الوجه العاشر للعشق
ياليتهم علٍموا في القلب منزلهم
أو ليتهم علموا في قلب من نزلوا
و ليتهم علٍموا ماذا نكن لهم
فربما عملوا غير الذي عًمٍلُوا
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
آسف
قالها يوسف الذي كان يهرب بعينيه في جميع الاتجاهات محاولًا تجاهل كل هذا الكم من العتاب والألم الذي تحويه عيناها.
فلم يستطع سوى أن ينطق بتلك الكلمة التي لم تعبر يومًا من بين شفاهه، فرجل مثله لم يُخلق أبدًا للاعتذار، فهو يرى في الاعتذار مهانة لا تليق أبدًا به، ولكن كعادته معها تتحطم جميع معتقداته ومبادئه من أجلها.
دقيقة من الصمت مرّت مليئة بشحنات من التوتر والغضب من جانبهما معًا، إلى أن قرر أخيرًا النظر إلى عينيها التي دائمًا ما كان يفشل في تجاوزها، فما إن يبدأ بالنظر إليهما حتى تأخذه معها إلى عالم آخر مليء بالسحر الذي يجعله قادرًا على تقديم عمره طواعية في سبيلهما.
نظرت إليه بذهول وفاهة مشدوهة، فهي بأقصى أحلامها لم تتخيل يومًا أن يعتذر منها، خاصةً بعد ما فعلته به.
فهي تعلم مدى ثِقل هذه الكلمة عليه؛ فذلك الرجل يفعل الخطأ ويتلقى عليه التهنئة، ولا يجرؤ أحد قط على الاعتراض، فماذا دهاه ليفعل هذا الآن؟
إجابة واحدة لاحت لها، رفضها عقلها وأيّدها قلبها بشدة.
إن قال آسف، فهو آسف فعلًا ونادم على ما تفوّه به كبرياؤه الجريح، ولكنها آثرت الصمت، فهي حقًا تشوّش عقلها كثيرًا ولم تعُد تدري ماذا عليها أن تفعل.
اغتاظ كثيرًا من صمتها، خاصةً وأنها تجاوزت صدمتها من كلمته وخفضت رأسها، فظن أنها تتجاهله، فهي لا تعلم كم تكبّد من العناء والمشقة للتفوه بذلك الاعتذار الغبي، ولكن لا بأس، يمكن الحفاظ على ماء الوجه ببعض العبارات القاسية، هكذا أخبره عقله. ولكنه نهره بشدة، فهو لن يقدر على إيذائها ثانيةً ولا أن يراها بتلك الحالة مرة أخرى، فاتخذ قراره بالحديث وقال:
أنا عارف إنك مستغربة إني بعتذر لكِ، بس دا لأني مهما حصل مكنش ينفع أقول اللي أنا قلته؛ لإن دا مش طبعي.
مهلًا. هل فقط يعتذر لأن ذلك الحديث لا يليق به؟! ماذا عن إهانتها؟ ماذا عن إهانة والدتها الراحلة؟ ماذا عن أذى قلبها؟ أي غرور لعين يمتلك ذلك الرجل؟
هبّت واقفة على قدميها غير عابئة بالدور الذي أصابها، وقاطعته غاضبة:
هه. بتعتذر عشان الكلام اللي إنت قولته دا ما يِلقش بيك! طب بالنسبة للناس اللي إنت أهنتهم وأذيتهم بكلامك دا، وبالنسبة للست اللي ماتت واللي إنت خُضت في عرضها؟ وعمّك اللي إنت هنته واتهمته بالقذارة دي مع مرات أخوه؟! إيه، كل الناس دي ما تهمكش ولا تفرق معاك؟
صمتت لثوانٍ قبل أن تُتابع بغضب:
قد كدا إنت متكبر ومغرور وأنا مكنتش واخدة بالي؟
ثم أردفت بوجع مرير:
أنا إزاي كنت عامية طول الفترة اللي فاتت دي ومش شايفاك على حقيقتك؟
صُدم يوسف من حديثها، فهي لم تمهله ليُكمل اعتذاره كاملًا، ولكنه رفع حاجبه بسخرية قائلًا:
حقيقتي! وياتُرى إيه بقى حقيقتي اللي إنتِ كنتِ عامية عنها ولسه شايفاها دلوقتي؟
إنك أكتر إنسان مغرور ومتكبر وأناني في الدنيا دي. إنت جبروت يا يوسف وأكتر إنسان قاسي شفته في حياتي.
تحدثت بصراخ، ولُوهلة تجمد يوسف من حديثها، ثم تحولت صدمته إلى قهقهة غاضبة، فجاءت لهجته مريرة حين قال:
وإيه كمان يا كاميليا؟ قولي كل اللي في قلبك، ما تخليش جواكِ حاجة...
أنا فعلًا مش هخبّي جوايا حاجة، وهقول كل اللي في قلبي، ومش هبقى ضعيفة أبدًا بعد النهارده.
هكذا تحدثت بقوة واهية تخفي انهيارات عظيمة خلفها.
بس إنتِ عمرك ما كنتِ ضعيفة يا كاميليا. أنا عمري ما سمحتلك أبدًا تكوني ضعيفة.
قالها بألم، قابلته بأشد منه:
كنت ضعيفة معاك يا يوسف.
صحّح كلماتها قائلًا بعَتب لم يَخفَ عليها:
كنتِ مستقوية بيا يا كاميليا. كنتِ مستقوية بحبي اللي كان بيخلي أي حد يفكر ألف مرة قبل ما يأذيكِ.
ودا قمة الضعف، إني يبقى قوتي مرهونة بيك، دا قمة الضعف. إنت كنت أناني معايا لدرجة إنك خلتني أحس إني لو بعدت عنك هتوه وهضيع، كل دا عشان تضمن إني عمري ما هفكر أسيبك.
صمتت لثوانٍ وأدارت وجهها هربًا من عتب لا تقوى على الصمود أمامه، ثم تابعت:
عارف؟ كل مرة كنت بشوفك بتتعامل مع نيفين وأشوفك بتكسر خاطرها وبتجرحها، أسأل نفسي: يا ترى هقدر أتحمل لو كان بيعاملني نفس المعاملة دي؟
ولا طنط سميرة اللي كنت بتعاملها بقرف بالرغم من إنها مرات عمك. أنا بالرغم من كل اللي كانوا بيعملوه معايا، عمري ما كنت أقدر أعاملهم زي ما إنت ما بتعاملهم كدا.
حتى روفان اللي كانت بترتعب منك أكتر ما بترتعب من جدي نفسه.. ممتك، ومازن، وأدهم، طول عمر الناس دي بتخاف منك وبتعملك ألف حساب، وكلامك بيمشي عليهم كلهم. دا حتى جدي اللي هو المفروض كبير العيلة وكلنا نعمله ألف حساب، كلمتك كانت قبل كلمته.
مرّ كلامها على مسامعه كمرور شاحنة فوق صدره. أَيُعقل أن يكون بنظرها بكل هذا السوء؟! هل يمكن أن ترى حمايته لهم حتى من أنفسهم تجبّرًا وقسوة؟ هل ما يسمعه الآن حقيقة؟ هل تلومه على كرهه لأولئك الذين يريدون أذيتها حتى وإن كانوا من دمه؟
شعر يوسف بالشلل يجتاح جسده وظل يناظرها بنظرات ملؤها الاندهاش الممزوج بالألم الذي تبلور في نبرته حين قال:
وإنتِ يا كاميليا! ناقص إنتِ. وصفتي علاقتي بكل اللي حواليا، بس ما جبتيش سيرتك.
دنا خطوة منها قبل أن يتابع بنبرة محشوة بالوجع:
أنا كنت معاكي إيه؟ كنت معاكي إزاي؟ كنت ظالم ولا قاسي ولا مغرور ولا متكبر؟ قولي، سامعك.
لم تحتمل نبرته ولا عتابه ولا غبائها، فأخفضت رأسها، فقد ذبحتها نبرة الألم في صوته، وأكمل عليها قلبها الذي أجابه قائلًا:
والله لم أرَ الحب إلا معك، ولم أشعر بالأمان سوى بقربك، ولم أرَني مكتملًا سوى بعينيك، ولم أعِ معنى الوطن سوى بجانبك.
اقترب منها ما إن رآها تَذُم شفتيها بقوة تمنع مرور الكلمات من بينهما، وقام بإدارة رأسها ونظر إلى أعماق عينيها قائلًا بخفوت من فرط الألم:
أنا كنت إيه معاكي يا كاميليا؟
كنت أحسن حد في الدنيا.
قالتها واندفعت إليه تشكو وجعها وجراحه، وكل تلك الآلام التي نالت من قلبيهما دون أن يكون لها القدرة على منعها، فهي إن بحثت ألف عام فلن تجد له سيئة واحدة قد فعلها معها...
لم يقاوم قربها ولا وجعه، فقد كانت تنشد الأمان بجانبه وهو ينشد الراحة من أنفاسها، فتوقف الزمن لثوانٍ، لم تعد تلامس الأرض بأقدامها ولم يعد يشعر بما يدور بهما، فقد كان كلاهما يعرف بأن قربهما هذا هو الأخير.
فحتمًا كبرياؤه لن يمرر لها حديثها وما فعلته بقلبه الذي كان يتوسله بألّا يبتعد، عله يهدأ من نيران وجعه منها واشتياقه لها.
فليسرق تلك الدقائق معها، ينشد السلام الذي أبدًا لن يجده في فراقها، وليلعنه كبرياؤه لاحقًا كيفما يشاء...
*********
كان جالسًا على أحد الكراسي في الغرفة شبه المظلمة لا يدري كيف طاوعه قلبه على فعل ذلك معها...
كيف استطاع كسرها بتلك الطريقة؟! صرخاتها ما زالت تدوي في أذنيه لتشعره كم هو حقير. لا يعرف ما سيكون رد فعلها عندما تستيقظ... يتمنى لو أنه استطاع أن يتحكم بذلك الشيطان بداخله الذي يوسوس له بالانتقام من جميع الفتيات، ولكنه أبدًا لم يكن يُجبر فتاة عليه، بل كان يفعل ذلك بملء إرادتهن.
همهمات وتأوهات ضعيفة خرجت منها جعلته يغمض عينيه بألم ويبتلع ريقه بصعوبة. فها هي قد أتت اللحظة التي خطط لها عقله الشيطاني لكسرها، ولكن... لمَ يؤلمه قلبه بهذا الشكل؟ تجاهل أنينها مرددًا لنفسه بأن هذا ما تستحقه جميع النساء، وهي لا تختلف عنهن بشيء!
استيقظت غرام لتجد نفسها في غرفة غريبة عنها، فأخذت تتلفت حولها فلم تجد سوى الظلام. حاولت رفع الغطاء من فوقها فوجدت نفسها عارية، فضُربت صاعقة عقلها وتذكرت ما حدث لها. بدأ جسدها بالارتجاف وعلت شهقاتها، حاولت القيام ولكنها لم تستطع، وشعرت بدوار شديد يجتاحها. وما إن رأته يقترب منها حتى صارت تهز رأسها يمينًا ويسارًا رافضة تصديق ما حدث، لتقول بهستيريا:
لا... لا، إنتَ ما عملتش كدا فيا! أكيد عمرك ما تؤذيني بالشكل دا صح؟ رد عليا، أرجوك.
لم تجد منه ردًا، حتى تحاملت على نفسها والتفت بمفرش السرير حولها واقتربت منه بخطى بطيئة وقالت بتوسل:
إنت ما عملتش كدا صح؟ أنا عارفة... طب حصـ... حصل إيه؟ أنا مش فاكرة حاجة خالص... أرجوك رد عليا؟
كان عقلها يرفض بشدة فكرة أن يكون قد فعل ذلك بها. ولمَ قد يفعل بها شيئًا كهذا؟ فهي لم تؤذه أبدًا! وبالرغم من أن كل شيء حولها كان يشير إلى ارتكابه جريمته النكراء معها، إلا أنها كانت ترفض تصديق ذلك.
لا... عملت.
عندما تفوّه بتلك الكلمة كان كالذي أشعل النار في الهشيم، فانفجرت صارخة به وأخذت تضربه بكلتا يديها على صدره وتحاول خدشه بأظافرها وهي تصيح باكية:
يا مجرم! يا حيوان! حرام عليك... عملت فيك إيه عشان تعمل فيا كدا؟ عملت فيك إيه؟ ربنا ينتقم منك... دمرت مستقبلي! عملت فيا كدا ليييييييييه؟
قالت كلمتها الأخيرة وارتمت على الأرض تبكي بقوة وتلطم خديها، فكانت كمن مسّه الجنون، تولول وتصيح لا تدري ما تتفوه به.
كانت توسلات عينيها له تقتله أكثر من كلماتها وضرباتها التي تلقاها دون أن يرمش له جفن. لعن نفسه مرة ثانية، ولكنه حاول تمالك نفسه وخفض نظره إلى تلك التي تبكي على الأرض قائلًا بجفاء يشوبه السخرية:
إنتِ عايزة تقنعيني إنك كنتِ جاية جناح راجل غريب عنك تسهري معاه، وما كنتيش عارفة إن دا هيحصل في النهاية؟
ألجمت كلماته لسانها وتوقفت دموعها من هول صدمتها.
هل ظنّ بها السوء فقط لكونها وثقت به؟ هل يمكن أن يكون وغدًا لتلك الدرجة؟ خرجت كلماتها محشوة بخيبة عظيمة يوازيها صدمة كبيرة:
إنت بتقول إيه؟ أنا... أنا كنت واثقة فيك و...
هطلت دموعها وعلا صوت بكائها الذي تقطّع له نياط قلبه، ولكنه أبى أن يتراجع عما انتواه، فأردف بسخرية:
كنتِ واثقة فيا... ولا متعودة على كدا؟
أصابتها كلماته كصاعقة كهربائية سرت في جميع أنحاء جسدها.
هل يظنها فاسدة؟ هل ما شعرت به معه كان كذبًا، وكان يراها بتلك الصورة من البداية؟
ماذا فعلت ليظن بها ذلك؟ فهي لم تتجاوز مع رجل طوال حياتها، بل لم تطلق العنان لمشاعرها سوى معه! لمَ فعل بها هذا السوء؟
لمَ اغتصب براءتها وانتهك حرمة جسدها بتلك الطريقة البشعة؟
أخرجها من بئر أحزانها تلك الملابس التي قذفها في وجهها وكلماته السامة التي كانت تضع الملح على جراحها الغائرة، وقال بازدراء:
البسي دول يلا عشان تمشي. مش عايز اللي هتيجي بعدك تشوفك بالمنظر دا... أحسن تخاف مني وتاخد عني فكرة وحشة إني كنت بعذبك ولا حاجة!
قالها أدهم بسخرية ثم خرج صافقًا الباب خلفه.
صفعة أخرى تلقتها منه جعلتها تشعر بالخزي الذي لم تتعرض له طوال حياتها؛ فقد كانت دائمًا شامخة مرفوعة الرأس. ولكن بعد اليوم أصبح الخزي والعار حالها، فلم تستطع حتى الصراخ. بقي سؤال واحد يدور بداخلها:
ماذا فعل قلبي ليُعاقب بكل هذا الخذلان؟
هل يمكن أن يصل بك الحزن لدرجة أن تشعر بأن هناك حبلًا من الأشواك مُلتفًا حول قلبك، فكلما هممت بالصراخ انغرست تلك الأشواك في قلبك أكثر، فتفقدك حتى القدرة على التنفس؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت ممسكةً بقميصه من الخلف بقوة، تنشد الأمان الذي لم ولن تشعر به مطلقًا في غيابه. تعرف أن تركته الآن حتمًا لن تتكرر تلك اللحظة مجددًا، فهي لن تنسى ما جعلها تشعر به جرّاء كلماته التي ما زالت تنغرس في قلبها، كما أنها تعلم ما ينتظرها إن قررت مصارحته بحقيقتها.
دقيقة، اثنتان، ثلاث... حقًا لم يشعرا كم مرّ من الوقت وهما على ذلك الوضع، ليجبر يوسف قلبه على إفلاتها، فشعرت بالأرض الصلبة تحت قدميها وبالبرد يضرب جسدها، فرفضت تصديق أن تلك اللحظة قد انتهت،
إلى أن حسم أمره وابتعد، وببطء شديد رفعت رأسها تناظره، ومن ثم أعادت خفض بصرها مرة أخرى لترتد خطوتين إلى الخلف، غير قادرة على النظر إلى عينيه. لكنها تفاجأت به يقول بنبرة ثابتة:
لآخر مرة، هسألك: في أسباب تانية لهروبك دا؟
تجاهل كبرياءه أمامها للمرة التي لا يعرف عددها، علّه يجد منها ما قد يريح قلبه، لكنه لم يلقَ منها سوى هزّة بسيطة من رأسها تعني "لا".
فاقترب منها بغضب وجذبها بشدّة، فألصقها بالحائط بقوة آلمتها، وقال من بين أسنانه:
بصي في عينيّ واتكلمي زي الناس. مش كنتِ من شوية بتقولي إنك مش هتبقي ضعيفة تاني؟ وريني بقى.
قال الأخيرة بسخرية استفزتها، فخبّأت جراحها خلف تلك النبرة القوية حين قالت:
ما عنديش غير الأسباب اللي قولتهالك. أنا مشيت عشان حسيت إني ما خدتش فرصتي في التفكير في جوازنا، وكنت عايزة أعيش حياتي اللي إنت كنت مانعني أعيشها، وما كنتش متأكدة من مشاعري ناحيتك. دي أسبابي يا يوسف.
قالت كلماتها بتمهّل كان يقتله، ولكن يكفي، فقد كانت هذه آخر فرصة لها ولقلبه الغبي، الذي إن استطاع لأخرجه من بين ضلوعه كي لا يخفق لها مرة أخرى.
تركها يوسف واستقام ناصبًا ظهره، وقد عادت له شخصيته الأخرى التي لم يتعامل معها بها من قبل؛ فكان لها الحب والدلال والاهتمام، ولكن منذ هذه اللحظة فهي مثلها مثل الآخرين، لا، بل أقل بكثير. فقال ببرود:
تمام، حقك. بس أنا بقى ليا حق وهخده، أصل يوسف الحسيني اتعود ما يسيبش حقه أبدًا.
حق إيه يا يوسف؟
قالتها بجزع.
حق كرامتي اللي حتة عيلة زيك دست عليها يوم ما هربتي بعد ما اتحديت الدنيا كلها ورحت اتجوزتك.
كانت السخرية تقطر من نبرته، يوازيها تلك النظرات القاسية التي لم تعتدها منه. فقالت بأسف حقيقي:
أنا آسفة إني هربت. أنا كنت خايفة لو قلتلك كدا تجبرني إني أفضل معاك غصب عني. والله أنا ندمت على هروبي بالشكل دا.
تحدثت ببكاء ودون وعي منها، فقد أعماها خوفها منه ومن انتقامه، ولكنها بكل كلمة تتفوّه بها تغذّي نيرانه أكثر. فاستنكر عقله كلماتها مردّدًا: هل تسخر منه تلك المرأة؟ هل هو، بكل هيبته ومقوّماته التي تجعل النساء يتهافتن عليه، سيُجبر امرأة على البقاء معه ضد إرادتها حتى وإن كان يعشقها؟ هل جعله حبّه لها ضعيفًا أمامها إلى ذلك الحد؟ أترى أنه بلا كرامة ليجعلها معه دون إرادتها؟
ولكن مهلًا، هو من أخطأ، وحتمًا سيصلح ذلك الخطأ.
اقترب منها يوسف بخطوات بطيئة حتى أصبح أمامها مباشرة، وخفض رأسه قليلًا، ونظر إلى داخل عينيها التي أغمضتهما متأثرة لظنّها أنه سيفعل شيئًا ما! فابتسم داخله بسخرية واقترب قائلًا بهمس قاتل:
أنا هخليكي تعرفي يعني إيه ندم يا بنت عمي.
نصب ظهره وتركها تلعن نفسها على ضعفها المخزي، وقد شعرت بالدوار يضرب رأسها من جديد. فقال عندما وصل إلى باب الغرفة:
هخلي الدكتور ييجي يشوفك عشان يكتبلك على خروج وترجعي بيت عيلتك.
لم تستطع حتى الإيماءة برأسها، فقد شعرت بدوران الغرفة من حولها، وفجأة لم تعد تدري بشيء، وكادت أن تسقط، فتلقّفتها يداه بلهفة، ووضعها على السرير، وأخذ يتمعن في ملامحها الذابلة وهو يلعن نفسه على وضعها تحت هذا الضغط، خاصة بعد تنبيهات الطبيب.
ضغط على الزر بجانب السرير فحضر الطبيب الذي أمره بالخروج، ولكن هيهات أن يتركها أبدًا. فعاينها الطبيب الذي نهره بشدّة وأخبره بأن حالتها النفسية السيئة هي من عرضتها لتلك الإغماءة مرة ثانية.
أنا عايز أعرف حالتها إيه بالظبط؟ مش معقول كل ما حد يكلمها كلمتين تُغمي عليها.
قال الطبيب بهدوء:
يا يوسف بيه، المدام تعبانة نفسيًا أكتر من جسديًا، وبتحاول تهرب من الواقع اللي مضايقها، فجسمها بيستجيب لكدا وينسحب، فبتحصل لها حالة الإغماء دي. الموضوع كله نفسي بحت.
لعن يوسف بداخله ولَام نفسه بشدة على ما حدث لها، وفجأة قرر أن يجري مكالمة فلم يجد هاتفه. فنظر إلى تلك النائمة واقترب منها لبرهة قبل أن يُجبر نفسه على الخروج من الغرفة، فوجد رائد الذي كان مكفهرّ الوجه وغاضبًا بشدة. لاحظ يوسف حالته فلم يهتم كثيرًا لأنه كان يظنها لسبب ما هو يعرفه، فقال باختصار:
تليفونك.
ابتلع رائد ريقه بصعوبة وقال بتوجس:
ليه؟
مالك خفت كدا؟ هعمل مكالمة منه عشان نسيت تليفوني في الشقة. قالها يوسف بسخرية.
لا، استغربت بس. أصل أنا شكلي نسيت تليفوني في العربية أنا كمان.
قالها بعد أن حاول العبث بملابسه ليوهمه بصدق حديثه.
ضيّق يوسف عينيه وقال بتهكم:
طب أنا عادي جدًا إني أنسى تليفوني ومكنش مركّز في الموقف دا، إنما إنت بقى مش مركز ليه؟
لا أبدًا، بس أنا كنت بتكلم فيه وأنا في العربية، والظاهر نسيته. هروح أجيبه وهرجعلك.
تمام.
انصرف رائد، وظل يوسف يتعجّب من حاله، ماذا دهاه ليكون متوترًا هكذا؟
*********
"مؤلم أن تضعك الحياة في موقف الجاني والمجني عليه في آنٍ واحد. تعطيك الدرس على هيئة جرعة خُذلانٍ قاسية، فتدور لتذيقها لكل من يقابلك، فقط لتثبت أنك قد تعلمت الدرس جيدًا!"
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
توجه آدهم إلى الخارج فهو لم يكن قادرًا على المكوث معها لحظه آخرى دون أن يعتذر لها الف مرة بل و قد يتوسل لها ايضا لتسامحه فهو بحياته لم يشعر بذلك الالم في قلبه حتي عندما خانته تلك الحقيرة لم يشعر بمقدار الألم الذي يشعر به الان .
ولت دمعه هاربه من عينيه فمسحها سريعًا معنفا نفسه و عاند قلبه بأن هذا هو عقابها الذي استحقته
أخرجه صوت قفل الباب من شروده فالتفت ليتمزق قلبه الف قطعه علي مظهرها المزري و عيناها المتورمه و وجهها الذي كانت بصماته عليه فقارن بين حالها الآن من الحزن و الانطفاء و حالها قبل عدة ساعات عندما دخلت الي جناحه بإشراقتها و طلتها الفاتنه التي أطاحت بعقله فور ان رآها فود ان يصفع نفسه لكونه المتسبب في ما اصابها فهو يعلم ان فعلته تلك ستظل محفورة في ذهنها طوال عمرها و لن تغفر له حتي و إن كان على فراش الموت و لكن كان عقله لقلبه بالمرصاد كما هو دائما فخرجت الكلمات منه دون إرادته
- السواق هييجي يوصلك و مفيش داعي اوصيكِ ان اللي حصل دا ميخرجش برانا و انا اوعدك كل اما نفسي تموع هبقي ابعتلك..
قالها قاصدا إلحاق المزيد من الاذلال لها
تقدمت غرام منه بكل ما تحمله بداخلها من ألم و عذاب و خزي و قالت بمراره من بين دموعها
- انت ازاي قادر تكون وحش اوي كدا ؟ ازاي ؟
انا طول الوقت كان جوايا حاجه بتخوفني منك بس كنت بكذبها واقول لا عنيه بتقول غير كدا . طول الوقت كنت بشوفك في احلامي علي هيئه وحش و اقوم مفزوعه و انت بتموت فيا و اقول لا. هو عمره ما يأذيني ! قولت دا دخل بيتنا و كل اكلنا و امي بتقوله يا ابني عمره ما هيأذيني ابدا
انت اكتر إنسان وحش قابلته في حياتي و عمري ما هسامحك. انا بكرهك....
قالتها بكل ما يعتمل بداخلها من حزن و قهر لتلقي به في بحور الندم و الوحل فلو كانت غرزت سكين بقلبه لم تكن تؤلمه كما فعلت كلماتها فلأول مرة في حياته يشعر بأنه وضيع لتلك الدرجه كان يعلم بأنه سيندم أشد الندم على فعلته تلك و لكن ما يشعر به الآن من ألم حقا يفوق تحمله
اي لعنه حلت علي عقله لتجعله يفعل بها تلك الفعلة النكراء ؟ يعلم بداخله انه سيتذوق أضعاف عذابها فعذاب الفقد و عذاب الندم معا امرًا لا يطاق .......
بعد وقت ليس بقليل كانت تقف أمام البحر تغرقه بدموعها التي لن تنضب و تشعر بأن داخلها قد انشطر لنصفين نصف منهم يلومها علي غبائها و برائتها و مشاعرها التي أعطتها لمن لم يستحقها يوما و الآخر يبكي علي حالها قلبها برائتها المنتهكه ...
مؤلم بل مميت ذلك الشور بالغدر ممن ظننت يوما انهم طوق نجاتك
حسمت قرارها سريعا فقد فقدت كل ما يبقيها على قيد الحياه علي يده فهي لن تعود أبدا لعائلتها بهذا الإثم الكبير
رفعت عيناها إلي السماء و قالت بوجع
- يااااااارب سامحني مش هقدر اعيش مع كل الالم و العار دا سامحني يارب ..
جرت ذيول خيباتها و إثمها التي شاركت به بغبائها ووثوقها في ذلك الذئب الذي لم يرحم أبدا برائتها و أخذتها خطواتها إلي البحر عله يزيل قذاره الحقتها يد رجل اعطته كل ما تمتلك في هذه الحياه
فلم تستطع بروده المياه ان تطفئ نيران قلبها فامتزجت دموعها بمياه البحر و استسلمت لقدرها أخيرا
يتبع .......
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!