الفصل 24 | من 57 فصل

رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الرابع والعشرون 24 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
17
كلمة
7,606
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 42%
حجم الخط: 18

الوجه الثالث و العشرون للعشق 🌹

لا أرى في الحياة شيء أكثر جمالًا من أن يجد الإنسان نفسه في المكان الذي خُلِق لأجله، برفقة قلب يخشى عليه من نسمات الهواء، فمهما عصفت بهم رياح الأقدار، يظل ذاك القلب أمانًا، و ستراً وملاذًا.

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

دلف إلى غرفته وهو يشعر بأنّه يحمل جبالًا من الهموم على عاتقه؛ فمن جهةٍ جَدّه الذي يعلم أنّه لم ينسق خلف أوامره إلّا مُجبرًا، وهو لأوّل مرّة في حياته يستغلّ شدةَ تعلّقه به، لكنّه كان مُجبرًا أيضًا على كسر شوكة تلك الحيّة، وهذه ليست سوى البداية!

ومن جهةٍ أخرى عَمّه مراد؛ فهو يعلم أنّه يكره تلك المرأة كثيرًا، وما يجعله يتحمّل وجودها هو نيفين ابنته الوحيدة، ولن يلومه على هذا، فهي لا ذنب لها سوى أنّها ابنة أسوأ امرأة على وجه الأرض.

فكيف يمكنه التخلّص من تلك المرأة دون أن يؤذي عمه وابنته؟ وكيف يعيد السلام مرّةً أخرى إلى هذا المنزل؟

إنّه ممزّق بين عائلته وقلبه؛ فأكثر ما يتمناه الجميع أن يُخالف هوى قلبه، وأكثر ما يتمناه هو أن يجمع شملهم جميعًا ويسعد مع المرأة الوحيدة التي يُحبّ، والتي ما إن يُذكَر اسمها حتّى يشعر بدقات قلبه تتقاذف بعنفٍ يوشك على الفتك بصدره.

فجمرة اشتياقه لها ما زالت مُشتعلة، بل وتزداد أكثر فأكثر، فمهما اغترف من عشقها لا يشبع ولا يملّ أبدًا.

لكن، بقدر ذلك العشق، تحرقه نيرانه، وكأنّ حبّها هو الخطيئة التي أقسمت الحياة أن تجعله يدفع ثمنها في كل لحظة تمرّ من عمره!

بُعدها يقتله، وقربها يحرقه؛ فها هي تفصله عنها سنتيمترات بسيطة، لكنّه لا يستطيع الذهاب إليها والارتماء بين جنبات عشقها، وهو الشيء الوحيد الذي يهدّئه الآن.

فقد استردّ أنفاسه عندما عادت مرّةً أخرى إلى منزله، أمّا الآن فيشعر بالاختناق؛ فوجودها معه في المكان نفسه ولكن في غرفةٍ منفصلة عنه يقتله، لكن عليه أوّلًا أن يجعلها تثق به، وأن تتعلّم مواجهة أزماتها بدلًا من الهروب منها.

فهو أبدًا لن يحتمل أن يستيقظ يومًا على فاجعة رحيلها مجددًا، فقلبه لن يتحمّل تكرار تلك المعاناة من جديد.

قاطع شروده هذا الدخولُ العاصف لتلك الجنيّة الغاضبة ذات الخصلات الحريريّة الصفراء، بعينيها المتوهّجتين من الغضب، لتبدو كشمسٍ حارقة أضفت دفئًا لذيذًا على عالمه، لكنّه استوقفته تلك النبرة المختنقة في صوتها حين قالت:

_ إحنا لازم نتكلم.

لم تستطع أن تُسيطر على براكين غيرتها التي ثارت عندما رأته خارجًا من غرفة نيفين، فاندفعت الدماء إلى رأسها ضاربةً بعرض الحائط كلَّ العادات والتقاليد، ولم تشعر بنفسها إلّا وهي تقتحم غرفته بعد أن عدّت للعشرة حتى تُسيطر على أنهار العبرات المتجمّعة في مقلتيها.

لتجد نفسها وجهًا لوجه معه، فاجتاحت جسدها رجفةٌ قويّة عندما لم يقم بأي ردّ فعلٍ سوى نظرات غامضة ألقاها عليها، وهي لا تُدرك مقدار سعادته بوجودها الآن معه؛ حتى إنّه لم يستطع التفوّه بحرف، وقد نسي غضبه منها وقسمه بأن يروّضها ويجعلها تدرك فداحة خطئها كي لا تُعيده مرّة أخرى، بل قاده قلبه إليها بخطوات ثابتة على عكس لهفته العارمة لنيل قربها والارتشاف من عشقها الذي يُعذّبه ويقضّ مضجعه.

وإن كانت السماء قد أرسلتها إليه في تلك اللحظة، فهو حتمًا لا ينوي أن يضيّع فرصته أبدًا...

وجدت نفسها محتجَزة بين قضبان عشقه التي التفّت حولها في احتواءٍ ساحق سلب منها حتى أنفاسها، ليُكلّل ذلك الاحتواء ببتلات الورد التي نثرها فوق تقاسيمها وبين ضفّتي كريزيتها، فضاع تعقّلها وكلّ ثباتها حتى إنّها لم تدرِ كيف عمّقت من اقترابهما، تُحيط بشهبها الدافئ رقبته لتُضفي رونقًا على قربهما، وكأنّها تُخبره بأنّ روحها تتوقّف على هذا القرب.

لم تنتبه لتلك الطاولة التي سقطت وتلك المزهرية التي تحطّمت، وكأنّ جميع الأصوات اختفت من حولهما، فلم يصل إلى مسامعهما سوى همسات العشق المنبعثة من قلوب أضناها البُعد.

استغرق الأمر دقائق حتى استجاب كلٌّ منهما لرجاءٍ صامت لرئتين أوشكتا على الهلاك.

أسند يوسف جبهته فوق جبهتها وصدره يعلو ويهبط من فرط الاشتعال، وأنفاسه الموقدة تُوازي ضجيج صدره المحترق بنيران العشق الذي روى خديها فأنبت زهرًا مُشعًا، مما جعله يقطف ثماره بتروٍّ ويغرسها بين بطينانه، فهو مكانها الصحيح ولن يقبل أبدًا أن تنشقّ عنه بعد الآن.

وقد كانت تُشاطره الرأي قولًا وفعلًا، فبادلته القرب بأقرب، حتى شعر بأنّ الأرض لم تعد تحمله من فرط السعادة، ليقول بصوتٍ أجش:

_ عرفتي منين إنك وحشتيني؟

أجابته كاميليا بنبرةٍ خافتة ذات وقعٍ مُثير:

_ يمكن عشان إنت كمان وحشتني!

أنهت كلماتها تزامنًا مع انهمار شلال المطر من عينيها، فأحرق صدره ليحوي وجعها بين كفوفه، ويلفّ ضماد كلماته فوق جراحها النازفة:

_ ليه الدموع دي؟

لم تُفصح عن جراحها، واكتفت بإعلان شوقها صراحةً:

_ قولتلك وحشتني.

لكنها خفضت رأسها خوفًا من أن تُعري عينيها عمق وجعها الذي صداه كان مؤلمًا بحق، فهمس بهسيسٍ خشن:

_ إيه اللي واجعك يا كاميليا؟

_ قلبي يا يوسف... قلبي واجعني أوي.

غافلتها الكلمات وانبثقت من بين شفتيها على هيئة جمراتٍ حارقة فوق طيّات قلبه المُلغم بالآلام والذكريات المضنية، لكنّه لم يجد سوى احتوائها قائلًا بحنو:

_ سلامة قلبك يا روح قلبي.

همست بحرقة منبعها جوفها المُشتعل:

_ جواه نار قايدة ومش راضية تنطفي.

شدّد يوسف من احتوائه لها، فكيف لا يعلم بنارها وقد أحرقته قبلها؟

إنّه يعلم مقدار غيرتها، لكنّه لا ينبغي أن يكون أنانيًا بعد الآن؛ يجب أن يعيدها إلى رشدها ويضع الأمور في نصابها الصحيح كي يُعاد ترميم هذا المنزل من جديد.

أخذ يربّت على ظهرها بحنان قائلًا بصوته العذب:

_ وأنا رُحت فين من كل ده!

اندفعت بنبرةٍ محرورة:

_ إنت اللي ولّعتها يا يوسف، وده اللي واجعني أكتر... إنك كنت قاصد ده.

رفعت رأسها تطالعه بعينين تبلور فيهما العتاب والألم الذي انعكس على نبرته حين قال:

_ «نا ما قصدتش أوجعك... أنا بس قصدت أفكّرك باللي كنتِ عايزاني أعمله... إني أعيش حياتي و...

قاطعته بوضع أصابعها أمام شفتيه لتمنعه من الاسترسال في هذا الحديث وتذكيرها بذنبها العظيم، وهي تقول بِلَوعة ناتجة عن احتراقٍ داخلي هائل:

_ ما تكملش... أوعى تكمل أرجوك. أنا لو كنت أطول أقطع إيدي اللي كتبت كده كنت قطعتها والله العظيم.

تلهّفت نبرته حين قال وهو يستند بجبهته على خاصتها:

_ أوعي تقولي كده تاني.

_ لا، هقول يا يوسف، وإنت لازم تسمع.

لم يستطع مقاومة إغواء الحديث معها والنظر إليها عن قرب بعدما ذاق لوعَة فراقها، وقد راقه كثيرًا ذلك التحدّي الذي لوّن نبرتها:

_ قولي اللي جواكِ... سامعك.

تجاهلت ضجيج قلبها أمام عينيه اللتين تشملانها بعشقٍ لم تخطئ في فهمه، لكنها حاولت الثبات قدر الإمكان وهي تقول:

_ لو كنت مفكر إنك كده بتربيني وبتتأكد إني اتعلمت من الدرس، فأنت اتأخرت أوي. أنا اتعلمت الدرس من أول لحظة مشيت فيها وسِبتك هنا وأنا سايبة روحي معاك.

تحشرج صوتها وهي تُضيف:

_ اتعلمت الدرس في كل ثانية اتمنيت بس ألمح طيفك حواليا عشان أحس بالأمان، بس كنت بفتكر إني أنا اللي ضيعتك من إيدي. في كل لحظة كنت بتجنن من شوقي ليك، كنت بندم وأتمنى إني أكون في كابوس وأصحى منه ألاقي نفسي جنبك.

حاولت كظم وجعها بشتى الطرق وهي تقول:

_ مش إنت اللي هتعلمني الدرس... قلبي هو اللي علّمهولي.

رفعت رأسها وهي تُناظره بعنفوان امرأة صنعت من رماد حطامها جدارًا تتكئ عليه:

_ لكن لو فاكر إن كاميليا هتقدر تكسرها واحدة تانية، وخصوصًا لو كانت الواحدة دي نيفين، فأنت غلطان... وغلطان أوي كمان. عشان قلبي اللي جابني لحد عندك دلوقتي يشتكي لك منك، هو برضو اللي هياخدني من إيدي ويقولي المكان ده مش مكاننا.

لم تفلح في إخماد لوعتها وهي تقول:

_ اتعصب، زعق، كسر، اضرب حتى لو ده هيريحك ويخليك تتأكد إني فعلًا اتعلمت من غلطي، بس أوعى توجع قلبي كده تاني.

أنهت كلماتها لاهثة، فهي تعلم أنّها قد تمادت كثيرًا معه، لكنها حتمًا لن تحتمل تلك النيران وآثارها على قلبها الذي اسودّت معالمه جراء هذا الجحيم الذي تحياه.

وكعادته، فاجأها حين قال بجفاء:

_ الإيد اللي تتمد عليكِ هقطعها يا كاميليا... حتى لو كانت إيدي.

لن تُنكر أنّ كلماته كان لها وقع الغيث على قلبها، الذي اهتزّت أوصاله من فرط المشاعر التي أثارها بها، لكنها لن تتراجع حتى تضمن أنّ طريقهما لم يكن فيه طرفٌ ثالث.

لذا قالت بلهجةٍ جافّة:

_ «يعني إيه؟ مفهمتش برضو... إيه ردّك على كلامي؟».

زفر وجعه وحيرته في آنٍ واحد وهو يقول بغلظة:

_ ما عنديش رد يا كاميليا. بس في نفس الوقت جوايا غضب كبير مش هيهدى غير بيكي... لكن....

قطعت الخطوات الفاصلة بينهما بلهفةٍ تناثرت من عينيها ولهجتها حين قالت:

_ من غير لكن. زي ما غلطت هصلح غلطتي، وهكون قد ثقتك فيا المرة دي والله. مش هسمح لحاجة ولا حد يخوفني، بس أرجوك سيبني أداوي الجرح اللي اتسببت فيه.

ضاع تردّده أمام لوعتها ورجائها:

_ سيب نفسك ليا وأنا هضيع الغضب ده كله... الله يخليك، إدي قلوبنا فرصة تانية.

رفع إحدى حاجبيه وقال مستنكرًا:

_ تانية...!

هتفت بحدّة:

_ عاشرة يا يوسف... إيه؟ ما نستحقش؟!

لم يجد منها إجابة، لتتابع قائلة بلوعةٍ أحرقت قلبه:

_ أرجوك طمني... أنا طول الوقت خايفة ومرعوبة من فكرة إنك تعاقبني وتبعد عني... طول الوقت عايزة أترمي بين حدود قلبك عشان عارفة إن ده الوقت الوحيد اللي قلبي هيأمن فيه من عقابك.

ذرفت لوعتها في تلك الكلمات المُلتاعة:

_ طول الوقت بدعي قلبك وقلبي يشفعوا لي عندك. لكن أنا بجد خايفة، وخوفي منك أكبر من أي خوف في الدنيا. أنا عارفة إنك عمرك ما بتسامح، ومش سهل أبدًا تنسى، بس أنا طول عمري بالنسبالك استثناء.

همست بلوعة:

_ صح؟ صح يا يوسف؟

قالت جملتها الأخيرة بنبرة أشبه بالتوسّل، وكانت نظرات عينيها يائسة، وكأن حياتها بأكملها متوقفة على إجابته لسؤالها. وظلت للحظات أسيرة نظراته الغامضة التي استطاعت ببراعة إخفاء ذلك الصراع الدائر بداخله بين قلبه العاشق لها وعقله الرافض لوجودها، وكلاهما يملك الحق. كان ممزقًا بينهما، يعلم أنه تنازل كثيرًا لأجلها، ودائمًا ما تغلبه نوبات اشتياقه لها فيتجاهل تحذيرات عقله، ويضرب عرض الحائط بكل القرارات التي يأخذها في غيابها. وما إن تشرق شمسها على قلبه يصبح كالمسحور أمامها، فيتحول صدره إلى بركانٍ مُشتعل من شدة لهفته إلى قربها.

همّ بإنهاء ذلك الصراع المرير على طريقته، علّه يستطيع أن يمحو تلك النظرات الحزينة من عينيها، ليتفاجأ باقتحام نيفين لغرفته. اصطدمت بوجود كاميليا داخلها، ولم تكن أقل صدمةً منها، لتتفاجأ بدخولها هكذا بلا أي استئذان، وهو الشيء الذي كان من رابع المستحيلات سابقًا. تمزقت أوتار قلب كاميليا الذي بدا وكأن قبضة قوية تعتصره، خاصةً عندما لم يصلها أي ردّ منه، لتشعر بوجوب انسحابها، وإذ بنيفين تُباغتها بذلك الاستفهام الأهوج الذي أشعرها ولأول مرة بأنها دخيلة على حياته:

_ ممكن أعرف أنتِ بتعملي إيه هنا؟

لملمت شتات نفسها بصعوبة، وقالت بصوت حاولت أن يبدو واثقًا، رافعةً رأسها بكبرياء بعد أن طالعتها نيفين بنظرة قاسية:

_ اللي بعمله هنا ما يخصكيش يا نيفين، وعموماً أنا خلصت اللي كنت جاية عشانه وكنت هخرج.

وما إن همّت بالتحرّك حتى تفاجأت بقبضةٍ قوية أوقفتها، جاذبةً إياها لتصبح على مقربةٍ كبيرةٍ منه. ولم يكتفِ بذلك، بل التف قيد عشقه حولها لتستشعر دفء حناياه يغمرها، وكأنه بتلك الفعلة محا من قلبها كل تلك الجروح التي أوشكت أن تقتلها ألمًا.

فقد كانت غافلة عن أن حزنها هو أكثر ما يقتله، وأنه لم يسمح لأحد قط بالتجرؤ عليها، وبأن مكانتها بينهم كزوجته لن يتم التعدي عليها أبدًا. وأخيرًا جاءت لهجته قاسية باردة كالصقيع:

_ في حاجة يا نيفين؟

كانت تغلي في مراجل من رؤية غريمتها بجانبه بتلك الطريقة، وقد أعمتها الغيرة. فبعد كل ما فعلته لإزاحتها من طريقها، تأتي مرةً أخرى وكأن شيئًا لم يكن!

فصاحت مغلولة:

_ عايزة أعرف هي بتعمل إيه في أوضتك يا يوسف؟

رفع يوسف إحدى حاجبيه وقال بلهجة ساخرة:

_ مش ملاحظة إن سؤالك غريب شوية! يعني في حد يسأل واحدة بتعمل إيه في أوضة جوزها؟

إن كانت قبل لحظات غاضبة، فبعد إجابته هذه أصبحت مشتعلة كالجحيم، لتزداد ثورتها وعلوّ صوتها وهي تقول باستنكار:

_ بعد كل اللي حصل يا يوسف، وبتقول مراتك؟!

قاطعها بصرامة ونظرات قاسية:

_ نيفين... الزمي حدودك وأوعي تتخطيها. اللي بيني وبينها محدش له فيه.

ازدادت قتامة نظراته، وشابهتها لهجته حين قال:

_ وماتقلقيش، قريب أوي هكشف كل اللي حصل وأسبابه قدام الناس كلها، فماتستعجليش.

أصابتها كلماته في الصميم. فهل كان يهددها الآن؟ هل أخبرته كاميليا بما فعلته والدتها؟؟

نفى عقلها تمامًا تلك التساؤلات؛ فإن كان قد علم بشيء لن يصمت ولو ثانية، بل كان سيقيم القيامة فوق رؤوسهم.

إذن، فتلك الحيّة قد استخدمت سحرها عليه مرة أخرى...

قاطع سيل أفكارها سؤاله لها، خاصةً عندما تحدث بتلك النبرة وكأن صبره عليها قد نفد ولم يعد يحتمل وجودها كحاجز بينه وبين غريمتها:

_ مش هتقولي كنتِ عايزة إيه برضه؟ ولا هنقعد طول الليل نبص لبعض هنا؟

_ أبدًا يا يوسف، كنت جاية عشان نكمل كلامنا..!

استنكر بجفاء:

_ كلامنا! إحنا كلامنا خلص خلاص، وأنا قلتلك اللي عندي. وأظن إنك دلوقتي اتأكدتِ إن كلامنا خلص.

لم تؤلمها كلماته ولا نظراته، ولا تشبثه بغريمتها بتلك الطريقة، وإنما أكثر ما آلمها تلك النظرة المُنتصرة في عيني كاميليا، والتي جعلتها تقسم داخليًا أنها لن تجعلها تستمر طويلاً. فكل ما استطاعت فعله هو إيماءة بسيطة من رأسها متبوعة بكلمات واهية، ثم اندفعت خارج الغرفة كالبرق.

وما إن خرجت نيفين من الغرفة حتى فوجئ يوسف بتلك الشعلة النارية تمسك بمقدمة قميصه وهي في حالة غضبٍ جنوني قائلة:

_ بص، أنا هادية وعاقلة أهو. عايزاك بقى أنت كمان تبقى عاقل كده، وتقول بالحرف الواحد إيه الكلام اللي حصل بينك وبين البِت دي؟ عشان ماولعش في البيت ده حريقة.

لو لم يكن يدرك علميًا أنه خطأ، لظنّ أن قلبه قد انسلّ من بين ضلوعه محلّقًا في السماء من فرط السعادة بتلك الغيرة الجنونية التي تملكتها. لكنه قاوم بشق الأنفس فكرة أن يُريها الآن مدى عشقه لها، خوفًا من عدم قدرته على التحكم بمشاعره. فاكتفى باحتوائها حتى لم تعد قدماها تلامسان الأرض، ثم تقدم إلى باب الغرفة وفتحه، ووضعها خارجه بعد أن غرس زهرة عشقه على جانب وجهها الأيمن، ليقول بفظاظة تُنافي روعة ما تحمله كلماته:

_ مش لازم كل حاجة تعرفيها. ويلا، قدامك عشر دقايق بالكتير عشان تجهزي لمعاد العشا. عايز أنزل ألاقيكِ تحت، وإياكِ تتأخري.

لم تستوعب ما يحدث، وحين أوشكت على الحديث فجّر بارود عشقه في تلك الجملة البسيطة:

_ يا أحلى استثناء في حياتي.

أنهى كلماته ثم أغلق الباب خلفها، ودقات قلبه تقرع كالطبول؛ فتلك المجنونة التي امتلكت قلبه قادرة على إشعاله كليًا بهذه المشاعر القوية التي تثيرها فيه، والمقاومة مُهلكة حتى الألم، فلا يعود يعلم أي سلطةٍ تملكها تلك المرأة على قلبه لتجعله أمامها مغيَّبًا، لا يشعر بشيء سوى بأنها منه وتنتمي إليه.

★★★★★★★

لقاءٌ عابر واحد قد يقلب حياتك رأسًا على عقب، و يُزلزل أعماقك حتى تشعر أنّ ما مضى من عمرك لم يكن سوى ظلال حياة، وأن ميلادك الحقيقي لم يبدأ إلّا منذ تلك اللحظة. لحظةٌ تتسلّل إليك بلا موعد، تُعيد ترتيب فوضاك، وتوقظ في قلبك ما كنت تظنه قد مات، فتفتح أمام روحك أبوابًا من الدهشة، وتجعلك ترى العالم كما لو أنك تولد من جديد

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

بعد مرور عدّة أيّام، كانت تدور في غرفتها كالفراشة الحائرة، لا تدري ما الذي عليها أن تفعله لتُهدِّئ قليلًا من ذلك الشوق الذي يحرقها منذ آخر لقاءٍ بينهما.

فلا تزال تذكر جيّدًا كيف كانت نظراته إليها؛ فقد كانت تشعر وكأن عينيه تُغمرانها، وكأن ضلوعه تحتويها رغم عدم اقترابه منها.

كانت تشعر وكأن هناك مغناطيسًا يجذبهما إلى بعضهما. حاولت كثيرًا ألّا تفكّر به، لكن عبثًا؛ فما إن تحاول طرده من مُخيّلتها وتلجأ إلى النوم حتى يأتيها في الحلم فارسًا على حصانه الأبيض يختطفها كما يختطف الأمير محبوبته.

تعلم في قرارة نفسها أنّ هناك الكثير من العقبات أمامهما، لكن ما حيلتها أمام قلبٍ هام به عشقًا من أوّل لقاء، رغم رفضها لتلك المشاعر، خاصّةً أنّه لم يتخذ خطوة واحدة تجاهها. ومع ذلك، تجد نفسها مجبرة على التفكير به كلّ دقيقة، حتى أنّها في بعض الأحيان كانت تتشاجر معه في عقلها كي يتركها طيفه وشأنها...

قاطع شرودها صوت رنين هاتفها، فالتقطته لتشعر وكأن تيارًا كهربائيًا صعقها عندما وجدت أنّ المتصل لم يكن سوى ذلك الفارس المطبوع اسمه على جدران قلبها.

ازدادت وتيرة أنفاسها وارتجافة يدها وهي تضغط على زرّ الرد، لتضع الهاتف على أذنها وتجيب بنبرة مهزوزة:

– آلو...

أتاها ذلك الصوت الذي اشتاقت إليه بشدّة، فرقص قلبها طربًا لسماعه حتى ظنّت أنّ صوت دقّاته قد وصل إليه. ولم تكن تدري شيئًا عن معاناته؛ فقد حاول طويلًا أن يتجاهل اشتياقه لها ورغبته الملحّة في محادثتها. فهو رجل غير معتاد على اللهو والعبث، وخصوصًا أنّ بينهما علاقة أسريّة، فآثر أن يتأكّد من حقيقة مشاعره نحوها قبل أن يتخذ أيّ خطوة، كي لا يندم لاحقًا.

أخذ يقاوم ضجيج قلبه الذي كان يتوسّله أن يروي ظمأ اشتياقه، لكنّه كان يردعه بشدّة، إلى أن فاض به الأمر وقرّر في لحظة جنونيّة أن يهاتفها بحجّة الاطمئنان على ابنة خالته. وسرعان ما اتصل بها، ليأتيه صوتها العذب الذي جعل ذلك الساكن على يساره يرتجف من شدّة الشوق.

– إزيك يا روفان؟

قالها علي بنبرته الجذّابة التي يتخلّلها الثبات فيضفي عليه مزيدًا من الجاذبيّة. حاولت أن تبدو لهجتها ثابتة مثله حين قالت:

– الحمد لله، بخير. إزيك إنت يا سيادة الرائد؟

– بخير ما دمتِ بخير...

قالها علي بصدق، فكونها بخير يجعله يشعر بأنّه على ما يرام حتى لو لم يكن كذلك.

تلعثمت من حديثه وتضاعف ارتباكها، فجاءت نبرتها مرتجفة:

– يارب دايمًا.

صمتٌ دام ثوانٍ، كسره علي زافرًا وكأنّه كان في معركة أنهكته، ليقول بنبرة عميقة:

– وحشتيني!

باغتتها كلمته حتى شعرت أنّ قلبها قفز من بين ضلوعها من شدّة انتفاضته، فتسارعت أنفاسها وجفّ حلقها. أيُّ شعور هذا الذي جعلها تحلّق في السماء السابعة من مجرّد كلمة؟

وجدت صعوبة في إخراج صوتها، فصمتت خوفًا من أن تخبره بأنّها تموت شوقًا إليه، لتأتيها نبرته التي يشوبها بعض القلق من صمتها:

– روفان... إنتِ لسه معايا؟

– معاك...

أجابته هامسة، فبادرها بلهفة:

– ليه ما بتردّيش عليّ؟

– ينفع أسألك سؤال؟

هكذا همست، فقابلها بمزاح:

– ينفع تسألي اللي إنتِ عايزاه من غير ما تستأذني.

تحدثت بلهفة ولهجة حوت بعض العتب:

– إنت ليه مشيت كده على طول من غير حتى ما تسلِّم عليّ... قصدي علينا؟

اتسعت ابتسامته، فقد كشفت تلك الصغيرة عن اشتياقها له بذلك السؤال الذي يفضح براءتها وقلّة خبرتها، ليجيبها بلهجة صادقة:

– غصب عني والله. كان نفسي أسلِّم عليكِ أوي قبل ما أمشي، بس حصلت ظروف اضطرتني أسافر بسرعة.

هتفت بلهفة وبنبرة طفوليّة راقت له كثيرًا:

– وماتصلتش بيا ليه من وقت ما مشيت؟

ما إن أنهت جملتها حتى شعرت بمدى خطئها في البوح بافتقادها له، فحاولت تصحيح عبارتها سريعًا:

– أقصد يعني... ما اتصلتش تطمّن على كاميليا ليه؟ هي مش برضه بنت خالتك؟

ابتسم هذه المرة ابتسامة واسعة على هفوتها المحبّبة إليه، ليشاكسها قائلًا:

– ما اتصلتش على كاميليا لأني بعرف أخبارها كل يوم من ماما والبنات... وما اتصلتش عليكِ لأني ما بحبّش آخد خطوة غير وأنا متأكد منها.

– واتأكدت؟

– وإلا ما كنتش اتصلت.

ما إن ختم كلماته حتى أتاه صوت كارما من الخارج قائلة:

– يلا يا لول... الناس جت تحت، تعالى عشان تفتح لهم.

شعرت روفان بالحرج فقالت بلهفة:

– طب... شكلك مشغول، أسيبك بقى لضيوفك.

علي بتذمّر:

– للأسف مضطر أقفل معاكِ لأن الضيوف دول ما ينفعش يتأجلوا.

خربش الفضول جدار قلبها لتسأله بلهفة:

– ليه؟ هم مهمّين أوي كده؟

– آه يا ستي، دا عريس جاي لغرام أختي وجاي من آخر الدنيا عشان نقرأ الفاتحة النهاردة. إنتِ ممكن تكوني تعرفيه... دكتور رامي اللي كان بيشرف على حالة كاميليا في المستشفى. فللأسف ما أقدرش أكنسل الميعاد، وإلا ما كنتش سيبتك.

اطمأن قلبها لمعرفة ما يجري، لتقول بخجل:

– لا ولا يهمّك... ألف مبروك. عقبالك.

أجابها علي متخابثًا:

– هنشوف موضوع عقبالك ده بعدين. سلام دلوقتي ونكمّل وقت تاني... في كلام كتير عايز أقولهولِك.

أغلقت روفان الهاتف ووضعته فوق قلبها الذي كان يرقص طربًا لتلميحاته المبطنّة، وأيضًا لتصريحه باشتياقه لها بعد معاناة مريرة من افتقادها له. ها هو يعيد إلى قلبها الطمأنينة ويبثّه بتلك الكلمات البسيطة سعادةً فريدة لم تشعر بها قط طوال حياتها، حتى شعرت أنّ الأرض لا تحملها.

أخذت تدور حول نفسها كالفراشة مغمضة العينين، لتصطدم بتلك التي كانت تستمع لحديثها منذ بدايته وتنظر إليها بخبث، فقد فهمت على الفور أنّ صديقتها قد وقعت في العشق.

– الله الله... دا إيه الفراشة اللي طايرة في القصر بتاعنا دي إن شاء الله!

روفان بحنق:

– إيه يا هبابة! خوّضتيني. مش تخبطي أو تكحّي وإنتِ داخلة!

تشدّقت ساخرة:

– يا تي بطّة... الأوزعة بتاعتي بقت بتتخض زي باقي البشر! لا لا... مش مصدّقة نفسي.

روفان بحنق:

– خفّي! إيه يا بت اللطافة دي؟

أغمضت كاميليا عينًا وفتحت الأخرى ثم ألقت ذراعها حول كتفي روفان قائلة بنبرة ذات مغزى:

– أممم... وهيبقى ألطف وألطف لو قولتيلي إيه الجو اللي كان في الفون ده؟

ارتبكت روفان من كلمات كاميليا خشية انفضاح أمرها، فقالت بارتباك:

– إيه ده! هو إنتِ واقفة هنا من إمتى؟

افتعلت كاميليا ملامح حالمية على وجهها وقالت بلهجة رومانسية مُفتعلة:

– من أول: "ما اتصلتش بيا ليه من ساعة ما مشيت؟" أقصد "ما اتصلتش تسأل على كاميليا ليه؟ هي مش برضه بنت خالتك؟" بتجيبوا سيرتي ليه؟ ها؟ ليه؟

امتعضت ملامح روفان من افتضاح أمرها كليًا أمام صديقتها، فقالت بجفاء:

– أهو أخيرًا بقى لكِ لازمة والواحد هيعرف يستفيد منك في حاجة.

عبثت كاميليا بخصلاتها مازحة وهي تقول:

– أنا يا أوزعة... ما ليش لازمة!

تأفّفت روفان محاولة نزع خصلاتها من يدها:

– بس يا بت... سيبي شعري.

عاندتها قائلة:

– مش هسيبه غير لما تقوليلي الموضوع من طأطأ لسلامو عليكم.

برقت عينا روفان من فرط الإثارة، ثم اعتقلت رقبة كاميليا ساحبةً إيّاها للجلوس فوق المخدع سويًا، قائلة بحماس:

– تعالي هقولك... ده أنا عندي كلام كتير عايزة أحكيهولك يا بت يا كامي.

شاركتها كاميليا الحماس، معانقة رقبة روفان وهي تصيح بمرح:

– أيوة بقى... عايزين نرجع أيّام الرغي والنميمة بتوع زمان!

★★★★★★★★

أعتقد أن من اجمل ما يمكن أن يمتلك الإنسان في حياته هي روح آخرى تُشاركه جميع أحزانه و أفراحه تحنو عليه وقت احتياجه فقد جاء الصديق من الصدق . الصدق في كل شئ لذا فأنا أعتقد بأن التعريف الصحيح للصديق هو ذلك الشق الذي انشطر من روحك ليسكُن جسد آخر حين تحتضنه تشعر بالإكتمال فإن كان كل البشر كاذبون فروحك أبدًا لن تفعل فهي دومًا صادقه فهنيئًا لمن وجد ذلك الشق المفقود من روحه .

أعتقد أنّ أروع ما قد يُرزق به الإنسان في رحلة حياته هو روح أُخرى تتغلغل إلى كيانه بهدوء، فتشارك نبضه قبل كلماته، وتقتسم معه الفرح والحزن على حدًا سواء، تحنو عليه في أوج احتياجه كحضنٍ خُلق ليُسكّن العاصفة.

فالصديق ليس مجرّد رفيق عابر، بل صدقٌ خالص؛ صدقٌ في الحضور، في الغياب، وفي الشعور. هو ذلك الشقّ الذي انشطر من روحك يومًا ما، ثم شاء القدر أن يسكن جسدًا آخر، لتلتقيه فتتآلف قلوبكم، وتحتضنه فتشعر أنّك عُدت إلى وطنك. حتى و إن تلونت وجوه البشر بالكذب، تبقى الأرواح النقية عصية على الزيف؛ فروحك تعرف نصفها الضائع حين تلمحه، وتُقسم بأن هذا الامتداد هو أنت، أنت في هيئة أخرى، فطوبى لمن عثر على شقه  الساكن في جسدٍ آخر، و اطمأن قلبه بأن الاكتمال ليس وهمًا، بل لقاء حقيقي يُعيد للروح ما فقدته منذ زمن.

نورهان العشري ✍️

★★★★★★★★

في مكانٍ آخر، نجد روحًا تائهة لا تدري على أي أرضٍ تقف، ولا في أي مكانٍ يجب أن تكون. تشعر أنّها وضعت نفسها بين شقّي الرحى بقرارها الموافقة على تلك الزيجة؛ فقد أعماها بريقُ الانتقام وأغرتها لذّة طعمه حين تتخيّل الهزيمة والقهر في عيني من كسر بريق روحها وأفقدها طعم الفرح، غير مدركة أنّ تلك اللذّة تخفي في أعماقها مرارةً لن يقوى فؤادها على تحمّلها.

لكنها أبت الهزيمة، وفضّلت ذلك الانتصار المزيّف الذي صوّره لها قلبها المكسور، فأقدمت على قرارٍ تشعر أنّه كالحبل الذي التفّ حول عنقها ما إن سمعت الأصوات تتعالى في الغرفة تختتم الفاتحة... فاتحةُ الطريق إلى هلاكها.

> «ولا الضالّين... آمين».

ما إن انتهت العائلتان من قراءة الفاتحة حتى توالت التبريكات على العروس غرام وعريسها الدكتور رامي، الذي بدا في غاية السعادة بارتباطه بتلك الجنيّة الجميلة التي سرقت النوم من عينيه منذ لحظة رآها. لم يكن يعلم شيئًا عن الحرب التي تشتعل في داخلها، حربٌ لا يدركها سواها وشقيقتها ووالدتها.

كانت الأم تدرك في قرارة نفسها خطأ قرار ابنتها، فحاولت مرارًا ثنيها عن هذا الطريق، لكن غرام ظلّت متمسكة بعنادها، حتى استسلمت الأم في النهاية، تاركةً لها مسؤولية تحمّل نتيجة اختيارها.

اقتربت كارما من والدتها هامسة بحزن:

«ماما... حاسة إن غرام مش مبسوطة. شفتي شكلها تايهة إزاي؟»

أجابتها فاطمة بحزم:

«الموضوع دا اتقفل خلاص. هي خدت قرارها ولازم تبقى قدّه وتتحمل نتيجته. اللي يشيل قِربة مخرومة تخرّ على دماغه. يلا بينا نبارك لهم.»

تقدّمت فاطمة نحو ابنتها بقلبٍ يتألم، لكنها أخفت ما يعتمل في صدرها، واحتضنتها متمتمة بكلمات المباركة. غير أنّ غرام فاجأتها بالتشبث بها بقوة، وكأنها طوق نجاتها، فيما انهمرت من عينيها بضع قطرات دموعٍ شاكية:

> «أتألّم يا أمي...»

ربّتت فاطمة على شعر ابنتها بصمت؛ فإن لم تستطع مشاركة حزنها علنًا، فلتترك لقلبها أن يهمس لها ببعض الأمان. طال العناق حتى لاحظه الجميع، فتدخّل علي مازحًا:

«إيه يا جماعة، في إيه؟ قلبتوها دراما ليه كده؟ دي لسه قراءة فاتحة يعني لسه قعدة على قلبنا شويّة!»

رجّحت والدة رامي أنّ دموع العروس سببها افتقادها لوالدها، فأجابت:

«دي دموع الفرح يا علي. واضح إن عروستنا مش بس جميلة، دي كمان رقيقة وحساسة أوي.»

رفع علي حاجبيه بدهشة مصطنعة وقال:

«غرام أختي... رقيقة وحساسة؟!»

فأجابته غرام بلهجة ساخرة:

«قصدك إيه! مش عاجباك ولا حاجة؟»

نجح علي في تشتيت انتباهها عن حزنها، وما إن سمعت تعليق والدة خطيبها حتى انسلت من حضن والدتها، لتعود شخصيتها المرحة شيئًا فشيئًا:

«لا طبعًا، هو في زيك يا ميمو! دا إنتِ أجمل وأرقّ حد في الدنيا.»

ابتسم علي بصدق وهو يحتضن شقيقته مهنئًا، محاولًا ألا يلتفت إلى حدسه الذي يهمس له بوجود أمرٍ مريب، مؤجّلًا النقاش لوقتٍ آخر.

قال والد رامي:

«طيب يا جماعة، مش نسيب العرسان يتكلموا شوية مع بعض؟»

وافق علي، فخرج الجميع تاركين العروسين بمفردهما. جلست غرام صامتة، تخفض رأسها، تتمنى لو تسعفها قدماها للهرب من الغرفة، بينما قاطع رامي شرودها بنبرة هادئة:

«غرام...»

«نعم.» أجابته باقتضاب.

«هتفضلي ساكتة وباصّة في الأرض كده كتير؟»

«عايزني أعمل إيه؟» ردّت بنفس اللهجة، متجنبةً النظر إليه.

سألها بلطف:

«مش حابة تسأليني عن أي حاجة؟»

«لا.»

لم يثنه ردّها القصير عن مواصلة الحديث، محاولًا تفسير جمودها بالخجل:

«طب ينفع أنا أسألك؟»

«اتفضل.»

«إنتِ وافقتي عليّا ليه؟»

أصابها سؤاله في الصميم؛ فالإجابة بحد ذاتها كارثة. عجز عقلها عن إيجاد رد، فطال صمتها حتى نهض رامي، وهو يغلق زر سترته التي بدا فيها بأبهى صورة، وقال بهدوء:

«مش هضغط عليكِ دلوقتي. هسيبك تفكري من هنا ليوم الخطوبة، وأتمنى أسمع الجواب من قلبك وتكوني مقتنعة بيه. عن إذنك.»

وغادر رامي، تاركًا خلفه قلبًا مهشّمًا وروحًا محترقة لا تدري أي هوّةٍ سحيقة أوقعت نفسها فيها. ها هي قد أصرت على قرارها، غير عابئة بتلك اللحظة أو بألم قلبها الذي كان يتوسل إليها أن تركض خلفه، لتوقفه وتعتذر له آلاف المرات عن غبائها... وعن إقحامه في دائرة انتقامٍ لعين لا ذنب له فيها.

★★★★★★★★

أتقنت كاميليا وضع زينتها البسيطة على وجهها لتبدو آيةً في الجمال والفتنة، بذلك الشعر الذهبي الذي جعدته قليلًا وتركته حرًّا على كتفيها ممتدًا لأسفل ظهرها، يتمايل حولها برشاقة وسحر يُجبر كل من يراه على الانبهار بمظهره. ارتدت قميصًا بسيطًا باللون الأخضر الفاتح (الفسدقي) بنصف أكمام يتوسطه حزام عند الخصر، مع بنطال من الجينز يلتصق بجسدها ليبرز رشاقته وجماله.

نظرت إلى المرآة برضا، فقد أعلنت التحدي على هواها والتمرد على عشقها له، وليكن هذا عقابًا على امتناعه عن إخبارها بما دار بينه وبين تلك الأفعى، لتعلن الحرب الباردة بعد أن اطمأن قلبها قليلًا حين أخبرها بأنها الاستثناء الوحيد في حياته.

وبرغم أن كلماته التفت حول جدران قلبها المهترئة من فرط الوجع لترممها كما لو أنها لم تُجرَح من قبل، فإنها أبت التسليم أمام سحر حضوره الذي يُذيبها عشقًا، وتلك النظرات الشغوفة التي كان يرمقها بها من حين لآخر عندما يجتمعان في مكان واحد. فقد كان يفتعل الانشغال بأعماله عنها طوال الأيام الماضية، أو هكذا ظنت، لتقرر هي في المقابل تجاهله ولكن على طريقتها.

خرجت من غرفتها، وما إن لمحته قادمًا من الأسفل حتى تظاهرت بالحديث في الهاتف بيد، وباليد الأخرى أخذت تعبث بإحدى خصلاتها في غنجٍ غير مُفتعل. مرّت بجانبه رافعةً إحدى حاجبيها كتحيةٍ عابرة، وما إن تجاوزته حتى حرّكت جانب شعرها ليتطاير خلفها إلى الحد الذي لامست أطرافه ملامح وجهه، لتصيبه بلعنة الاشتياق التي كان يعاني الأمرّين في إخمادها. اجتاح داخله حريقٌ هائل جراء مرورها بجانبه، وتغلغلت رائحة شعرها في رئتيه، لتغمره نشوة العشق تأثرًا بتلك الملامسة البسيطة.

تلك المرأة تمتلك من السحر ما يجعله أسيرًا لكل إنشٍ فيها، إلى درجة جعلته يتبعها إلى الأسفل دون وعي منه، فكل ما يريده الآن أن يروي ظمأ قلبه من شهدها، ويشعر بها بين طياته، فلا طاقة له على البعد أكثر من ذلك.

وما إن همَّ بالنزول حتى وجد مازن يدخل من باب القصر، ليخرجه من حالة السكر اللذيذة التي أدخلته إليها ساحرته الصغيرة، عندما هتف مناديًا:

_ يوسف... يوسف!

كرر مازن نداؤه أكثر من مرة حتى اضطر إلى رفع صوته ليجذب انتباهه، لكن قلب يوسف كان يتبعها رغمًا عنه كالمغيب.

استفاق من سحرها الذي طوّق قلبه، ليرد على صديقه بنفاد صبر:

_ نعم؟

_ نعم الله عليك! بقالي ساعة بنادي عليك وانت ولا هنا!

تحدث مازن بسخرية، فاقترب منه يوسف موبِّخًا:

_ خلاص يا زفت، أنا قدامك أهو. عايز إيه؟

_ أبدا يا عمنا، عايزك تجهز نفسك آخر الأسبوع عشان خطوبتي على كارما.

تحدث مازن بسعادة، ليتفاجأ يوسف قائلًا:

_ خطوبة على طول كده؟ مش لما نروح نتفق ونقرأ الفاتحة الأول؟

أجابه مازن بنفاد صبر:

_ لا يا عم! بقولك إيه، أنا قاري فتحتها من وهي لسه في اللفة. مش هستنى بقى الأفلام دي كلها.

مش كفاية عليّ الواطي مرديش يخليها خطوبة وكتب كتاب، وقال نلبس دِبَل الأول وبعدها كتب الكتاب بعد ما تخلص امتحاناتها.

تعالت ضحكات يوسف ساخرًا من سخط مازن الواضح على ملامحه، ليقول باستفزاز:

_ تصدّق الواد علي ده بيفهم! طب إيه وجهة نظره في التأجيل ده؟

أجابه مازن مغتاظًا:

_ قالك عشان ما يعطلهاش عن مذاكرتها!

على أساس إنّي مش هكلمها ولا أقابلها، ومش بعيد أتغرغر بيها كمان!

_ يخرب بيتك يا عم، ده أنت واقع! ربنا يستر وما تجبلناش مصيبة.

تحدث يوسف مازحًا، ليجيبه مازن مؤكدًا:

_ بس ما تقاطعنيش... المصيبة جاية جاية. المهم باقي العيلة فين عشان أقولهم يلحقوا يجهزوا نفسهم؟

_ هتلاقيهم في الصالون، أكيد كلهم متجمعين. أصل معاد العشا مفضّش عليه كتير. يلا نتعشى كلنا سوا.

دخل كلٌّ من مازن ويوسف إلى الصالون ليجدوا الجميع متواجدين، والأحاديث الجانبية دائرة بين روفان وكاميليا.

وما إن لمحته قادمًا حتى تسارعت دقات قلب كاميليا، خاصةً عندما التقت شعلتا عينيها بزرقاويه، ليجري بينهما ذلك التيار الكهربائي والصراع الأزلي بين حرارة النيران وبرودة المياه.

جلس هو على الكرسي المقابل لها بعد أن ألقى التحية دون أن يحيد بنظره عنها، لكن عيناه بدتا غامضتين كثيرًا.

لم تفهم أهي نظرات غضب، أم إعجاب، أم لهفة، أم اشتياق؟

لم تكن تدري أن تلك النظرات تحمل كل هذه المتناقضات؛ فهو، برغم غضبه من تجاهلها، لا ينكر إعجابه ولهفته واشتياقه إليها، لكنه – كالعادة – لا يُظهر أمامها إلا القليل مما يعتمل في داخله.

قاطع مازن سيل أفكارها عندما قال:

_ إن شاء الله خطوبتي يوم الجمعة على كارما يا جماعة، وهكون مبسوط لو كنتوا موجودين معايا.

_ طبعًا طبعًا يا مازن، لازم نكون معاك.

اندفعت روفان بالرد وكأنها تنتظر هذه اللحظة منذ سماع الخبر، لتشاركها كاميليا التي أرادت مشاكسة يوسف، فنظرت إليه بتحدٍّ قائلة:

_ وأنا طبعًا لازم هكون موجودة.

مازحتها صفية قائلة:

_ كلنا هنكون موجودين يا بت، ولا عشان العروسة بنت خالتك محدش هيعرف يكلمك؟

قاطعتها روفان بحماس:

_ عروستين يا مامي، مش واحدة بس!

أصل غرام أخت كارما هي كمان هتتخطب في نفس اليوم، ومش هتصدقي لمين!

أجابتها صفية مستفسرة:

_ لمين يا أم لسانين؟

هتفت روفان بفرح:

_ لدكتور رامي اللي كان بيتابع حالة كاميليا في المستشفى!

وما إن أنهت روفان جملتها حتى انتفض الجميع على صوت ذلك التحطم القادم من الخلف...

يتبع .......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...