الفصل 27 | من 57 فصل

رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل السابع والعشرون 27 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
19
كلمة
6,137
وقت القراءة
31 د
التقدم في الرواية 47%
حجم الخط: 18

بليز ( فوت + كومنت+ متابعه  ) يا حلوين ❤️

الوجه السادس و العشرون للعشق 🌹

إمّا أن تقتل وجعك، أو دعه ليقتلك. أمّا هروبك منه فهو محاولة آثمة في حق قلبك وإرجاء لموتٍ لا بدّ أن يأتي إن لم تضع لهذا الوجع نهاية."

تردى

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

إنت بتقول إيه يا علي؟

تحدّث هاشم الرفاعي، الذي رقص قلبه فرحًا ما إن رأى الهاتف يهتز مُعلنًا عن اتصالٍ كان قد انتظره طويلًا، ليباغته علي بإلقاء تلك القنبلة في وجهه، فامتقع لونه خاصةً عندما تحدّث علي بتلك الكلمات الجارحة:

_ كلامي واضح، بسألك: ليك يد في خطف كارما وغرام؟! وقبل ما تجاوب، عايزك تعرف إن يمين بالله، لهقلب الدنيا عليها واطيها لحد ما أرجّع إخواتي، حتى لو كانوا في سابع أرض!

ذُعر هاشم من حديثه، وارتعب قلبه عندما علم ما أصاب حفيدتَيه، فأجاب بلهفة وألم:

_ إيه اللي إنت بتقوله ده يا علي؟! إنت واعي إنت بتقول إيه؟! أنا أعمل كده في بنات الغالي؟! ده أنا أفديهم بروحي!

شعر علي بمقدار الألم في صوته، وأخذت وخزات الندم تأكل قلبه، فلم يستطع الحديث، ليتابع هاشم بنبرةٍ مهزوزة من فرط التعب والحزن:

_ اللي حصل ده حصل إزاي يا علي؟

تردد علي لثوانٍ قبل أن يتحدث بيأس:

_ معرفش، كانوا خارجين الصبح، وفجأة طلع عليهم ناس ملثّمين، خدّروهم وركّبوهم عربية وهربوا، ولحد دلوقتي منعرفش حاجة عنهم. قلبت إسكندرية حتة حتة، ومفيش أي جديد.

تعاظم رعب العجوز وتأثّر لتلك النبرة اليائسة التي يتحدث بها حفيده، ولكن هذا ليس وقت الضعف، خاصةً لمن لم يعتده. فأخذ يشحذ بعضًا من قوته التي أفقده إياها المرض، وقال بصوتٍ قوي:

_ إجمد كده يا علي، إن شاء الله هنلاقيهم. أنا هقلب الدنيا لحد ما أرجّع بنات ابني بيتهم سالمين. متقلقش، إنت مش لوحدك، أنا في ضهرك، واللي عمل كده هيتحاسب أشد الحساب إنه فكّر بس يقربلهم.

لا يدري علي لِمَ شعر ببعض الارتياح لحديث جده، ولكن كبرياءه أبى أن يقبل بمساعدته، فنفض عنه ثوب اليأس وتنحنح قليلًا، ثم قال بثبات:

_ شكرًا يا هاشم بيه، مش محتاج مساعدتك، وأنا هعرف أرجّع إخواتي حتى لو على رقبتي.

ابتسامة جانبية ظهرت على شفتي العجوز، فقد كان يتوقع رد حفيده، ولِمَ لا؟ فهو قد أخذ كثيرًا من طباعه.

_ طبعًا يا ابني، إنت تقدر تعمل كده، وأنا ما عنديش شك إنك هترجع إخواتك وتحافظ عليهم، بس دول بنات ابني، وليا حق فيهم، ومش هقدر أقف ساكت وهم مخطوفين كده. ياريت تسبني أساعدك يا علي، وأقف في ضهرك.

اهتز علي داخليًا من رجاء جده المبطن، وشعر بأنه يجب أن يضع مصلحة شقيقتيه أولًا، ليزفر بتعب قائلًا:

_ لو احتجت حاجة، هقولك.

تحدث الجد بارتياح:

_ وأنا هبعتلك اللي يبقى رهن إشارتك، وهيمشي بأمرك، إنت بس شاورله. دول بناتنا يا علي، شايلين اسم الرفاعي، شرفنا وعِرضنا يا ابني، ولازم نحميهم بعنينا. وأنا عارف إنك أسد، وراجل من ضهر راجل.

أنهى علي مكالمته وقد شعر بأن الهواء قد نفد من رئتيه، فأغمض عينيه بتعب، يُناجي ربه أن يرشده للطريق الصحيح ويخفف عنه هذا الثقل الذي يجثم فوق قلبه.

وكأن الله استجاب لدعائه، إذ رنّ هاتفه مُعلنًا عن مكالمة أكثر من مرحّب بها، فالتقطه قائلًا بلهفة:

_ روفان!

فأجابته بقلبٍ لهيف:

_ علي، أنا عرفت من كاميليا اللي حصل، وقلت لازم أكلمك أطمن عليك.

لأول مرة في حياته يعجز عن الحديث، الذي سيتبعه حتمًا انهيار من الدموع التي لا تليق بعنفوانه، لتزداد حدة تنفّسه وعلوّ صوته الذي أخبرها عن مدى معاناته، فأردفت بطمأنينة:

_ متقلقش، إن شاء الله هتلاقيهم. ربنا هيحفظهم وهيرجعهم بالسلامة. إنت بس قول: يا رب.

خرجت الكلمات من فمه بحرقة نابعة من احتراقه الداخلي:

_ ياااااارب... يااااارب يا روفان، يرجعوا بالسلامة!

أضافت بلهجةٍ هادئة نابعة من قلب أنثى تحوّلت أمًّا عندما وقعت في العشق:

_ هقولك على حاجة حلوة، إنت أكيد بتدور عليهم ومش واقف لحظة. عايزاك وإنت بتدور عليهم، تقول «لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم» كتير أوي، بنية إن ربنا يحفظهم وتلاقيهم، وإن شاء الله ربنا هيردّهم ليك في أقرب وقت، وهتشوف إن ربنا مش هيكسر بخاطرك وهيطمن قلبك عليهم.

وكأن حديثها كان بلسمًا على قلبه، وأنار له طريقًا كان قد غفل عنه، وهو اللجوء إلى الله سبحانه وتعالى. فقال بحب تجلّى في نبرة صوته:

_ حاضر، ربنا يخليكِ ليا.

اهتز قلبها لتلك النبرة التي أسرتها، وتلك الكلمات البسيطة التي جعلت الفراشات تحلّق في معدتها، لتأخذ نفسًا عميقًا يملؤه عبير العشق قائلة بخجل:

_ ويخليك ليا.

ثم تداركت الموقف قائلة بتوتر:

_ لينا يعني، يخليك لينا وللناس كلها بما إنك ظابط وكده.

للحظات بسيطة، شقت الابتسامة شفتيه على توترها وبراءتها، ثم قال بلهجةٍ ناعمة:

_ ادعيلي وادعيلهم.

_ ربنا معاك ومعاهم يا رب، ويجمعكوا ببعض في أقرب وقت.

أمَّن علي على دعائها، ثم أنهى المكالمة التي أعطته جرعة كبيرة من الطاقة، سيسخّرها جميعها في البحث عن شقيقتَيه، لينطلق بسيارته إلى مقر الشرطة لبدء جولة جديدة من البحث...

*********

_ اللهم اضرب الظالمين بالظالمين وأخرجنا من بين أيديهم سالمين.

انتهت نيفين من تنزيل برنامج التصنّت على هاتف سميرة كي تعرف مع من تتحدث هذه الأحاديث السرية، فهي لم تعد تأمن مكر هذه السيدة، ويجب أن تعرف كل خطواتها وما تخفيه عنها؛ فهي واثقة أنها تملك الكثير من الأسرار التي عليها كشفها واحدًا تلو الآخر.

لقد هاجمها ذلك الصداع الذي كان يلاحقها في الفترة الأخيرة دون أن تعرف له سببًا، فقامت بالذهاب إلى غرفتها والجلوس على أقرب كرسي لتتفاجأ بسميرة تدخل الغرفة نافثة النيران من أنفها لتجدها على تلك الحالة من التعب؛ لكن ذلك لم يجعلها ترحمها لتبدأ بالتنفيس عن غضبها بها كالعادة.

_ إنتِ قاِعدة بتهبّي إيه عندك وسايبة البلاوي اللي فوق دماغنا دي كلها؟

لم تكن في حالة تسمح لها بالحديث فتجاهلتها، تبحث عن قرص مسكن يخفف ذلك الصداع الرهيب. تفوّقت سميرة غضبًا فنهرتها:

_ إنتِ يا زفتة مش بَكلمك؟ ردي عليا؟

رفعت نيفين رأسها وطلعتها بنظرة ساخرة ثم قالت بلامبالاة:

_ خدي الباب في إيدك وإنتِ طالعة، عشان تعبانة وعايزة أنام.

تلك الكلمات البسيطة أثارت جنون سميرة، فانقضت عليها ممسِكةً إياها من خصلاتها وهي تقول بصياح:

_ بَت! إنتِ اتعدّلي وإنتِ بتكلّمني؟ فاهمة ولا لا؟

فقامت نيفين بنقض يدها ودفعها بعنف وهي تقول غاضبة:

_ لا مش فاهمة، وحذّرتك قبل كده: إيدك لا تتمد عليا. يظهر إنك إنتِ اللي مبتفهميشي، بس معلش هفهمك بطريقتي.

أنهت كلماتها ثم قامت بشق أحد أكمام فستانها حتى جرحت ذراعها، ثم هرولت تبكي خارجًا وهي تستغيث صارخة:

_ يا جدو! يا طنط صفية! الحقوني!

ما أن سمعت صفية صوت استغاثتها حتى هرولت إليها، لتجدها في حالة انهيار؛ وعلى الفور ارتمت بين أحضانها تبكي وتنوح. حاولت صفية تهدئتها قائلة:

_ إيه يا نيفين يا حبيبتي؟ مالك فيكِ إيه؟ بتعيطي ليه كده؟

أكملت نيفين تمثيليتها على أكمل وجه، اتبع بكائها ارتعاش جسدها وهي تقول بصوت متقطع:

_ الحقيني يا طنط صفية، ماما عمالة تضرب فيا وتشتمني.

استشاطت صفية غضبًا، وتوجهت أنظارها إلى سميرة المذهولة مما يحدث أمامها لدرجة جعلتها تفقد النطق، فنهرتها صفية:

_ إنتِ اتجننتي يا سميرة؟ بتضربي البنت وتبهدليها! هي عملت فيكِ إيه؟

لم تستطع سميرة الرد، فـردّت نيفين، التي كانت ما زالت متشبثة بأحضان صفية:

_ بتطلع غيظها فيا عشان بابا طلع متجوز عليها وجاب ابن ضرتها هنا. أنا إيه ذنبي طيب؟

تركت صفية نيفين ثم توجهت إلى سميرة، تناظرها باحتقار، قائلة:

_ مش هتبطي بقى القرف بتاعك دا؟ بتطلعي عقدك ومشاكلك على بنتك الغلبانة دي بدل ما تاخديها في حضنك وتخففي عنها. بتبهدلي فيها؟ تصدقي دا له حق، مراد هيتطفّش منك.

كانت سميرة مُسمّرة في مكانها ليس بسبب كلمات صفية، ولكن بسبب تلك التي تقف خلفها تنظر إليها بسخرية وانتصار؛ حتى رفعت إحدى حاجبيها كأنها تقول لها:

_ رأيتي ما يمكنني فعله؟

فحلّت مكان السخرية نظرات بريئة منكسرة عندما التفتت صفية تجاهها، فمسحت عبراتها قائلة بحنو:

_ اهدي يا حبيبتي وماتخافيش، محدش هيقدر يزعلك أو يضايقك تاني.

ثم التفتت إلى سميرة قائلة بغضب:

_ عشان لو حد فكر يعمل كده يبقى يجهّز نفسه إنه يواجه رحيم الحسيني، وأنا بقى اللي هقوله للمرادي على اللي بيحصل من ورا ضهره.

قامت نيفين بمسح عبراتها ثم وجهت نظرة منكسرة إلى صفية قائلة بضعف:

_ ممكن أطلب من حضرتك طلب؟

_ اتفضلي يا حبيبتي.

_ ممكن أنام في حضنك النهاردة؟

أشفقت صفية على حالتها، فقالت بحنان:

_ طبعًا يا روحي، تقدري. تعالي معايا.

أخذت صفية نيفين بأحضانها وتوجهت إلى غرفتها، تاركين وراءهم من كان الغضب يأكل كل خلية به. ما رأته اليوم من الفتاة التي ظنت أنها بيدق في لعبتها نحتها جانبًا وتولت هي القيادة؛ لتشعر بأن أعداءها قد ازدادوا اليوم، بل وأن من سمتها ابنتها هي أكثر من يجب أن تحذر منه. لذا اتجهت إلى غرفتها لتُجري إحدى اتصالاتها الغامضة:

_ إحنا لازم نخلص من نيفين في أقرب وقت. مش هينفع نتأخر أكتر من كده. دي بقت خطر علينا.

***********

كان يوسف يقود سيارته بأقصى سرعة ممكنة حتى يصل إلى وجهته، لكنه كان بين الحين والآخر ينظر إلى تلك التي تجلس على المقعد المجاور له، فيجد الضياع يسيطر على جميع ملامحها، فقرر أن يمنحها مساحتها الخاصة، فهي بحاجة إلى الهدوء قليلًا بعد كل تلك الأحداث.

لكن صمتها طال أكثر من اللازم، خاصةً بالنسبة إلى طبيعتها في حضرته، فهي تعشق الحديث معه حتى ولو لم تجد ما تقوله.

لذا قرر قطع ذلك الصمت قائلًا:

_ فاكرة لما العروسة بتاعتك اللي كانت مامتك جايباهالك ضاعت زمان؟

خرجت منها تنهيدة حارقة، وقالت بصوتٍ حزين:

_ فاكرة.

أكمل يوسف حديثه وهو ينظر أمامه، لكن جميع حواسه كانت معها:

_ يومها قعدتِ تعيّطي كتير أوي، وأنا كنت جاي من السفر، لقيتك منهارة. اتجننت، افتكرت حد زعلك، لقيتك بتقوليلي إن عروستك ضاعت.

قولتلك: طب وليه مدوّرتيش عليها؟

قولتِلي: دورت في أوضتي ملقتهاش.

سألتك: هي غالية عليك؟

قولتِلي: غالية أوي.

قولتلك: يبقى تقلبي الدنيا عليها، مش تدوري في أوضتك بس، ولما متلاقيهاش تستسلمي وتقعدي تعيّطي.

ابتسمت كاميليا بوهن، قائلة بصوتٍ مبحوح من فرط البكاء:

_ وقتها كانت نيفين مخبياها مني في أوضة جدو، عشان واثقة إني مش هلاقيها، لأني كنت بخاف أدخل عنده.

ابتسم يوسف هو الآخر، ثم قال:

_ يوميها ضحكتي ضحكة عمري ما قدرت أنساها... فضلت محفورة في قلبي.

لامست كلماته أوتار قلبها الذي رقص طربًا على أنغام عشقه، فقالت بخجل:

_ معقول ما نسيتش؟

_ عمري ما أقدر أنسى حاجة تخصك يا كاميليا... بس إنتِ بتنسي!

عقدت جبينها وقالت باستنكار:

_ أنا بنسى؟! أنا عمري ما نسيت حاجة تخصك!

قال يوسف بخشونةٍ دافئة:

_ لا، نسيتي اللي قولتهولِك وقتها.

تنهدت بتعب، قائلة بنبرةٍ مشجَبة:

_ منسيتش والله يا يوسف... بس غصب عني. اللي تايهين مني دول مش عرايس، دول بنات خالتي، وأكتر من أخواتي. الناس دي خدتني في حضنها في أصعب لحظاتي... غصب عني.

_ والعروسة وقتها كانت أغلى حاجة عندك، ما تيأسيش أبدًا يا كاميليا.

اليأس ده أكتر حاجة ممكن تخلي حياة الإنسان جحيم.

في ربنا فوق سبع سماوات مستنينا ندعيله عشان يستجيب.

ما تسيبيش الحزن يتمكن منك، عشان وقتها إنتِ اللي هتبقي عدوة نفسك.

خلي نفسك طويل، الحياة ما بتحبش الضعيف ولا قليل الحيلة.

خليكِ قوية وما تستسلميش بسهولة... دي دنيا مش جنة.

اعتادت كلماته أن تُخفّف عنها في أحلك مواقفها، لذا لم تستطع سوى أن تبتسم وتنظر إليه بعينين يتناثر منهما العشق:

_ كلامك طول عمرك بيطّمني يا يوسف... ربنا يخليك ليا.

ظلّت أنظاره معلّقة على الطريق أمامه، لكن شفتاه انفصلتا عن بعضهما بابتسامةٍ عذبة أذابتها كما فعلت لهجته حين قال بخشونةٍ حانية:

_ وحشتني ضحكتك الحلوة أوي... عشان كده أوعدك إني هعمل المستحيل عشان أشوفها تاني.

انشرح قلبها بوعده المبطن، وامتدت يداها لتحتوي ذراعه القابضة على المقود، وهي تقول بلهفة:

_ هترجعهم ليّ تاني يا يوسف... مش كده؟

امتدت يده الأخرى لتحوي كفّها الذي لثمه بعذوبة قبل أن يجيبها بثقة:

_ إن شاء الله يا حبيبتي.

لسه قدامنا حوالي ساعتين، حاولي تنامي عشان تقدري تقعدي مع خالتك وتبقي فايقة شوية.

ابتسمت كاميليا بخجل قبل أن تقول بخفوت:

_ لا، أنا هفضل صاحية... أصلًا مش جايلي نوم.

ابتسم يوسف عندما وجدها تغطّ في نومٍ عميق بعد تصريحها هذا بدقائق، فقام بإيقاف السيارة على جانب الطريق ونظر إلى ملامحها البريئة الصافية.

وثارت دقات قلبه بجنون، فقد اشتاق إلى قربها بشدة، فقام باحتوائها ووضعها بين جنبات صدره، حيث أصبحت أضلعه وسادةً لرأسها المستكين براحة بين براح قلبه، الذي كان كالبركان الثائر بفعل العشق، ليشعر وقتها باكتمال روحه التي كانت قد فارقته عند غيابها.

الكمال...

تلك النقطة التي يصل إليها الإنسان عندما يجد نصفه الآخر، فتجعله يشعر بأنه امتلك العالم بأسره.

*************

أحيانًا يُعمي الغضب بصيرتنا فيقودنا إلى حماقات ما كنا سنقترفها لو كان العقل حاضراً حينها. فكم من أفعال ولدتها  شرارات الغضب التي لا يُطفأها سوى غبار الندم

نورهان العشري ✍️

انتِ ليكِ علاقة باللي حصل مع كارما؟

نظرت سيدرا باستفهام إلى ذلك النمر الغاضب الذي يود لو يحرق المشفى بمن فيه، وقالت مستفسرة:

_ في إيه يا مازن؟ أنت شكلك عامل ليه كده؟

استغفر مازن في سره للمرة التي لا يعرف عددها، وقال بغضب حاول أن يكتمه:

_ سيدرا جاوبيني، ليكِ يد في اللي حصل لكارما؟

_ هو إيه اللي حصل لكارما؟ أنا مش فاهمة حاجة!

_ يعني متعرفيش إن كارما اتخطفت هي وغرام أختها النهارده الصبح؟

صُدمت سيدرا من حديثه، لكن زادت صدمتها عندما أدركت المعنى الكامن وراء سؤاله، فقالت باستنكار:

_ اتخطفت! وإنت جاي تسألني إذا كان ليا يد في خطفها ولا لأ؟ للدرجة دي شايفني رخيصة وزبالة؟

غضب مازن من حديثها، فقال بحنق:

_ أنا مقولتش كده.

قاطعته سيدرا بقوة ممتزجة بالألم:

_ بس كلامك معناه كده! تسمي اللي تفكر تخطف بنات إيه؟

أجابها بانفعال، ضاربًا بكل ذرة تعقل لديه عرض الحائط، فقد أضناه الغياب وغرز القلق حوافره في قلبه فلم يعد يدري أين الصواب:

_ ما اللي تفكر توقع نفسها في مصيبة زي اللي وقعتي نفسك فيها عشان واحد، تقدر برضو تفكر تخطف وتقتل كمان!

آلمته كلماته كالخنجر المسموم الذي غرزته حقارة أفعالها سابقًا، لتُلقي بها في مستنقع الذل هذا، فخفضت رأسها وقالت بألم:

_ عندك حق تفكر فيا كده.

ثم توجهت إلى الدرج الخاص بخزانتها، وأخرجت المصحف، ووضعت يدها فوقه ناظرةً في عينيه بقوة، وقالت بصوت مجروح:

_ بحق من أنزل هذا الكتاب، ما لياش يد في أي حاجة من اللي حصلت لكارما ولا لأختها خالص.

هزّته فعلتها لدرجة أنه شعر وكأن قطارًا قد دهس قلبه؛ فهل كان بهذا الغباء ليَتَّهِم طفلة مثلها بتلك الاتهامات البشعة؟

فقال بتلعثم:

_ سيدرا أنا...

قاطعته بقوة وكبرياء امرأة دهسها قطار العشق، فتناثرت أشلاء قلبها، ولم يبقَ لها سوى الموت بكبرياء، فقالت بثبات:

_ أنا حطيت إيدي على كتاب ربنا وحلفتلك إني ماليش دعوة باللي حصل لخطيبتك. ياريت إنت كمان تحط إيدك عليه وتحلف إنك مش هتوريني وشك تاني، ولا هيكون ليك أي دور في حياتي بعد النهارده، عشان حقيقي هي مش هتتصلح غير لما تختفي منها.

رغم غباء فعلته، إلا أنها فتحت له باب النجاة من ثقل ذلك الحمل الذي كان على عاتقه، لكن عقدة الذنب ما زالت تنخر في عظامه، فحاول أن يثنيها عن موقفها هذا، فقاطعته بحركة من يدها تُوقفه عن الكلام، وقالت بثقة:

_ لو بتعز وبتقدر محمود الله يرحمه، احلف. ومتخافش ولا تحس بالذنب ناحيتي. أحسن حاجة تعملها فيا إنك تبقى بعيد عني، وخصوصًا دلوقتي. أنا لازم أبتدي صح، ومش هقدر أعمل ده في وجودك. لازم أقطع الأمل منك عشان أنساك وأشيلك من جوايا. فياريت تحلف.

أغلق مازن باب سيارته وهو يشعر بأن جبال العالم ترسو فوق قلبه؛ فقد تحرر من قيد كان يخنقه عندما نفّذ لسيدرا طلبها، لكن أي راحة قد يشعر بها وروحه قد انشطرت عنه، وفارقته راحلةً مع حبيبته التي لا يعرف أين هي حتى؟

كاد أن يجن وهو يبحث عنها، لكن دون جدوى، فأخذ يدور بسيارته لا يعرف إلى أين، فقط يبحث في المجهول علَّه يصل إلى طرف خيط قد يوصله إليها...

★★★★★★★

_ ها يا يامن، قدرت تدبر لي المكان اللي قولتلك عليه؟

_ متقلقيش، في خلال أسبوع هيكون جاهز يا هند. بس قوليلي، ليه عايزة تمشي وتسيبي كل حاجة كده؟

توترت هند من سؤال يامن، ذلك الشاب في نهاية عقده الثاني من عمره، وهو جارها في حيهم القديم. كانت قد استعانت به ليُوفر لها مكانًا في بلدتهم بالصعيد لتأخذ عائلتها وتهرب من ذلك الشيطان الذي يُسيطر عليها ويوجهها كيفما يشاء.

حتى وإن تركت قلبها معه، فهو لا يستحق أن تضحي بأي شيء آخر لأجله؛ يكفيها عذابها وإحساسها بالذنب تجاه والدتها وأختها الصغيرة اللتين لا تستحقان ذلك الخزي الذي ألحقته بهما، فقررت الهرب إلى حيث لا يستطيع أن يجدها.

نظرت هند بتوتر إلى يامن، ثم استجمعت شتات نفسها قائلة:

_ عايزة أغير جو وأبعد عن هنا. إنت عارف المشاكل اللي بينا وبين أهل بابا الله يرحمه، ومش حابة دا يأثر على صحة ماما، فقررت أمشي من غير ما أعرف حد.

أجابها يامن الذي بدا وكأنه اقتنع بحديثها:

_ خلاص، زي ما تحبي. وأنا هكلم الناس معارفي اللي هناك يدبرولك شغل، ومتقلقيش، القرية هادية والناس هناك في حالهم.

ارتاحت هند لحديثه فقالت بامتنان:

_ كده تمام أوي يا يامن، أنا مش عارفة أشكرك إزاي. أنا هجهز نفسي، وإنت أول ما تظبط الدنيا هناك كلمني. وياريت أسافر بالعربية، مش عايزة لا طيران ولا قطار.

_ طب وليه البهدلة دي يا بنت الناس؟

_ معلش، أنا هبقى مرتاحة كده أكتر.

_ خلاص زي ما تحبي، ومتقلقيش. في أسرع وقت هكون مظبطلك كل حاجة وهعرفك.

_ ميرسي أوي يا يامن، مش عارفة أشكرك إزاي.

_ ماتقوليش كده، إحنا أهل.

غادرت هند بعد أن أنهت مهمتها مع يامن، الذي ما إن خرجت حتى أجرى اتصالًا، وما إن أجاب الطرف الآخر حتى تحدث باحترام:

_ كل اللي حضرتك طلبته تم، وهي دلوقتي مستنياني أكلمها.

***********

كانت سميرة تغلي من شدة الغضب؛ فما حدث أمامها منذ دقائقٍ لم يكن شيئًا هينًا. تلك النيفين أصبحت حية سامة ويجب التخلص منها في أقرب وقت. فقامت بإجراء اتصالٍ هاتفي، فأجاب الطرف الآخر، وما أن سمعت صوته حتى بادرته قائلة ببرود:

_ أنا مش هستنى أكتر من كده؛ لازم تنفّذ بسرعة وأخلص من نيفين.

_ وليه الاستعجال؟ مش قولنا كل حاجة في وقتها أحسن؟

_ مبقاش ينفع، دي بقت خطر عليا، وهي مفكّراني أمها، أمال لما تعرف الحقيقة هتعمل إيه؟!

_ إيه اللي حصل لكل ده؟

سألها ذلك المجهول لتقص عليه ما حدث حتى انفجر ضاحكًا، وقال بسخرية:

_ تربية بصحيح يا سميرة... وشبهك.

صاحت مغلولة:

_ إنت بتضحك! بقولك البنت بقت خطر عليا وبتبجّح فيا، وده كل اللي قدرت تقوله؟

_ طب ما إحنا لو اتخلصنا منها دلوقتي كده، كاميليا هتشبع بيوسف.

أجابته بحنق:

_ كاميليا كده كده شبعانة بيوسف، ودي غبية عمرها ما هتعرف تفرق بينهم حتى. أنا هشوفلها طريقة تانية أحرق قلبها بيها، بنت زهرة.

_ إلا قوليلي يا سميرة، أنا حاسس إن في حاجة في موضوع زهرة دي إنتِ مختبّاهاش!

توترت سميرة قليلًا ثم قالت بمراوغة:

_ حاجة! حاجة زي إيه يعني؟

_ يعني إنتِ كل اللي عايزاه الفلوس وإنك تفضلي عايشة في عز وريح عيلة الحسيني، وكده وكده زهرة ماتت وشبعت موت، ونيفين مش فارقة معاكِ مادام في غيابها هتضمني إنك متخسرش اللي إنتِ فيه. إيه بقى اللي يخليكِ هتموتي وتحترقي قلب بنت زهرة كده؟ مانيش هساعدك وإنتِ مخبّية عني حاجة.

تساقط الحقد والقهر في نبرتها حين قالت:

_ فلوس الدنيا كلها متهمنيش قدّام إني أحرق قلب بنت زهرة. زهرة اللي خطفت مني حب عمري، واللي فضّلها عليّا أحمد بعد ما أديته كل حاجة ممكن تقدّمها واحدة ست لراجل، وفي الآخر رماني واتجوزها هي.

_ أوبااا... دا باين، أنا فاتني حاجات كتير معرفهاش. لا، دانتِ حكّيلي بقى من الأول تاني.

_ بعدين هحكيلك. أهم حاجة دلوقتي تقولي: هنعمل إيه عشان نخلص من نيفين؟

أجابها الطرف الآخر ببرود:

_ عندي ليكِ سيناريو هايل. إيه رأيك في بنت مراهقة بتعاني من إهمال أبوها، فتقوم—يا حرام—منتحرة بعد ما تسيب جوابًا يقطع القلب عن معاناتها هي وأمها مع أبوها الأناني اللي كان مهمل فيهم؛ فيقوم الأب يعيش بعقدة ذنب ناحية بنته اللي ضيّعها بأنانيته، وتفضل الأم المكسورة اللي خسرت بنتها، والكل بياخدها في حضنه ويطبطب عليها عشان اللي هي فيه، وخصوصًا لو راجل عجوز خرفان!

ارتسمت ابتسامة كريهة على شفتيها وهي تقول:

_ تعجبني.

**************

وصل يوسف وكاميليا أخيرًا إلى عروس البحر الأبيض المتوسط، وهي ما زالت نائمة بين جنبات صدره، حتى إنه تمنى لو أن الطريق يطول كثيرًا حتى يستطيع التنعم بهذا الشعور الممتع.

ولكن هكذا هي الحياة، دائمًا ما تنتهي اللحظات الجميلة سريعًا.

قام بتمرير أصابعه فوق ملامحها يرسمها بدقة، فكانت حركاته خفيفة كالريشة، لكنها تحمل في طياتها مشاعر عشقٍ خالصٍ تستوطن جميع خلاياه.

مما جعلها تتململ في نومتها إلى أن فتحت عينيها، فناظرتها زرقة مياه البحر الصافية المُترقرقة في عينيه، والتي امتزجت بذلك العسل الذائب في عينيها، ليحدث تيارٌ كهربائي غيّب العقول لثوانٍ، وتولى العشق دفة القيادة.

قام يوسف باحتواء كريزيتها بشغف، وهو يتلذذ بنبيذ الخمر الذائب في ريقها، وأخذت أمواج العشق تجرفهما حتى غرقا فيه بلا عودة.

وقد كانت هي الأخرى تشاطره الشعور، فقامت يداها باحتوائه بلهفةٍ يعانقها الخجل، لتزيد من جنون مشاعرٍ بالكاد يستطيع السيطرة عليها.

أخذ يُعمّق اقترابه أكثر، وكأنه طفل يتلذذ بقطعة حلوى رائعة هبطت من الجنة، لتجعله يحلّق في سمائها من فرط السعادة.

لكن أجسادنا ليست كأرواحنا، يُهلكها العشق كثيرًا حتى تصرخ طالبةً الاستغاثة.

وهذا ما كان حال رئتيهما اللتين أجبرتا كليهما على الانسحاب، ليظلا يلهثان جراء هذه الرحلة المفعمة بكل أنواع المشاعر الخارقة.

ظلا على حالهما لثوانٍ، وربما دقائق، لا يمكن حساب تلك اللحظات التي يختطفها عاشقان من وسط صخب الحياة.

ظلّ الصمت قائمًا حتى قطعه يوسف قائلًا:

_ نفسي أقدر أروي قلبي منك. مهما قرّبت منك مبشبعش أبدًا. دا سحر ولا إيه؟

كانت كاميليا ترتجف كورقةٍ في مهب الريح، ريح عشقه الجارف الذي يأخذها إلى جنةٍ لم تكن تحلم بها يومًا.

وجاءت تلك الكلمات لتُلهب في داخلها كل خليةٍ تصرخ بعشق ذلك الرجل الذي تكاد تجزم أنه حلم من فرط روعته.

تملكها خجلٌ كبير عندما أخذت يداه طريقها تحت ذقنها يرفعها لتلتقي بعينيه اللتين تُطوّقان قلبها بأصفاد الهوى، ليقول بتلك البحة الرجولية القاتلة:

_ مردّتيش عليّا، دا سحر ولا إيه؟

ابتلعت ريقها بصعوبة، غير قادرة على قطع التواصل البصري بينهما، وقالت بنبرةٍ خافتة:

_ أنا اللي مسحورة بيك يا يوسف... إنت بجد؟ إنت حقيقي؟ أنا بخاف تكون حلم من كتر جماله صدّقته... وفي النهاية—

بتر جملتها بتصميمٍ كبيرٍ نابع من عينيه قبل لهجته:

_ صدّقيه يا كاميليا، عشان هو أكتر حاجة حقيقية هتقابليها في حياتك.

_ نفسي أفضّل جنبك كده عمري كله.

_ مش هسمحلك تبعدي أصلًا.

_ مش هقدر أبعد... أصل قلبي لما بيتخيّر بيني وبينك، بيختارك إنت.

ابتسم يوسف بحبٍ تناثر من بين حروفه حين قال:

_ بعد ما نلاقي كارما وغرام إن شاء الله، هنعمل فرحنا. مش هقدر على بعدك أكتر من كده.

كلمة واحدة خرجت من بين شفتيها دون أن تفكر ولو ثانية جعلت قلبه يتراقص فرحًا:

_ موافقة.

وكأن الإجابة خرجت من قلبها إلى قلبه مباشرة، ليشعر به يتراقص داخله.

فاحتواها بحبٍ جعلها تُلقي رأسها بين ضلوعه كحال همومها، وقالت بلهجة حزينة:

_ أوعدني إنك ترجعلي كارما وغرام يا يوسف؟

أجابها بلهجته الواثقة التي دائمًا ما تبعث الراحة في نفسها:

_ أوعدك، إن شاء الله هلاقيهم وأرجعهم بيتهم بالسلامة.

ما من شيءٍ يُسعد المرأة أكثر من أن تجد ذلك الكتف الذي يُنصت لارتجافها قبل كلماتها فتتكئ عليه في لحظات ضعفها، و كأنه خُلق لتستكين بجانبه روحها المتعبة،

فذلك يمنحها أقوى شعور في العالم وهو الأمان، فالأمان ليس شعور فقط بل هو وطن يحتوي الأرواح التي تاهت لوقت طويل، فمتى وُجد هذا الوطن أعلن القلب استسلامه طواعية ورفع رايته أمام طوفان العشق.

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

بعد مرور ثلاثة أيام، كانوا جميعهم مجتمعين في بيت فاطمة، التي قامت بزيارة هاشم الرفاعي بناءً على طلب عليّ، نظرًا لسوء حالته، وكان ذلك باتفاقٍ مسبقٍ مع جده، بعد أن قطع آلاف الوعود بعدم مضايقتها، خوفًا عليها من معرفة تلك الكارثة.

مرّت الأيام الثلاثة في بحثٍ مُضنٍ من كل جانب، فقد سخّر يوسف جميع معارفه للبحث عنهم، وكذلك مازن الذي كان القلق ينهش عقله، فأصبح كالمجنون لا ينام ولا يتناول الطعام، يصرخ أحيانًا ويصبّ جام غضبه حتى على علبة سجائره، في محاولةٍ للتنفيس عن ألمه وغضبه.

أما كاميليا، فقد قضت معظم أوقاتها بالبكاء والصلاة والتضرّع إلى الله أن يحفظ بنات خالتها، وكان يوسف إلى جانبها لا يتركها إلا في أوقات البحث.

وبين عليّ الذي كان الذنب يأكله لاعتقاده أنه أهمل في حمايتهم، وروفان التي كانت دائمًا بجانبه،

وبين ذلك الذي كان كتمثالٍ نُحِت من حجر؛ لا يتكلم، ولا يبكي، ولا يثور، فقط صامتٌ يبحث ويبحث ويبحث... لم ينطق لسانه إلا بالقليل، وكأن شفتيه أعلنتا اعتزال الحديث حدادًا على غياب حبيبته. حتى جفونه أبت الانغلاق والتسليم للنوم، وهو لا يدري شيئًا عن مكانها.

تسلطت عليه كلّ المشاعر الإنسانية المُرهقة حتى شعر أن قوى الأرض كلّها قد اجتمعت لتعاقبه على ما فعله بحقها. لم يكن يكفيه ألم غيابها، حتى زاده الله ألم الشعور بالذنب. ولم تخفَ حالته على أخيه، الذي توجه إليه عندما وجده يقف على الشرفة يتطلع أمامه بنظراتٍ ضائعة، فبادره بالحديث قائلًا:

_ لما ربنا بيحب حد، بيبتليه عشان يشوفه هيصبر ولا لا؟ هيلجأ له ولا لا؟

ربنا بيبقى مشتاق يسمع صوت عبده وهو بيدعيه وبيشكيله،

ولما العبد بيرجع لربنا وبيصبر، ربنا بيكافئه على صبره.

أهم حاجة الإنسان يستفيد من البلاء أو المحنة اللي هو فيها، إنه يقرب من ربنا يا أدهم.

أنهى كلماته، وربّت على كتفه، ثم نظر إليه نظرةً مشجعة وانصرف إلى الداخل.

أما أدهم، فشعر أن رئتيه ستنفجران من شدّة الاختناق، وأن الهواء لم يعد قادرًا على الوصول إليهما. رفع بصره إلى السماء برجاءٍ صامت، بروحٍ تبكي وقلبٍ ينزف حزنًا على فراق الحبيبة، لتقوده قدماه تلقائيًا إلى الحمّام، فتوضأ، ثم دخل غرفة حبيبته، ينظر إلى محتوياتها بقلبٍ يقطر وجعًا.

جلب سجادة الصلاة، وفردها، ثم شرع في الصلاة، وما إن لامس جبينه الأرض، حتى هطلت الدموع التي كانت ستُفجِّر مقلتيه من شدّة الألم، وهو يقول بقلبٍ مفطور:

_ يااااااارب...

كلمةٌ كانت تحمل في طيّاتها من الوجع ما لا يطيقه قلب إنسان.

ظل يكررها مرارًا حتى خرجت بعدها الكلمات من أعماق قلبه دون إرادةٍ منه:

_ يارب، متعاقبنيش بيها... أنا عارف إني غلطت، وأستاهل، بس إنت كريم أوي يا رب، وأنا ضعيف أوي... مش عايز حاجة من الدنيا غير إنها ترجعلي وتبقى بخير... ياااارب...

اللهم إني أشكو إليك ضعف قوتي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس.

ظل أدهم على حاله وقتًا ليس بالقليل، يناجي الله بكل ما يعتمل في صدره من وجع، ودموعه تحكي ندمه الذي كان يأكل خلايا قلبه.

وحين انتهى، نظر حوله مرةً أخرى، واستنشق عبيرها الفاتن الذي ما زال يسكن جدران الغرفة، ثم خرج منها على صوت جرس المنزل، وتلك الكلمات التي جعلت قلبه يكاد ينخلع من مكانه:

_ أنا عرفت مكان كارما وغرام...

يتبع ..

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...