قبل البارت عايزة اقول اني زعلانه منكوا جدًا عشان التفاعل الوحش دا 😭😭 بليز زودوا التفاعل شوية عشان بجد أنا حزينة بسبب الريتش اللي واقع دا
الوجه السادس للعشق 🌹
مرّ الكثير من الوقت ولم أستطع أن أحدّد ماهية هذا الثِقل في قلبي. أهو انطفاء؟ أم حزن؟ أم اكتئاب؟ لا.
فروحي قد خاضت كل ما سبق، وما أشعر به الآن لا يشبه شيئًا مما مررتُ به من قبل.
إنه شعور قاتل يجتاح كياني، شعورٌ لا أملك سوى أن أحسّه، دون أن أجد الكلمات للإفصاح عنه. أودّ أن أهرب منه، ومن كل التساؤلات، والتخبّطات، والتخمينات، ومن كل ما يدفعني إلى السقوط في هذه الحيرة اللعينة.
لقد تعبت... تعبت من الصمت، ومن الحديث، ومن نفسي أيضًا.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
في الإسكندرية، وتحديدًا في كلية الطب، نجد ذلك المارد الغاضب يقتحم باب المدرج من دون أي استئذان. لم يُبالِ بتوبيخ الدكتور، بل أخذ يجول ببصره يبحث عن معذِّب قلبه، فوجدها تنظر إليه بذعر، غير مصدِّقة ما تراه عيناها. فتقدّم إليها بكل هيبة وغرور أذاب قلوب جميع الفتيات حوله، لتتعالى بعض الهمسات:
"مين القمر دا؟ إيه دا؟ شفتي الموز دا؟ يا لهوي! هو في كدا؟"
لكنه لم يهتم بما يدور حوله، فقد كان نظره منصبًّا عليها. وما إن وصل إلى مقعدها حتى بسط ذراعه أمامها، فنظرت إلى يده الممدودة إليها في دعوة صريحة لتسليم قلبها قبل يدها. همّت بالرفض، لكن أوقفتها تلك النظرة المرعبة التي حدجها بها. فعلى الفور وضعت كفها في يده، فقام بسحبها خلفه إلى خارج المكان، تاركين الكثير من الأعين، منها المذهولة، والحانقة، وأخرى الحاسدة...
وما إن خرجا حتى صاح الدكتور غاضبًا من ذلك المغرور الذي لم يُبالِ به وأطاح بكبريائه أمام تلامذته:
"البنت دي اسمها إيه؟"
فصاحت إحدى الفتيات بغل:
"اسمها كارما هاشم يا دكتور."
فقال بشر:
"أنا هوريها هي والكلب دا!"
في الخارج، نجد مازن يسحب كارما خلفه وأسنانه تصطك من الغضب، غير آبه لصراخها ولا لمحاولاتها المستميتة للتخلص من قبضته الأشبه بالفولاذ، فكانت تضربه على يده تارة، وتركله بقدمها تارة أخرى...
فجأة التفت مازن فاصطدمت كارما به، لكنها تفاجأت بعيونه التي تقطر دمًا من شدّة الغضب، ونبرة صوته المُرعبة وهو يهتف من بين أسنانه قائلاً:
"أحسنلك تسكتي، متخليش حسابك معايا أكبر من كدا، فاهمة ولا لأ؟"
فلم تستطع التفوّه بحرف من شدّة رعبها منه. أما هو، فواصل سيره حتى وصل بها إلى سيارته، فتح الباب وألقاها بعنف، ثم التفت وجلس خلف المقود، وأدار السيارة بغضب، وانطلق بسرعة جنونية جعلت تلك الجالسة بجواره تشعر بالفزع، فقالت برعب:
"مازن، أرجوك اهدا، إحنا كدا ممكن نعمل حادث..."
فما كان منه سوى أن زاد من سرعته.
مما زاد رعبها، فانهمرت دموعها وقالت ببكاء هزّ قلبه:
"مازن، أنا هموت من الرعب! أرجوك، هدي السرعة..."
فانتفض مازن بعنف، ناتج عن ضعفه أمامها وصوت بكائها. فأوقف السيارة بغتة، وانتفض جاذبًا يده من بين يديها قائلاً بغضب شديد:
"مش عايز أسمع صوتك، فاهمة؟"
فانفجرت كارما في نوبة بكاء شديدة من عنفه معها. فزفر مازن حانقًا من تأثيرها اللعين عليه، وأخذت يده تعبث في خصلات شعره بعنف كاد يقتلعها من جذورها، وأخذ ينفث النيران المشتعلة في جوفه على هيئة شهيق. لكنه لم يتحمّل دموعها أكثر، فحاول تهدئتها، فانفجرت في وجهه قائلة بعنف:
"ابعد عني! أوعي تفكّر تقرّب مني، فاهم ولا لأ؟"
وأخذت تضربه على صدره بغضب، فصاح مازن بعنف:
"اخرسي! إنتِ كمان ليك عين تتكلمي؟ بقالي قد إيه بحاول أوصلك، وسيادتك ولا معبّراني! سيباني هتجنن عليكِ، وإنتِ ولا إنتِ هنا! فاكرة إنك كدا بتربّيني؟ فوقي يا هانم، شوفي إنتِ بتتعاملِي مع مين! أنا مازن المنشاوي، مش حتّة عيِّلة زيك تعمل فيا كدا!"
فنظرت له كارما من بين دموعها نظرة انكسار جعلته يلعن نفسه سرًّا: كيف طاوعه قلبه أن يؤذيها بهذا الشكل؟ أوشك على الاعتذار لها، لكن أوقفه رنين هاتفه.
فأجاب مغتاظًا:
"أيوه يا أستاذ زفت! هو أنا مش ورايا غيرك؟"
فأجابه أدهم بغضب:
"مش وقت كلامك دا! شكل في مصيبة. يوسف لمّ حاجته وسافر فجأة، ولما كلمته قال إنه خلص اللي كان جاي عشانه. وبعدها سمعت صوت همس جنبه كدا زي ما يكون حد متخدّر... تقريبًا دا صوت كاميليا. ولما سألته: مين دي؟ قال: مالكش فيه. قولتله: دا صوت كاميليا؟ قالي: مش شغلك، وقفَل في وشي. أنا مرعوب يعمل فيها حاجة، إنت عارف يوسف في غضبه بيبقى مش شايف قدامه!"
صاح مازن قائلًا:
"إنت بتقول إيه؟ لقى كاميليا فين؟ وإزاي؟ أكيد إنت سمعت غلط! كاميليا إيه اللي يجيبها إسكندرية؟"
أدهم بتأكيد:
"أنا متأكد إنها كاميليا، واللي أكدلي أكتر إنه لما قفل في الكلام عرفت إن في حاجة غلط. إحنا لازم نلحقه قبل ما يتهوّر."
مازن بغضب:
"طب اقفل يا أدهم، وأنا هتصرف."
ثم أغلق الهاتف متمتمًا بحنق:
"الله يخرب بيتك يا يوسف... هتعمل إيه؟ ربنا يستر!"
ولم يلحظ تلك التي امتقع وجهها ما إن سمعت ما أخبره به أدهم، فقالت برعب:
"هو ممكن يأذيها يا مازن؟ هو ممكن يأذي كاميليا؟"
صُدم مازن من حديثها قائلًا:
"إنتِ تعرفي كاميليا؟"
فأجابت بصوت خافت:
"آه، أعرفها... كاميليا كانت قاعدة عندنا."
شعر مازن وكأن صاعقة ضربته: هل يمكن أن تكون كاميليا قريبة منهم إلى هذا الحد ولم يروها؟ وأخذت الأسئلة تتزاحم في عقله، فقال بلا وعي:
"معقول يكون يوسف عارف مكانها؟ عشان كدا جه فجأة؟ طب ليه طلب مني أدور له عليها؟ وإيه السر اللي خلاه يستنى كل دا وما راحش جابها؟"
ثم توقف كمن تذكّر شيئًا، فأردف قائلًا بذعر:
"عشان كدا كان بيتكلم عن الفرصة التانية، وإزاي هيستغلها؟ يبقى أكيد كان عارف مكانها من قبل ما ييجي، وإلا مكنش هيبقى عنده الثبات دا! طب ليه مقاليش؟! يبقى أكيد بيخطط لحاجة!"
ثم نظر إلى كارما بغضب تجلّى في نبرته حين قال:
"إنتِ تقوليلي دلوقتي كل حاجة تعرفيها، وإزاي كاميليا جت عندكم، وإياكي تكدبي في حرف!"
ثم صرخ مردفًا:
"فااااااهمــــة؟"
**********
عودة إلى القاهرة، تحديدًا في مشفى للأمراض العقلية، يقف رائد يتحدث إلى الطبيب الخاص بوالدته.
– يعني مفيش أمل يا دكتور إنها تفوق وتبقى كويسة؟
ابتسم الطبيب بهدوء:
– دي مسألة وقت يا رائد بيه، إحنا بنعمل اللي علينا والباقي على ربنا... ادعيلها.
قال رائد بغضب:
– يا دكتور، إنت بقالك سنين بتقولي الكلام ده ومفيش أي تحسن، حتى لو بسيط، في حالتها!
فرد الطبيب بتفهم:
– يا رائد بيه، كل اللي عند والدتك حالة نفسية مش عضوية. هي محتاجة حافز قوي يخرجها من القوقعة اللي هي فيها، وده في إيدك إنت. إنت الوحيد اللي يقدر يخرجها من الحالة دي.
زفر رائد حانقًا؛ فلم يترك شيئًا إلا وفعله ليُخرجها من هذا الصمت الرهيب. فهي منذ تلك الحادثة البشعة التي تعرضت لها على يد ذلك المجرم، وهي في حالة أشبه بالموت. فقد حرمه ذلك اللعين من حنان والدته ومن والده منذ أن كان في السابعة من عمره. لكن من حسن حظه أن الموت سبقه قبل أن ينتقم لوالدته التي قام باغتصابها بأبشع الطرق، وتركها تنزف حتى الموت. وقد أنقذوها بأعجوبة، لكن منذ ذلك اليوم وهي على هذا الحال...
أما عن عمّه، فقد كان شاهدًا على عذابه وألمه وشعوره بالخزي لعدم قدرته على الوقوف أمام تلك العائلة ذات النفوذ الواسع. فقد كان رحيم الحسيني شخصية صارمة، مرعبة، وذو سلطة كبيرة لا يستطيع أحد الوقوف أمامه.
لذلك كان رائد أمله الوحيد في الانتقام. لم ينفكّ يبث سمومه في عقله حتى جعله يعيش ويتنفس فقط من أجل الأخذ بثأره من آل حسيني.
فاق رائد من تأملاته على صوت الطبيب يخبره بأنه يجب أن يحاول مرارًا وتكرارًا مع والدته، علّها تستجيب وتحاول الرجوع مجددًا إلى الحياة الطبيعية.
طلب رائد الدخول إلى والدته للتحدث معها، فسمح له الطبيب بذلك.
دخل الغرفة، فوجد تلك السيدة الجميلة ناهد، ذات الملامح الرقيقة التي يكسوها حزن عميق، حزن أعاده رائد إلى تلك الحادثة البشعة التي تعرضت لها. لم يكن يدري أن ما تحمله تلك السيدة من أسرار، أبشع بكثير مما يمكن لعقله أن يتخيل...
اقترب رائد من والدته، محدثًا إياها بشوق كبير:
– وحشتيني قوي يا أمي... هتفوقي إمتى بقى؟ نفسي أترمي في حضنك اللي اتحرمت منه بقالي ستة وعشرين سنة. ارجعيلي أرجوكي، وأنا هجبلك حقك من كل اللي أذوكي... وأولهم بابا!
نزلت دمعة حارة من عينيه، فقال بألم:
– أنا ضايع من غيرك يا ماما. أنا أذيت الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها، مقدرتش أحميها من غضبي وجناني وانتقامي. فوقي أرجوكي... الحقيني قبل ما كل حاجة حلوة جوايا تختفي.
أطلق تنهيدة قوية قبل أن يتابع بتوسل:
– أنا ماليش غيرك... إنتِ سمعاني؟ أرجوكِ، اعملي أي حاجة تدل إنك سمعاني. ارمشي بعينيكي وأنا هفهم.
لكنها لم تُبدِ أي رد فعل، فزفر بحزن ونهض قائلًا:
– أنا همشي دلوقتي... وهجيلك تاني.
اقترب منها، وضع قبلة حانية على جبينها، ثم غادر الغرفة. لم يلحظ تلك الدمعة التي فرت من عينيها، عيون تتلظى بنيران الحزن والغدر والفقد، دون قدرة على التعبير عما يعتمل في داخلها خوفًا على فلذة كبدها.
في كثير من الأحيان نلجأ إلى تحمل نيران الصمت خوفًا من مرارة الحديث الذي قد يودي بنا وبأحبتنا إلى الهلاك.
فنبتلع جمرات الحقيقة؛ إن بُحنا بها أحرقتنا، وإن لم نبُح أكلتنا من الداخل. فما أقسى ذلك الشعور.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
عودة إلى الإسكندرية...
قصّت كارما كل شيء على مازن منذ أن وطأت كاميليا قدماها بيتهم حتى هذه اللحظة، فجنّ جنونه صائحًا:
"يعني طول الوقت كانت عندكم وأنا ماعرفش؟! ويوم ما كنا عندكم كانت هي اللي هتفتح الباب وتدخل علينا؟! وإنتوا عملتوا الفيلم دا كله عشان مانشوفهاش؟!"
ثم نظر إليها بازدراء قائلًا:
"وإنتِ يا كارما ماكانش عندك أي ذرة ثقة فيّ تخليكي تحكيلي؟"
كارما ببكاء:
"والله غصب عني، خفت أحكيلك تقولها على مكانها وهي كانت مرعوبة ليعرف هي فين."
مازن بحزن:
"عشان كدا ماكنتيش بتردي عليّ اليومين اللي فاتوا؟ يا ترى بقى كنتِ بتأدبيني؟ ولا كنتِ مكسوفة تواجهيني؟ وخصوصًا إني حكيتلك قد إيه يوسف اتعذب في بعدها؟"
---
عودة لوقتٍ سابق
في بهو فندق (.....) تجلس كارما مع مازن منتظرين وصول أدهم.
كارما باستفهام:
"هو مين أدهم دا؟ وليه عايز تعرفني عليه؟"
أجابها بسلاسة:
"أدهم دا ابن خالتي هو ويوسف، ويعتبروا أقرب ناس ليا، عشان كدا عايز أعرفهم عليكِ. هتشوفي أدهم النهارده، وفي أقرب وقت إن شاء الله هعرفك على يوسف."
بللت كارما حلقها الجاف عند سماع اسم يوسف، فهذا ما كانت تخشاه منذ أن أخبرتهم كاميليا بعلاقة يوسف بمازن. حاولت ألا تُظهر ما يعتمل بداخلها فسألت بصوتٍ حاولت أن تجعله غير مبالٍ قدر الإمكان:
"وهمّا متجوزين بقى ولا إيه؟"
رفع مازن حاجبه مستغربًا لكنه أجاب بهدوء:
"أدهم معقّد شوية، مالوش في سكة الجواز دي. ويوسف كان كاتب كتابه، بس الدنيا لخبطت معاه شوية في اليومين اللي فاتوا ومش عارفين هترسي على إيه."
كارما بسخرية مصطنعة:
"متقوليش إن ظروفه وحشة ومش عارف يتجوز!"
ابتسم مازن بمرارة قائلًا:
"ياريت كان الموضوع كدا، كانت سهلة. أصل يوسف الملايين عنده ملهاش عدد، دا ماسك تلت تربع اقتصاد البلد."
كارما باستفهام:
"أومال إيه ظروفه اللي منعاه يتجوز؟"
شرع يسرد لها مقتطفات من حياتهم:
"كان بيحب بنت عمه من وهي طفلة، ووقف قدام جده والعيلة كلها عشان يتجوزها. وفعلاً كتب كتابه عليها وحطّهم قدام الأمر الواقع، وبالذات جده اللي خيّره بينها وبين ثروته كلها. اختارها هي. فجأة بعد كتب كتابهم بكام يوم، هربت وسابت البيت من غير ما حد يعرف. ومن وقتها يوسف هيتجنن، وحاله اتشقلب، واتحوّل من إنسان مرح ومتفائل لإنسان عصبي جدًا لا يُحتمل، وما بقاش حتى يبص في وشّ حد فينا... اتحول 180 درجة."
كارما باهتمام:
"طب تفتكر هي ليه عملت كدا؟"
مازن بتفكير:
"والله يا كارما ما عارف إيه اللي يخلي كاميليا تهرب كدا، وخصوصًا إنها عارفة إن يوسف روحه فيها. دي زي ما يكون عايزة تموته بالبطّيء."
كارما باندفاع:
"مش يمكن عندها أسباب قوية؟"
مازن بتهكم:
"أسبابها دي كلها ملهاش لازمة بعد اللي عملته. أهم حاجة دلوقتي إن يوسف ما يلاقيهاش وهو في حالته دي، أو حتى لما يلاقيها أكون معاه عشان ألحقه من أي حاجة غلط ممكن يتهور ويعملها في لحظة غضب."
كارما بذعر:
"هو ممكن يأذيها لو لقاها؟"
مازن بنفاد صبر:
"ربنا يستر... هو إحنا هنقضي اليوم كله في الكلام عن كاميليا ويوسف ولا إيه؟"
---
عودة إلى الوقت الحالي
همست كارما بتوسل:
"أرجوك متقولش كدا، أنا كنت مرعوبة بجد إنه يعرف. ولما حكتلي على حالته، كنت عاملة زي التايهة، ماكنتش عارفة أعمل إيه. أرجوك سامحني... أنا خفت ليأذيها والله."
مازن بسخرية:
"ومفكرتيش هو لو لقاها دلوقتي ممكن يعمل فيها إيه؟! تخيلي كدا وفكري بعقلك. مقالكيش واحد لقى مراته اللي كان بيعشقها وهربت منه بعد كتب كتابهم بأسبوع، وسيباله حتة ورقة تقوله فيها إن الجواز مسؤولية هي مش قدها وإنها اتسرعت! مفكرتيش لما يلاقيها ممكن يعمل فيها إيه؟ أو خياله في الفترة اللي سابته فيها هيصوّر له إيه؟"
كارما بذعر:
"والله ما فكرت في دا كله... وبعدين هو بيحبها وأكيد بيثق فيها، يعني عمره ما يأذيها."
مازن بغضب:
"عشان غبية! أي راجل في مكانه كبرياؤه هو اللي هيتحكم فيه، وهيدوس على مشاعره قصاد الإهانة اللي اتسببتله فيها. وخصوصًا واحد زي يوسف وفي مكانته، عمره ما هيعدّي اللي حصل بسهولة. كان ممكن تقوليلي ونلاقي حل نمنع المصيبة دي."
كارما بلهفة:
"أرجوك كلمه واعرف منه حصل إيه؟ دي ماما ممكن تموت فيها لو حصل لكاميليا حاجة."
مازن بحنق:
"مش بقولك غبية؟! وهتفضلي غبية... على أساس إنه هيقولي حاجة أصلاً!"
فأخفضت كارما رأسها بحزن. آلمه قلبه بشدة على حزنها فقال بهدوء:
"ما تسمعيش نفسك... أنا هكلمه وهحاول أفهم منه أي حاجة."
ثم التقط هاتفه واتصل بيوسف، الذي أجاب بسخرية واضحة في نبرة صوته:
"أهلًا بوحش الداخلية!"
مازن بترقب:
"أهلًا يا يوسف، عندي لك خبر حلو!"
يوسف بنفس لهجته:
"أشجِني!"
مازن بترقب لرد فعله:
"أنا عرفت مكان كاميليا."
قهقه يوسف بشدة ثم قال بعبث:
"كاميليا مكانها معروف يا مازن من زمان!"
مازن باستفهام:
"يعني إيه؟ مش فاهم!"
يوسف باستهزاء:
"ياخي مش عارف إنت قاعد تعمل إيه في الداخلية؟!"
ثم أردف بنبرة مرعبة:
"جنبِي... مكانها جنبي يا مازن. وأهي رجعت لمكانها تاني!"
مازن بمهادنة:
"يوسف... كاميليا دي حب حياتك، بنتك اللي مربيها على إيدك. أوعى تأذيها، أوعى تعمل حاجة تندم عليها باقي عمرك. احتويها وافهم منها هي عملت ليه كدا؟ ادّي فرصة تانية مرة واحدة في حياتك."
يوسف بمرارة:
"الفرصة التانية هي ضيعتها بإيدها. وكل واحد لازم يدفع تمن أخطائه، وكاميليا مش استثناء يا مازن."
فصاح مازن بغضب:
"لا، استثناء يا يوسف! لما تبقى روحك فيها وهي النفس اللي بتتنفسه... يبقى استثناء. فوق، ومتسلمش نفسك للشيطان. اسمع كلام قلبك... وصدقني مهما عملت فيها ومهما عاقبتها هتبقى بتعاقب نفسك معاها. اتنازل مرة واحدة عشان خاطرها، وعمرك ما هتندم."
حاول يوسف إخفاء ألمه من حديث مازن قدر المستطاع:
"سيب كل حاجة للظروف. المهم... مش عايز حد يعرف حاجة من اللي في البيت. ونبّه على زفت أدهم ما يقولش حاجة لحد."
مازن بصدمة:
"إيه دا؟ هو إنت مش هتاخدها عالبيت؟"
يوسف بغموض:
"قولتلك... كل واحد لازم يتعاقب على أخطائه."
مازن بغضب:
"الله يخرب بيتك يا يوسف! هتعمل فيها إيه؟"
فلم يكَد يُنهي جملته حتى وجد يوسف قد أغلق الخط، بل أغلق الهاتف أيضًا.
زفر مازن بحنق متمتمًا:
"الله يهديك يا يوسف... وربنا يستر عليها من جنانك."
ثم نظر إلى كارما شزرًا وقال غاضبًا:
"يلا عشان أوصلك بيتكم... وأروح ألحق المجنون دا قبل ما يعمل مصيبة."
ثم أدار محرك السيارة وهو يسبّ ويَلعن بغضب، ففاجأته كارما بوضع يدها فوق كفه الممسك بالمقود قائلة بتوسل:
"طب وإحنا؟"
أجابها بسخرية مريرة:
"إحنا؟! للأسف يا كارما، مفيش إحنا... إنتِ ما وثقتيش فيّ. اخترتي تخبّي وتهربي، ومفكرتيش في لحظة في شعوري هيبقى إزاي لما أعرف. إنتِ عمرك ما حبتيني... لو كنتي حبتيني، كنتِ وثقتي فيّ، وجيتي حكيتِلي وإنتِ واثقة إني هعمل الصح... بس للأسف."
مؤلم أن تكون عدة حروف بسيطة قادرة على سحق قلبك بين طيات معانيها، فتشعر بانطفاء روحك للحد الذي يسلبك القدرة على الكلام... كعاجزٍ فقد جميع حواسه بغتة، فلم يتبقَّ له سوى دموع بائسة تزيد من ألمه ومعاناته فقط.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
في مكانٍ ما مجهول، أخذ يوسف يتطلّع إلى تلك الجميلة النائمة في منتصف فراشه، التي تُشبه في جمالها الملائكة. فقد كان يريد أن يروي شوقه إليها، لكن كبرياءه الجريح كان يمنعه بشدة؛ فهو إلى الآن غير قادر على تصديق ما فعلته به، فهروبها منه آلمه بشدّة. ولو أخبرته برغبتها في تأجيل الزفاف، لم يكن ليعترض، فهو دائمًا ما يلبّي لها رغباتها حتى وإن كانت على غير هواه.
زفر بضيق وهمَّ بالخروج من الغرفة، لكن أوقفته توسلات قلبه، الذي كان يرجوه ألّا يحرمه لذّة قربها التي تمناها كثيرًا.
فاقترب منها يوسف بشوقٍ بلغ ذروته، قائلًا بوجع:
"ليه تعملي فيَّ كده؟! تغدري بقلبي اللي ما كانش عايز من الدنيا غيرك. كان مستعد يتخلى عن كل شيء يملكه، وكان يكفيه قربك."
طوّقته أصفاد جراحه الساخنة، فتابع بلوعة:
"ليه تحكمي عليه يعيش تعيس باقي عمره؟ ليه، وإنتِ عارفة إنك نقطة ضعفه الوحيدة؟!"
سخر من عذابه قائلًا:
"المفروض إني جايبك هنا عشان أعاقبك، بس شوقي ليكي غلبني قوي، وقلبي الخاين بيتوسّل لي عشان أسامحك وأرجّعك جنبه تاني."
ثم نزلت دمعة حارّة من عينيه لتستقرّ على وجهها وعينيها، وكأنها تخبره بأنها منبع ارتوائه الوحيد.
لكن ما جعله يستفيق من ذلك السحر، هو عندما وجدها تبادله شغفه، وما جنّ جنونه أكثر حين سمعها تهمس:
"يوسف... وحشتني قوي."
نظر إليها بعدم تصديق، فوجدها ما زالت تحت تأثير المنوِّم، فقد كانت تهذي باسمه. أيُعقل أن تكون تعشقه إلى هذا الحد؟! إذن، لماذا تركته؟ لماذا ألقت به في بحور العذاب، وذهبت دون أن تلتفت إلى الوراء؟
كان يظن أنه سيطفئ نيران شوقه فيها، لكن ما لم يتوقّعه هو أن يشتعل شوقه بها أكثر، حتى صار كنيران تحرق أحشاءه.
فشعر يوسف بغضبٍ يجتاح صدره من ضعفه أمامها، فنهض كي يحميها من شوقه، جنونه، وغضبه، وذهب إلى المياه علّها تطفئ نيرانه.
قضى يوسف الكثير من الوقت تحت المياه الباردة علّها تريحه، ولكن هيهات؛ فقد كانت كمن يُلقي البنزين فوق النار. فعزم أمره على مقاومة ضعفه اللعين تجاهها، ومحاسبتها على ما اقترفته بحقه، فهو لم يعُد ذلك العاشق المتيم بها، لقد تغيّر كثيرًا، وسيجعلها ترى ذلك.
بعد مرور عدّة ساعات، تململت كاميليا في نومها وبدأت في الاستيقاظ. فوجدت نفسها في فراشٍ غريب، ونظرت حولها، فلم تجد سوى الظلام، وذلك الجالس على الكرسي، وحوله موجة من الدخان المتصاعد من جرّاء احتراق سيجارته.
فتمتمت كاميليا بصوتٍ خافت:
"يوسف...!!"
فقال يوسف بلهجة خشنة، بها رنّة سخرية:
"كويس إنك لسه فكراني!"
كاميليا بوهن:
"أنا فين؟"
يوسف بنفس لهجته:
"في جحيـمي يا كاميليا!"
نشب الخوف حوافره في قلبها، فهمست بذعر:
"إنت عرفت مكاني إزاي؟ وناوي تعمل فيَّ إيه؟"
نصب يوسف قامته الفارعة واقترب منها بخطواتٍ بطيئة بعثت الرعب في قلبها، وقال بجانب أذنها بصوتٍ كفحيح الأفعى:
"من أول ما خرجتي من البيت وأنا عارف إنتِ فين...
أما هعمل فيكي إيه؟ دي مش محتاجة أقولها، عشان هتشوفيها بعينك!"
" لا تغضب من حماقة امرأة تحبها و لا تغضبي من حماقه رجل تحبينه وإلا فأين تدس الحياه سُمها إلا في ألذ أطعمتها ......."
الرافعي
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أمام أحد المقاهي، ترجل أدهم غاضبًا يلعن النساء جميعًا، فهنّ في نظره سبب كل المصائب. فجأة اقتحمت مخيلته تلك الفاتنة ببراءتها وجمالها وشراستها أيضًا، فهو لم ولن ينسى موقفها مع هذين الشابين، وما فعلت بهما...
ليجد نفسه يبتسم تدريجيًا دون وعي، فهي منذ لقائهما الأول تقتحم صورتها أفكاره. لكن سرعان ما نهر نفسه مذكِّرًا إياها بفرمان أصدره سابقًا: ألا يثق بامرأة قط...
دخل أدهم المقهى بهيئته الجذابة وقامته المديدة، وفجأة سمع ضحكة مدوية، فالتفت لها قلبه ساحِبًا إياه دون وعي إلى مصدر تلك السيمفونية التي عزفتها تلك الفاتنة على أوتار قلبه. فوجدها: تلك الساحرة الشريرة التي تقتحم أحلامه في اليقظة قبل المنام...
كانت جالسة مع أصدقائها، فظل في مكانه مأخوذًا بها، كزهرة لؤلؤية صغيرة، بريئة وجميلة، مشعة ومبهجة، تجذب الأنظار إليها من دون أي مجهود منها.
فاختار أدهم أقرب طاولة يستطيع منها التأمل بها دون أن تراه...
لكن سرعان ما تحولت مشاعر الافتتان بها وبجمالها إلى غضبٍ مميت عندما رأى ذلك الشاب يقترب منهم، ويميل ليتحدث بجانب أذنها، ووجدها تنظر إليه ضاحكة وتضع يدها داخل يده، كمن اعتاد على فعل ذلك...
عند هذا الحد اشتدت قبضته فبرزت عروق يديه غضبًا، وهب واقفًا وخرج مسرعًا من المقهى حتى لا يرتكب جريمة...
وأخذ يعنّف نفسه قائلًا:
"غبي، وهتفضل طول عمرك غبي يا أدهم! هتفهم إمتى إن كل الستات زي بعض؟! وهي زيهم زي الزبالة..."
لكن كان لأحدهم رأي آخر، فعانده قلبه قائلًا:
"بس إزاي؟! دي اتخانقت مع ولدين وبهذلتهم لمجرد إنهم عاكسوها بس!"
عاد عقله لبث سمومه:
"عادي، يمكن تمثيل عشان تلفت الانتباه ليها! ما إنت اتعمل فيك تمثيلية زي دي قبل كده!"
فهب قلبه معاندًا:
"لا! غرام غير... مستحيل البراءة دي يطلع منها كده أبدًا."
صاح عقله معنفًا:
"ما إنت قلت على مرام نفس الكلام قبل كده وطلعت زبالة!"
فتمسّك قلبه بما يخالجه من شعور مؤكّدًا براءتها:
"بس غرام غير... دي ما حاولتش تتقرب منك زي ما مرام عملت، وحتى طول الوقت مش طايقاك!"
لم يتمالك نفسه وصرخ غاضبًا:
"أووووف! غرام وزفت! أحسن حاجة أشيلها من دماغي. كلهم زبالة... حتى كاميليا اللي يوسف كان بيموت في تراب رجليها خدعته وهربت وسابته من غير حتى ما تبص وراها!"
ثم ركب سيارته وانطلق بها بسرعة جنونية، توازي جنون أفكاره عندما رآها تتحدث بهذا الشكل مع ذلك الشاب...
---
"ماما... يا ماما!"
فاطمة بفزع:
"إيه يا حبيبتي؟ مالك؟"
كارما بذعر:
"يوسف لقى كاميليا وخطفها، ومحدش عارف وداها فين!"
نزل حديث كارما على قلب فاطمة كالصاعقة، فهي كانت تشعر بأن قدوم يوسف لمنزلهم رسالة تحذيرية لما هو قادم... خانتها قدماها وسقطت على أقرب مقعد قائلة ببكاء:
"يا قلبي... يا بنتي... يا نَري... هيعمل فيكي إيه؟! يا ترى هيظلمك زي ما أمك اتظلمت على إيديهم زمان؟! استرها من عندك يا رب... إنت وحدك عارف هي طيبة قد إيه... واستحملت قد إيه..."
دخلت فاطمة في موجة من النحيب، تتذكر أختها الراحلة وفراقهما الذي ظلّت تعانيه، إلى أن جاءت كاميليا لتعوضها عن توأم روحها التي حُرمت منها منذ زواجها من هذه العائلة البغيضة...
دخلت غرام إلى المنزل، فوجدت أمها على هذا الحال، وكارما بجانبها تواسيها وتهدئ من روعها، ففزعت قائلة:
"في إيه يا ماما؟ بتعيطي ليه كده؟"
ولما لم تجد إجابة، نظرت إلى كارما الباكية قائلة:
"حصل إيه يا كارما؟! ماما بتعيط ليه كده؟"
كارما من وسط دموعها:
"يوسف عرف مكان كاميليا وأخدها... ومحدش عارف راحوا فين... وماما هتتجنن عليها!"
شهقت غرام بخوف وقالت:
"وإنتوا عرفتوا منين؟"
صدمت كارما، فلم تعرف ماذا تقول. لترفع فاطمة عينيها موجهة حديثها إلى كارما سائِلة:
"أيوه صح... إنتي عرفتي منين يا كارما؟"
كارما بتوتر:
"إي... إيه؟!"
فنظرت لغرام مستنجدة.
فقالت غرام مندفعه:
"أكيد من مازن! أصله كان جاي النهارده يسأل على علي، وأنا كنت مستعجلة فسبته مع كارما ومشيت بسرعة."
أردفت كارما:
"أيوه... وأنا كنت واقفة معاه، جاله تليفون من أدهم بيقوله إن يوسف لقى كاميليا... وأنا من خوفي وقعت بلساني وقلت له إنها كانت قاعدة عندنا وإنها بنت خالتي وكده..."
هبت فاطمة بغضب:
"احكيلي يا زفتة... إنتي! حصل إيه بالظبط؟"
قصّت كارما ما حدث بينها وبين مازن، وبالطبع لم تحكِ الجزء الخاص بها. فانتفضت فاطمة بفزع قائلة:
"يعني إيه ممكن يأذيها؟! مش كفاية اللي عملوه في أمها؟! حرام عليهم... هما فاكرين إن محدش هيقف لهم؟! حسبي الله ونعم الوكيل فيكوا يا ولاد الحسيني! هتحرقوا قلبي عليها زي ما حرقتوه على أمها!"
كانت هذه آخر جملة خرجت من فم فاطمة قبل أن تسقط مغشيًا عليها...
---
في مكانٍ ما مجهول، نجد تلك الفاتنة تبكي وتنتحب على قدرها، الذي هربت منه كي لا تؤذيه، فعاد هو وأجبرها على الرجوع فقط لينتقم منها...
عودة لوقت سابق:
"من أول ما خرجتي من البيت وأنا عارف إنتي فين... أما هعمل فيكي إيه؟ دي بقى مش محتاجة أقولها... عشان هتشوفيها بعينك!"
اندفعت كاميليا بفزع، فقد شاهدت في عينيه نظرة مرعبة لم ترها من قبل:
"إنت تقصد إيه يا يوسف؟ هتعمل فيَّ إيه؟!"
يوسف بسخرية:
"معقول كاميليا الحسيني خايفة وبتترعش! وما كنتيش خايفة ليه وإنتي بتهربي، وسيبالي ورقة تقولي فيها إنك عايزة تعيشي حياتك... وعايزاني أنا كمان أعيش حياتي؟!"
فلم يجد منها أي رد، سوى أنهار من الدموع تنساب من عينيها الجميلتين، وتنزل على قلبه تحرقه وتفتت خلايا روحه... فهو ما زال يعشقها، وكم كان يكره أن يرى دموعها.
فقال بصوت حاول أن يكون حازمًا:
"ما تعيطيش... ما تفكريش إن دموعك دي ممكن تأثر فيا!"
كاميليا بأسى:
"ما أنا بعيط عشان كده يا يوسف... عشان عارفة إن دموعي مش هتأثر فيك."
هب يوسف واقفًا، مولّيًا إياها ظهره، محاولًا قدر الإمكان أن يحافظ على ثباته أمامها. يكفيه تحطم قلبه من الداخل لذلك الألم الذي تنطق به عيناها، ولنبرة الانكسار التي تتحدث بها.
فقال يوسف بسخرية، يختبئ خلفها خوفًا من أن ترى ضعفه:
"قوليلي يا كاميليا... عشتي حياتك زي ما كنتي عايزة؟"
كاميليا بعدم فهم:
"تقصد إيه؟"
يوسف:
"يعني أديكي مشيتي، وخلصتي من حصاري! ها، قوليلي بقى... عملتي إيه اللي أنا كنت بمنعك تعمليه؟!"
ففطنت إلى ما يقصده، فقالت بجفاء:
"هو مش إنت كنت عارف عني كل حاجة من أول ما خرجت من البيت؟ يبقى أكيد عارف أنا عملت إيه."
سب يوسف بداخله وقال بغضب:
"لما أسألك تجاوبي، وما تختبريش صبري... عشان ما بقاش ليكي رصيد جوايا يشفعلك عندي! والدلع بتاع زمان خلاص انتهى!"
تحركت كاميليا من مكانها واقتربت منه ببطء، ناظرة إلى داخل عينيه بقوة قائلة:
"ولما إنت ما بتحبنيش، وما بقاش ليا جواك رصيد، ولا بقيت أُهِمّك... رجعتني ليه يا يوسف؟!"
فلم تجد منه ردًا، فأكملت مقتربة منه للحد الذي اختلطت أنفاسهما فيه، قائلة:
"أقولك أنا... عشان وحشتك زي ما إنت وحشتني... ومش قادر تتحمل بعدي زي ما أنا بموت في بعدك."
صمتت لثوانٍ ثم أكملت:
"وعشان ده (وأشارت إلى قلبه) حسّ بدا (مشيرة إلى قلبها)... وهو كل ليلة بيصرخ ويناديه ويقوله إن الدنيا دي صعبة ومش بتتعيش من غيره..."
تشبثت بقميصه وأطلقت تنهيدة زلزلت كيانه:
"قلبك جابك غصب عنك لحد عندي، عشان عارف إنه مالوش مكان غيري يا يوسف... وإن قلبي مهما لف ودار مالوش غيرك."
وهطلت دموعها بغزارة تبلل قميصه. فاتقن رسم الجمود على ملامحه، محاولًا ألّا يضعف أمام عشقه لها، الذي سيجبره حتمًا على الخضوع لسحرها.
وأخفض رأسه، فلفحت أنفاسه عنقها، قائلًا بهمسٍ قاتل:
"عشان أعيش حياتي قدام عينيكي يا كاميليا... وتشوفيني بعينك مع غيرك!"
انسحب يوسف سريعًا حتى لا ينظر إلى عينيها، خوفًا من ضعفه أمامها. فقد كانت كلماتها كسهام تخترق صدره. فبقدر ما ألمته، كان عشقه لها... فذلك القلب الخائن يصارعه الآن ويصرخ مطالبًا بها. لكن رجلًا مثله اعتاد على الانتصار في جميع معاركه، فأبى أن يتحكم به قلبه ويهزمه أمام تلك التي تسلب منه الهواء الذي يتنفسه...
********
في أروقة أحد المستشفيات، كانت كارما تجلس محتضنةً أختها، تبكيان في صمت خوفًا على والدتهما... اقترب علي من أختيه محاولًا تهدئتهما وبثّ الطمأنينة التي لا يمتلكها، فهو بداخله يموت رعبًا خوفًا من أن يفقد والدته، فهي كل ما تبقّى له في هذه الحياة، لكنه يخفي خوفه بداخله؛ فمثله لا ينبغي له أن يضعف أبدًا، فهو مصدر الأمان لأسرته الصغيرة.
خرج الطبيب من الغرفة فهرولوا ثلاثتهم إليه متلهفين لسماع الأخبار.
صاح علي بلهفة:
ــ "طَمّني يا دكتور، ماما مالها؟"
ــ "مخبيش عليكم يا جماعة، والدتكم قلبها تعبان ولازم تبعدوها عن أي صدمات عشان ما يجلهاش أزمة تاني."
انتخبت غرام بألم تجلّى في نبرتها حين قالت:
ــ "يعني إيه يا دكتور؟ يعني ماما ممكن تروح مننا في أي وقت؟"
فأجاب الطبيب بعملية:
ــ "كلنا ممكن نروح في أي وقت، كل واحد مكتوب له قدره وساعة موته متحددة من يوم ولادته. المطلوب منكم دلوقتي إنكم متعرضوهاش لأي صدمات تاني، وتحاولوا تنفذوا كل طلباتها، وربنا هو الشافي."
قالت كارما برجاء:
ــ "طب ممكن نشوفها يا دكتور؟"
ــ "حاليًا لا، هنستنى لما حالتها تستقر وبعدها ننقلها لأوضة عادية، وقتها تقدروا تشوفوها."
ألحّ علي قائلًا:
ــ "دكتور أرجوك، خمس دقايق بس. أوعدك مش هرهقها ولا هتعبها."
فأذعن الطبيب لرجائه:
ــ "تمام، خمس دقايق بس... اتفضل على أوضة التعقيم عشان يجهزوّك."
اقترب علي من سرير والدته فوجدها نائمة كالملاك، فنظر إلى وجهها الشاحب تحيط به الخراطيم من كل جهة، ففرت دمعة من عينيه حزنًا ووجعًا عليها. والدته منذ نعومة أظافره كانت صديقته المقرّبة، فلم تكن يومًا أمًا عادية، بل كانت تقوم بدور الأب والأم معًا منذ وفاة والده، ولم تشعره هو وأختيه يومًا بالنقص.
اقترب ووضع قبلة حانية على جبينها قائلاً بحزن:
ــ "أمي، أرجوكي ما تسيبينا، إحنا ملناش غيرك. إنتِ كل حاجة في حياتنا. قومي وأوعدك كل حاجة هتتصلح وهتبقي كويسة. أوعدك محدش هيضايقك ولا هيزعلك أبدًا..."
صمت لثوانٍ ثم تابع بحرقة:
ــ "إنتِ وعدتيني إنك عمرك ما هتسيبيني... نفذي وعدك وارجعيلي تاني."
ثم أمسك بيدها وقبّلها بلطف، وأسند جبينه على كفّها، فانهمرت دموعه كالفيضان، لم يستطع التحكم بها... وفجأة شعر بيدها تتحرك، فالتفت إليها بلهفة قائلًا:
ــ "ماما، إنتِ سمعاني صح؟"
فحركت يدها نازعةً جهاز الأكسجين، وتحدثت بضعف:
ــ "كاميليا يا علي... أرجوك رجّعها لي وما تسيبهمش يأذوها زي ما أذوا خالتك الله يرحمها."
قال علي بلهفة:
ــ "فوقي إنتِ بس يا حبيبتي وقومي بالسلامة، وهتلاقي كاميليا مستنياكي... بس إنتِ شدّي حيلك وارجعيلنا من تاني."
قالت فاطمة بتأكيد:
ــ "وصيتك كاميليا يا علي... احميها يا ابني، وأوعي تخلي حد يأذيها أبدًا."
قال علي بحزن:
ــ "أرجوكي يا أمي، ما تقوليش كده. كاميليا محدش هيقدر يأذيها، وهترجع وتاخديها في حضنك ونرجع نعيش كلنا مع بعض. ارتاحي دلوقتي، ووعد مني هتصحي تلاقيها موجودة إن شاء الله."
خرج علي من غرفة والدته فوجد أختيه بانتظاره، فاحتضنهما معًا وقال مطمئنًا:
ــ "ماما كويسة، وهترجع في وسطنا قريب إن شاء الله. مش عايز أشوف واحدة فيكم بتعيط أو حزينة."
قالت كارما بلهفة:
ــ "بجد يا علي؟"
واندفعت غرام قائلة:
ــ "يعني هي بقت كويسة؟ نقدر نشوفها؟"
فأجاب علي بطمأنة:
ــ "هي كويسة الحمد لله، بس دي مجرد إجراءات عشان يتأكدوا من سلامتها."
ثم التفت إلى كارما ممازحًا:
ــ "إيه يا ست الدكتورة! أمال إنتِ قاعدة في كلية طب كل دا بتعملي إيه؟"
أطلقت كارما تنهيدة حارة وقالت:
ــ "والله يا علي، أول ما شوفت ماما واقعة كده، نسيت اسمي ونسيت إني دخلت الطب من أساسه."
تدخلت غرام مازحة:
ــ "يا خويا اسكت... دي فقدت النطق لما شافت ماما واقعة! وبدل ما تلحقها معايا كانت عايزة اللي يلحقها هي! لولا إن عمرو كلمته جه جري ولحقناها وجبناها المستشفى... وكل دا والهانم لسه تحت تأثير الصدمة! بلا نيلة... دي عيلة هفأ أصلًا ما منهاش فايدة!"
شاطرها علي المزاح قائلًا:
ــ "لا يا شيخة! يعني الواحد لو جراله حاجة في أي وقت، مايعتمدش عليكِ؟ هيلاقيكِ مفيصة قبله! ودم قلبنا اللي صرفناه عليكِ في كلية الطب راح بلح! روحي يا شيخة... وتعالي بسرعة، أحسن تتوهي ويخطفوكي وياخدوا عنيكي اللي شبه عيون القطط دي، وإحنا بصراحة مفناش نفس ندور على حد."
صاحت كارما بغيظ:
ــ "نعم يا حبيبي منك ليها! إنتوا هتعملوا عليّا حفلة ولا إيه؟ ده أنا أحسن دكتورة فيكِ يا إسكندرية! هي بس أمك اللي خدتني على خوانة."
قال علي بتهكم:
ــ "تصدقي غلطانة؟ ملهاش حق عندي! أنا المرة الجاية، إن شاء الله لما تنوي يجي لها أزمة قلبية، هخليها تعرفك قبلها تعملي حسابك."
فانفجروا ثلاثتهم ضاحكين، فاحتواهم علي بشدة، فهو يعشق أختيه ولا يستطيع أن يرى حزنهما أبدًا.
وكان كل هذا يحدث أمام مازن، الذي كان يودّ لو يقترب من كارما ليحتويها ويمتصّ منها جميع أوجاعها، فهو برغم غضبه الشديد منها مازال يعشقها، ولم يتحمّل عندما حادثته غرام لتخبره بمرض والدتهم وحال كارما.
********
خرجت غرام من المستشفى لتعود إلى المنزل مع عمرو ابن عمها وأخيها في الرضاعة، فاصطدمت بأدهم الذي كان يحادث مازن، فعلم منه ما أصاب فاطمة تلك السيدة الحنونة التي أحبها وكأنها والدته، فجاء ليطمئن عليها... أو هكذا أقنع نفسه.
كادت غرام أن تقع، لكن ذراعيه القويتين منعتها. لم تلحظه غرام التي قالت بغضب:
"مش تفتح يا أخينا انت...!"
لكنها صُدمت عندما رفعت عينيها فوجدت أدهم أمامها، فاحمرت وجنتاها بشدة وقالت بخجل متلعثمة:
"أ.. أ.. أدهم! إيه دا؟ إنت إيه اللي جابك هنا؟"
أما أدهم فكان في عالم آخر، لا يرى شيئًا سوى عينيها التي تربكه وتهدم جميع حصونه بنظراتها القاتلة...
فهو الذي أقسم ألّا يعرف للعشق طريقًا بعد تلك التجربة المريرة التي تركت بداخله ندبة كبيرة جعلته إنسانًا قاسيًا لا يعترف بالمشاعر ولا بوجود النساء إلا لتلبية غريزته فقط.
لكن هذه الفاتنة باتت صورتها لا تفارق مخيلته في أحلامه ويقظته، ضاربة عرض الحائط كل حصونه ودفاعاته وذلك اليمين الذي أقسمه ألا يمس الحب قلبه أبدًا.
رائحتها العذبة أصبحت كمخدر له، وها هو يتطلع إليها وهو شبه مغيب عن الواقع، فهي قريبة منه إلى حدٍّ غير مسموح به، تنظر إليه بتلك الطريقة التي تزلزل كيانه...
أفاق أدهم من شروده على صوتها وهي تنظر إلى يديه قائلة:
"إحم... أدهم، أبعد لو سمحت..."
فسحب أدهم يديه بعنف من حولها حتى كادت أن تسقط، لكنه هذه المرة لم يتجرأ على مساعدتها، يعلم أنه لو اقترب مرة أخرى فلن يستطيع التحكم في نفسه، فتلك المرأة تقوده إلى الجنون.
لم يرها سوى مرات قليلة، لكنها تحتل تفكيره، وتملك عليه سلطة غريبة لا يعرف كنهها...
قال بلهجة جافة:
"طنط فاطمة عاملة إيه؟ أنا جيت أطمن عليها لما عرفت من مازن."
فرّت غرام بنظراتها متنهدة قائلة:
"علي بيقول إنها بقت أحسن، بس مينفعش نشوفها دلوقتي."
أخفضت غرام عينيها حتى لا يرى دموعها.
لكنه تأثر بلهجتها الحزينة ودموعها، فرفع وجهها إليه وقال بلهجة حانية عكس ما سبق:
"إن شاء الله هتبقى كويسة، متقلقيش."
نظرت إليه باندهاش من ذلك الوسيم الذي خطف قلبها من أول وهلة، ولمَ لا؟ فهو يملك جميع مقومات فارس أحلامها الذي لطالما رسمته في خيالها. يشبه كثيرًا أبطال مصاصي الدماء الذين كانت تعشقهم، تحب هذا النوع من الأفلام... لكنها لم تكن تعلم أنه يشبههم شكلاً وموضوعًا!
أضاف أدهم مستفسرًا:
"هو إيه اللي حصل وصلها للحالة دي؟"
ارتبكت غرام كثيرًا... هل تخبره أن كاميليا زوجة أخيه الهاربة هي ابنة خالتها، وأنها كانت في بيتهم طوال هذه الفترة؟! أنقذها من مأزقها رنين هاتفها، فكان عمرو يستعجلها ليذهبا إلى المنزل لإحضار بعض المتعلقات لكارما التي ستبقى مع والدتها هذه الليلة.
أغلقت غرام الهاتف قائلة لأدهم بارتباك:
"أنا همشي بقى عشان أجيب حاجات لكارما من البيت عشان هتبات مع ماما النهاردة."
فاندفع أدهم بلهفة قائلاً:
"طب تعالي أوصلك."
فقالت غرام دون وعي:
"لأ، خليك... هروح مع أصحابي ومش هتأخر، عن إذنك."
وخرجت لاهثة، فقد كان كل ما يهمها هو أن تهرب منه قبل أن يسألها عن شيء آخر. كانت خائفة من ردّة فعله عندما يعلم بحقيقة علاقتهم بكاميليا...
لقد أصابها الهلع حين تخيلت أن يكون رد فعل أدهم مثل رد فعل مازن الذي، رغم عشقه لكارما، ثار وأنهى علاقتهما كما أخبرتها شقيقتها. فلم يكن أمامها سوى الهروب خوفًا من تلك المواجهة.
لكنها لم تكن تعلم أنها أثارت شكوكه حولها.
فهو رجل جُرح بشدة وتعرّض للغدر من أقرب الناس إلى قلبه، فبات يشك في الهواء الذي يتنفسه. وقد لاحظ ارتباكها وظن أن له علاقة بتلك المكالمة التي أنهتها ولم تجب عليها. لم يشعر بنفسه إلا وهو يتبعها، فقد كان الفضول يقرضه من الداخل لمعرفة سبب ارتباكها...
خرجت غرام من المستشفى فوجدت عمرو بانتظارها، ولما رأى هيئتها سألها بلهفة:
"غرام! مالك؟ وشّك أصفر كده ليه؟ وبتنهجي؟! طنط كويسة؟"
فهزت رأسها نافية، وهطلت الدموع من عينيها. جذبها عمرو مهدئًا إياها، فتمسكت به بشدة، تشكوه حزنها بصمت... غافلين عن تلك العيون المشتعلة بنيران الغضب والحزن معًا.
قال أدهم من بين أسنانه:
"ده إنتِ مقضياها بقى! من ده لده... الصبح مع واحد، ومن شوية معايا، ودلوقتي مع واحد تاني!"
زفر أدهم وقال بسخرية مريرة:
"لا! وقلبي الغبي كان مفكرك غيرهم! كلكم زي بعض... كلكم خيانة وما لكمش تمن."
ثم لمعت عيناه بنظرات سامة قائلاً بوعيد:
"بس ماشي يا غرام... أنا هوريك."
ثم انصرف إلى الداخل وهو يتوعد لها.
---
في منتصف الليل، جلست كاميليا في الظلام على ذلك السرير الواسع، تحتضن ركبتيها إلى صدرها، وتهطل دموعها كالأنهار بصمت.
لماذا لا تصبح الحياة عادلة ولو لمرة واحدة معها؟!
حرمتها من أحضان والديها لتتربى يتيمة، تعاني من ذلك الشعور القاتل بالوحدة، لكنها قاومت ولم تضعف.
وحين فتحت لها ذراعيها بحب يوسف، جاء الماضي المرير وذلك السر الدفين ليحرمها أيضًا منه.
لكن هذه المرة لم تعد قادرة على المقاومة... فمن كان الحامي والداعم لها في هذه الحياة القاسية، يراها الآن عدوته!
من كان يرسم لها طريق السعادة ويفرشه بالورود، أصبح يعدها بالحزن والشقاء، مستبدلًا الورود بأشواك تزرعها نظراته المحتقرة في قلبها الحزين الذي حُكم عليه بالألم والعذاب، ودفع ثمن خطأ ليس له ذنب فيه.
دخل يوسف الغرفة بأمر من قلبه الذي لم يطاوعه تركها كل هذا الوقت، خصوصًا عندما رفضت تناول الطعام.
يوسف:
"لسه برضه بتقعدي تعيطي في الضلمة لما بتكوني زعلانة؟"
تابع بتقريع:
"بس يا ترى زعلانة ليه يا كاميليا؟ عشان رجعتك تاني...؟!"
ولما لم يجد منها إجابة، أردف بسخرية:
"أوعي تكوني زعلانة من كلامي إني هعيش حياتي! ده يوسف كالعادة اللي بينفذلك كل طلباتك!"
رفعت كاميليا أنظارها الواهنة إليه، فصُدم يوسف من هيئتها المزرية: عيون منتفخة من كثرة البكاء، أنف محمر، شعر مشعث...
جذب نفسه من غرفتها بكل ما أوتي من قوة. ففي هذه اللحظة بالذات كان قادرًا على غفران كل شيء مقابل ألا يراها بتلك الهيئة. فهي عشقه الذي لا يستطيع مواجهته أو التظاهر بعدم وجوده...
وكأن ما يعتمل بداخله من وجع لم يكن يكفيه، جاءت هي لتنطق اسمه بتلك الطريقة التي جعلته يطبق قبضته بشدة حتى برزت عروق يده. كان يمنع نفسه بصعوبة من الالتفات إليها وسحقها بين ذراعيه، لينسيها وينسى معها كل ذلك الألم الذي يفتت قلوبهما.
لم يكد يلتقط أنفاسه حتى فاجأته بتلك القنبلة التي اخترقت قلبه وبعثرته إلى أشلاء:
"أنا بحبك يا يوسف."
يتبع ...
حبايب قلب نور و فانزها الجميل ممكن تتفاعلوا على البوست القمر اللي في اللينك دا 🙈♥️
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!