهم، إنتِ إزاي ممرضة بارعة كدة؟ لمستك وخبرتك بتقول إنك محترفة مش مجرد هاوية."
تنهدت ليلى بحزن، وشرودها عاد لسنوات الماضيه وقالت:
"هحكي لك باختصار.. أنا فعلاً كنت ممرضة شاطرة جداً، ودرست 4 سنين تمريض وكان حلمي أكمل.. بس في السنة الخامسة كل حاجة اتهدت. هربت يا آسر.. هربت عشان كانوا عايزين يجوزوني ابن عمي غصب عني. سيبت الكلية وسيبت حلمي وكل حاجة بتفكرني بالماضي وخدت ولدتي وهربنا ،وقررت ابدا حياتي واحلام تاني من جديد."
صمتت قليلاً ثم أكملت وصوتها يرتجف:
"اتجهت للكتابة عشان ألهي نفسي، كنت بحاول أهرب من الواقع القاسي للخيال.. رواياتي وأبطالي هما اللي كانوا بيهونوا عليا الأيام الصعبة، وبحس فيهم بالحرية اللي اتحرمت منها، مع إني لسه بحب التمريض وكان نفسي أكون معيدة في الكلية."
تأثر آسر جداً بكلامها، وأمسك يدها برفق وهو يقود السيارة وقال بإيمان شديد:
"مفيش حاجة ضاعت يا ليلى.. طول ما أنتِ معايا، أوعدك إنك هتكوني أشطر دكتورة بإذن الله. الأيام اللي جاية هتعوضك عن كل اللي فات."
ثم ابتسم ليغير مجرى الحديث وقال بمرح:
"يلا بينا بقى عشان نجيب والدتك، ونروح بيتك يا عروسة.. إنتِ اللي هتنوري البيت وتمليه بروحك."
عندما لمس آسر يدها برفق، شعرت ليلى بكهرباء في جسدها كله. كانت قشعريرة غريبة لم تشعر بها من قبل، شعور بالأمان ممزوج برهبة اللحظة. خفق قلبها بشدة لدرجة خافت أن يسمع آسر دقاته وسط سكون السيارة.
آسر، الذي شعر بارتباكها وأراد أن يخفف من حدة المشاعر التي بدأت تسيطر على الجو، نظر إليها بابتسامه وقال:
"جرى إيه يا 'أم قلم وورقة'؟ روحتي فين؟ شكلك بدأتي تكتبي رواية جديدة في دماغك دلوقتي!"
ابتسمت ليلى بخجل، وحاولت أن تستعيد توازنها وتجاريه في الهزار، فردت عليه وهي ترفع حاجبها:
"أنا يا آسر؟ طب بس يا 'أبو مشرط'.. خليك في حالك وفي المستشفى بتاعتك."
ضحك آسر بصوت عالٍ وقال لها:
"أنا 'أبو مشرط' يا ليلى؟ ماشي يا ستي، مقبولة منك.. بس 'أبو مشرط' ده هو اللي هيحمي 'أم قلم' من أي حد يحاول يضايقها ورايح."
نظرت إليه ليلى بامتنان وقالت بصوت رقيق:
"عارفة يا آسر.. ومع إنك 'أبو مشرط'، بس كلامك بيطمن أكتر من أي رواية كتبتها في حياتي."
رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل السادس 6 - بقلم جاسمين محمد
آسر أخد ليلى بالعربية وراحوا جابوا والدتها وشنط اللبس بتاعتهم وطلع بيها على الشقة بتاعته، وأول ما فتح باب الشقة ودخل قال لها وهو بيهزر
آسر(بهزار)اتفضلي شقتك ياعروسه برجلك اليمين !!
ليلي تنظر ليه بنظره خاليه من المشاعر عكس ما في داخلها وتيجي داخله من غير كلام
ماما ليلي(قربت من آسر وربطت علي كتفه بحنان):ربنا يكون في عونك يابني!دانت هيطلع عينك هههه..
آسر(ببتسامه رغم حزنه من تصرف ليلي ):ههههه يارب يا أمي اتفضلي .
هيساعد آسر ماما ليلي لدخول الشقه ويقعدها ترتاح ويبدا يشاور لكل واحد فيهم علي اوضه
آسر (وهو بيشاور لوالدة ليلى): "اتفضلي يا طنط، دي الأوضة بتاعتك، ارتاحي فيها براحتك. "
آسر (وهو بيشاور لليلى): "ودي أوضتك يا ليلى، اتفضلي."
مامة ليلى: "تسلم يا حبيبي، بس وأنت أوضتك فين يا آسر؟"
آسر: "أوضتي موجودة بس محتاجة ترويق، فأنا هنام على الركنة هنا لحد بكرة الصبح،هبعت حد يجي يروقها"
مامة ليلي :بس مينفعش يابني يبقا بيتك وتنام هنا علي الركنة؟
آسر: "لا يا طنط اطمني، أنا متعود على كده.. أنا أصلاً في المستشفى كنت بنام على الكنبة اللي في مكتب الركنة عندي، فالموضوع عادي بالنسبة لي."
مامة ليلى"لا يا ابني ما ينفعش الكلام ده، تدخل تنام مع مراتك في أوضتها."
ليلى (بعصبية واندفاع): "لا طبعاً ما ينفعش! إزاي يعني ينام معايا في الأوضة لوحدنا؟!"
مامة ليلى: "وفيها إيه يا بنتي؟ ما هو جوزك!"
ليلى (بترد بعصبية): "بس ده جواز اتفاق! يعني على ورق ولمدة، ولما المدة دي تنتهي كل واحد هيروح لحاله."
(آسر ملامحه اتغيرت وحس بالزعل، بس حاول يخبي ضيقه)
آسر: "هي عندها حق يا أمي، ده جواز اتفاق.. استأذنكم أنا هدخل اجيب لبس ليا من جو عشان اخد دش وأنام، تصبحوا على خير هقوم أنام."
(بعد ما آسر قام، مامتها بصت لها نظرة عتاب وتأنيب طويلة)
ليلى (نفخت بضيق): "أوففف.."
(مامة ليلى سابتها ودخلت أوضتها وهي لسه بتبص لها بلوم، وليلى قعدت مكانها تفكر في اللي حصل)
ليلى (بتكلم نفسها بتفكير): "بس أنا بقول الحقيقة.. هو جوزي آه، بس ليه ينام معايا؟ أنا مش عارفة ماله تفكيري اتشغل بيه ليه! ينام مكان ما ينام، أنا مالي."
(قامت ليلى ودخلت أوضتها عشان تنام، وفي الوقت ده آسر غير هدومه وراح نام مكانه على الركنة)
(آسر صحي الصبح على ريحة أكل مالية البيت وصوت خبط في المطبخ، قام وراح يشوف مين، لقى مامة ليلى واقفة بتجهز الفطار)
آسر (بابتسامة وهو بيبوس إيديها ورأسها): "صباح الخير يا ست الكل."
مامة ليلى: "صباح النور يا ابني.. يلا همّتِك جهز نفسك عشان تفطر وتروح شغلك."
آسر: "بس أنا مش بفطر يا أمي."
مامة ليلى: "إزاي يا ابني ما بتفطرش؟"
آسر: "عادي، مش متعود أفطر الصبح.. أنا بس بشرب كوباية قهوة وخلاص."
مامة ليلى: "ما ينفعش النظام ده يا ابني، أنت لازم تأكل وتتغذى كويس عشان جسمك باين عليه الضعف والتعب."
آسر (بابتسامة): "خلاص يا أمي، أكيد هسمع كلامك.. طيب هروح آخد دش سريع وأجي لك."
مامة ليلى: "ماشي يا حبيبي، ادخل الأوضة عشان تاخد لبسك وتجهز."
(آسر راح عند أوضة ليلى وبدأ يخبط بهدوء، بس مفيش رد.. خبط تاني وتالت وبرضه ليلى مردتش عليه، في الوقت ده مامتها طلعت من المطبخ لما سمعت صوت الخبط)
آسر (وهو لسه بيخبط): "ليلى.. يا ليلى، أنتِ صاحية؟"
مامة ليلى (بصوت حنين): "معلش يا ابني، سيبها هي ما نامتش من اول امبارح بسبب اللي حصل ،ولم بتكون كدا بتنام زي القت.يله مش بتحس بحد غير لم تقوم براحتها.. ."
آسر(وهو بيفرق في راسه ):طيب العمل اي دلوقتي ،عايز لبس عشان اخد دش ولبس اروح الشغل.
مامة ليلي :طيب حاول تخبط تاني يمكن تقوم ؟؟
آسر هيفتكر ان في ليه طقم في الاوضه التانيه فهيستاذن من مامة ليلي عشان يدخل ياخدو.
آسر(هيتمشي لحد المطبخ ):بعذ اذنك ياست الكل هدخل اوضتك ،افتكرت ان في ليا طقم جو هدخل اخد دش ولبسه ؟؟
مامة ليلي بحب:البيت بيتك ياحبيبي يعني ما تستأذنش.
آسر بحب :البيت بقا بيتكم انتو دلوقتي .
مامة ليلي هتقرب منه وتنظر ليه بحب:ربنا يبارك فيك ياحبيبي ويحفظك .
آسر:متحرمش منك ياست الكل ،يلا هروح عشان البس عشان اتاخرت علي الشغل.
مامة ليلي:ماشي روح ياحبيبي.
(آسر دخل أوضة مامة ليلى وأخد الدش بتاعه ولبس طقمه وخرج، لقى مامة ليلى جهزت الفطار وحطته على السفرة، قعد وفطر معاها في جو هادي)
آسر (قام وباس رأسها): "تسلم إيدك يا ست الكل، تعوزي أي حاجة قبل ما أنزل؟"
مامة ليلى: "عايزة سلامتك يا حبيبي، خلي بالك من نفسك."
آسر: "حاضر، ما اتحرمش منك أبداً.. ولو عوزتوا أي حاجة رنوا عليا بس، وهتلاقوني عندكم في ثانية لو حصل أي حاجة، اطمنوا خالص."
مامة ليلى: "ربنا يحفظك يا حبيبي ويفتحها في وشك."
(آسر سابها ونزل ركب عربيته واتجه على شغله)
(على آخر النهار، ليلى بدأت تفوق وخرجت من أوضتها لقت مامتها قاعدة وماسكة المصحف وبتقرأ قرآن)
ليلى: "صباح الخير يا ست الكل."
(مامتها صدقت وقبلت المصحف وبصت لليلى بنظرة عتاب وسكتت)
ليلى: "في إيه يا ماما؟ مالك بتبصي لي كده ليه؟"
مامة ليلى: "صباح الخير إيه دلوقتي يا بنتي؟ إحنا بقينا العصر!"
ليلى: "حقك عليا يا ماما، بس كنت تعبانة أوي ونمت غصب عني."
مامة ليلى: "ولا يهمك يا حبيبتي، ألف سلامة عليكي."
ليلى: "أنا جعانة أوي يا ماما، في أكل إيه؟"
(مامتها بتبص لها بابتسامة وهدوء، فليلى فهمت النظرة)
ليلى: "بس أنا مسألتش عليه يا ماما!"
مامة ليلى: "بس أنا عارفة بنتي وفهماها من نظرة عينيها، من غير ما تسألي."
(ليلى سابت مامتها وقامت بسرعة عشان تهرب من الكلام ونظراتها)
مامة ليلى (بتدعي بصوت واطي بعد ما ليلى مشيت): "يا رب يا بنتي يكون آسر هو العوض ليكي، ويعوضك عن كل اللي شفتيه في حياتك."
(قامت الأم تفتح المطبخ وتجهز الأكل، وليلى دخلت أخدت دش وطلعت، وقعدوا هما الاتنين مع بعض يتغدوا ويدردشوا)
ليلى: "تسلم إيدك يا ماما، الأكل يجنن."
مامة ليلى: "بالهنا والشفا يا روحي، المهم تكوني ارتحتي وشبعتي نوم."
(فضلوا قاعدين مع بعض يكملوا كلامهم ويدردشوا في أمور كتير وهما بيشربوا الشاي)
(مر أسبوع كامل على وجود ليلى ووالدتها في الشقة، وفي يوم وهما قاعدين مع بعض، سمعوا صوت خبط على الباب)
ليلى (قامت تفتح الباب): "حاضر، جاية أهو."
(ليلى فتحت الباب ولقيت قدامها بنت جميلة جداً، عيونها خضراء وبشرتها بيضاء وشعرها ناعم وسايب ومن غير حجاب، ليلى استغربت من شكلها)
ليلى: "أيوة.. مين حضرتك؟"
البنت (بصت لليلى باستغراب وحدّة): "أنتِ اللي مين؟ وبتعملي إيه هنا؟ هي مش دي شقة آسر الدمنهوري؟"
(ليلى وقفت مصدومة وبصت للبنت من فوق لتحت بذهول)
ليلى (بصدمة): "خطيبته؟! إنتِ بتقولي إيه؟"
البنت (بتكبر وحدة): "بقولك خطيبته! إنتِ بقى اللي مين وبتعملي إيه هنا في شقته وفي وقت زي ده؟"
ليلى (بثبات رغم الصدمة): "أنا مراته."
البنت (ضحكت بسخرية وذهول): "مراته؟! إنتِ أكيد بتهرجي! مرات مين؟ آسر مش متجوز ومستحيل يتجوز جر.بوعه زيك .. آسر خطيبي أنا، أنا بنت عمته!"
(ليلى وقفت مكانها مش قادرة تنطق، الصدمة لجمت لسانها وبقت تبص للبنت بذهول)
مامة ليلى (خرجت من جوه لما لقت ليلى اتأخرت): "مين يا بنتي اللي على الباب؟"
(ليلى فضلت واقفة مصدومة ومردتش على مامتها، فمامة ليلى قربت ووقفت جنبها وبصت للبنت باستغراب)
مامة ليلى: "أيوة يا بنتي.. مين حضرتك؟"
البنت (بعصبية وصوت عالي): "أنا اللي بسأل، أنتم اللي مين؟ وبتعملوا إيه في شقة خطيبي؟ أنتم مين سمح لكم تدخلوا هنا؟"
(البنت سابتهم ومشيت وهي متعصبة، وليلى لسه واقفة مكانها مذهولة، مامة ليلى قربت منها بخوف)
مامة ليلى: "يا بنتي مالك؟ في إيه؟ والبنت دي تقصد إيه بكلامها؟"
(ليلى بصت لمامتها بنظرة مليانة حزن وكسرة وصدمة، من غير ما تنطق ولا كلمة)
(الأم فهمت من نظرة بنتها إن في حاجة كبيرة غلط، راحت قافلة الباب بسرعة وأخدت ليلى في حضنها، وليلى هزت رأسها بوجع ودخلت لجوه وهي ساكتة تماماً.. الصدمة كانت أقوى من أي كلام)
(جاء الليل، ودخل آسر الشقة بعد يوم طويل في المستشفى، وبمجرد ما فتح الباب نادى بصوته العالي وهو متعود على وجودهم)
آسر: "يا ماما.. يا ليلى! أنا جيت يا أهل البيت."
(سكت شوية وهو مستني حد يرد، بس ملقاش أي صوت خالص، البيت كان هادي بزيادة على غير العادة)
آسر (باستغراب): "هما ناموا ولا إيه؟ يا ماما.. يا ليلى، أنتم فين؟"
(بدأ يدخل لجوه وهو قلقان، ويدور عليهم في الصالة وفي طرقة الأوض وهو مش فاهم ليه مفيش حد بيرد عليه)
(آسر دخل لقاهم قاعدين مع بعض والسكون مغيم على المكان، استغرب جداً وقرب منهم)
آسر: "مالكم قاعدين ساكتين ليه كده؟ ده أنا عمال أنادي عليكم من ساعة ما فتحت الباب!"
(ليلى رفعت عينيها وبصت له نظرة طويلة وغريبة، نظرة فيها عتاب وصدمة، آسر مفهمش النظرة دي وقلق أكتر)
آسر (باستغراب): "في إيه يا ليلى؟ مالك بتبصي لي كده ليه؟ في حاجة حصلت ولا إيه؟ حد ضايقكم؟"
مامة ليلى: "في واحدة جات هنا يا آسر، وسألت عليك."
آسر (باستغراب وقلق): "واحدة؟! واحدة مين دي يا أمي؟"
مامة ليلى (بصوت هادي وفيه عتاب): "بتقول إنها خطيبتك يا ابني."
(آسر اتصدم والكلمة وقعت عليه زي الصاعقة، وبص بسرعة لليلى اللي كانت قاعدة بتبص له بصدمة وكسرة.. ملامحه اتغيرت وبقى مش عارف ينطق ولا يبرر إزاي، وخاف جداً إنها تبعد عنه خصوصاً إنهم بدأوا يقربوا لبعض في الأسبوع ده)
آسر (بصوت مهزوز): "خطيبتي؟! ليلى.. اسمعيني بس، أنا..."
ليلى (بصوت جامد تماماً وخالي من أي مشاعر، وعينيها ثابتة عليه): "طلقني."
رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل السابع 7 - بقلم جاسمين محمد
ليلى (بصوت جامد تماماً وخالي من أي مشاعر، وعينيها ثابتة عليه): "طلقني."
(آسر وقف مكانه مش مصدق اللي سمعه، والكلمة لجمته تماماً)
آسر (بذهول): "أنتِ بتقولي إيه يا ليلى؟ طلاق إيه! بس اسمعيني..."
ليلى (بنبرة حاسمة تحاول إخفاء ارتعاش صوتها):"مش محتاجة أسمع حاجة... خلاص الكلام خلص ،طلقني يا آسر.. وكل واحد فينا يرجع لحياته الطبيعية. هو أصلاً كان "جواز اتفاق"، وأنا ما ينفعش أدمر حياتك أكتر من كده. أنت ليك حياتك وليك خطيبتك، فـ ليه أكون أنا السبب في دمارها؟ وعمي خلاص، أكيد مشي من إسكندرية ورجع البلد ومش هيرجع تاني، يعني مفيش خطر عليا خلاص.
آسر (بيحاول يقرب منها بلهفة): ليلى.. بس اسمعيني الأول، خليني أفهمك..
ليلى (بتقاطعه بحدة وهي بتبعد عنه): مش عايزة أسمع حاجة! يا ريت تطلقني في أقرب وقت.
(سابته ليلى واقفاً في مكانه بصدمة، وتسرع إلى غرفتها وتغلق الباب بقوة. ترتمي على السرير، وتنفجر في العياط وهى بتكلم نفسها بقهر)
ليلى (بين شهقات بكائها): يا رب.. ليه بيحصل فيا كل ده؟ ليه حياتي مش مكتوب لها تعيش مبسوطة وفرحانة؟ ليه كل ما أحس إن حياتي بدأت تبقى حلوة، ألاقي المشاكل بتيجي لي تاني وبتهد كل حاجة؟ ليه يا رب؟ أنا عملت ايه في حياتي عشان يحصل فيا كل ده؟
(تستمر ليلى في البكاء وهي تحتضن وسادتها، وصوت شهقاتها يملأ الغرفة الهادئة)
آسر (بيوجه نظره لوالدة ليلى بعجز وألم): فهميني يا طنط.. أرجوكي فهميني أنتِ.. أنا مستحيل أطلقها، أنا ما أقدرش، والله العظيم ما أقدر أعيش من غيرها!
(يجلس آسر في مكانه مرة أخرى وهو يضع رأسه بين يديه، فتقترب منه والدة ليلى بهدوء وحزن)
والدة ليلى: يا ابني افهم، ليلى مستحيل توافق تعيش معاك وأنت خاطب واحدة غيرها.. هي مش هتقبل تدمر حياة إنسانة ثانية عشان مصلحتها، ليلى مش كدة.
آسر (بيرفع رأسه بصدمة): بس أنا مش خاطب! خاطب مين؟
والدة ليلى (باستغراب): إزاي؟ البنت اللي جت هنا وقالت إن اسمها "لوجين" وخطيبتك!
آسر: لوجين؟ ومين قال إن دي خطيبتي؟
والدة ليلى: ما نعرفش يا ابني، هي اللي جت وقالت كدة واحنا حتى ما سألناهاش من صدمتنا.
آسر (بيقوم فجأة وعلامات الغضب بدأت تظهر عليه): تمام.. بعد إذنك يا طنط، أنا لازم أمشي دلوقتي، هخرج وراجع تاني.
(يخرج آسر بسرعة البرق، يركب سيارته ويقودها بسرعة جنونية متجهاً إلى الفيلا. يصل ويوقف السيارة بإهمال ويدخل الصالة وهو يصرخ بأعلى صوته)
آسر: لوجين! لوجييييين!
والد آسر (يخرج من غرفة المكتب وعلامات الغضب والصرامة على وجهه): أنت بتزعق ليه كدة؟ في إيه! صوتك عالي ومالي البيت ليه؟
(ينظر آسر لوالده بصمت ، وأنفاسه متلاحقة من شدة الغضب، وفي تلك اللحظة تنزل عمته من على الدرج وهي تنظر إليه باستنكار)
عمة آسر (بتعجب): في إيه يا آسر؟ صوتك عالي ليه كدة؟ عملت إيه لوجين لكل ده؟
آسر (بحدة وصوت عالٍ): "فين لوجين يا عمتي؟"
العمة (بتردد وارتباك): "لوجين مش هنا يا آسر.."
آسر (باندفاع): "وهي فين؟"
العمة: "ماعرفش.."
آسر (بسخرية وغضب): "ما تعرفيش؟! بنتك تبقى لحد نص الليل بره وأنتي ما تعرفيش هي فين؟ هي دي بقى اللي بتقولي لي اتجوزها؟ أتجوز واحدة ما تعرفيش هي دايرة صايعة فين لحد نص الليل!"
بعد ما نزل الكف على وش آسر، ساد صمت رهيب في المكان، لدرجة إن صوت أنفاسه العالية كانت هو الوحيد اللي مسموع. آسر ملمسش وشه، فضل عينه مثبتة في عين عمته بذهول، الكلمة كانت أقوى من القلم..
عمته (بعصبيه) : انا بنتي محترمه غصب عن اي حد، علي الاقل هي ما مموتتش امها ؟؟
وقت الكلمه علي اسر أقوي من القلم"موت مامته".
آسر (بصوت مخنوق ووش محتقن):
"انتي... انتي بتقولي إيه؟ بقى هي دي الحقيقة اللي مخبينها عني؟ بتعايريني بأكتر حاجة كسرتني عشان تدافعي عن بنتِك؟"
بص لوالده اللي كان واقف منكس الرأس، وعلامات العجز واضحة عليه. السكوت ده كان بالنسبة لآسر اعتراف صريح بصحة الكلام، وده اللي خلاه يفقد أعصابه أكتر.
آسر (بصراخ لوالده):
"ما تنطق يا بابا! ساكت ليه؟ قول لها إنها بتكذب! قول لها إن مامي ماتت قضاء وقدر مش بسببي! ليه دايما محسسني إني مجرم في البيت ده؟"
الأب (بصوت واطي ومهزوز):
"خلاص يا آسر.. عمتك مكنتش تقصد، هي بس اتعصبت عشان كلامك عن بنتها.."
آسر (بضحكة وجع وسخرية):
"تمام.. واضح أوي مكاني هنا إيه. المحترمة اللي بتدافعوا عنها دي، أنا مش بس مش هتجوزها، أنا مش عايز أعرف حد فيكم تاني!"
لف آسر بضهره ليهم، وعيونه مليانة دموع رفض تنزل قدامهم. خبط الباب وراه بكل قوته لدرجة إن البيت كله اتهز، وسابهم في حالة من الذهول والندم، خصوصاً عمته اللي بدأت تستوعب إنها ضربت في مقتل وجرحت أغلى ما عنده.
عمه آسر (تنظر لأخيها "أبو آسر" بحزن مصطنع وتمثيل): "والله يا أخويا ما كان قصدي، أنا مش عارفة الكلام ده طلع مني كيف.. حقك عليا، أنا بس أعصابي كانت تعبانة."
أبو آسر (بحدة وعتاب): "أنتي إزاي تقولي له كده؟ إزاي تفكري باللي حصل وتحطي الذنب عليه؟"
(في هذه اللحظة، يفتح باب الفيلا وتدخل لوجين بهدوء)
لوجين (بتساؤل واستغراب): "في إيه؟ وماله آسر طالع بيجري كده ليه؟ عمالة أنادي عليه وما ردش عليا!"
أبو آسر (ينظر إليها بصرامة): "أنتي كنتِ فين لحد دلوقتي يا لوجين؟"
لوجين (بلامبالاة): "كنت سهرانه مع زمايلي وأصحابي.. في إيه يا خالو؟ هو في حاجة حصلت؟"
أبو آسر (بنبرة حاسمة): "مافيش حاجة، بس لازم النظام ده يتغير.. ومن بكرة الصبح عايز أتكلم معاكي، كل واحد فينا لازم يحط نقط على الحروف."
لوجين (بصوت واطي لمامتها):هو في اي ،اي اللي حصل؟؟
مامتها(بعصبيه ):مش وقته دلوقتي يلا نطلع ننام !
بدأ يصرخ آسر داخل السيارة وصوته يختنق بالعبرات:
— "والله ما كان ذنبي! لو كنت أقدر أنقذك وقتها كنت فديتك بروحي.. ليه يا رب؟ ليه بيحصل فيا كل ده؟ أنا مش قادر أتحمل كل ده لوحدي!"
ضرب المقود بيديه بعنف وهو يشهق بالبكاء، وفجأة، قطع خلوته مع الألم صوت رنين هاتفه الملقى بجانبه. مسح عينيه بيده بسرعة وجذب الهاتف، ليتجمد مكانه حين قرأ الاسم على الشاشة.
كانت ليلي المتصله
حاول آسر استجماع شتات نفسه، أخذ أنفاساً عميقة ليهدأ حتى لا يظهر أثر بكائه في صوته، ثم ضغط على زر الرد حين رأى المتصل "ليلى".
آسر (بصوت يحاول جعله طبيعياً): "أيوة يا ليلى.."
صوت مامة ليلى(بلهفة وقلق): "أنت فين يا ابني؟ قلقتني عليك من ساعة ما طلعت وأنت متعصب كده."
آسر (يتنهد بضيق): "مافيش حاجة يا ست الكل، اهدي."
مامة ليلي: "طب أنت فين دلوقتي؟"
آسر: "في مشوار كدة وراجع.. ليه في حاجة؟"
مامة ليلي(بنبرة أحست بما وراء صوته): "قلبي مش مطمنلك يا آسر.. أنا عايزاك ضروري يا حبيبي، تعالي البيت."
آسر: "حاضر.. مسافة الطريق وهكون عندك."
أغلق الهاتف وعاد إلى البيت والكسرة تملأ ملامحه. وبمجرد أن فتح الباب، وجدها تجلس في انتظاره، عيناها تراقبانه بقلق. بمجرد أن وقعت عيناها على وجهه الشاحب وعينيه الحمراوين من أثر الدموع، عرفت أن "جرحه القديم" قد فُتح من جديد.
لم تنطق بكلمة واحدة، بل قامت من مكانها وفتحت له ذراعيها على اتساعهما. في تلك اللحظة، انهار حصن آسر، ارتمى في حضنها كطفل صغير وراح يجهش بالبكاء وكأن صخوراً كانت على صدره وانزاحت.
أخذت تطبطب على ظهره بحنان، وتمسح على رأسه وهي تهمس له بصوتٍ دافئ مليء بالأمومة:
مامة ليلي: "اشهق يا حبيبي.. طلع كل اللي كتمه في قلبك. أنا هنا جنبك، وعمري ما هسيبك.. اهدا يا نور عيني، كل مر بيمر، وأمك (الله يرحمها) حاسة بيك وشايفاك، مش عايزة تشوفك مكسور كدة."
آسر (وهو يبكي بحرقة): "ماتت ما بين إيديا يا أمي.. والله ما كان لي ذنب! حاولت أنقذها بكل الطرق، عملت كل اللي أقدر عليه عشان تعيش، بس ما كانش في إيدي حاجة.. قدر ربنا كان أقوى مني ومن كل الدكاترة."
استمر في كلامه وهو يشد على ملابسها كأنه يتشبث بالحياة:
"ليه بيكرهوني كدة؟ وليه دايما بيحسسوني إني السبب؟ ليه لازم يفكروني بوجعي كل ما أحاول أنسى؟ أنا مش عارف أعمل إيه عشان يرحموني ويبطلوا يرموا الماضي في وشي.. أنا لولا وجودك جنبي يا ليلى ماكنتش هقدر أعيش، والله ما أقدر أعيش من غيرك."
مامة ليلي(وهي تضمه بقوة وتمسح دموعه بحنان): "وحد الله يا حبيبي، أنت مالكش ذنب، ده عمرها وده نصيبها. اللي بيكرهوك دول نفوسهم مريضة، وأنا طول ما فيا نفس مش هسمح لحد يوجعك تاني. أنت ابني اللي مخلفتهوش يا آسر، وسندك اللي مش هيميل أبداً."
آسر هيفضل يعيط لحد ما ينام هطبطب عليه
مامة ليلي (بحزن علي حاله آسر ):ربنا يصبرك ياحبيبي !!
عدلت مامة ليلى من وضعية آسر الذي غلبه النوم من كثرة التعب والبكاء، وضعت رأسه برفق على "الركنة" ودثرته بغطاء ليحميه من برد الليل، ثم قامت وتوجهت بخطوات هادئة اتجه غرفة ليلى
طرقت الباب بخفة، ففتحت ليلى الصغيره، لتجد الأم أمامها بملامح جادة وهادئة. دخلت الأم وأغلقت الباب خلفها، ثم التفتت إليها وقالت مباشرة:
— "جوزك مش عايز حد غيرك يا ليلى.. جوزك بيحبك."
تسمرت ليلى في مكانها، واتسعت عيناها من الصدمة، ثم ضحكت بسخرية مريرة وقالت:
— "بيحبني؟ أنتي عارفة يا ماما إن دي جوازة اتفاق، وهو مبيحبنيش.. ده خاطب واحدة تانية وعايزها!"
اقتربت منها الأم وأمسكت يدها بحنان وقالت بنبرة واثقة:
— "بس أنا شفت في عينيه نظرة تانية خالص.. شفتها لما قلتي له طلقني وقت ما شفتكم مع بعض. جوزك دلوقتي في حالة صعبة ومحتاج لك، وأنا بقولك يا بنتي، بكرة تندمي لو ضيعتيه من إيديكي."
صمتت ليلى ولم تعرف بماذا تجيب، فطبطبت الأم على كتفها وقالت وهي تتجه نحو الباب:
— "هسيبك دلوقتي عشان تنامي وترتاحي.. فكري في كلامي كويس عشان متندميش بعدين ."
(في المطبخ صباحاً)
دخل آسر المطبخ وهو يمسح على وجهه بإرهاق، رأى "ماما ليلى" منشغلة بتجهيز الطعام، فاقترب منها بهدوء.
آسر: "صباح الخير يا ست الكل."
مامة ليلى(التفتت له بابتسامة حنونة): "صباح الخير يا حبيبي، عامل إيه دلوقتي؟ طمني عليك."
آسر (بهدوء): "الحمد لله، أحسن بكتير.. تسلم إيدك."
مامة ليلى: يلا روح خدش ياحبيبي وتعال عشان تفطر قبل ما تروح الشغل!!
آسر بارهاق:لا مش قادر اروح النهارده،أنا هرن استاذن منهم !
مامة ليلى(بحزن عليه):ماشي ياحبيبي
آسر:اروح اخد دش بقا
مامة ليلى:تمام روح ياحبيبي
آسر هيتجه للحمام عشان ياخد دش وهو في طريقه هيعدي علي اوضه ليلي وليلي في نفس الوقت هتكون بتفتح الباب وطالعه آسر هينظر اليها ومش هيتكلم
ليلي (بحب وبتسامه):صباح الخير
آسر:صباح النور ، عايزك يا ليلى بعد الفطار فيموضوع مهم، ومافيش خروج النهاردة."
ليلى (نظرت له باستغراب): "موضوع إيه؟"
بعد ما آسر ساب ليلى محتارة قدام باب المطبخ، دخل أخد دوش وخرج قعدوا كلهم على السفرة. ليلى كانت قاعدة بتاكل لكن عقلها مش مع الأكل خالص، عمالة تسأل نفسها: "يا ترى عايزني في إيه؟ هل هيعتذر؟ ولا هيقول لي إنه خلاص هيتجوز لوجين؟"
بعد ما خلصوا، ليلى مقدرتش تصبر أكتر من كدة، بصت له وقالت:
ليلى: "ها يا آسر، خلصنا فطار.. إيه الموضوع اللي شغلتني بيه؟"
آسر سكت شوية وبص في عينيها بجمود وقال كلمة واحدة:
آسر: " انتي كنتي بتقولي عايزه أطلقك."
ليلى اتصدمت، الكلمة نزلت عليها زي الصاعقة، ملامحها اتغيرت ووقفت مذهولة وهي مش مصدقة اللي سمعته.
ليلى (بصدمة واستغراب): "أيه؟ طلاق؟ هو ده الموضوع المهم؟ !"
آسر (رد ببرود وقسوة): "مش أنتي اللي طلبتي الطلاق ؟ وانا موافق إني أطلقك يا ليلى."
ساد صمت رهيب في المكان، وليلى كانت بتبص له وهي مش عارفة تفرّق بين الوجع اللي في قلبها وبين صدمتها في رده السريع ده.
رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل الثامن 8 - بقلم جاسمين محمد
دخل آسر وليلى الشقة، وبمجرد ما خطوا جوه، قامت الأم من مكانها بلهفة وفرحة وراحت عليه حضنته بقوة وهي بتقول بدموع:
"الحمد لله يا حبيبي إنك جيت .. طمني عليك؟"
آسر ببتسامه كلها حب :الحمدالله يا امي،وجودي دلوقتي بيرجع الفضل فيه لاعتراف ليلي ليا وغمزلها
وليلي وشها أحمر من الكسوف
مامة ليلي بستغراب :اعتراف اي ده؟؟
آسر عشان يغير الكلام:انا جعان اوووي اوووي،وعصافير بطني بتصوصوا.
ضحكت الأم وهي تربت على كتف آسر قائلة بحفاوة:
— "يلا يا حبيبي عشان تتغدى، أكيد ميت من الجوع، الأكل جاهز ومستنيكم."
هنا أراد آسر أن يلطف الأجواء ويداعب خجل ليلى الذي زاد المكان رقة، فنظر لوالدتها وقال بمشاكسة وهو يضحك:
— "والله يا أمي عندك حق، فعلاً أنا واقع من الجوع! إنتِ الوحيدة اللي حاسة بيا في البيت ده، مش زي ناس واقفة تتفرج علىا وسيباني جعان!"
تعالت ضحكات الأم بينما ازدادت حمرة وجه ليلى وهي تحاول الهروب من نظراته الممازحة، واتجهوا جميعاً نحو المائدة في أجواء مليئة بالدفيء والضحك.
بينما كانوا يتناولون الطعام في جو مليء بالود، نظرت الأم لآسر وقالت بحنان:
— "كل يا حبيبي وبالهنا والشفا، وبعد ما تخلص قوم خد لك دش دافئ وادخل ارتاح ونام لك شوية في أوضتك أنت وليلى."
عند سماع هذه الجملة، اشتعلت وجنتا ليلى بحمرة قوية وزاد خجلها لدرجة أنها لم تستطع رفع عينها من طبقها، بينما ارتبك آسر قليلاً وابتسم بمودة وهو ينظر لليلى التي كاد الخجل يذيبها، ثم قال بهدوء:
— "تسلمي يا أمي، بس أنا مش هقدر أنام في الأوضة دلوقتي.. لسه في حاجات كتير محتاج أرتبها في دماغي، ومحتاج أقعد معاكي ومع ليلى شوية."
ساد صمت رقيق قطعه آسر بنظرة مطمئنة لليلى، وكأنه يمنحها وقتاً لتعتاد على وجوده الدائم في تفاصيل حياتها من جديد.
وضع آسر ملعقته جانباً، ونظر لوالدة ليلى بكل جدية واحترام، ثم التفت بعينه نحو ليلى التي كانت تتابع كلماته بقلب يدق بسرعة. قال بصوت ثابت وواثق:
— "ثم يا أمي، أنا مش هقدر أنام في الأوضة دي ولا يغمض لي جفن غير لما أعمل لليلى فرح كبير يليق بيها.. عايز الناس كلها تعرف إنها مراتي، وتكون مراتي وحلالي قدام العالم كله، زي ما هي مراتي قدام ربنا دلوقتي."
ساد صمت مهيب في المكان، ونظرت الأم لآسر بتقدير كبير لهذا الموقف الرجولي، بينما شعرت ليلى أن الأرض لا تسعها من الفرحة والخجل معاً؛ فآسر لا يريد مجرد زواج في الأوراق، بل يريد أن يرفع شأنها أمام كل من حاول كسرها يوماً ما.
احمرّت خدود ليلى لدرجة أنها لم تعد تقوى على الكلام، فاكتفت بالنظر إلى طبقها بابتسامة مرسومة على وجهها، بينما باركت الأم فكرته قائلة:
— "أصيل يا ابني، وطول عمرك سيد الرجال.. ربنا يتمم لكم على خير ويجعل أيامكم كلها أفراح."
كانت لوجين داخل غرفتها، وصوت أنفاسها المتسارعة يملأ المكان مع كل خبطة على الباب. صرخت بانفعال ودون أن تتحرك من مكانها:
— "مش هفتح يا ماما! قلت لك مية مرة سيبيني في حالي، مش عايزة أشوف حد!"
لكن الأم لم تستسلم، بل زاد إصرارها وارتفع صوتها بحدة وهي تضرب على الباب بقوة:
— "افتحي الباب حالاً يا لوجين! اخلصي افتحي بدل ما أتصرف تصرف مش هيعجبك، كفاية جنان لحد كدة!"
تحت ضغط صراخ والدتها، قامت لوجين بحدة، وسارت نحو الباب بخطوات غاضبة، ثم فتحت القفل بعنف وجذبت الباب لفتحه على مصراعيه دون أن تنظر لوالدتها، وتركت الباب مفتوحاً خلفها بلامبالاة ورجعت مكانها تاني علي السرير.
ثم صاحت فيها بصوت هز أركان الغرفة:
— "فوقي بقى! قومي من اللي أنتِ فيه ده وانفضي عنك الخيبة دي.. كل ده عشان قلم أخدتيه؟ ده كف عادي من خالك، مش هو اللي يخليكِ مكسورة وعاملة في نفسك كدة!"
اقتربت منها أكثر وجذبتها من ذراعها لتقف امامها وهي تكمل بحدة:
— "فوقي وشوفي مستقبلك اللي بيضيع.. قومي فكري وشوفي هتعملي إيه مع آسر، ولا عايزة تسيبيه لواحدة جر.بوعة جاية من الشارع تخطفه منك؟ واحدة لا راحت ولا جات جت تاخد مكانك وتعيش في خيره وفي العز ده كله وأنتِ قاعدة هنا تعيطي على قلم؟"
كانت كلمات الأم كالسياط، تضرب كبرياء لوجين وتشعل نار الغيرة في قلبها من جديد، بينما ظلت لوجين صامتة، لكن نظرات عينها بدأت تتغير من الانكسار إلى غضب مكتوم.
انتفضت لوجين من مكانها وعيناها تلمعان بشرٍّ وتحدٍّ، وقالت بصوت ممتلئ بالحقد:
— "أنا مستحيل أسيبه ليها يا ماما.. مستحيل! أنا عارفة كويس أنا هعمل إيه، وهعرف أرجعه ليا إزاي وأخليه يندم."
نظرت إليها الأم بتوجس ممزوج بالفضول وسألتها:
— "هتعملي إيه يا لوجين؟ ناوية على إيه بالظبط؟"
ابتسمت لوجين ابتسامة باردة وهي تخطط في رأسها، وقالت بنبرة واثقة:
— "لازم أول خطة تحصل الاول.. لازم آسر والجر.بوعة دي ييجوا البيت هنا يعيشوا قدام عيني، مش هسيبهم بعيد عني يتهنوا، لازم يبقوا تحت نظري وفي ملعبي عشان أعرف أكسرها صح."
ردت الأم باستغراب ودهشة:
— "نجيبهم كيف يا لوجين؟ أنتِ عارفة إن آسر مش هيوافق بسهولة بعد اللي حصل، ولا خالك هيقبل يدخلها بيته."
سكتت لوجين لحظات، وعلامات التفكير الماكر ترتسم على وجهها، ثم قالت ببرود:
— "لازم تكلمي خالو.. تقولي له إننا عرفنا إن آسر اتجوز، وإن مهما كان ده ابننا وما ينفعش يعيش بعيد عننا. قولي له إننا لازم نفتح صفحة جديدة، وإن ليلى دي خلاص بقت مرات ابننا ولازم تيجي تعيش وسطنا هنا في البيت."
هزت الأم رأسها بعدم ممانعة لكن بقلق وقالت:
— "بس خالك مستحيل يوافق يا لوجين..
ردت لوجين بإصرار وعينها بتلمع بمكر:
— "لا يا ماما، أنتِ بأسلوبك وذكاءك هتقدري تخلي خالي يوافق إنه يخلي آسر ييجي يعيش هنا.. إنتِ عارفة مفاتيح خالي كويس وازاي تأثري عليه وتخليه يقتنع إن ده الصح عشان يلم شمل العيلة."
تنهدت الأم وقالت وهي بتستعد للخروج:
— "هحاول يا لوجين.. أنا هنزل دلوقتي أشوفه وأقعد معاه وأتكلم في الموضوع ده، وربنا يستر من رد فعله."
لوجين بلهفة:
— "تمام يا أمي.. تمام، مستنياكي تردي عليا وتقولي لي عملتي إيه مع خالي بالظبط، متتأخريش."
هزت الأم رأسها بالموافقة وقالت وهي خارجة من الأوضة:
— "ماشي يا حبيبتي، أول ما نوصل لاتفاق هطلع أطمنك فوراً."
نزلت الأم بخطوات حذرة نحو مكتب أخوها احمد (أبو آسر)، طرقت الباب بهدوء ثم دخلت لتجده جالساً خلف مكتبه والغضب مليه.
قالت بنبرة ناعمة وهي تقترب منه:
— "عامل إيه دلوقتي يا أخويا؟ يا رب تكون هديت شوية."
أجابها باختصار وهو لا يرفع عينه عن أوراقه:
— "كويس.. إنتِ عاملة إيه، ولوجين فاقت من جنانها ولا لسه؟"
تنهدت الأم بتمثيل متقن وقالت:
— "الحمد لله.. حقك عليا يا حبيبي في كل اللي لوجين عملته امبارح، بس غصب عنها والله، البنت في صدمة وعقلها طار منها بسبب اللي عرفته عن آسر."
رفع احمد رأسه ونظر إليها بحدة واستغراب:
— "صدمة إيه؟ وآسر ماله؟"
هنا تظاهرت الأم بالدهشة وقالت:
— "إيه ده؟ هو أنت ما تعرفش ولا إيه يا احمد ؟ آسر اتجوز!"
انتفض احمد من مقعده بصدمة وذهول:
— "إيه؟! اتجوز! اتجوز مين وإمتى؟"
ردت الأم بأسى مصطنع:
— "والله ما أعرف، لوجين راحت له الشقة وعرفت هناك إنه متجوز، يا حبة عينها كانت هتموت من الصدمة، وزمايله هم اللي لحقوها وخرجوها من الحالة اللي كانت فيها وصعبت عليهم."
ظل احمد صامتاً من هول المفاجأة، وعلامات الغضب بدأت تسيطر على ملامحه وهو يحاول استيعاب أن ابنه اتخذ هذه الخطوة دون علمه.
تابعت الأم وهي تحاول زرع الشك في قلب أخيها:
— "وكمان يا احمد ، لازم آسر ييجي يعيش هنا هو ومراته.. ما ينفعش نسيبه يعيش معاها هناك لوحدهم، إحنا ما نعرفش هي مين ولا أصلها إيه، وممكن تضحك عليه وتسيطر على عقله وتبعده عننا أكتر ما هو بعيد أصلاً! لازم يبقوا قدام عينينا هنا."
ضرب احمد المكتب بيده بغضب وصاح فيها:
— "سيبيني دلوقتي يا هدى! اطلعي بره، مش عايز أسمع صوت حد!"
تظاهرت الأم بالارتباك والندم وقالت بنبرة حزينة:
— "إيه ده يا حبيبي؟ حقك عليا، أنا والله ما كنت أعرف إنك ما تعرفش الخبر ده.. لو كنت أعرف إنك لسه ما عندكش علم ما كنتش جيت وفتحت الموضوع دلوقتي، أنا كنت فاكرة إنه قالك.. حقك عليا يا أخويا."
خرجت هدى من المكتب وهي ترسم على وجهها علامات الحزن، لكن في داخلها كانت تبتسم لأنها نجحت في إشعال النار التي طلبتها لوجين.
بينما كان احمد (أبو آسر) في مكتبه يغلي من الغضب ويفكر في كلام أخته،
كان آسر وليلى في عالم آخر تماماً.
بعد الغداء، خرج آسر مع ليلى إلى البلكونه، كان الجو هادئاً، ونظر إليها قائلاً بجدية:
— "ليلى، أنا بدأت فعلاً أتواصل مع مدير المستشفى اللي شغال فيها، والراجل رحب جداً بيكِ، بس فيه إجراءات بسيطة لازم تخلص.. أنا مش عايزك تشيلي هم أي حاجة، أنا ضهرك."
ليلي بحزن :بس انا مش عايزه اشتغل في المستشفي انا بحب الكتابه .
آسر بجديه :بس ده حلمك ولازم تحققي وانا معاكي وهتكملي آخر سنه ليكي كمان وتكوني اشطر ممرضه .
ابتسمت ليلى برقة وقالت:
— "طول ما أنت جنبي يا آسر، أنا مش خايفة من بكرة.. بس خايفة من.."
قاطعها آسر وهو يمسك يدها:
— "خايفة من أهلي؟ ليلى، أنا اخترتك أنتِ، وده قراري. محدش يقدر يفرض عليا حاجة."
في تلك اللحظة.. قطع سكونهما صوت رنين هاتف آسر.
نظر آسر إلى الشاشة، فتبدلت ملامحه .. كان المتصل هو "والده".
نظر لليلى التي شعرت بالقلق فوراً، فأشار لها بالهدوء وفتح الخط:
— "أيوة يا بابا.. وعليكم السلام."
جاء صوت احمد من الطرف الآخر، غاضباً ومكتوماً:
— "سمعت إنك اتجوزت يا آسر.. وسمعت إنك عايش في شقة بعيد. لو لسه باقيلك خاطر عندي، وتعتبرني أبوك، بكرة الصبح تكون أنت ومراتك هنا في البيت.. البيت ده بيت عيلة، وما ينفعش ابن أحمد يعيش بره وأهله ما يعرفوش مين اللي دخلت بيته."
آسر حاول الاعتراض: "بس يا بابا.."
لكن احمد قاطعه بصرامة: "كلامي انتهى، مستنيكم بكرة.. وإلا انسى إن ليك أب."
أغلق احمد الخط، وترك آسر في حيرة. نظر لليلى التي كانت تراقب ملامحه بخوف وقالت:
— "فيه إيه يا آسر؟ والدك عرف؟"
آسر تنهد بعمق وقال: "عرف.. وعايزنا ننقل نعيش في بيت العيلة بكرة."
نظرت ليلى إلى آسر بقلق واضح، وبدأت الكلمات تخرج منها متسارعة وهي تحاول استيعاب الموقف:
— "بس أنا هعيش هناك إزاي يا آسر؟ أنا ما أعرفش حد هناك، ولا أعرف هيستقبلوني إزاي.. وبعدين إزاي أسيب والدتي هنا لوحدها؟ هي ملهوش غيري وأنا مقدرش أسيبها في الظروف دي."
مسح آسر على وجهه بضيق، وهو يشعر بالضغط يزداد عليه من كل جانب، وقال :
— "مش عارف يا ليلى.. بجد مابقتش عارف أعمل إيه. كلام والدي كان قاطع، وصوته بيقول إن فيه حد سخنه علينا، بس أنا مش هقدر أكسر كلامه المرة دي بالذات."
اقتربت منه ليلى، وقالت بنبرة فيها عتاب ممزوج بالخجل:
— "وبعدين يا آسر.. إحنا لسه يعني.. معاملتنا مع بعض مش زي أي اتنين متجوزين، إحنا لسه بنتعرف على بعض وبنحاول نبني ثقة، إزاي فجأة كدة نتحط وسط أهلك ونعيش حياة كاملة قدامهم وإحنا لسه مابدأناش حياتنا بجد؟"
أدرك آسر ما تقصده ليلى؛ فهي تشير إلى أن زواجهما لا يزال يفتقد للخصوصية والاستقرار الذي يسمح لهما بمواجهة عائلته، خاصة مع وجود "لوجين" في نفس المنزل.
نظر إليها آسر بعمق وقال:
— "معاكي حق في كل كلمة.. بس صدقيني، وجودنا هناك ممكن يكون الفرصة الوحيدة عشان الكل يعرف إنك مراتي فعلاً وما حدش يقدر يمس شعرة منك. أما بخصوص والدتك، فدي آخر حاجة تشيلي همها، أنا عمري ما هسيبها لوحدها."
ساد الصمت بينهما، ليلى تفكر في المواجهة الصعبة التي تنتظرها، وآسر يفكر في كيفية حماية ليلى داخل جدران بيت العيلة التي امتلأت بالخطط والمؤامرات.
دخلت مامة ليلي بهدوء بعد أن استمعت لجزء من حوارهما، ووقفت أمامهما قائلة بنبرة مطمئنة:
— "روحوا يا ولادي وما تقلقوش عليا، أنا هكون معاكم على اتصال دائم، وأنتوا كمان كل يوم تيجوا تقعدوا معايا وتبصوا عليا.. البيت مش بعيد."
ثم وجهت حديثها لآسر بجدية وحكمة:
— "وأنت يا آسر، ما ينفعش ترفض طلب والدك المرة دي بالذات.. لازم تروحوا تعيشوا معاهم هناك عشان ما يدوش لنفسهم فرصة يقولوا إن ليلى هي السبب في بُعدك عنهم أو إنها بتقوّيك على أهلك."
نظرت لليلى التي كانت مترددة وأكملت:
— "اسمعي كلامي يا بنتي، روحوا وعيشوا وسطهم، ولما الوضع يستقر والدنيا تتظبط بينكم وبين والده، عرفوهم الحقيقة واعملوا الفرح اللي أنتوا عايزينه، وبعدها تعيشوا حياتكم براحتكم في شقتكم."
ارتاح بال آسر قليلاً من كلام مامة ليلي ، ونظر لليلى التي بدأت تقتنع بكلام والدتها رغم خوفها الداخلي، وقال:
— "كلامك صح يا أمي.. ده فعلاً عين العقل. يا ليلى، خلينا نعتبرها فترة مؤقتة نثبت فيها وجودنا، وأوعدك إني مش هسمح لمخلوق يضايقك بكلمة واحدة وأنا موجود."
أومأت ليلى برأسها ببطء كعلامة على الموافقة، بينما كانت دقات قلبها تتسارع وهي تفكر في مواجهة "لوجين" تحت سقف واحد.
في الصباح التالي، كان التوتر يسيطر على الأجواء، لكن قرار المواجهة كان قد اتُخذ. جهز آسر الحقائب بمساعدة ليلى، وودعا والدتها في مشهد مؤثر، حيث أوصاها آسر بأن تظل على تواصل دائم معهما ووعدها بزيارتها يومياً.
استقلا السيارة واتجها نحو الفيلا، وفي تلك الأثناء، كانت لوجين تقف خلف ستارة غرفتها، تراقب البوابة الخارجية وعيناها تلمعان ببريق غامض. ما إن رأت سيارة آسر تدخل ساحة الفيلا، حتى ارتسمت على وجهها ابتسامة باردة وقالت في سرها: "أول خطوة في الخطة بدأت تتنفذ.. أهلاً بيكي في جحيمي يا ليلى."
نزلت لوجين سريعاً إلى الأسفل، وفتحت باب الفيلا الكبير مع نزول آسر وليلى من السيارة. حاولت لوجين رسم تعبيرات الود والترحاب على وجهها، وكأن شيئاً لم يكن، ومثّلت دور الأخت أو الصديقة الوفية التي لم تنجرح.
اقتربت لوجين بخطوات واثقة وهي تقول بصوت عالٍ:
— "أهلاً أهلاً.. نورت البيت يا آسر، حمد لله على السلامة!"
ثم اقتربت منه بحركة سريعة ومفاجئة وهي تفتح ذراعيها لتبدو وكأنها ستحضنه وتسلم عليه أمام ليلى، لكن آسر، وبسرعة واضح، تراجع خطوة للخلف ورفع يده بحزم ليرد السلام من بعيد، مانعاً أي اقتراب.
قال آسر بنبرة جافة ورسمية:
— "الله يسلمك يا لوجين. ليلى، تعالي.. دي لوجين بنت عمتي."
تسمرت لوجين في مكانها، وشعرت بالإهانة من رد فعله البارد، لكنها ابتلعت غضبها بسرعة وحولت نظراتها نحو ليلى، وهي تحاول الحفاظ على ابتسامتها المزيفة، بينما كانت ليلى تشعر بنبضات قلبها تتسارع وهي ترى الحقد في عيني لوجين.
رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل التاسع 9 - بقلم جاسمين محمد
بمجرد أن خطت أقدام آسر وليلى ردهة المنزل، انفتح باب المكتب بحدة. خرج والده بوقار طاغٍ، لكن ملامحه كانت تحمل نذيراً بالعاصفة. توقف مكانه وعيناه مثبتتان على آسر بحدة غير معهودة.
الأب (بصوت جهوري وهادئ بشكل مخيف): آسر.. عايزك في المكتب.
تجمدت الدماء في عروق آسر للحظة، لكنه حاول الحفاظ على ثباته. التفت إلى ليلى التي بدا عليها القلق، ضغط على يدها بخفة ليطمئنها.
آسر (بصوت منخفض): حاضر يا بابا.. ثواني وهكون عند حضرتك.
التفت لليلى وقال بهدوء: "ليلى، اطلعي استنيني فوق، مش هغيب عليكي."
أغلق آسر الباب خلفه، ليجد والده يقف خلف مكتبه الضخم، مديراً ظهره له وهو ينظر من النافذة، قبل أن يلتفت فجأة ويرمي بملف صغير على الطاولة.
الأب (بانفعال مكتوم): مكنتش متخيل إن يجي اليوم اللي أعرف فيه أخبار ابني المهمة من بره.. مبروك يا آسر، عرفت إنك اتجوزت!
آسر (بثبات يحاول الحفاظ عليه): كنت ناوي أقول لحضرتك في الوقت المناسب يا بابا، الموضوع جه بسرعة و...
الأب (مقاطعاً بصراخ): الوقت المناسب؟! لما الخبر يوصلي بالصدفة يبقى ده الوقت المناسب؟ آسر.. أنت من إمتى بتعمل تصرفات زي دي؟ تتجوز من ورايا؟ ومن مين؟ أنت عارف كويس العواقب اللي ممكن تحصل من خطوة زي دي؟
آسر (يقترب خطوة): أنا مكنش قصدي أهين حضرتك أو أقلل من وجودك، بس ليلى مكنش ينفع تتدخل في حسابات تانية، أنا اخترت حياتي يا بابا.
الأب (بسخرية): حياتك؟ أنت كدة هديت كل اللي كنت برسمهولك. أنت عارف إن الجواز ده مش مجرد ورقة، ده تحالفات، ده اسم عيلة.. وأنت بكل بساطة ضربت بكل ده عرض الحائط!
آسر (بلهجة قوية): والاسم ده مش هيتأثر لو ابنه اختار الإنسانة اللي بيحبها. أنا مش طفل يا بابا عشان تختار لي شريكة حياتي، أنا آسر، وأظن إني أثبت كفائتي في كل حاجة طلبتها مني.. إلا دي، دي تخصني أنا لوحدي.
اتسعت عينا الأب غضباً من نبرة آسر الحاسمة، وضرب بيده على المكتب بقوة وهو يهتف:
الأب: والكلام اللي واعدنا بيه عمتك؟ والبنت اللي مستنية؟ "لوجين" ذنبها إيه في استهتارك ده؟ أنا قايل لك من زمان إن لوجين هي اللي هتبقى مراتك!
آسر (ببرود تام وثبات): وأنا كمان قايل لحضرتك من زمان إني مش هتجوز لوجين.. لا هي ولا غيرها. أنا كلامي كان واضح وصريح من الأول يا بابا، وحضرتك اللي صممت تبني آمال على اختيار أنا رافضه.
الأب (بصوت يملؤه الحرج والغضب): والعمل دلوقتي؟ أقول لعمتك إيه؟ أقول لها ابني كسر كلامي واتجوز من ورايا ولبّسنا كلنا في الحيط؟ أنت معشم البنت بالجوازة دي بقالك سنين!
آسر (يقاطع والده بحدة هادئة): أنا معشمتش حد.. لوجين هي اللي كانت بتجري ورا سراب، وحضرتك اللي كنت بتغذي العشم ده عندها. أنا دلوقتي راجل متجوز، وليلى هي مراتي الوحيدة وما يلزمنيش أي كلام تاني.
ساد صمت ثقيل في الغرفة، آسر كان يعلم أن والده لن يتقبل الأمر بسهولة، لكنه قرر إنهاء النقاش قبل أن يتفاقم أكثر.
آسر: بعد إذنك يا بابا.. مش عايز أتكلم في الموضوع ده تاني، هطلع أشوف مراتي لأنها أكيد قلقانة.
استدار آسر واتجه نحو الباب بخطوات واثقة، تاركاً خلفه والده الذي لم ينطق بكلمة واحدة، بل اكتفى بنظرة حادة جمدت الهواء في الغرفة، نظرة تحمل وعيداً بأن الأمر لن ينتهي عند هذا الحد.
بمجرد أن فتح آسر الباب وخرج، تجمد مكانه.. كانت لوجين تقف في الصالة، يبدو أنها سمعت أطرافاً من الحديث، وعيناها تلمعان بدموع الغيظ والصدمة.
خرج آسر من المكتب والشرر لا يزال يتطاير من عينيه، ليجد لوجين واقفة أمامه مباشرة، ملامحها المصدومة تحولت سريعاً إلى مزيج من الغل والعتاب.
لوجين (بصوت يرتجف من القهر): "جوزت يا آسر؟ بالبساطة دي؟ يعني كل اللي كان بيننا، وكل الوعود اللي أهالينا رتبوها، رميتها وراك عشان... عشان "دي"؟"
صلي علي النبي
توقف آسر مكانه، لم يحاول حتى الاقتراب منها، بل ظلت لغة جسده باردة ومنفصلة تماماً عنها.
آسر (ببرود قاسي): "لوجين، أنا عمري ما وعدتك بحاجة، ولا كان فيه بيننا حاجة أصلاً غير إننا قرايب. اللي كان بيترتب ده كان في خيالك أنتِ وبابا بس، وأنا حسمت أمري خلاص."
لوجين (تقترب منه وهي تصرخ بصوت مكتوم): "بس أنا بحبك! أنت عارف إني استنيتك سنين، تروح تتجوز واحدة لا نعرف أصلها ولا فصلها وتكسرني قدام الكل؟"
آسر (بنبرة حادة ونهائية): "مراتي خط أحمر يا لوجين، أصلها وفصلها يخصوني أنا بس. ويا ريت توفري دموعك دي لأنها مش هتغير من الواقع حاجة.. ليلى هي اللي بقيت شايلة اسمي، وده وضع لازم تحترميه غصب عنك."
لم ينتظر آسر منها رداً، ولم يمنحها حتى نظرة وداع. تخطاها ببرود تام واتجه نحو السلم بخطوات سريعة وواثقة، تاركاً إياها تشتعل قهراً في مكانها.
فتح الباب ودخل الغرفة، ليجد ليلى تقف خلف الباب، ملامحها يكسوها القلق الشديد. بمجرد أن رأته، ارتمت في حضنه ونست نفسها وهي تسأل بهمس:
ليلى "آسر.. صوتكم كان عالي، هو في إيه؟ وبابا قالك إيه؟"
أغمض آسر عينيه وهو يشدد من ضمتها، وكأنه يستمد منها الهدوء بعد العاصفة التي خاضها بالأسفل.
آسر (يهمس في شعرها): "متقلقيش يا ليلى.. مفيش حاجة في الدنيا تقدر تبعدك عني، أنا معاكي ومحدش ليه دخل بينا."
ابتعدت ليلى عن حضن آسر فجأة وهي تشعر بحرارة تخترق وجنتيها، خفضت رأسها لتنظر إلى الأرض بخجل شديد، وأخذت تعبث بأطراف أصابعها والارتباك يسيطر عليها تماماً.
ليلى (بصوت هامس ومتقطع): "أنا.. أنا آسفة يا آسر، بس من خوفي وقلقي عليك مكنتش عارفة أنا بتصرف إزاي.. بجد مكنتش أقصد."
ابتسم آسر ابتسامة هادئة أذابت بعضاً من توترها، واقترب منها خطوة ليرفع رأسها برفق حتى تلاقت أعينهما.
آسر (بنبرة حنونة): "تعتذري على إيه بس؟ مفيش داعي للأسف خالص، ولا يهمك يا ليلى.. بالعكس، دي أحلى حاجة حصلت من ساعة ما دخلنا البيت ده."
حاول آسر أن يكسر حاجز الخجل ويخرجها من حالة التوتر التي سببتها المواجهة مع والده، فقرر أن يشغلها بتفاصيل عالمه الخاص.
آسر (بمرح ليغير المود): "طيب تعالي بقى سيبك من اللي حصل تحت، خليني أوريكي أوضتي.. المكان اللي بهرب فيه من الدنيا كلها."
بدأ يتجول بها في أرجاء الغرفة الواسعة، يشير بيده إلى ركن الكتب تارة، وإلى الشرفة الكبيرة التي تطل على الحديقة تارة أخرى. كانت الغرفة تعكس شخصيته؛ مزيج من الفخامة، والهدوء، والألوان المتناسقة التي تريح الأعصاب.
ليلى (بإعجاب حقيقي وهي تتأمل التفاصيل): "جميلة أوي يا آسر.. بجد ذوقها راقي جداً."
ابتسم آسر بغرور محبب وقال: "طبعاً.. مش أوضة آسر!"
ليلى (بفضول وهي تلمس قطعة ديكور مميزة): "بس قولي.. مين اللي مختار لك التصاميم دي؟ ذوق اللي عملها بجد ملوش وصف."
سكت آسر فجأة، واختفت ابتسامته المرحة تدريجياً ليحل محلها نظرة شاردة، وكأن السؤال لمس وتراً حساساً أو ذكرى لم يكن مستعداً لفتحها الآن. ساد صمت قصير جعل ليلى تشعر أنها سألت سؤالاً ربما لم يكن عليها طرحه.
قرأت ليلى الحزن الذي غلف عينيه في لحظة، فخفت بريق الفضول في وجهها وحلّ محله تعاطف عميق. اقتربت منه خطوة وقالت بصوت يملؤه الأسى:
ليلى: "مامتك.. مش كدة؟"
هز آسر رأسه ببطء، وعيناه لا تزالان شاردتين في أركان الغرفة وكأنه يرى طيف والدته في كل زاوية.
ليلى (بنبرة اعتذار رقيقة): "أنا آسفة جداً يا آسر.. مكنتش أقصد أبداً إني أضايقك أو أفكّرك بذكريات توجعك."
التفت إليها آسر، ورغم الحزن، كانت نظرته مليئة بالتقدير لها.
آسر (بصوت خافت ورخيم): "أنتِ مفكرتنيش بيها يا ليلى.. لأن أنا أصلاً منسيتهاش عشان أفتكرها. أمي محفورة في قلبي وفي عقلي، وفي كل ركن في المكان ده.. هي موجودة فيا وفي كل حاجة بلمسها."
ليلى (بصدق): "ربنا يرحمها يا رب، ويجعل مثواها الجنة.. باين جداً إن روحها كانت جميلة من ذوق المكان ومن كلامك عنها."
شعر آسر بغصة في حلقه؛ فهو الرجل القوي الذي لا ينهار أمام أحد، لكن سيرة والدته هي نقطة ضعفه الوحيدة. لم يرد أن تلمح ليلى لمعة الدموع التي بدأت تتجمع في عينيه، أو يظهر أمامها بمظهر الضعف في أول يوم لهما معاً في بيت والده.
أدار ظهره لها متظاهراً بأنه يعدل بعض الأوراق على مكتبه، أو يبحث عن شيء ما، ليواري عنها ملامحه التي أرهقها الحنين.
آسر (وهو يحاول استعادة نبرة صوته الطبيعية): "بقولك إيه.. سيبك من الكلام ده دلوقتي. تعالي شوفي أهم ركن في الأوضة، المكان اللي بجد هتحبيه لو حبيتي تقرئي أو تهربي من دوشة البيت كله."
ترك آسر ليلى أمام مكتبته الضخمة، محاولاً الهروب من مشاعره المضطربة تحت مياه الدش الباردة.
آسر: "ليلى، خدي راحتك اتفرجي على الكتب، هدخل آخد دش سريع وأطلع."
ابتسمت له ليلى بهدوء، وبمجرد إغلاق باب الحمام، شعرت بالحنين لعائلتها. أخرجت هاتفها واتصلت بوالدتها.
ليلى (بصوت منخفض): "أيوه يا ماما.. وحشتيني. أنا كويسة، متقلقيش عليا، آسر معايا وممشيني أحسن مشية.. ادعيلي يا أمي."
بعدما اطمأنت على والدتها، أخرجت ملابسها وبدأت ترتب أفكارها. في تلك اللحظة، خرج آسر وهو ينشف شعره بالمنشفة، فالتقت أعينهما.
ليلى: "نعيماً يا آسر.. أنا كمان هدخل آخد دش."
آسر (بابتسامة): "نعيماً مقدماً يا ليلى، اتفضلي."
في الجناح الآخر من القصر، كان الوضع مختلفاً تماماً. كانت الغرفة عبارة عن ساحة معركة؛ قطع الزجاج المتناثرة من "الفازة" التي حطمتها لوجين تملأ الأرض، وصوت أنفاسها المتلاحقة يملأ المكان.
لوجين (بفحيح الأفاعي): "وحياة أغلى حاجة عندي لأدمرك يا آسر! بقى حتة البنت دي هي اللي تفضلها عليا؟ هي اللي تكسر كلام عمي وتتجوزها من ورا الكل؟ ماشي.. ميبقاش اسمي لوجين لو ما حرقت قلبك عليها وخليتك تندم على اليوم اللي فكرت فيه تلمس إيدها!"
مسحت دموع الغيظ بعنف، وأمسكت بهاتفها. لم تتصل بأي شخص من العائلة، بل ضغطت على رقم "غريب" غير مسجل في قائمة أسمائها.
بعد ثوانٍ من الانتظار، جاء الرد، فابتسمت ابتسامة خبيثة:
لوجين: "أيوة.. أنت لسه فاكرني ولا نسيت؟ عندي ليك شغلانة هترجع لك حقك القديم من آسر، وتبرد ناري أنا كمان.. اسمعني كويس اللي هقولهولك ده يتنفذ بالحرف!"
خرجت ليلى من الحمام وهي ترتدي بيجامة رقيقة، ملامحها كانت نضرة للغاية وقطرات الماء لا تزال عالقة بخصلات شعرها التي بدأت بتنشيفها بالمنشفة.
كان آسر يجلس على طرف السرير، وبمجرد أن وقعت عيناه عليها، تاه تماماً. ساد الصمت في الغرفة، ولم يعد يسمع آسر سوى دقات قلبه وصوت حركتها الهادئة. ظل سارحاً في تفاصيل وجهها وكأنها لوحة فنية يراها لأول مرة.
ليلى كانت منشغلة بتسريح شعرها أمام المرآة، لكنها شعرت بنظراته التي تخترقها. التفتت ببطء لتجده لا يزال على وضعيته، يراقبها بهيام.
ليلى (بخجل شديد وارتباك): "آسر.. أنت بتبصلي كدة ليه؟ في حاجة في وشي؟"
لم يرد آسر بكلمات، بل قام من مكانه ببطء وكأنه في حلم، واقترب منها حتى لم يعد يفصلهما سوى أنفاسهما. مد يده برقة وأمسك "طراطيف" شعرها المبلل، وهو يمرر أصابعه بين خصلاته.
آسر (بصوت منخفض وذايب): "شعرك جميل أوي يا ليلى.. أنتِ أصلاً جميلة كلك على بعضك، مكنتش أعرف إن الجمال ده كله هيكون ملكي وفي أوضتي."
احمر وجه ليلى حتى أصبح بلون الفراولة، وانخفضت برأسها للأرض وهي لا تقوى على الرد من شدة خجلها. اقترب آسر منها أكثر، وكأنه أراد أن يهمس لها بشيء آخر، لكن في تلك اللحظة، تحول السحر إلى رعب!
لمحت ليلى "صرصاراً" كبيراً يتحرك بسرعة على الحائط خلف آسر مباشرة.
ليلى (بصوت هز أركان الغرفة): "آآآآآآآآآآآآآآآآآآآه!"
وبدون أي مقدمات، قفزت ليلى من مكانها بجنون، وبحركة لا إرادية دفعت آسر بعيداً وطارت لتستقر فوق السرير، وهي تشير بإصبعها المرتعش نحو الحائط وتصرخ.
آسر (بفزع وهو يحاول استيعاب ما حدث): "في إيه؟! ليلى مالك؟ حصل إيه؟ حد دخل الغرفة؟"
كان آسر يلتفت حوله بجنون وهو يظن أن هناك خطراً داهماً، بينما ليلى كانت منكمشة فوق السرير وهي تصرخ بصوت متقطع: "وراك.. وراك يا آسر! شيله بسرعة!"
انفجر آسر في الضحك لدرجة أنه وضع يده على بطنه وهو يحاول التقاط أنفاسه، بينما كانت ليلى تنظر إليه بغيظ وهي لا تزال متشبثة باللحاف فوق السرير.
آسر (من بين ضحكاته): "صرصار؟ كل الصريخ ده والقفزة الأسطورية دي عشان صرصار يا ليلى؟ أنا افتكرت حد اقتحم الأوضة أو في كارثة حصلت!"
ليلى (بخوف حقيقي وهي تشير بإصبعها): "م تضحكش يا آسر! ده كبير ومقرف وشكله بيطير.. شيله بسرعة بدل ما يجي عندي، بجد أنا ممكن يغمى عليا!"
حاول آسر التمالك، وتقدم بخطوات "بطولية" وهو يغمز لها: "خلاص يا ستي، البطل آسر هينقذك من الوحش المرعب ده."
أمسك بقطعة من الورق وبسرعة واحترافية تخلص منه، ثم اتجه نحو الحمام لغسل يده، وعاد وهو لا يزال يبتسم بمكر. وقف أمام السرير وقال لها: "خلاص، الوحش انتهى.. تقدري تنزلي بسلام من القلعة بتاعتك."
ليلى (وهي تتأكد أن الطريق آمن): "بجد مشي؟ مش هيطلع لي واحد تاني من تحت السرير؟"
آسر (يقترب منها ويجلس على طرف السرير): "مشي خلاص.. بس بجد شكلك وأنتِ بتنطي كان يفطس من الضحك، ضيعتي كل اللحظة الرومانسية اللي كنت بحاول أعملها."
ضحكت ليلى بخجل وهي تنزل من فوق السرير: "أعمل إيه طيب، دي فوبيا.. وبعدين أنت اللي كنت واقف في مكان غلط!"
بينما كان الجو في الغرفة قد عاد للمرح والضحك، كانت لوجين تقف خلف باب الغرفة في الممر، تسمع صوت ضحكهم الذي يخترق قلبها كالسكاكين.
صلي علي النبي
لوجين (بهمس حاقد): "اضحك يا آسر.. اضحك دلوقتي على قد ما تقدر، لأن قريب أوي الضحك ده هيتحول لدموع، وهتتمنى لو كنت سمعت كلام باباك من الأول."
تسللت خيوط الفجر الأولى لداخل الغرفة، ومعها بدأ فصل جديد من التوتر. آسر كان نائماً بعمق لأول مرة منذ فترة طويلة، وكأن وجود ليلى بجانبه منحه الأمان الذي افتقده لسنوات. أما ليلى، فكانت مستيقظة تتأمل ملامحه الهادئة، وتتساءل في سرها: "يا ترى يا آسر، هنقدر نواجه العواصف اللي مستنيانا ورا الباب ده؟"
في المطبخ ، كانت لوجين واقفة بملابسها الأنيقة رغم باكر الوقت، في المطبخ تتحدث بصوت خفيض بحذر مع الخادمه
لوجين: اللي قولتلك عليه ينفذ اياك تغلطي في حاجه انتي سامعه
الخادمه:سامع ياهانم
لوجين هتسيبها وتطلع من المطبخ قبل ما حد يشوفها
نزل آسر وليلى سوياً، وكان والده يجلس على رأس الطاولة يقرأ الجريدة بجمود. ساد صمت ثقيل لم يقطعه سوى صوت ارتطام ملعقة "لوجين" بطبقها وهي تنظر لليلى بنظرة لم ترتح لها الأخيرة.
الأب (بدون أن يرفع عينه عن الجريدة): "آسر، جهز نفسك.. النهاردة فيه اجتماع مهم مع الوفد الألماني، مش عايز أي تأخير."
آسر (بهدوء): "عارف يا بابا، هخلص فطاري وأتحرك فوراً عشان اخلص الاجتماع واروح المستشفي ابص عليها."
التفت آسر لليلى وهمس لها: "ليلى، لو احتجتي أي حاجة وأنا بره، كلميني فوراً.. متمشيش في البيت لوحدك كتير، خليكي في أوضتنا أو في الجناح بتاعنا، ماشي؟"
ليلى (بقلق فطري): "حاضر يا آسر.. بس متغيبش عليا، أنا حاسة إن البيت ده جدرانه بتراقبني."
ضغط آسر على يدها ليطمئنها، ولم يلحظ أن لوجين كانت تراقب هذه اللمسة وعيناها تلمعان بغلّ مكتوم، ."
ليلي اول ما آسر مشي طلعت علي اوضتها فضلت راقده غلي السرير بملل
بليل
ليلى أول ما سمعت صوت عربية آسر، طلعت تجري من الأوضة وهي فرحانة عشان تقابله. وهي نازلة بسرعة على السلم، فجأة رجلها اتزحلقت بسبب "الزيت" اللي كان مكسوب، وصرخت صرخة عالية وهي بتقع: "آآآآآه.. آسر!"
آسر كان لسه داخل من الباب، أول ما سمع صوتها وقلبها بينادي عليه، جري بجنون ناحية السلم وشافها واقعة وماسكة رجلها وبتعيط بوجع يقطع القلب.
آسر (بصوت مخنوق من القلق): "ليلى! مالك يا حبيبتي؟ حصل إيه؟ ردي عليا يا روحي، قوليلي الوجع فين بالظبط؟"
ليلى كانت بتنهج من الوجع والدموع مغرقة وشها، مش قادرة تنطق غير كلمة واحدة: "رجلي.. رجلي يا آسر."
آسر (وهو بيمسح دموعها بإيده): "اششش.. اهدي، اهدي يا ليلى أنا جنبك، مفيش حاجة هتحصلك طول ما أنا موجود. خدي نفسك براحة، أنا معاكي."
على صوت صرختها العالية، البيت كله اتلمّ. نزل والده من المكتب بسرعة، ولوجين وقفت من بعيد بتراقب المشهد ببرود وشماتة، والخدم كلهم وقفوا قلقانين.
والد آسر (بلهفة وقلق): "في إيه يا آسر؟ ليلى حصل لها إيه؟"
آسر مكنش شايف حد غير ليلى، فوالده قرب منه وحط إيده على كتفه يحاول يهديه.
الوالد: "شيلها يا آسر، متخليهاش نايمة على الأرض كدة. اطلع بيها فوراً على الأوضة وخلينا نشوف فيها إيه،."
آسر هز راسه وهو بيحاول يتماسك، وشالها بين إيديه برقة شديدة كأنها أغلى حاجة في حياته، وبص لها وهو طالع بيها السلم وقال لها بهمس: "اهدي يا ليلى.. اهدي يا حبيبتي، والله ما هسيبك، وجعك ده في قلبي أنا."
وضعها على السرير وجلس عند قدميها، بدأ يتحسس كاحلها المتورم بحذر شديد. كانت ليلى تصرخ كلما لمسها، فكان قلبه يعتصر مع كل صرخة.
آسر: "باين عليه التواء شديد يا ليلى، الحمد لله إنه مجاش في العضم مباشرة.. هجيب تلج وحاجة ألفها بيها فوراً عشان الورم يهدى."
أحضر آسر "رباط ضاغط" وبعض الثلج، وجلس يلف قدمها بمهارة وحنان فائق، وبين الحين والآخر يرفع عينه لينظر إليها ويقبل يدها ليطمئنها.
قعد قدامها على السرير وأخد نفس طويل عشان يطمنها، وبدأ يلمس رجلها بحذر شديد وهو بيراقب تعبيرات وشها.
آسر (بنبرة مطمئنة): "اهدي يا ليلى.. خدي نفس عميق وبصيلي. الحمد لله يا حبيبتي، ده مش كسر، ده مجرد التواء شديد وتأثير الوجع هو اللي مخليكي مش قادرة تتحركي، بس العضم سليم."
ليلى بدأت تهدى شوية لما سمعت كلامه، وآسر كمل وهو بيبتسم لها عشان يطمنها: "أنا هلفها لك بحاجة دلوقتي وهتبقى زي الفل، متخافيش أنا جنبك ومش هسيبك."
في الوقت ده، كان والده واقف عند الباب وبيراقب لهفة ابنه وخوفه الحقيقي على ليلى. التفت والده للكل وقال بصوت حازم:
الأب: "خلاص يا جماعة، اطمنا عليها.. كل واحد على أوضته، وأنت يا آسر خليك جنب مراتك وشوف لو محتاجة أي حاجة تانية."
لوجين كانت واقفة بتغلي من جواها، مكنتش قادرة تتحمل نظرات الحنان والخوف اللي شافتها في عين آسر لليلى. الغيرة أكلت قلبها وهي شايفة "الدكتور آسر" اللي كان دايماً بارد وقاسي معاها، بيتحول لكتلة من الحنية والاهتمام عشان خاطر ليلى.
خرجت لوجين من الأوضة وهي بتخبط رجليها في الأرض من العصبية، ودخلت أوضتها وقفلت الباب بعنف، وقعدت تكلم نفسها بغل: "بقى كل ده عشان حتة وقوعة؟ بقى آسر اللي مبيتهزش، يترعب عليها كدة قدامنا كلنا؟ ماشي يا ليلى.. الوجع اللي في رجلك ده ولا حاجة جنب اللي ناويالك عليه!"
لوجين: "قلت لك مش عايزة غلطة.. آسر النهاردة هينزل الشركة، وليلى هتفضل هنا في البيت لوحدها. دي الفرصة اللي استنيناها."
الطرف الآخر (بصوت أجش ومستفز): "اعتبريه حصل.. بس أنتِ عارفة الثمن يا لوجين، آسر مش سهل، ولو كشف اللعبة دي، مش هيرحم حد فينا."
لوجين (بابتسامة باردة): "آسر لما يتكسر في شرفه وفي البنت اللي اختارها، مش هيبقى فيه حيل يرحم حد. نفذ اللي قلت لك عليه، والصور لازم توصل لعمي في الوقت المناسب."
أغلقت الخط وهي تتنفس بعمق، وشعور بانتصار زائف يملأ قلبها.
رواية لقاء خط بمشرط وقلم الفصل العاشر 10 - بقلم جاسمين محمد
مرّ الليل وآسر صاحي جنب ليلى، كل شوية يقوم يطمن عليها ويرجع مكانه. الصبح طلع، وآسر قام من الكنبة وقرب من ليلى وهي نايمة، بدأ يزيح شعرها عن وشها ويمشي إيده على ملامحها بحب.
آسر بصوت واطي: بجد إنتي جميلة أوي.. وزيك زي الملائكة.
مرّ الليل وآسر صاحي جنب ليلى، كل شوية يقوم يطمن عليها ويرجع مكانه. الصبح طلع، وآسر قام من الكنبة وقرب من ليلى وهي نايمة، بدأ يزيح شعرها عن وشها ويمشي إيده على ملامحها بحب.
آسر بصوت واطي: بجد إنتي جميلة أوي.. وزيك زي الملائكة.
في تلك اللحظة، بدأت ليلى تستعيد وعيها. شعرت بلمساته الدافئة التي أيقظت حواسها قبل عينيها. فتحت جفونها ببطء، لتجد وجه آسر على مسافة إنشات منها، ونظراته تخترق روحها بوضوح. شعرت ليلى بكهرباء تسري في جسدها، واشتعلت وجنتاها بحمرة الخجل لدرجة أنها لم تعد قادرة على النظر إليه.
لاحظ آسر ارتباكها، فارتسمت على شفتيه ضحكة خفيفة وهو يرى توترها الطفولي، وقال مداعباً:
— "إيه ده يا ربي؟ إنتي كل شوية تتكسفي كدة؟"
حاولت ليلى أن تستجمع قوتها المبعثرة، واستعادت نبرة العصبية التي تداري بها خجلها، فدفعت يده برقة وهي تحاول الابتعاد:
— "آسر اتلم وابعد عني! ومتقربش مني كدة تاني عشان متكسفش!"
ضحك آسر بصوت مسموع هذه المرة، وقام بتربيع ذراعيه أمام صدره وهو ينظر إليها بتسلية:
— "آسر اتلم؟ هو أنا غريب يا بنتي؟ دانا حتى جوزك والله!
ليلى: "آسر ابعد طيب.."
آسر بضحك: "هههه حاضر."
قام آسر وراح ناحية الدولاب يجهز لبسه، في الوقت ده ليلى حاولت تقوم من السرير لكن أول ما دست على رجلها حست بوجع شديد ومقدرتش، فبدأت تعيط من الألم والعجز.
آسر سمع صوت عياطها وجري عليها بخوف وقرب منها: "مالك؟ احكيلي في إيه؟"
ليلى بعياط: "عايزة أدخل الحمام بس رجلي وجعاني أوي ومش قادرة أمشي عليها."
آسر بحب وطمأنينة: "اهدي طيب يا حبيبتي، ولا تشيلي هم، أنا هساعدك تدخلي."
ليلى بإحراج: "لا ما ينفعش.."
آسر: "ليلى اتلمي، مش وقت كسوف خالص دلوقتي.. أنا جوزك ومن حقي أساعدك في أي حاجة، ده أنا حتى ممكن أسبحك لو عايزة." (وغمزلها عشان يفك التوتر ويضحكها).
ليلى اتكسفت أكتر وضربته في كتفه: "اتلم أنت قليل الأدب!"
آسر بضحك: "هههه أوي.."
وقبل ما ليلى تلحق تعترض أو تقول كلمة ثانية، كان آسر شالها بسرعة بين إيديه واتجه بيها ناحية الحمام، وهي عمالة تتعصب وتخبط فيه عشان ينزلها وهو مش راضي يسبها.
انتقلت الأحداث إلى لوجين، التي استيقظت وعلى وجهها ابتسامة نصر خبيثة، وكأنها خططت لكل شيء في أحلامها. أمسكت هاتفها بلهفة وضغطت على رقم "المجهول".
لوجين بحدة وحذر: "اسمعني كويس، خليك صاحي وجاهز في أي لحظة. أول ما تليفون آسر يقع في إيدي هبعتهولك فوراً، تفرغه وتشوف لي عليه إيه.. لازم نلاقي ثغرة. ولو تليفونه نضيف، هندور في تليفون الجربوعة اللي جرجرها وراه دي."
المجهول بضحكة مستفزة: "اعتبريه حصل يا مزة، أنا مستني الإشارة منك بس."
قفلت لوجين الخط ورمت الهاتف على السرير بقرف، ثم قامت واختارت ملابس أنيقة وكأنها رايحة معركة مش مجرد خروجة.
تحت في الصالة، كانت هدى مامة لوجين بتشرف على تحضيرات السفرة.
هدى: "خلصتي الأكل يا فتحية؟ مش عايزة تأخير."
فتحية: "كله تمام يا ست هانم، السفرة جاهزة والأكل بيتحط حالاً."
في اللحظة دي نزلت لوجين وهي بكامل أناقتها وكبرياءها، فرفعت هدى حاجبها بدهشة.
هدى باستغراب: "يا فتاح يا عليم! إيه النشاط ده؟ غريبة يعني صاحية بدري ولابسة على سنجة عشر ونازلة تفطري معانا! إنتي بقيتي بتعملي تصرفات مش مفهومة خالص من ساعة ما رجع آسر ومراته..."
لوجين قاطعتها بصرخة وعصبية خلت الخدم يقفوا مكانهم: "متقوليش مراته! الكلمة دي مسمعهاش في البيت ده تاني. آسر ملوش غير ست واحدة، ومحدش هيكون مراته رسمياً وفعلياً غيري أنا.. فاهمة يا ماما؟"
ساد الصمت في المكان، ولوجين عيونها بتلمع بالغل، وكأنها بتعلن الحرب على ليلى قدام الكل.
لوجين وهي عيونها تترقب السلم.
لوجين: "ماما، هو آسر صحي ولا لسه؟"
هدى (دون أن تلتفت): "والله يا بنتي ما أعرف، بس هو لسه منزلتش لحد دلوقتي.. غالباً لسه فوق."
في تلك اللحظة، رنّ صدى خطوات منتظمة على الدرج الرخامي، ليظهر "آسر" بطلته الجادة المعتادة، ملامحه كانت تحمل إرهاقاً طفيفاً لم يستطع إخفاءه.
آسر: "صباح الخير."
هدى ولوجين: "صباح النور."
هدى (بلهفة مزيفه): "طمني يا آسر، ليلى عاملة إيه النهاردة؟"
آسر، الذي كان مشغولاً بتعديل ساعة يده ولم يرفع عينيه ليرى نظراتهم، ردّ باختصار وجفاء: "كويسة.. الحمد لله."
لم يكد ينهي جملته حتى نزل "أحمد" والد آسر، بوقاره المعهود، ملقياً تحية الصباح: "صباح الخير يا جماعة."
بعد رد التحية، توجه أحمد بحديثه مباشرة لابنه: "إيه الأخبار يا آسر؟ ليلى فاقت ولا لسه تعبانة؟"
آسر: "الحمد لله يا بابا، أحسن بكتير."
أحمد: "طيب يا بني، فاضي النهاردة تمر على الشركة؟ فيه شوية ملفات محتاجة إشرافك."
آسر (بحزم): "لأ يا بابا، مش هقدر خالص. عندي شغل متراكم في المستشفى، وفي عملية دقيقة لازم أتابعها بنفسي، والمرضى مستنيين المتابعة."
أحمد (بتقدير): "تمام يا بني، ربنا معاك ويوفقك في رسالتك.. طيب إيه، مش هنفطر ولا إيه؟ أنا واقع من الجوع."
هدى (مبتسمة): "هنفطر يا حبيبي، الأكل جاهز كله على السفرة، اتفضلوا."
بينما اتجه الجميع نحو المائدة، ظلّ آسر واقفاً، وقال بهدوء: "أنا هاخد الأكل وهطلع أفطر مع مراتي فوق، هي مش هتقدر تنزل النهاردة، ولازم أكون جنبها."
أحمد: "ماشي يا بني، حقك.. روح لمراتك."
نادى آسر على الخادمة لتجهز له صينية كبيرة، وبدأ يضع الأصناف المفضلة لليلى بعناية فائقة. وفي غمرة انشغاله وتفكيره في حالة ليلى والمستشفى، وضع هاتفه المحمول على حافة السفرة لينسق الأطباق، ثم حمل الصينية وصعد الدرج مسرعاً، ناسياً هاتفه خلفه.
كل هذا حدث تحت نظرات "لوجين" المتربصة، التي كانت تراقب تحركاته كالصقر. وبمجرد أن اختفى آسر في الطابق العلوي، تسللت بخفة نحو السفرة، ومدت يدها لتلتقط الهاتف بسرعة البرق قبل أن يلحظها أحد، وخبأته خلف ظهرها.
استدارت لتغادر المكان بسرعة، لكن صوت "أحمد" القوي استوقفها عند الباب:
أحمد: "رايحة فين يا لوجين؟ تعالي افطري معانا يا بنتي."
ارتبكت لوجين للحظة، لكنها رسمت ابتسامة باهتة وقالت: "لأ يا خالي، مش جعانة دلوقتي خالص.. حاسة إني محتاجة أشم شوية هواء، هتمشى حوالين الفيلا في الحديقة الأول وبعدين أبقى أفطر."
خرجت لوجين إلى الحديقة بخطوات سريعة، تلتفت حولها لتتأكد أن لا أحد يراقبها. خلف شجرة ضخمة بعيدة عن أعين الحراس، أخرجت هاتف آسر، وبأصابع ترتجف طلبت رقماً مسجلاً باسم "مجهول".
لم تمر ثوانٍ حتى جاءها الرد، لتقول بهمس حاد: "التليفون معايا.. كل اللي محتاجه موجود هنا. أنا مستنياك عند السور الخلفي.. دلوقتي حالاً!"
كانت لوجين تراقب المجهول وهو يتصفح الصور ببطء مستمتعاً بكل لقطة، وكأنها قطع ألغاز يجمعها ليهدم بها حياة آسر. التوتر في قلبها لم يكن خوفاً من "الفعل" نفسه، بل كان خوفاً من "انكشاف أمرها".
لوجين (بنبرة حادة وهمس مسموع): "خلصني يا سيف (أو الاسم المجهول).. مش وقت إنك تتفرج وتنبهر بجمال الست ليلى! انسخ الصور دي بسرعة ورجعلي الزفت ده.. آسر لو نزل وملاقاش التليفون مكانه، حياتي وحياتك هينتهوا النهاردة."
المجهول (بدم بارد): "مستعجلة على إيه؟ الصور دي محتاجة دقة عشان نعرف هنضرب فين وإمتى."
لوجين (بإصرار وغضب): "بقولك خلص! أنا مش هخاطر أكتر من كدة. الصور دي معاك عشان تكسر عينه وتخليه يوافق على اللي إحنا عايزينه، مش عشان تقعد تتأمل فيها. قدامك دقيقة واحدة وتديني التليفون، آسر زمانه بيخلص كلامه مع ليلى فوق وهينزل للمستشفى حالاً."
دخل آسر الغرفة وهو يحمل الصينية بعناية، ركل الباب خلفه بخفة ليغلقه، ثم اتجه نحو السرير حيث كانت ليلى تستند بظهرها على الوسائد، ملامحها باهتة وأثر الألم لا يزال يرتسم في عينيها.
آسر (بابتسامة حانية يحاول بها طمأنتها): عامله اي دلوقتي .. الأكل وصل لحد عندك يا أميرة."
وضع الصينية على الطاولة الصغيرة الملحقة بالسرير، ثم جلس بجانبها. حاولت ليلى أن تعدل من جلستها وهي تتأوه بصوت خفيض، فامتدت يده فوراً لتسند ظهرها برفق.
ليلى (بخجل): "تعبت نفسك يا آسر.. كان ممكن الفطار يستنى لما أنزل، مش عايزة أبقى تقيلة عليك."
آسر (بحدة مصطنعة): "تنزلي فين؟ مفيش نزول يا ليلى، إنتِ رجلك محتاجة راحة تامة، وأنا مش مستعد أخاطر بيكِ عشان خاطر فطار. وبعدين تعبك راحة، أنا لو عليا عايز أفضل قاعد جنبك كدة طول اليوم."
بدأ يقطع لها الجبن ويضع لها الطعام في طبقها الصغير وكأنها طفلة، بينما كانت هي تراقبه بامتنان ممزوج بالقلق.
ليلى: "بس إنت عندك مستشفى وعمليات يا آسر.. اتأخرت بسببي."
آسر (وهو يطعمها أول لقمة بيده): "المستشفى مش هتطير، والعمليات ليها مواعيدها وأنا مرتب كل حاجة. أهم حاجة عندي دلوقتي إنك تاكلي كويس عشان تاخدي العلاج، مش عايز أشوف الوش الشاحب ده تاني."
صمتت ليلى لثوانٍ وهي تنظر إليه، ثم قالت بهدوء وحب: شكرا يا اسر علي كل اللي بتعمله عشاني ؟"
آسر (بحب ):انا جوزك.وده واجبي ؟
ليلي نظرت ليها بنظره تحمل حب كبير ليه
آسر (وهو يمسح على يدها بطمأنينة): "يلا كلي اكلك ، وركزي في صحتك،. كلي يلا.. عشان الحق أنزل اروح المستشفى."
ابتسمت ليلى رغماً عنها، وشعرت بدفء وجوده، دون أن تعلم أن تلك الصور الجميلة التي تجمعها معه الآن، أصبحت في يد شخص يخطط لهدم هذا الهدوء.
لوجين خلصت التلفون واخدت اللي هي عايزه وبعدين دخلت بسرعه الفله ورجعته مكانه علي السفره قبل ما آسر ينزل
آسر نزل خد تلفونه وتطلع ركب عربية
وتحرك آسر بسيارته، وفي أول إشارة مرور، فتح هاتفه ليرسل رسالة للمستشفى يخبرهم بوصوله. لكن غريزته كطبيب جراح دقيق جعلته يلاحظ شيئاً بسيطاً جداً.. "ترتيب الأيقونات" في الشاشة الرئيسية كان مختلفاً بجزء من المليمتر، أو ربما كان هناك تطبيق مفتوح في الخلفية لم يفتحه هو.
بدأ الشك يتسلل لقلبه، لكنه قرر أن يكمل طريقه للمستشفى، فهو لا يترك مرضاه أبداً مهما كانت الظروف.