🌹الوجه السابع للعشق
أحتاجك.. أعترف لك مثلما يعترف المحكوم عليه بجريمه
لم يرتكبها و هو في طوق المشنقة، كي يُبرر لنفسه نهاية لا يُريدها
لقائلها ..
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
همست بوهن:
"يوسف!"
وجدته يعتصر قبضة يده بشدة، فهو يقاوم قلبه عن الالتفات لها، فرقَّ قلبها على حاله وحالها.
فنطق قلبها، وردد لسانها بتلك الكلمة التي كالسهم استقرت في منتصف قلبه:
"بحبك يا يوسف."
صُدم يوسف الذي كان منذ برهة يعاني مع قلبه المشتاق، وكبرياؤه الجريح، لتحسم هي أمرهما سريعًا بتلك القنبلة الموقوتة. فالتفت لها وهو غائب كليًا عن الواقع، لا يرى أمامه سوى معشوقته التي يتلظى الفؤاد بنيران عشقها، فتقدَّم منها بقلب قد بلغ به الشوق ذروته، يريد أن يطفئ بها نيران عشقه...
ولكن مهلاً؛ فرجل مثله يمتلك من الكبرياء ما يجعله يتحمَّل أن تأكله النيران حيًّا دون أن يرمش له جفن، على أن ينطفئ بمن طعنت كبرياءه ورجولته بخنجر الغدر، وغادرته دون ذرة ندم.
فحين أوشك على أن يقربها منه، نهره عقله بشدة؛ فحتى إن كان هذا القلب الخائن قد سامحها، فحتماً سيكون عقله له ولها بالمرصاد.
فأمسك معصميها بكلتا يديه بشدة حتى كادا أن ينخلعا بين يديه، وقال بصوت أجش من فرط الوجع والاشتياق في آن واحد، فقد كان يتقدَّم خطوة وتتراجع هي أخرى:
"قولِيلي سبب واحد بس مقنع أضحك بيه على نفسي وعلى كرامتي اللي دوستي عليهم يوم ما هربتي مني... سبب واحد بس يخليكِ تهربي وتسبيني بعد كل اللي كان بينا. للدرجة دي أنا مفرقتش معاكي؟"
كان القهر يقطر من بين كلماته حين تابع:
"للدرجة دي حبي اللي كنت مغرقك بيه كان ولا حاجة بالنسبالك؟!"
صمت لثوانٍ، وعيناه تحاوطها بألم تجلَّى في نبرته حين قال:
"إيه؟ كنتي بتتسلي؟ وبعد ما لقيتي إن الموضوع دخل في الجد قولتي تهربي تشوفي تسلية جديدة؟ ردي عليّاااا!"
قال جملته الأخيرة صارخًا، مما جعلها ترتجف رعبًا ووجعًا من حالته، فانهارت بين يديه قائلة:
"أرجوك يا يوسف، متقولش كده. أنا عمري ما كنت كده... معقول مش عارفني؟! غصب عني والله..."
طرأ من عمق وجعه استفهام مُلح:
"طب ليه سبتيني بالطريقة دي؟ ردي عليّا، وارحميني من العذاب اللي رميتيني فيه!"
أخذت تبكي بانهيار؛ فهي لن تقدر على إخباره بوجعها، ولن تتحمَّل أن ينظر إليها باحتقار أبدًا، فهي تعشقه حد الجنون، ولا شيء قادر على كسرها سوى كرهه لها وابتعاده عنها.
فهو بمثابة موت لها، وإن كانت كل الطرق تؤدي إلى الموت، فلتختر الموت بكرامة وبعض من الكبرياء...
تعرف أن بعد كلماتها التالية سوف تخسره للأبد، ولكن هذا ما عهدته من هذه الحياة: العذاب، والوحدة، واليُتم أيضًا...
فها هي على وشك خسارة حياتها المتمثِّلة فيه.
فقالت بحنان ووجع، أمٍّ على وشك وداع فلذة كبدها:
"أنا مكذبتش عليك أبدًا يا يوسف، أنا فعلاً حبيتك وعشقتك..."
لم يمهلها يوسف الفرصة لتكمل؛ فعندما نطقت تلك الكلمات، وكأنها نفخت الروح بقلبه ليحيا بحبها من جديد، اندفع يقربها منه بقوة، يبثها كل عشقه وشغفه، وكأنما يريد أن يُرمم بها جروح قلبه التي خلفها غيابها...
لم يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة لها، فقد كانت تبادله شغفه وعشقه بجنون... تناسى كلاهما العالم، ولم يبقَ سوى قلبيهما اللذان أذابهم العشق، واتحدا بعد شهور من العذاب.
تركها يوسف على مضض، وكانا كلاهما يلهثان من جراء تلك المعركة، والحقيقة أنه كانت هناك معركة من نوع آخر تدور بداخلهما...
فعقله يؤنبه بشدة لضعفه أمامها، وتركه العنان لمشاعره التي لطالما تحكَّم بها، بمجرد كلمات حب واهية لم تردعها عن هجره... ومن ناحية أخرى، كان قلبه يشعر بصدقها وعمق مشاعرها، ويتوسل له ألا يحكم عليه بالموت، فالحياة بدونها بمثابة موت بالنسبة له...
وكان هو بالمنتصف، حائرًا بين تأنيب عقله وتوسلات قلبه، ويا لها من حيرة تقود الإنسان إلى الجنون...
أما عندها، فكانت معركة تُدمي القلوب وتفتتها...
فهي وحيدة ضعيفة، خائفة من شبح ماضٍ بات يحاصرها من جميع الاتجاهات، فلا هروب منه سوى بموتها...
فالموت هو النهاية الحتمية لتلك الحياة البائسة، ولكن الموت بكبرياء أفضل كثيرًا من الموت على قارعة طريق مليء بالإذلال والازدراء...
هكذا أخبرها عقلها، والمثير للدهشة والحزن أيضًا أن يستسلم قلبها لذلك الخيار؛ فلا قدرة له على تحمُّل نظرة احتقار من عينين طالما رأت بهما العشق والحنان...
حسمت أمرها أخيرًا، فلم تكد تتحدث حتى سبقها يوسف قائلًا بصوت أجش:
"إحنا لازم نتكلم."
دبَّ الرعب في أوصالها، وكأنما جميع قراراتها تبخرت في الهواء؛ فها قد جاءت اللحظة التي تمنَّت كثيرًا ألا تأتي. وحاولت منع دموعها بصعوبة.
نظر يوسف إلى ارتجاف يديها، ورفرفة رموشها كأنها تحارب دموعًا على وشك الهطول، ورعشة شفتيها، فصرخ قلبه قائلًا: ألم أقل لك...
قد كانت كمن يخوض معركة داخلية ترهقه، حتى بات الألم جليًا على ملامح وجهها.
خاطبها يوسف قائلًا بحنان:
"كاميليا..."
فأخفضت رأسها خوفًا من أن يرى ذلك العذاب في عينيها...
فوضع يوسف يده أسفل ذقنها، رافعًا رأسها قائلًا بنفس اللهجة الحانية:
"ياااه! أول مرة تخبّي عيونك مني!"
كاميليا بوهن:
"أرجوك يا يوسف..."
يوسف مقاطعًا:
"قبل ما تقولي أي حاجة خليكي فاكرة إني أمانك وحمايتك، وإني عمري ما هسمح لحد أو لحاجة تأذيكي. أوعي تخافي من حاجة وأنا موجود... أنا ممكن أهد الدنيا وأبنيها عشان خاطرك. وأنا قولتلك الكلام ده قبل كده، وبرغم إني مبعيدش كلامي مرتين، بس هعيده عشان خاطرك..."
لملمت كاميليا شتات نفسها وقالت بثقة واهية:
"إحنا لازم نتكلم زي ما إنت قولت..."
"تمام، نتكلم... تعالي اقعدي."
أجلسها بجانبه على الأريكة؛ فقد اشتاقها حد الجنون، فكان غير قادر على إبعادها عنه ولو لبعض سنتيمترات...
فسحبت نفسها وجلست على جانب السرير المقابل له، فهي تعلم أن ذلك الماكر أجلسها بقربه كي يؤثِّر عليها بسحره الفتَّاك...
فهم ما فعلته، فأسند ظهره على الأريكة يناظرها بغموض، فوجدها تبتلع ريقها بصعوبة، فلاح شبه ابتسامة على جانب شفتيه، ونظر لها مضيِّقًا عينيه قائلًا:
"سامعك..."
ارتبكت كاميليا قليلًا وابتلعت ريقها بتوتر، فهي لا تعلم كيف تبدأ الحديث، خاصةً وهو ينظر لها بتلك الطريقة التي تجعل قلبها ينتفض، يود لو يخرج من بين ضلوعها من شدة خفقاته.
فلاحظ حالتها فقال بخشونة:
"ساكتة ليه؟ ولا مش عارفة تبتدي منين؟"
زاد ارتباكها، فهو لا يزال يعرفها جيدًا، ويعلم ما يدور برأسها دون الحاجة إلى الحديث. فكيف لها أن تخبره ما انتوت عليه من دون أن يشك بها؟
تحدث بنفاذ صبر، فهو لن يترك لها فرصة للتفكير:
"هربتي ليه يا كاميليا؟"
زادت وتيرة أنفاسها، وتعالت دقات قلبها، وزاد توترها...
اللعنة عليه، فهو لا يمهلها بعض الوقت لتستجمع أفكارها.
فقالت باندفاع وغضب:
"عشان حاسة إني اتسرعت... أقصد إننا غلطنا واتسرعنا. يعني ماشي، أنا حبيتك، بس ده لإني معرفتش غيرك... فتحت عيوني لقيتك قدامي. كنت عايزة أختبر مشاعري ناحيتك. مش ممكن يكون مجرد إعجاب، أو يكون امتنان عشان طول عمرك واقف جنبي وبتحميني... أنا محبتش أخدعك."
هل من العدل أن يكون الإنسان مسيَّرًا دائمًا؟ وعندما تعطيه الحياة فرصة الاختيار، يكون الاختيار حول كيفية هلاكه...؟ كمن يُخيَّر أن يُقتل بالسكين أم يُقتل بالسم؟!
هل ينتابه الفرح لحصوله على فرصة أن يكون صاحب القرار مرة يتيمة طوال حياته البائسة؟! أم يحزن لكون تلك الفرصة ستودي به وتلقي به في قاع الجحيم الذي لا نهاية له...؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
مازن: "عايز أتكلم معاك."
أومأ علي برأسه، والتفت إلى كارما التي كانت تتابع حديثهما بخوف، قائلًا:
"هنزل الكافيتريا أنا ومازن، استنّيني هنا شوية وأنا طالع."
أومأت بصمت، وهي تتحاشى النظر إلى مازن الذي كان يعلم مقدار غبائه معها، ولكنه لم يتحدث، وانصرف مغادرًا مع علي.
نزل كلٌّ من مازن وعلي إلى مقهى المستشفى، وما إن جلسا على الطاولة حتى تكلّم علي بحدّة قائلًا:
"يوسف فين يا مازن؟"
تنهد مازن قائلًا:
"معرفش."
فردَّ علي بغضب:
"لا، إنت عارف يا مازن. إنت صاحبه الوحيد وابن خالته، وأكيد عارف مكانه."
مازن بغضب:
"قولتلك معرفش يا علي."
علي بحدّة قائلًا:
"يعني إيه متعرفش؟! أمال مين اللي يعرف؟"
مازن ببرود:
"بما إني صاحبه الوحيد وابن خالته ومعرفش، يبقى محدش يعرف."
استشاط علي غضبًا فقال بصياح:
"لآخر مرة هسألك، يوسف أخد كاميليا وراح على فين يا مازن؟"
فجاء صوت أدهم الذي أخبرته كارما بجلوسهما في المقهى، فتبعهم وفوجئ بذلك الشجار، وعلى يتساءل عن مكان كاميليا ويوسف:
"وانت مالك ومال كاميليا؟ وتعرفها منين؟"
زفر مازن بحنق قائلًا:
"كاميليا تبقى بنت خالة علي، وكانت قاعدة عندهم من يوم ما هربت."
عقد أدهم حاجبيه وقال بدهشة:
"بنت خالته إزاي يعني؟ إنت أكيد بتهزر! إيه اللي لمّ الشامي عالمغربي؟"
وجَّه علي حديثه لأدهم بغضب قائلًا:
"أخوك خطف بنت خالتي وودّاها فين يا أدهم؟"
سخر أدهم من حديثه قائلًا:
"هو في حد برضه يخطف مراته يا حضرة الظابط؟"
أجابه علي بحنق:
"ولما مراته تهرب منه وتروح على المكان الوحيد اللي عمره ما هيلاقاها فيه، ده تسميه إيه؟"
أدهم بحدّة:
"ده أسميه غباء... الست اللي تسيب بيتها وجوزها وتهرب من غير ولا كلمة، دي تبقى غبية... أو تبقى حاجة تانية مش هقدر أقولها، بس الناس بره هتقولها."
اهتاج علي من طريقة حديثه عن كاميليا، فأمسك أدهم من تلابيبه قائلًا بصياح:
"إياك تتكلم عن بنت خالتي بطريقة مش كويسة، فاهم؟ ولا أفهّمك بطريقتي؟"
أدهم بصياح بعدما أمسك ياقة قميص علي:
"وريني طريقتك دي إزاي بقى إن شاء الله يا علي؟"
تدخل مازن للفصل بينهما عندما وجد تجمهر الناس حولهم، قائلًا من بين أسنانه:
"في إيه انت وهو؟ هتضربوا بعض؟ بطلوا جنان بقى، الناس اتلمّت عليكوا."
ترك كلٌّ منهما الآخر على مضض، لكن القتال بالنظرات ما زال قائمًا.
نظر علي إليهما قائلًا:
"كاميليا بنت خالتي، وجت عندنا مكسورة وخايفة، ومن يوم ما دخلت بيتنا بقت واحدة من أخواتي. وأنا عمري ما هسيب واحدة من أخواتي يحصل فيها كده وأسكت.
ولإني عارف إن أكيد هروب كاميليا ده وراه حاجة كبيرة أوي، وأكيد يوسف أذاها عشان تهرب بالشكل ده.
ولو انتوا مش هتقولولي يوسف فين، أنا هعرفه وهارجّع كاميليا تاني."
قال مازن مهدئًا:
"اهدى يا علي. يوسف عمره ما يأذي كاميليا. يوسف بيعشقها، وهي كمان بتحبه جدًا. ياريت تسيبهم، متدخلش بينهم. وبعدين مينفعش تدخل بين راجل ومراته."
رد علي بحدة:
"لما تبقى كاميليا ماشية معاه بإرادتها يبقى وقتها مش من حقي أتدخل. إنما ده خطفها! عارف يعني إيه خطفها؟ وخدّرها والله أعلم هيعمل فيها إيه!"
أدهم بغضب:
"إنت مجنون يا ابني؟! دي مراته يعني هيعذبها مثلًا؟"
علي بمرارة:
"ومستغرب ليه؟! ما هي خالتي زهرة فضلت تتعذب عندكوا لحد ما ماتت!"
قالها بغضب.
أدهم بدهشة:
"وده مين ضحك عليك وقالك الكلام ده إن شاء الله؟ عمي أحمد عاش ومات بيحب خالتك، وعمره ما أذاها بكلمة حتى!"
علي بعصبية:
"فعلاً هو ما عذّبهاش بإيديه، بس كان ساكت على اللي بيعذبوها، وكان بيشوفها بتموت وتدبل كل يوم قدامه ومقدرش يعملها حاجة. تفتكر كده مش مشارك في تعذيبها؟!
خالتي اتدفنت بالحياة من يوم ما دخلت عيلتكوا."
أدهم بسخرية:
"وانت بقى حامي الحمى اللي هتنقذ بنت خالتك من عيلتها الشريرة؟"
عند هذا الحد تدخل مازن، الذي ما إن رأى علي على وشك الهجوم على أدهم مرة أخرى، قال بصياح:
"ماتبطلوا بقى! في إيه؟! اسكت شوية يا أدهم، بطل أسلوبك المستفز ده. وانت كمان يا علي، ما تهدى بقى يا أخي. قولنالك يوسف عمره ما هيأذيها. كاميليا دي أغلى حد عنده في الدنيا، وأنا واثق إنهم هيتصالحوا في أسرع وقت. أنا معاشرهم وعارف."
تحدث أدهم معنّفًا:
"بقولك إيه، بلاش تحط نفسك في موقف وحش. لإن كاميليا استحالة تسيب يوسف بعد ما رجّعها. حتى لو هربت منه قبل كده، فأكيد يوسف هيفهم دوافعها ويطمنها. صدقني أنا أكتر واحد عارفه."
قال علي بنبرة حاسمة:
"لما أسمع كاميليا بتقول كده بلسانها، وقتها بس مش هتدخل بينهم وهسيبهم يحلوا خلافتهم سوا. ولو انتوا مش هتقولولي مكانهم فين، أنا هعرف."
لوى أدهم شفتيه بسخرية قائلًا:
"ده لو يوسف سمحلك تقرّب منها أصلا."
علي باستهزاء:
"ده لما أكون هاخد الإذن منه."
ثم رمقهم بازدراء قائلًا:
"أنا دخلتكوا بيتي، وقعدتكوا مع أهلي، وكلنا عيش وملح مع بعض، بس الظاهر إن اللي زيكوا ميفهموش يعني إيه عيش وملح. وثقة الناس فيكوا مالهاش أي قيمة عندكوا. عشان كده أنا مش عايز أعرف حد فيكوا تاني."
ثم اندفع إلى داخل المستشفى.
******
كنتُ أظنّ سابقًا أنّي ضائع، ولكن الآن عرفتُ معنى الضياع الحقيقي عندما نظرتُ إلى غابات عينيها، فلم أعُد أدري أين أنا وماذا أُريد؟! فقد شعرتُ بذلك الساكن على يساري يرتجف بشدّة، كمن ضربته صاعقة مُباغتة لا يدري من أين جاءت...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
قرّر عليّ النزول إلى القاهرة بعد أن أخبر كارما أنّه استُدعي لمهمّة طارئة قد تستغرق يومين أو أكثر، ولم يُخبرها عمّا دار بينه وبين والدته، ولا عن مهمّته الحقيقيّة كي لا تخاف أو تحاول منعه.
وأخيرًا، بعد وقت ليس بقليل، وصل عليّ إلى ذلك القصر الكبير بعد أن أجرى اتصالاته لمعرفة معلومات عن يوسف الحسيني، فقرّر الذهاب إلى قصرهم وهو يعلم تمام المعرفة بعدم وجود يوسف هناك، لكنّه أراد أن يُعلم جميع من في القصر أنّ مصير كاميليا لن يكون كمصير أمّها، وأنّها تمتلك من يقدر على حمايتها منهم، وأنّها ليست وحيدة ولن يستطيع أحد إبعادها عن أهلها.
ومن ناحية أخرى أراد أن يُعلم يوسف أنّه في حال أذاها، فهو حتمًا سيجد من يقف له بالمرصاد...
دخل عليّ إلى بهو القصر بعدما أخبر الحرس بهويّته، فأوصلوه إلى الداخل، وبينما كان يقف بشموخ وجد تلك الجميلة تنزل من على الدّرج تتدلّل وكأنّها أميرة مُتوَّجة. فاتّسع بؤبؤ عينيه وتسارعت أنفاسه، وشعر بدقّات قلبه تقرع كالطبول ولسان حاله يقول:
"يا إلهي، ما هذا الجمال؟! وما تلك الهالة من البراءة المُحيطة بها؟! هل هبطت الملائكة من السماء لتستقرّ معهم على الأرض؟"
اقتربت روفان بخجل من ذلك الفارس الوسيم الذي يقف بشموخ في بهو قصرهم، وقد خطف أنفاسها بوسامته الممزوجة بتلك الهيبة التي تحيط به.
حدّق الاثنان ببعضهما البعض لثوانٍ بسيطة، ثم بصعوبة تخلّص عليّ من سحر عينيها الناعستين نافضًا جميع الأفكار التي غزت قلبه وعقله معًا، فهو قد جاء لمهمّة محدّدة فلا ينبغي أن يحيد عنها، فقال بصوت رزين:
عايز أقابل رحيم بيه الحسيني، هو موجود؟
وأخيرًا خرج صوتها، أشبه بسيمفونيّة ناعمة عزفت على أوتار قلبه، قائلة:
جدو فوق في أوضته بيرتاح شوية، ممكن أعرف حضرتك مين؟
أجاب عليّ بلهجة يشوبها الغرور:
أنا الرائد علي هاشم، وكنت عايزه في موضوع مهم. ممكن تنادِيلي حد أقدر أتكلم معاه؟
اغتاظت روفان من حديثه معها، هل يسخر منها أم ماذا؟ فقالت بغضب طفولي:
وهو أنا مش ماليه عين حضرتك ولا حاجة؟
نظر إليها عليّ نظرة تفحّصية من أعلى رأسها حتى أخمص قدميها، ثم رفع حاجبه باستهزاء كي يستفزّها أكثر، فقد راقه غضبها، وقال بسخرية:
روحي يا شاطرة اندهيلي حد طويل أكلّمه... أقصد حد كبير أكلّمه.
وكأنّ نظرات السخرية خاصّته لم تكن تكفيها، ليأتي حديثه أيضًا ليزيد من غضبها:
تصدّق إنّك حد قليل الذوق!
فلم يكد يجيبها حتّى أتاهم ذلك الصوت الماكر من أعلى السلالم يردّد:
لا، ملكيش حق يا روفان. عيب كده، حضرة الظابط في بيتنا.
نزلت نيفين تتدلّل من أعلى السلالم أمام أنظار عليّ المتفحّصة، واقتربت منه قائلة بدلال مصطنع:
أهلاً يا سيادة الرائد، أنا نيفين الحسيني، ودي روفان بنت عمي، زي ما انت شايف، خدوا من طولها وحطّوه في لسانها. ها، أقدر أخدم حضرتك بإيه؟
ألقى عليّ نظرة خاطفة على روفان التي تجمّعت الدموع في عينيها من سخرية نيفين منها أمامه، فشعر بالغضب لرؤيتها هكذا، فوجه حديثه لنيفين بلهجة جافة، متجاهلًا يدها الممدودة ليصافحه، قائلاً:
حضرتك، أنا مش جاي هنا أتعرف. أنا جاي عايز أقابل رحيم بيه الحسيني.
انفلتت ضحكة خافتة من روفان لطريقة عليّ المهينة مع نيفين، فابتسم عليّ داخليًا وأيقن أنّه خلف تلك البراءة مكر أنثوي خطير راق له.
انت مين يا ولد؟ وإزاي تعلي صوتك في بيتي بالشكل ده؟
التفت عليّ لمصدر الصوت ثم ارتفع حاجبه بسخرية قائلاً:
حضرتك بقى رحيم بيه الحسيني... أنا الرائد علي هاشم، وكنت عايزك في موضوع مهم.
طب اتفضّل قدّامي على أوضة المكتب.
اتّجه عليّ إلى غرفة المكتب، وعند مروره بروفان أخفض رأسه قائلًا بهمس:
هو الطول حلو في الستات وكل حاجة، بس القصر في حالتك انتِ... قمر أوي.
أردف كلامه بغمزة مشاكسة، ثم توجّه إلى حيث مكتب جدّها، فابتسمت روفان من إطرائه، وغزا الاحمرار وجنتيها، وعلت دقّات قلبها...
فلاحظت نيفين حالتها فاغتاظت وقالت بغلّ:
هو قالك إيه خلي وشّك يحمر كده؟
ملكيش دعوة يا باردة انتِ، قالي إيه ولا عشان مرداش يسلم عليكِ وأحرجك متغاظة!
اشتعل غضب نيفين من حديثها وقالت:
على أساس إنّه ماكنش عمال يتريق عليكِ من شوية!
ليه ناقصني إيد ولا ناقصني رجل عشان يتريق عليا؟
في إيه يا بنات؟ إنتوا بتتخانقوا ليه؟
قالتها صفية القادمة من المطبخ.
أبدًا يا ماما، دي نيفين كالعادة ما تقدرش تقعد من غير ما تضايق اللي حواليها.
قالت نيفين بانكسار مصطنع:
أبدًا والله يا طنط صفية، ده أنا كنت بهزر مع روفي، وهي كالعادة صدّتني وفهمتني غلط.
ده بجد! تصدّقي ما عرفتكش كده يا بنتي، أداؤك فيكِ أوي والله، ومكشوف.
خلاص يا روفان، ما تتضايقيش من بنت عمّك.
وما إن أنهت صفية جملتها حتّى التفتوا جميعًا لتلك الأصوات الغاضبة القادمة من غرفة المكتب...
*********
لم أعتد يومًا على الانحناء، ولم أكُن يومًا رجلًا يؤمن بالتنازلات. اعتدت على الحُريّة. لم يأسرني شيء من قبل، وكنت أعتقد سابقًا أنني أملك كل شيء في هذه الحياة، فلا ينقصني غياب أحدهم ولا يُزيدني وجوده. إلى أن علِقت بها، فجاءت بي عيناها من النظرة الأولى، وأتى بي قلبي راكعًا على أعتاب قلبها مردّدًا: "هذا ما كان ينقصني!" فاكتشفت حينها أنني لم أكن أملك من الحياة شيئًا، ولم أرَ فيها من الجمال ما يكفي ليلفت انتباهي... إلى أن طوّقني عشقها، فعرفت معنى الاكتمال الحقيقي.
فبات قلبي يقنعني بأن الانهزام أمام عينيها انتصار، بل وأدركت أنني لم أعرف أن للهزيمة لذّة سوى معها. فهي من حطّمت أسواري وحصوني، وإليها أعلن استسلامي ❤️
نورهان العشري ✍️
👇
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
---
كارما
التفتت كارما إلى ذلك الصوت العميق الذي جعل قلبها يدق كالطبول، ولمَ لا وهو فارسها الذي حاولت انتزاعه من قلبها طوال سنوات طويلة، وظنت أنها نجحت، ليعود من جديد مقتنصًا قلبها مرة ثانية ببراعة صيّاد ماهر، دون أن يكون لها القدرة على المقاومة، فوقعت كفريسة سهلة في براثن عشقه من جديد...
ألقت عليه نظرات معاتبة حزينة، فهو قد جرحها بشدة، ولم يتفهم قلقها ولم يحاول احتوائها، بل قسا عليها. ولم يكتفِ بذلك، بل قتلها بسمّ كلماته، لتشعر أنها شيء لا قيمة له يمكنه الاستغناء عنه متى أراد...
فاقترب منها مازن ببطء مؤنّبًا نفسه على قسوته معها، ولكن آلمه بشدة عدم ثقتها به، كما أن قلقه من تهوّر يوسف أفقده رشده، فكان نصيبها أن يصبّ جام غضبه عليها...
حزن بشدة عندما وجدها تستدير مرة أخرى لتنظر من النافذة متجاهلة وجوده...
اقترب منها حتى أصبحت رائحتها العذبة تغزو أنفه، ثم تحدث بحنو:
هتبقي كويسة يا روحي، متقلقيش.
أما هي فقد سمرها قربه منها في مكانها، فلم تقدر على الحركة قيد أنملة، ولم تستطع الاعتراض، فقد بعثر هذا الرجل كيانها وأضعفها عشقه للحد الذي لم تعد تتحكم حتى في نفسها لتبعده عنها...
يا إلهي، لِمَ كل هذا الضعف أمامه بعد ما عانيته في غيابه؟ وحتى بعد عودته، فهو عند أول خلاف اختار فراقي...
ثم تذكرت حديثه الأخير معها الذي أنهى فيه علاقتهما بتلك الطريقة المهينة لقلبها. فلملمت شتات نفسها، وأخذت نفسًا عميقًا، ثم مسحت تلك الدمعة الهاربة من عينيها واستدارت قائلة بهدوء عكس ما يدور بداخلها:
إن شاء الله.
نظر مازن إلى داخل عينيها بعمق قائلًا:
أنا عارف إنك زعلانة من كلامنا آخر مرة، بس...
قاطعته كارما قائلة بحزم:
الكلام اللي إنت قلته آخر مرة مزعلنيش ولا حاجة، بالعكس دا فوقّني، وإنت عندك حق في كل كلمة قولتها.
حاول أن يتجاهل الغصّة في قلبه، وقال بهدوء:
كارما، أرجوكي بلاش كدا. متعاقبنيش على كلام طلع في لحظة غضب، وإنتِ كنتي غلطانة.
صاحت باندفاع:
غلطانة في إيه إن شاء الله؟ كان المفروض إني أجي أجري عليك وأقولك على سر بنت خالتي اللي جاتلنا هربانة ومُدمّرة، والله أعلم ابن خالتك عمل فيها إيه عشان تهرب منه كدا؟!
مازن محاولًا السيطرة على غضبه:
يوسف معملش أي حاجة في كاميليا. آخر مرة كان معاها كان يوم كتب كتابهم، وبعدين سافر، ورجع يوم الحفلة، وكانوا كويسين. تاني يوم الصبح اكتشفنا إنها هربت. وعلى فكرة، أنا بنفسي كنت شاهد على كتب الكتاب، وشُفتهم كانوا فرحانين إزاي.
صمت لثوانٍ ثم استطرد قائلًا بغضب:
وياريتها هربت وبس، دي سايباله حتة ورقة بتقوله فيها: "آسفة، أنا اتسرعت، وكل واحد مننا يعيش حياته". متخيلة لو كنتي مكانه كان هيبقى رد فعلك إيه؟
أوشكت على الحديث، فتابع بتقريع:
وخصوصًا إنه قبل يتنازل عن ورثه وعن كل حاجة عشان خاطرها...
كارما بصدمة:
إيه...؟ يعني إيه اتنازل عن كل حاجة عشان خاطرها؟
أيوه، دا كان شرط جده عشان يمنع جوازه من كاميليا، ويوسف في نفس اللحظة وافق و مضى على التنازل، وأخد كاميليا وراح كتب كتابه عليها. قوليلي بقى في المقابل هي عملت إيه قصاد اللي عمله؟ واللي طول عمره بيعمله عشانها؟
تلعثمت كارما قائلة:
مـ... معرفش، بس... بس هي أكيد عندها وجهة نظر لهروبها دا.
بالظبط. وعشان كدا اتعصبت عليكِ وخرجت عن شعوري لما عرفت إنك عارفة مكانها ومخبيه عني. كارما، إنتِ مفكراني عيل صغير أول ما هعرف هطلع أجري على يوسف وأقوله على مكانها...؟
لم أُجبه، فتابع بحزن تجلى في نظراته:
لا يا كارما، أنا كنت هقعد مع كاميليا وأعرف منها هي عملت ليه كدا؟ لأني واثق إن في سبب قوي لهروبها دا، ووقتها كنا هنحدد نعمل إيه ونتصرف إزاي...
زفر بقوة قبل أن يضيف بصدق:
يوسف راجل يا كارما، وكبير عيلته، والكبير قبل الصغير بيعمله ألف حساب. لما تيجي مراته تصغّره وتسيبه وتهرب بالشكل دا، متخيلة شكله هيبقى إيه؟ أو حالته هتبقى عاملة إزاي؟
كارما بحزن:
أنا مفكرتش في كل دا، عشان أنا مكنتش أعرف يوسف. أنا خوفت على كاميليا، لإني شفت حالتها لما كنتوا عندنا كانت عاملة إزاي، ورعبها من إن يوسف يعرف مكانها... أنا كنت متلخبطة ومكنتش عارفة أعمل إيه.
لو كنتي جيتي قولتيلي كنا فكرنا سوا واتفقنا هنعمل إيه... بس للأسف يا كارما إنتِ موثقتيش فيا، لا وكمان كنتي بتتهربي مني كإنك عادي ممكن تبعدي عني، وإني مش فارقلك.
ألجمته حروفها القاتلة حين قالت:
أنا معرفكش عشان أثق فيك يا مازن... ولو هتكلم عن مازن بتاع زمان فأنا وثقت فيه وأنا طفلة عندها عشر سنين، وخذلني وكسر قلبي.
اقترب منها بعينين اختلط بهما العشق والذنب معًا:
ما عاش ولا كان اللي يكسر قلبك يا روح قلبي. والله ما خذلتك، بس غصب عني مكنتش قادر أرجع، وأول ما جتلي الفرصة مترددتش وجيتلك.
عارضته بوجع تبلور في عينيها:
لا يا مازن، إنت مكنش عندك دافع عشان ترجع. وحتى لما رجعت، مرجعتش عشاني، إنت رجعت لما علي كلمك. لو مكنش كلمك مكنتش فكرت ترجع، زي كل سنة ما كنت بتيجي وتمشي من غير ما تبص وراك حتى.
تفاجأ من جملتها الأخيرة فقال باستفهام:
إنتي عرفتي منين إني كنت باجي كل سنة؟
تعانق الدمع والوجع بعينيها ونبرتها حين قالت:
عشان كل سنة كنت بروحلهم في اليوم دا وبشوف الورد بتاعك هناك... كل سنة كنت بستناك تفتكرني وترجعلي... كل سنة كنت بروح من هناك مكسورة الخاطر وأنا عارفة إني مخطرتش على بالك ولا افتكرتني حتى. عرفت ليه أنا موثقتش فيك؟
هب قلبه النازف مدافعًا عن بقايا روحه المعذبة، ينفي بشاعة ظنها بقلبه:
بس أنا منستكيش ولا لحظة. أنا كنت متدمر، مكنتش عايز أدمرك معايا. كنت إنسان مش عايش أصلًا، مكنتش عايز أرجع أعلقك بيا وأتعلق بيكي، وبعدين تضيعي مني زي اللي ضاعوا...
إنت في كل الحالات دمرتني. دمرتني بغيابك، دمرتني بوعد وعدتهولي وإنت أصلًا مش ناوي تنفذه، وحتى برجوعك ليا دمرتني. بس إنت عارف؟ أنا مش زعلانة، عشان المرة دي أنا هقدر أشيلك من قلبي وأبتدي صح. يمكن رجوعك دا كان في صالحي، عشان يفوقني من الحلم اللي سجنت نفسي فيه طول حياتي.
كفكفت عبراتها وهي تعاند ألم قلبها القاتل لتُكمل:
عارف؟ أنا دلوقتي بس هقدر أعيش حياتي وأبتدي من جديد.
قهقه مازن بغضب، وأخذ يتقدم منها ببطء مرعب، وعيناه كجمرات من النار، وهو يردد كلماتها كمن فقد عقله:
تبتدي من جديد، أُممم... صح..!
ارتعبت من مظهره، وخاصة حين قال بشراسة:
هو إنتِ عندك حق. إنتِ هتبتدي من جديد فعلًا، بس معايا برضو، عشان إحنا هنردم على كل اللي فات دا ونبتدي بداية صح...
لم يمهلها الوقت للرد إذ تابع بجفاء:
وأوعي عقلك يصورلك إنك ممكن يكون ليكي بداية مع حد غيري، عشان أنا ممكن أطبّق الدنيا على دماغك. فاهمة؟
قال جملته الأخيرة بوعيد أفزعها، فانتفضت نظراته، وانتفض معها قلبه الذي لامه بشدة على خوفها منه، فاقترب منها قائلًا بصوت أجش:
بصي يا كارما، أنا صعب، وعصبي، ومتهور، ويمكن غبي كمان... بس بحبك.
قاومت اقترابه منها، فجاءها صوته المُعذَّب والعاشق حسن قال:
أنا بدايتك، وأنا نهايتك يا كارما. كل ما حطيتي دا في دماغك واقنعتي نفسك بيه، هيكون أحسنلك، لإني فعلًا مش ناوي أسيبك.
التقت عينيه مع نظراتها في نظرة طويلة لم يقطعها سوى صوته الحاني حين قال:
مفيش إنسان عاقل هيسيب الحاجة الوحيدة اللي خلت لحياته طعم، الحاجة الوحيدة اللي نورت عتمته.
ثم اقترب منها قائلًا بنبرة يشوبها التوسل:
ترضيلي أعيش في الضلمة باقي عمري يا كارما؟
تسابقت العبرات تفر من مقلتيها هربًا من عذابه ولوعتها حين رأت تلك النظرة المنكسرة في عينيه، فأوشكت على الحديث، ولكن منعها رنين هاتفه.
لعن مازن بداخله بشدة، وأخرج الهاتف من جيبه ليتفاجأ برحيم الحسيني، فأجاب بحذر:
أهلًا يا رحيم بيه.
حالًا تعرفلي مكان يوسف وكاميليا من تحت الأرض يا مازن.
تفاقم حنق مازن من حديث رحيم ونبرته الغاضبة، ولكنه حاول كظم انفعالاته قائلًا:
حضرتك عرفت منين إن يوسف عرف مكان كاميليا؟
رحيم مصححًا بسخرية قاتمة تشبه غضبه العارم:
قصدك إن يوسف خطف كاميليا! علي ابن خالتها كان هنا، وقال إيه عايز يحمي بنت خالته مننا...
لم يمهله الفرصة للحديث فصاح بصرامة:
في ظرف كام ساعة ألاقيك قدامي يا مازن ومعاك يوسف. فاهم؟
مازن بجفاء:
رحيم بيه، أنا حاليًا في إسكندرية، وفي حد قريبي في العناية المركزة ومش هقدر أسيبه، بس أوعدك إني هعرف مكان يوسف في أقرب وقت.
أوشك أن يلعن، ولكنه تدارك نفسه قائلًا بحزم:
الليلة... الليلة يا مازن تكون عرفت هو فين.
حاضر، متقلقش.
أغلق هاتفه والتفت إلى تلك الواقفة تتابع مكالمته بخوف قائلة:
في إيه يا مازن؟
أجابها مطمئنًا:
مفيش حاجة يا حبيبتي، الجماعة عرفوا إن يوسف عرف مكان كاميليا وبيسألوني، مش أكتر.
مازن، متكذبش عليا، أنا سمعته بيقول "علي".
زفر مازن وقال بجفاء:
علي راح القصر يدور على يوسف وكاميليا هناك.
انهارت كارما باكية وقالت من بين دموعها:
أرجوك يا مازن متخليهمش يأذوا علي.
اهدي يا كارما، محدش هيقدر يأذي علي. ليه بتقولي الكلام دا؟
تفاجأ مازن من حديثها، فأجابته بانفعال:
الناس دول شريرين ومفتريين، وممكن يأذوه زي ما أذوا خالتو زهرة وكاميليا. أرجوك يا مازن رجعلنا علي ومتخليهمش يؤذوه.
حاول استيعاب كلماتها قبل أن يقول بلهفة:
يا حبيبتي اهدي، محدش هيأذي علي. الناس دي مش وحشة زي ما إنتي فاكرهم...
عارضته بغضب:
لا، وحشين. أرجوك، إحنا ملناش غير علي. مش كفاية ماما بين الحياة والموت بسببهم. حرام والله.
مازن برفق:
علي دا أخويا، ومحدش هيقدر أو حتى هيفكر يأذيه، دا أولًا. وثانيًا، أوعي تخافي وأنا جنبك. وعلي أنا ممكن أفديه بروحي على فكرة.
اندفعت كارما قائلة:
بعد الشر عنك...
تراجعت على الفور مصححة كلماتها:
أقصد بعد الشر عنكوا يعني!
ابتسم مازن على اندفاعها وهمس بنبرة عاشقة:
خايفة عليا؟
تلعثمت قائلة:
يعني... أ... أكيد إنت زي علي ومش هتمنالك حاجة وحشة.
اتسعت ابتسامته، ولكنه لم يُرِد إحراجها أكثر:
طب أنا هروح دلوقتي أشوف موضوع يوسف وكاميليا دا، عشان لو فضلت أكتر من كدا هوريكِ بجد أنا زي علي ولا لأ.
ألقى نظرة سريعة على هاتفه ثم تابع:
هرجعلك تاني، وهكلمك كل شوية أطمن عليكي وعلى طنط فاطمة. إياكي متروديش عليا...
عاندته بدلال:
ولو مردتش هتعمل إيه يعني؟
أجابها بلهجة عابثة:
هاجي أعاقبك عقاب ميخليكيش تعرفي تتكلمي بعديه أصلًا.
تفاجأت بكلماته وقالت بحنق:
تصدق إنك قليل الأدب؟
طب كويس إنك عارفة، خافي مني بقى.
أرسل لها غمزة عاشقة، ثم انصرف... وانصرف معه قلبها.
***********
سلبتك مني الحياة كما تُسلب الروح من الجسد، دون أن يكون لي القدرة على الاعتراض...
لم تكُن أبدًا عادلة معي، فعندما أعطتني الخيار كان لتكسِرني أكثر، فكلما اعترضت أخبرتني: لقد كان الخيار لك...
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁
كانت تتحدث بغضب وفوضوية، دون القدرة على النظر إلى عينيه التي حتمًا ستكشف خدعتها..
أما هو، فكانت كلماتها كسهام تغرز في قلبه. يدرك في أعماقه أنها تعشقه، ولكن كبرياءه الجريح يأمره بالثأر لما فعلته به.
رفعت كاميليا عينيها إليه لتجد عينين تشعان بنيران الغضب والخيبة معًا، فقاومت دموعها التي تهدد بالهطول، وحدّثت نفسها قائلة:
اهدي يا كاميليا، كدا أحسن له وليكي. انسحبي بكرامة أحسن ما يرميكي هو من حياته.
وأخيرًا تحدث يوسف بعد أن سيطر على غضبه، فهو كان قادرًا على القتل في تلك اللحظة، فقال من بين أسنانه:
وياترى لقيتي حد غيري اتشدّيتي له وحسيتي إن مشاعرك صادقة معاه؟
ارتعبت كاميليا من مظهره الذي لا يوحي بالخير، فأسرعت تنفي قائلة بلهفة:
لا لا طبعًا! هو أنا هاعرف حد منين؟ هو أنا بخرج أصلًا عشان أشوف حد أو حد يشوفني؟
شبك يديه خلف ظهره وكأنه يحميها من بطشهما، ثم قال بلهجة غلب عليها الاستنكار:
ليه؟ ما انتي بقالك أربع شهور بتشتغلي. معقول ما شفتيش حد لفت نظرك أو أعجبتي بحد؟
سقط قلبها ذعرًا من أن يعلم بأمر هذا الأخرق مديرها، فخرجت كلماتها متلعثمة:
هاه.. هو انت تقصد مين؟
ضيق عينيه وأجابها باختصار:
انتي عارفة أنا أقصد مين.
وقعت في فخ الخديعة وصاحت بانفعال:
لو تقصد مستر أحمد، والله يا يوسف أنا ماليش دعوة. هو أول ما قالي إنه بيحبني أنا صديته خالص وقفلت الموضوع. صدقني أصلًا من الأول وأنا بصده، حتى لما طلب يقابل أهلي. والله مفيش بيني وبينه حاجة.
عند هذا الحد لم يتمالك يوسف نفسه، فهو كان يسايسها ليعرف منها ما كان يحدث في غيابه. فكل تلك التقارير التي كانت تأتيه عن تحركاتها لم تكن تشفي فضول قلبه الذي لا يعترف سوى بوجودها بجانبه.
فاندفع يعنّفها حتى كاد كتفاها أن ينخلعا:
حصل إيه بينك وبين الحيوان ده؟! إزاي تسمحيله يقولك كدا؟
سقطت في دوامة من العبرات، متبوعة بكلماتها الممزقة:
والله يا يوسف أنا من أول ما حسيت بحاجة من ناحيته ليا وأنا بصده. وأول ما قالي إنه بيحبني صديته جامد وبهدلته. وبعدها إنت جبتني على هنا، ده اللي حصل والله العظيم.
تركها يوسف بعنف حتى كادت أن تقع، قائلًا بسخرية:
عشان كدا كنتي ناوية تسافري معاه، صح؟
صاحت باندفاع:
لا والله! هو اعتذرلي وقال لي أنسى أي حاجة هو قالها، خصوصًا إني كلمته بحدة ووضحتله إن مشاعره دي مرفوضة بالنسبالي.
كاد أن يخنقها في تلك اللحظة، ولكنه كظم غيظه بصعوبة حين قال:
ودماغك اللي بتخطط وتنفذ دي، مفكرتيش ولو للحظة إنك لما تقولي لواحد كدا وترفضيه بالطريقة دي، مش ممكن يفكر ينتقم لكرامته ويردلك القلم عشرة؟
تراجع خطوتين إلى الخلف خوفًا من أن يطيح بها، ثم زأر بقوة:
انطقي! مفكرتيش؟
تعاظم الذُعر في قلبها، فصرخت بانهيار:
لا والله ما فكرت كدا! أنا قولت هو خلاص شالني من دماغه، خصوصًا إنه اتعامل معايا برسمية بعدها.
ضاق ذرعًا من غبائها فهتف ساخرًا:
عشان غبية، ما بتفكريش غير تحت رجليكي. كل همك تهربي من يوسف وبس. كنتي عايزة تسافري معاه عشان على ما ترجعي من السفر أكون رجعت القاهرة وتخلصي من مقابلتي، صح؟
اندهشت من حديثه. ألهذه الدرجة قد تكون كالكتاب المفتوح بالنسبة له؟
لاحظ اندهاشها، فقال بوجع مكبوت:
أنا جيتلك لحد عندك، قولت يمكن ندمتِ إنها هربت. جيتلك عشان أديكي فرصة تحكيلي. كنت مستنيكي بس تفتحي الباب وتدخلي. ما كنتش طالب منك غير إنك تقفي قدامي وتقوليلي أي حاجة.. كنت هسامحك عليها.
صمت يحاول كبت ذلك الحزن اللعين الذي يضيق به صدره، ثم تابع بسخرية قاتمة:
بس انتي برضو ما فكرتيش غير تحت رجليكي. وكان كل همك تهربي مني وما فرّقش معاكي حاجة.
صدمتها كلماته، فانفلتت الحروف من بين شفتيها:
إنت كنت عارف إني عند خالتو فاطمة؟ وإنّي كنت هافتح الباب؟ از.. إزاي عرفت؟
لم تعد طاقته تكفي لاحتمال هذا الجدل العقيم، فعشقه لها مقابل عشقها كان كمحيط مقابل بحيرة. لذا أنهى حديثهما قائلًا بسخرية يشوبها الألم:
عارفة يا كاميليا.. إنتِ عندك حق. إحنا اتسرعنا فعلًا بجوازنا. ودي غلطة لازم تتصلح...
يتبع ...
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!