الوجه الخامس و العشرون للعشق 🌹
أعظم انتصارٍ قد يحقّقه الإنسان في حياته، أن يتجاوز أشخاصًا كانوا كالإدمان بالنسبة له، فبات يتنفس وجودهم، و يُصيبه الاختناق في غيابهم. أولئك الذين كان يظن أن الحياة بدونهم لا تُطاق، فإذا به يكتشف أنه يستطيع أن يحيا بل و يذدهر دون الحاجة إلى وجودهم.
أن يصل إلى لحظة لا يرتجف فيها قلبه عند ذكر أسمائهم، ولا تهتز روحه لذكراهم، حينها ينال حريته الحقيقية. فكم من خسارةٍ يظن الإنسان في بدايتها أنها وجعًا، فإذا بها تُصبح أعظم انتصار لنفس تعلمت أخيرًا كيف تختار السلام على التعلق.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان علي يُلملم أغراضه استعدادًا للعودة إلى المنزل عقب انتهاء نوبتجيّته، فاستوقفه رنين هاتفه، فوجد المتصل مازن، فأجابه بمرح كعادته:
_ خير، اللهم اجعله خير، شُفتني في الحلم ولا إيه؟
شاطره مازن المزاح قائلًا:
_ يا عم تُف من بُقّك! دي أشكال أحلم بيها برضو!
_ أومال متصل بيا الساعة تمانية الصبح ليه يا خفيف؟
قال مازن بتهكم:
_ والله لولا الحاجة ما كنت هتصل عليك ولا عبرتك، بس يالا، لأجل الورد يتسقي العليق.
أجابه علي بوعيد:
_ ورد! أُمممم... طب إيه رأيك بقى إنك لا هتطول الورد ده ولا هتشم ريحته، ولا حتى في حلمك!
اندفع مازن بلهفة:
_ حبيبي يا علُوّة، ده أنا بهزر معاك والله! أنت بقيت قفوش ليه كده؟ حبيبك أنا.
قهقه علي قائلًا بتشفٍّ:
_ أيوه كده، اتعدّل بدل ما أعدّلك يا بتاع الورد إنت.
_ مقبولة منك يا أبو نسب. طب بخصوص الورد بقى... وردتي حبيبتي أخبارها إيه؟ برنّ عليها، فونها مقفول، فاضطريت أرنّ عليك عشان أطمن عليها.
أجابه علي بجهل:
_ معرفش، أنا كان عندي نوبتجية ولسه هروّح أهوه، حتى غرام تليفونها مقفول برضو.
قاطع حديثهما ذلك الشاب في عمر المراهقة، الذي كان يهرول قادمًا تجاه علي وهو يصيح:
_ يا علي بيه! يا علي بيه! الحقني يا علي بيه!
_ في إيه يا سيد؟
تحدث الشاب سيد، لاهثًا، وهو ابن البوّاب الخاص ببنايتهم:
_ الست كارما والست غرام كانوا خارجين من شوية، ولقيت ناس راكبين عربية سودا نزلوا خطفوهم وركّبوهم العربية ومشيوا!
ذُعِر علي من حديث ذلك الشاب، فصاح بانفعال:
_ أنت بتقول إيه؟! ناس مين دول؟! وعملوا إيه في إخواتي؟!
قال سيد لاهثًا:
_ ناس مغطّيين وشّهم، وشدّوا الست كارما والست غرام وركّبوهم العربية بالعافية، بعد ما حطّوا حاجة على مناخيرهم دوّختهم، وأنا أول ما شوفت كده طلعت أجري أخبط على باب الشقة بتاعتكم، محدّش رد، قُمت نازل جري على هنا عشان أبلغك.
انخلع قلب ذلك الذي كان على الهاتف، فصرخ قائلًا بهلع:
_ إيه اللي أنا سمعته ده يا علي؟! كارما جرالها إيه؟!
أجابه علي، وقد بهتت ملامحه، وللحظة شعر بالضياع:
_ مش عارف يا مازن، سيد بيقول شاف ناس ملثّمين بيخطفوا كارما وغرام وبيركّبوهم عربية غصب عنهم.
شعر مازن بقبضة قوية تعتصر قلبه، حتى إن أنفاسه أوشكت على الانقطاع، وسقط الهاتف من يده، فلم يلمح ذلك الذي دخل غرفته وهو يقول صائحًا بحماس:
_ مازن! أنا عرفت هصالح غرام إزاي!
صُدم أدهم، وتبدلت ملامحه من الحماس إلى الخوف وهو يشاهد حال مازن المزرية، بدموعه المتساقطة على خديه ونظراته الضائعة، فدنا منه بخطوات سلحفائية وسأله بتمهل خوفًا من إجابته:
_ مالك يا مازن؟ في إيه؟
أجابه مازن بلهجة مرتعبة:
_ كارما وغرام اتخطفوا...
******************
إن لم تكن وطني فلماذا أشعر بالغربه كلما ابتعدت عنك.
أخذت كاميليا تنظر إلى هذا الملاك النائم بجانب روفان في مخدعها، منكمشًا على نفسه وكأنه يشعر بمدى برودة هذا القصر حتى في منتصف آب، فمرّرت يدها على ملامحه الجميلة، فهي تشعر نحوه بنوعٍ من الألفة لم تعهدها من قبل، لكنها رجّحت ذلك لتشابه ظروف كليهما.
فهي طوال الليل تحتضنه، تحاول أن تبثّه الحنان الذي يفتقده منذ زمن، فقد تعرّضت لمثل هذا الموقف عند رحيل والديها، فكل ما كانت تحتاجه حينها هو عناق يبثّ الدفء والطمأنينة في أوصالها، والحقيقة أن يوسف كان ذلك الصدر الحنون الذي امتصّ جميع أحزانها، وحاول مداواة جروحها، وكان دائمًا الحصن المنيع الذي احتمت به من شرور هذا العالم.
أخرجها من شرودها تململ الصغير بين يديها تمهيدًا لاستيقاظه، فرسمت ابتسامة عذبة على وجهها قائلة بحنان:
_ صباح السكر على أحلى زين في الدنيا.
أجابها الصغير بخجل بعد أن استيقظ تمامًا:
_ ثباح الخيل.
_ ها بقى يا بطل، قولي نِمت كويس؟
_ الحمد لله.
قالها الصغير بحزنٍ ارتجف له قلب كاميليا، فاحتضنته بحبٍّ سكبته حروفها حين قالت:
_ إيه يا حبيبي، مالك زعلان ليه؟
_ مَمتي كانت دايمًا تسألني السؤال ده لما أصحى من النوم.
شعرت كاميليا بوخزات الحزن تنغز في قلبها، وتساقط الدمع من بين عينيها تأثرًا وشفقة على ذلك الصغير، فقامت بتقبيل جبهته قائلة بحنان:
_ مش إحنا قولنا إن ماما سافرت عند ربنا، وإنها في مكان جميل أوي دلوقتي؟
زمَّ شفتيه الجميلتين محاولًا منع نفسه من البكاء، فجاءت كلماته متقطعة وهو يقول:
_ بس... أنا... عايزها... وحشتني... أوي.
قالت كاميليا بحنوّ:
_ بص، هنتفق اتفاق. بما إن أنا مَمتي كمان عند ربنا، فهقولك أنا بعمل إيه لما توحشني.
لما ماما توحشك أوي، بصّ للسما وقول: "ربنا يرحمك يا ماما"، وبعدين اقعد احكيلها واتكلم معاها، هي سمعاك وشيفاك وحاسّة بيك.
قال زين بلهفة:
_ بجد يا كامي؟ يعني مامي سمعاني وشيفاني دلوقتي؟
_ بجد يا روح كامي، وتقدر تقولها كل اللي نفسك فيه.
هبّ الطفل ملهوفًا من مخدعه وهو يقول:
_ طب أوعي كده بقى.
توجّه إلى الشرفة وقال ببراءة وهو يلوّح بيديه ناظرًا نحو السماء:
_ مامي، ربنا يرحمك. وحشتيني. أنا عايز أقولك إني جيت مع بابي في قصر كبير أوي، وفيه ناس كتير شكلهم يخوّف وبيزعقوا، وشكلهم مش بيحبوني.
بس كامي وروفي بيحبوني وبيتلعبوا معايا. متخافيش عليّا، أنا راجل زي ما كنتي بتقوليلي، ومش هعيّط.
عاندته العبرات وتناثرت على وجنتيه الجميلتين قبل أن يُتابع بحزن:
_ إنتِ وحشتيني أوي يا مامي، ونفسي أحضنك مرة واحدة بس، عشان إنتِ سافرتي من غير ما أعرِف، وملحقتش أحضنك.
انفطر قلب كاميليا لمشهد ذلك الطفل الذي جسّد معاناتها عند رحيل والديها، فقد كانت تأتي ليالٍ تتمنى لو أنها استطاعت أن تعانقهما ولو لمرة واحدة قبل رحيلهما.
فأخذت العبرات تنهمر بغزارة على وجنتيها دون أن تكون لها القدرة على إيقافها، لتتفاجأ بتلك اليدين اللتين احتوتاها من الخلف، فعرفت هوية صاحبهما على الفور، فألقت برأسها إلى الخلف ليحتوي كتفه وجعها، فلطالما كان هو حصنها المنيع الذي تتكئ عليه في كل حروبها وأزماتها.
أشار يوسف بعينيه إلى روفان التي استيقظت وشاهدت ما يحدث، فترقرقت العبرات في مقلتيها حزنًا على هذين اليتيمين، إلى أن أشار إليها يوسف بأن تأخذ الصغير إلى الخارج حتى لا يرى حالة الانهيار التي تعيشها حبيبته.
فما إن خرجت روفان بصحبة الطفل، حتى تحدثت كاميليا قائلة بنبرة تتضور وجعًا:
_ أنا حاسة بيه أوي، أنا شفت اللي هو شافه ده، وجربت اللي هو جربه.
شهقة متألمة انبعثت من جوفها قبل أن تُتابع بلهجة مشجوبة:
_ أنا وقفت زيه كده بالضبط، واتمنيت نفس الأمنية دي، كان نفسي بس في حضن منهم قبل ما يسيبوني ويمشوا، كنت عايزة أشم ريحتهم لآخر مرة.
تعانق الألم بالحرمان في قلبها، فانسابت الحروف مذبوحة من بين شفتيها:
_ أنا عايشة الوجع ده لحد دلوقتي، ولسه نفس الأمنية دي جوايا يا يوسف، ومهما عدّت السنين هفضل أتمناها، هفضل أتمناها لحد ما أروح لهم.
تعاظم أنينها وهي تنعي أمنية كانت ولا زالت مستحيلة:
_ عارف لما تبقى أمنيتك الوحيدة في الحياة مستحيلة، وإنت عارف ده، بس مش قادر تبطّل تتمناها؟
فما أسوأ الرحيل الذي يأتي بغتة دون أن يترك لك الوقت لعناقٍ واحدٍ أخير، فتظل واقفًا عند هذه اللحظة عمرًا بأكمله، تردد عبارة: "يا ليت الزمان يعود يومًا".
قالت كلمتها الأخيرة تزامنًا مع سقوطها بين يديه، ليقوم باحتوائها وإدارتها لتكون في مواجهته، وهو يضم وجعها إلى صدره المُحتقن ألمًا عليها، هامسًا بقهرٍ نابعٍ من قلّة حيلته:
_ يا ريت لو كنت أقدر أرجّع الزمن لورا... يا ريت لو أقدر أحققلك أمنيتك دي.
صمت لثوانٍ قبل أن يُضيف بلوعة حارقة:
_ يا ريت لو أقدر أشيل الحزن اللي جواكِ ده كله وأحطه في قلبي، ومتتألميش لحظة واحدة يا كاميليا.
تمسّكت به كاميليا بكل ما أوتيت من ضعف، بينما توسلته شفاهها قائلة:
_ خليك جنبي... أرجوك خليك جنبي يا يوسف، إنت الحاجة الوحيدة اللي بتخفّف وجعي وبتهوّن عليّ كل حاجة.
أجابها يوسف بلهجة تقطر عشقًا:
_ أنا جنبك غصب عنك، جنبك لآخر يوم في عمري وعمرك يا كاميليا. مش هسيبك أبدًا، عمري ما أقدر أعيش بعيد عنك، عشان أنا معنديش حياة من غيرك... حياتي بدأت لما دخلتيها.
شدّت من تشبّثها به مع تلك الرجفة القوية التي اعتَرتها وهي تقول بوهن:
_ خايفة أوي يا يوسف، خايفة عليه وعلينا... حاسة إن اللي جاي صعب أوي.
أفلتها لينظر إلى عينيها قائلًا بقوةٍ وحسم:
_ اللي جاي، مهما كان صعب، هيعدّي طول ما إحنا مع بعض.
مفيش حد بيحارب لوحده، وطول ما إنتِ خايفة كده عمرك ما هتنتصري في حربك.
لازم تكوني من جواك قوية، والقوة دي مش هتيجي غير لما توصلي لبرّ الأمان وتلاقي نفسك واقفة على أرض صلبة.
اشتدت لهجته وهو يتمهّل في الحديث، قاصدًا إدخال كلماته إلى عقلها:
_ وده هيحصل لما تعرفي إنتِ مع مين، وممكن يعمل عشانك إيه.
وأوعي عدوّك يحس بخوفك، لأن ده أول سلاح هيستخدمه ضدك.
همست بنشيجٍ واهن:
_ غصب عني يا يوسف... التيار كان أقوى مني.
قال يوسف بقوة:
_ إنتِ مختبرتيش قوتك يا كاميليا عشان تقولي كده.
أنا مربّيتكيش تبقي ضعيفة، وإنتِ أساسًا مش كده.
إنتِ بس استسهلتي الهزيمة، ولما اكتويتي بنار البعد ندمتي.
ثم تبدلت لهجته إلى أخرى تحمل الكثير بين طياتها:
_ وعشان كده أنا سامحتك، بس مش كل مرة هيكون عندي طاقة أسامح.
الهجر ده مُر، وإنتِ دوقتيهولي مرة قبل كده، ومش هقدر على مرارته تاني.
قاطعته بلهفة وقد مست كلماته كل جزءٍ من كيانها:
_ ولا أنا هقدر على مرارته تاني يا يوسف، صدقني.
_ عارف، عشان كده بقولك وهفضل أقولك: أنا في ضهرك ومعاكِ، حبي محاوطك من كل ناحية... أوعي تخافي.
عبرت كلمات الهوى جسور شفتيها بعذوبة:
_ أنا بحبك أوي يا يوسف، وبحب حبك ليا، وبحب الأمان اللي عمري ما حسيته غير وأنا هنا.
قالتها ثم وضعت رأسها فوق ذلك الذي يدق بجنونٍ من فرط المشاعر التي عصفت به جراء حديثها الذي رمّم تلك الشروخ التي خلّفها رحيلها عنه، فقام بنثر عشقه فوق خصلاتها قبل أن يقول بصوتٍ أجش:
_ الحب ده للناس العادية، إنما أنا عاشقِك يا كاميليا.
قاطع لحظتهم الجميلة صوت روفان المستغيث القادم من الأسفل، فهرول كلاهما لمعرفة ما حدث، فوجدوا سميرة تحاول أن تنتزع الطفل من يد روفان وهي تصيح مغلولة:
_ هاتي الولد ده، لازم أرميه برّه! على جثتي يفضل في البيت ده أكتر من كده!
_ أوعي! حرام عليكِ! سيبي الولد! يا أبيه يوسف! يا ماما! يا جدي!
تدخل يوسف الذي استشاط غضبًا من تبجّح تلك المرأة، وقال بغضبٍ عارم:
_ إنتِ بتعملي إيه؟! إنتِ اتجننتي؟! سيبي الولد!
نزع الطفل من يد روفان، ونظراته الشرسة تشمل سميرة التي تجمّدت في مكانها لحظة، لكنها سرعان ما استعادت قوتها لتردّ له نظراته بأخرى كارهة وهي تصيح بعُنف:
_ ابن ضرّتي لا يمكن يقعد معايا في نفس البيت يا يوسف!
قال يوسف مصححًا كلماتها بغلظة:
_ ما اسموش ابن ضرّتك! اسمه زين مراد الحسيني!
يعني ابن الحسيني، وده بيته، ودول أهله.
لو في حد مالوش مكان في البيت ده يبقى إنتِ، ولو مش عاجبك اتفضّلي اخرجي برّه!
_ أنا لسه ممُتّش يا يوسف عشان تطرد مرات عمك من البيت!
كان هذا صوت رحيم الذي خرج من غرفته إثر كلمات يوسف لسميرة، ليجيبه يوسف بحدّة:
_ لا، أسيبها تطرد حفيدك برّه البيت وأقف أتفرّج؟ مش كده يا جدي!
صُدم رحيم من حديث يوسف ووجّه أنظاره الغاضبة إلى سميرة قائلًا باستنكار:
_ الكلام ده حقيقي يا سميرة؟ عايزة تطردي حفيدي من بيته؟
ارتدت تلك الأفعى ثوب الضعف وقالت بدموع التماسيح:
_ مش قادرة يا عمي أشوف ابن ضرّتي عايش معايا في نفس البيت وأسكت... مش قادرة.
انفعل رحيم من حديثها وقال بغضب:
_ تبقي اتجننتي يا سميرة... اتجننتي!
قاطعه يوسف الذي سئم ذلك الحديث وقرّر إنهاءه على طريقته، فقال بلهجة لا تقبل النقاش:
_ خلاصة الكلام يا جدي: القصر ده قصر ولاد الحسيني، وعمره ما هيتقفل في وشّ حد فيهم، واللي مش عاجبه الباب يفوّت جمل... ومش عايز ولا كلمة زيادة.
ألقى كلماته ثم انصرف إلى غرفة مكتبه صافعًا الباب خلفه.
*********************
تململت كارما في نومتها، فلم تستطع الحَراك، كانت تشعر بالألم في جميع أطرافها، وبصعوبة بالغة فتحت عينيها لتتفقد المكان حولها، فتفاجأت بتلك الغرفة البالية، وتلك القيود الملتفّة حول قدميها وأخرى حول يديها.
عادت إليها ذاكرتها لذلك الصباح حين هاجمها أولئك الملثمون هي وشقيقتها، فاقشعر بدنها وبدأت ترتجف خوفًا حين لم تجد غرام بجانبها، وأخذت العبرات تنهمر من مقلتيها، حتى ظلت لساعات على هذه الحال، إلى أن قام أحدهم بفتح باب الغرفة، فأصدر صريرًا جعل الرعب يأكل أحشاءها من الداخل.
رفعت عينيها بذعر لتنظر إلى ذلك الغريب الذي بدت هيئته مألوفة لديها، لكن القناع كان يمنعها من رؤية ملامحه بوضوح.
تفاجأت به يجذب أحد المقاعد ويضعه أمامها، جالسًا قبالتها يتفحصها بهدوء مُثير للأعصاب، بينما نظراته تبث الرعب في أوصالها. ظل على هذه الحال لثوانٍ لكنها مرت كساعات على تلك التي ترتجف رعبًا، حتى صار الوضع يفوق احتمالها فصرخت قائلة:
_ إنت مين؟ وخطفتونا ليه؟
لم تتلقَّ أي إجابة منه، وكأنها لم تحادثه من الأساس، فلم يبدُ عليه أنه سمعها، إذ ظلت نظراته ثابتة لم تهتزّ أبدًا.
لم تستطع الحديث مجددًا، فقد شعرت بأن صوتها اختفى وتمكّن منها الرعب، فظلت تناظره بخوف شديد مع تساقط عبراتها، لكن شيئًا ما في عينيه لفت انتباهها؛ فقد طالعتها تلك النظرات من قبل، هكذا أخبرها حدسها، لكن ذاكرتها في تلك اللحظة لم تسعفها.
مر بعض الوقت، ثم تحرك الغريب من مكانه وولاها ظهره خارجًا من الغرفة دون أن يتفوه بحرف، فازدادت عبراتها هطولًا وخوفها أكثر فأكثر...
ولأن القلوب دائمًا ما تشعر بمن يستوطنها، فقد انتقل شعورها بالألم والخوف إلى ذلك الذي كان يهرول كالمجنون يبحث عنها في كل مكان، يشعر بانشقاق روحه عنها لغيابها.
فبعد معرفته بما أصابها تملكته حالة من الصدمة الممزوجة بالألم، ولم يفق إلا على غضب أدهم، الذي ما إن سمع ما حدث حتى صار كالمجنون، يشعر وكأن عقابه على فعلته الدنيئة معها لم ينتهِ بعد، بل شعر أن ما مضى لم يكن شيئًا مقارنةً بما يشعر به الآن بعد علمه باختطافها، فالأمر أشبه بمفارقة الروح الجسد.
صاح كالمجنون قائلًا:
_ إنت بتقول إيه يا مازن؟
لم يتلقَّ أي إجابة من صديقه الذي ما زال تحت تأثير الصدمة، فهزّه بعنف صارخًا:
_ رد عليا! حصلهم إيه؟
خرج مازن من صدمته ثم قال بلهفة ممزوجة بالألم:
_ كنت بكلم علي، وفجأة سمعت صوت حد بيقوله: «الحق كارما وغرام، اتنين ملثمين خدروهم وركبوهم عربية غصب عنهم وخدوهم وجريوا».
وكأنه تلقّى رصاصة استقرت في منتصف قلبه، فصار يدور حول نفسه ضائعًا:
_ لا يا رب! مش معقول تكون بتعاقبني العقاب ده! أنا مقدرش أعيش من غيرها لحظة واحدة...
تساقط القهر من عينيه قبل أن يخرج صوته غاضبًا حد تمزق أوتاره:
_ أنا هقلب إسكندرية عليها واطيها لحد ما ألاقيهم!
اختتم كلامه ثم نظر إلى مازن، الذي كانت بهوت ملامحه ونظراته الضائعة تشيران إلى مدى صدمته، فحاول أدهم طمأنته قائلًا:
_ هيرجعوا يا مازن، إن شاء الله هيرجعوا، مش هنسيبهم يضيعوا مننا أبدًا.
همس مازن بحرقة:
_ أنا مرعوب يا أدهم، حاسس إن روحي رايحة مني... كارما في خطر وأنا هنا متكتّف مش عارف أعمل إيه.
قال أدهم بعنفوان:
_ مينفعش تستسلم كده يا مازن، ولازم تتغلب على شعور قلة الحيلة ده. كارما محتجاك دلوقتي، لازم ندور عليهم في كل مكان، كل دقيقة بتمر أكيد خطر عليهم.
وكانت كلمات أدهم كفيلة بأن توقظه من بحر صدمته الممزوجة بالألم والخوف، فقال بلهفة:
_ أيوه، صح! عندك حق، لازم نتحرك ونقلب الدنيا عليهم لحد ما نلاقيهم.
وبالفعل، هاتف مازن عليًّا الذي كان يُعاين مكان الواقعة لعلّه يجد طرف خيطٍ قد يوصله إلى مكان شقيقتيه، فتوجها الاثنان إليه ليجداه يستجوب سيد للمرة الألف:
_ سيد، أوصفلي اللي حصل تاني بالضبط.
_ يا بيه والله قلتلك كل اللي أعرفه.
لعن عليّ في نفسه، فجميع المعلومات التي أعطاها له سيد لم تكن كافية للعثور عليهما، فأخذ يضرب بقوة على مقدمة سيارته، ليجد كلًّا من مازن وأدهم يترجّلان من السيارة قادمين نحوه، فعاجله مازن بسؤال:
_ موصلتش لحاجة برضو؟
أجابه عليّ بإحباط:
_ للأسف لا.
صاح أدهم بغضب:
_ طب والعمل؟
قال عليّ بجدية:
_ أنا كلمت كل الدوريات والكمائن اللي على الطرق، وبلغتهم بمواصفات العربية، وللأسف محدش قالي جديد.
فرد أدهم بغضبٍ يائس:
_ أنا مش هستنى حد يقولي جديد، أنا هقلب إسكندرية عليهم!
اندهش عليّ من غضبه، لكنه لم يعلّق، ليتحدث مازن قائلًا:
_ أدهم عنده حق، كل واحد ياخد عربيته ويدور عليهم في مكان مختلف.
زفر عليّ بيأس وقال:
_ للأسف، قدامنا مشكلة كمان... ماما هتصحى دلوقتي المفروض وهتسألني، ومش عارف هقولها إيه.
تحدث مازن بحزن:
_ مينفعش تقولها حاجة يا علي، عشان حالتها متسوءش، هي من غير حاجة قلبها مش مستحمل.
تدخل أدهم سريعًا قائلًا:
_ خلاص يا علي، خليك هنا عشان لما طنط تصحى تكون جنبها، وقولها خرجوا مع أصحابهم أو عندهم محاضرات، أي حاجة لحد ما نعرف هنعمل إيه.
وافق عليّ على مضض، لينطلق كلٌّ منهم إلى وجهته المجهولة، على أمل أن يصلوا لأي جديد...
**********
إنتِ متأكدة من الكلام اللي بتقوليه ده؟
_ والله يا رائد بيه، هو ده اللي حصل. يوسف بيه ما جابش أي سيرة عن الصفقة دي، والتعامل مع الألمان من خلاله هو وبس، وخفت أسأله يشك فيا.
_ اللي عمله ده أكبر دليل إنه شاكك فيكِ. يا إما إنتِ بعتيني ليوسف وبتلعبي بيا.
هكذا تحدث رائد بتهكم، بينما الغضب يتبلور في عينيه اللتين أرعبتا هند، وذُعرت أكثر من فكرة أن يكون يوسف قد كشفها.
_ كشفني؟ دي تبقى كارثة! أنا مش قد يوسف الحسيني، ده ممكن يمحيني من على وش الأرض!
زمجر غاضبًا:
_ ميقدرش يمس شعرة واحدة منك، قولتلك إنتِ في حمايتي.
استنكرت حديثه غاضبة ودموعها تتساقط كالمطر:
_ حمايتك! إنت آخر واحد في الدنيا ممكن أتحامى فيه. لو كنت هتحميني بجد، كنت حميتني من نفسك.
_ اخرسي!
قالها رائد بغضب وهو يتقدم منها، لتقول بانهيار:
_ مش هخرس، ومش خايفة منك على فكرة! أنا بطاوعك عشان أهلي، مش ذنبهم حاجة إن بنتهم غبية ومعرفتش تحافظ على نفسها. مش ذنبهم يعيشوا بعاري طول عمرهم!
صمتت بينما كانت شهقاتها المؤلمة تتحدث قبل أن تُضيف بحرقة:
_ وياريت يوسف يعرف ويقتلني، مش فارقلي. كل اللي فارق معايا أهلي.
تحدث رائد بنبرة فاحت منها رائحة المرارة:
_ وإنتِ فاكرة إن يوسف رحيم أوي كده وهيخلّص عليكي؟ يوسف ده شيطان، هيدوّر على أكتر حاجة توجعك ويعاقبك بيها. هيخليكي تتمني الموت ألف مرة، وماتطولهوش. الناس دي بتتفنن في تعذيب غيرها.
لم تُخفِ مرارة كلماته على هند التي أجابته حانقة:
_ كله بسببك! كله من تحت راسك! ياريتني كنت موت قبل ما أشوفك أو أقابلك.
آلمته كلماتها، فتحدث بجفاء:
_ متقلقيش، هخرجك منها زي ما دخلتك، ومحدش هيقدر يأذيك، لا إنتِ ولا أهلك. أنا بس بعرفك إيه اللي هيحصلك لو فكرتي تروحي تحكي له على أي حاجة.
طالعته هند بنظرات يائسة، فجزء منها يؤلمها لحاله، خاصة تلك النظرات المتألمة في عينيه، وجزء آخر يلعنها ويلعنه لما فعله بها. لكنها أخيرًا اتخذت قرارها الذي تأخر كثيرًا، لتجيبه بتأكيد:
_ اطمن، مش هيعرف مني أي حاجة. أنا مشيت في سِكة اللي يروح ميرجعش. عن إذنك.
أوقفتها قبضته القوية ونظراته التي تغلغلت داخل عينيها، علّه يجعلها تشعر بما يعتمل بداخله من قهر ووجع تأبى شفتيه الإفصاح عنه. طالعتْه هي بنظرات معاتبة غاضبة حزينة، وظلت النظرات بينهما لثوانٍ قليلة، قطعها رائد وهو يقول بنبرة صادقة:
_ متخافيش يا هند، أوعدك هتخرجي بره الحرب دي في أقرب وقت، اللي باقي مش كتير.
لا تدري لماذا أخافتها كلماته بدلًا من أن تُطمئنها، فلم تستطع سوى أن تهز رأسها بإيماءة بسيطة، ثم سحبت يدها من بين قبضته وانسلت إلى الخارج، وأخرجت هاتفها لتتصل بمجهول:
_ عايزة أقابلك ضروري.
---
كان يوسف يقف أمام النافذة يطالعها وهي تركض وتلعب مع ذلك الصغير، وكأنها في مثل عمره. فقد كانت بريئة نقية كحاله تمامًا، فأخذ يتأمل ملامحها الفاتنة وشعرها الحريري المُموج الذي كان يتطاير حولها ليزيدها جمالًا فوق جمالها. أخذ قلبه يدق بعنف، فقد كانت تأسره كل حركة تقوم بها، لدرجة أنه أراد أن يختطفها ويضعها داخل صدره حتى يروي ظمأه منها الذي يزداد يومًا بعد يوم.
اخترق تخيلاته رنين هاتفه، وما إن رأى يوسف رقم المتصل حتى وجه انتباهه إليه كليًا.
وقد كانت هي الأخرى تعلم بمراقبته لها، فقد أخبرها قلبها بأن أميرها يراها من برجه العالي، وكانت أكثر من سعيدة بوجوده بجانبها، فذلك منحها جرعة كبيرة من الأمان لا تشعر بها إلا في حضرته. لكنها تنبهت عندما رأته يتطلع إلى الهاتف باهتمام، فخربش الفضول جدار قلبها وقادها إليه، بعدما تركت زين يلعب مع روفان وتوجهت إلى الداخل في طريقها إليه. لكنها تفاجأت بنيفين تقف أمامها، تسد عليها الطريق، وهي تنظر لها بغلٍّ.
اهتزت ثقتها قليلًا عندما رأتها، لكنها أخفت ذلك جيدًا وقالت ببرود:
_ أوعي، خليني أعدي.
تشدقت نيفين ساخرة:
_ رايحة لحبيب القلب طبعًا؟
كاميليا بسخرية:
_ إيه الشطارة دي؟ برافو عليكِ.
فقالت نيفين بسخرية مغلفة بالغموض:
_ هيبقى برافو عليا أوي يا بنت زهرة لما أطردك مذلولة من البيت ده.
اهتزت نظرات كاميليا من فحوى كلمات نيفين فقالت بارتباك لم يخفَ على غريمتها:
_ قصدك إيه؟
اقتربت منها نيفين التي شعرت وكأنها سجّلت هدفًا في مرماها وقالت:
_ متستعجليش، قريب أوي هتعرفي أقصد إيه، ولحد ما ييجي الوقت ده استمتعي شوية، أصل اللي جاي صعب... صعب أوي يا بنت عمي.
قالت الأخيرة بتهكم جعل معدتها تتقلص، لكنها ارتدت ثوب القوة وقالت ببرود متجاهلة ذلك الضجيج داخلها:
_ أنا مش هرد عليكِ عشان عارفة النار اللي إنتِ فيها. بالعكس، أنا مشفقة عليكِ أوي، بس لو فكرتي تأذيني أو تدوسيلي على طرف، هتشوفي مني اللي مش هيعجبك.
ثم تابعت بعنفوان:
_ عشان أنا مبقتش كاميليا العيلة الصغيرة اللي كنتوا بتخوفوها وتقعدوا تبهدلوها وهي تجري تعيط في جنب. لا، أنا كبرت وبقيت أعرف آخد حقي كويس أوي، ومش ناوية أهرب تاني.
تبلورت الثقة في كلماتها حين تابعت:
_ وخلي بالك، إن حبيب القلب اللي بتتكلمي عنه ده يبقى يوسف الحسيني... اللي هو جوزي. عارفة يعني إيه جوزي؟
تابعت بثقة:
_ يوسف اللي مهما عملتِ، عمره ما هيسمح لحد يتجاوز حدوده معايا. حطي الكلمتين دول في دماغك عشان ترتاحي. أو حتى لو مرتحتيش، مش فارق معايا، بس من النهاردة مش هسمحلك تهينيني أو تناديني بـ«يا بنت زهرة» تاني. أنا كاميليا يوسف الحسيني، احفظي الاسم ده كويس. عن إذنك.
نجحت كاميليا في أن تُلجم تلك الحية التي اشتعلت نيرانها أكثر من كلماتها، لتقسم أنها ستذيقها شتى أنواع العذاب، وستستغل كل الأوراق التي بين يديها لتنفيذ تهديدها وطردها من هذا المنزل.
اقتحمت كاميليا المكتب لتجده ما زال يتحدث في الهاتف، لكنه ما إن رآها حتى قال بغموض:
_ نفّذ اللي قلتلك عليه بالحرف الواحد، ومش عايز أي غلط.
ثم أغلق الهاتف وأشار إليها لتتقدم، فما إن أصبحت أمامه حتى امتدت يده وأمسك بذقنها رافعًا رأسها إليه، ناظرًا لعينيها بحب يخالطه المزاح:
_ مين اللي عصّب القطة بتاعتي وخلى مخالبها تظهر كده؟
_ مين قالك؟
قالتها باندهاش، فأجابها بسلاسة:
_ أنا عارفك أكتر من نفسك. ها، قوليلي بقى مين مضايقك؟
أجابته بتهكم:
_ قول مين مش مضايقني!
قهقه يوسف على طريقتها وقبّل مقدمة رأسها، ثم سحبها إلى جانبه وجلسا معًا على الأريكة، وتحدث بحنو:
_ مالك يا حبيبتي؟ إيه مضايقك؟
كاميليا بجفاء:
_ عادي يا يوسف، مش حاجة مهمة. نيفين ضايقتني شوية، بس متقلقش، عرفت أوقفها عند حدها.
ثم رفعت رأسها وطالعته بتردد:
_ هو أنا آه زودتها شوية معاها، بس هي اللي عصبتني بصراحة.
أرجع يوسف خصلة من شعرها خلف أذنها ثم قال بحب:
_ أهم حاجة تكوني مرتاحة.
فقالت كاميليا بحماس:
_ مرتاحة بس؟ ده أنا مرتاحة جدًا! وكده أنا واحد وهي صفر!
اندهش يوسف من حديثها وقال:
_ إيه ده؟ هو ماتش ولا إيه؟
أجابته بغموض:
_ يعني حاجة زي كده.
_ المهم إنك مرتاحة يا حبيبتي، وزي ما قولتلك، أنا في ضهرك ومعاكِ دايمًا.
فأجابته بمزاح:
_ لا، ده كده هيبقى عشرة مش واحد.
فشاطرها المزاح قائلًا:
_ ويبقوا ألف عشان خاطرك. أهم حاجة أشوفك سعيدة ومبسوطة.
قاطعهم رنين هاتفه، فاحتواها بقربه وأجاب:
_ إيه يا ابني؟ إنت فين؟ رنيت عليك كذا مرة مردتش ليه؟
_ يوسف، كارما وغرام اتخطفوا، وأنا مش عارف أعمل إيه!
هبّ يوسف من مكانه قائلًا:
_ بتقول إيه يا مازن؟! إمتى حصل الكلام ده؟
_ النهاردة الصبح، وقلبنا الدنيا عليهم، مفيش جديد، ومش عارفين هنقول إيه لمامتهم!
_ طب اهدى إنت، وأنا هحاول أتصرف.
_ في إيه يا يوسف؟ غرام وكارما حصلهم إيه؟
كان هذا صوت كاميليا المرتعب مما سمعته، فحاول يوسف طمأنتها قائلًا:
_ اهدي يا حبيبتي، مفيش حاجة.
صاح مازن حين سمع صوتها:
_ يوسف، إحنا محتاجين كاميليا تكون جنب خالتها هنا، عشان لو عرفت حاجة تبقى معاها.
أجابه يوسف بجفاء:
_ مازن، اقفل دلوقتي، وأنا هكلمك تاني.
انهمرت عبرات القلق من بين جفونها رعبًا على بنات خالتها، وما إن رأى يوسف حالتها حتى أغلق الهاتف وقام بتهدئتها، فأخذت تبكي قائلة:
_ كارما وغرام جرالهم إيه يا يوسف؟
_ إن شاء الله هنلاقيهم يا حبيبتي، بلاش تعملي كده.
_ أنا مرعوبة عليهم أوي، وخالتي فاطمة عرفت ولا لسه؟
_ لا، لسه معرفتش، وهم عايزينك تروحي تبقي جنبها.
اندفعت بلهفة:
_ وديني عندها يا يوسف، أرجوك! هي من غير حاجة تعبانة، دي لو عرفت باللي حصل ممكن تروح فيها، ودي الحاجة الوحيدة اللي باقيالي من ريحة ماما...
_ اهدي يا كاميليا، وإن شاء الله خير، وهيلاقوهم، وأنا بنفسي هدور معاهم، وكمان هاخدك معايا عشان تروحي تطمني عليها. كفاية دموع بقى، عشان خاطري.
أنهى كلماته وهو يحتويها بحنو محاولًا تهدئتها، فعبراتها وخوفها كانا أكثر من مؤلم بالنسبة له، وقد قرر داخله أن يقلب الأرض رأسًا على عقب حتى يُعيد إليها الطمأنينة مرة أخرى.
*******
في مكانٍ آخر، التقى الثلاثة: أدهم، ومازن، وعلي، الذي صاح غاضبًا:
_ ما صدقت إنيمها بعد ما سألتني مليون سؤال عن البنات، زي ما يكون قلبها حاسس!
_ انت قولتلها هما فين؟
هكذا سأل مازن، فأجابه علي بنفاد صبر:
_ قولتلها إنهم في خطوبة سُهى صاحبة كارما، واحتمال يباتوا معاها، وتليفوناتهم فصلت شحن، واضطريت أَحلفلها إني كلمتهم وهي نايمة، وطبعًا كلمت سُهى، وحكيتلها على اللي حصل، وقلت لها لو ماما كلمتك، البنات عندك، واطلعيلها بأي حاجة لو طلبت تكلمهم.
_ يا جماعة، إحنا لازم نفكر بعقلنا شوية، مين له مصلحة في خطفهم؟
هكذا تحدث أدهم، الذي كان يغلي من الغضب، ليجيبه مازن بتفكير:
_ يمكن يكون حد له عداوة مع حد فينا؟
_ إحنا عمرنا ما كان لينا أعداء يا مازن، وكنا عايشين طول عمرنا في حالنا، وعمر ما حد اتعرض لإخواتي.
تحدث علي بغضب، فأجابه مازن بنفس لهجته:
_ تقصد إيه يا علي؟
_ أقصد إن ممكن اللي خطف البنات دا يكون قاصدك إنت، أو له عداوة معاك إنت.
اهتاج مازن من حديث علي قائلًا:
_ محدش يعرف إن كارما خطيبتي، إحنا لسه ما عملناش حاجة!
انت عايز ترمي اللوم عليا وخلاص؟
ثم ولو فعلًا حد قاصدني، هيخطف غرام معاها ليه؟
لم يُجب علي على تساؤلاته، بل زفر بحنق، فتابع مازن بحدة:
_ اللي عمل كده قاصد حد بيحبهم الاتنين، وعايز يوجعه بيهم أو يبتزه.
عند هذا الحديث، توقف علي للحظات، ثم برقت عيناه وقال بتوعّد:
_ لو طلع اللي في بالي هو اللي عمل كده عشان يبتزني، والله لهندمه على اللي باقي له من عمره!
ثم نظر إلى كُلٍّ من مازن وأدهم وهو يستعد للرحيل قائلًا:
_ الولاد زمايلي لسه بيدوّروا عليهم، وفي الكماين بيفتشوا العربيات اللي رايحة واللي جاية، وانتوا كملوا تدوير لحد ما أجيلكوا.
اندفع أدهم مستفهمًا:
_ وانت رايح فين؟
_ مشوار صغير، وغالبًا هيوصلنا لمكانهم.
هكذا تحدث علي، فأضاف مازن بغموض:
_ وأنا كمان ورايا حاجة هعملها على ما تخلص مشوارك.
نظر إليهم أدهم بسخط قائلًا:
_ وده وقت مشاوير؟ ما كل واحد يقول إيه في دماغه عشان نعرف نساعد بعض!
أجابه مازن بجمود:
_ لما أرجع من مشواري ده، هقولك إيه في دماغي.
وانت استنى يوسف وكاميليا، هما طلعوا وزمانهم على وصول، وانت عارف يوسف بيسوق بسرعة.
زفر أدهم قائلًا بنفاد صبر:
_ ماشي، أما أشوف آخرتها معاكم.
★★★★
" إنت ليك يد في خطف كارما وغرام؟! "
يتبع ......
مخصماكوا عشان التفاعل وحش 🥺💔
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!