الفصل 37 | من 57 فصل

رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل السابع وثلاثون 37 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
17
كلمة
12,443
وقت القراءة
63 د
التقدم في الرواية 65%
حجم الخط: 18

الوجه السادس و الثلاثون للعشق 🌹

منذ اللحظة الأولى التي وقعتُ فيها في حُبّك، وأنا اشتهب نومة طويلة بجوارك، تتعانق فيها أنفاسي مع أنفاسك العطرة، ويلتف حولي دفء قربك ورائحتك الشهية. وحينها فقط سأُعلن اعتزالي للعالم أجمع.

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

نظرت ناهد إلى هذا الشخص الذي ظنّته لوهلة شخصًا آخر تعرفه، فقالت بذهول:

_ سالم!

طالعها علي بصدمة؛ فهل يمكن أن تحدث تلك الصُّدف على أرض الواقع؟!
فتلك السيدة هي قريبة والدته، والتي ظن أنها ماتت منذ سنوات، منذ أن رأى ذلك الإهداء على تلك الصورة، وهو لا يصدق ما يحدث.

عودة لوقتٍ سابق

كانت كلماتها مؤلمة بقدر ما كانت مُهينة، لا لكرامته بل لقلبه الذي كان يتلهف للاجتماع بها حتى يُخبرها عما يحمله لها بين طيّاته من مشاعر عميقة وقديمة، قبل أن يُسلِّم راية عشقه لها. وفي المقابل نال منها صفعة تجاهل قاسية لمشاعره ومشاعرها في آنٍ واحد، دون أن تعطيه أي حق فيما فعله؛ فمن أُهينت أمامه كانت والدته، وهو غير نادم أبدًا على دفاعه عنها، وإن عاد الزمن لكرّر فعلته بشكل أكثر قسوة، هكذا أخبره عقله... وانصاع له قلبه الذي طعنته قساوة كلماتها في الصميم.

لكن كبرياءه أبى عليه أن يظهر ضعفه تجاهها، حتى أمام نفسه؛ فهب من مكانه وأخذ يبحث عن هاتفٍ آخر كان يحتفظ به للطوارئ، فلم يجده. فتمكّن منه الغضب مرةً ثانية، وقام بإفراغ محتويات الدرج بعصبية، ثم حمله ورماه على الأرض، وجلس على السرير خلفه بيأس.

أخفض رأسه واضعًا إيّاه بين يديه، ناظرًا إلى الأرض مغمضًا عينيه، محاولًا إعادة تنظيم أنفاسه لثوانٍ ثم فتح عينيه التي وقعتا على تلك الصورة لقريبتهم هي وطفلها. فأمسك علي الصورة ونظر إلى ملامح ذلك الطفل لثوانٍ، ثم قلبها بلا مبالاة ليجد ذلك الإهداء:

_ أُهدي هذه الصورة لأختي وصديقتي الغالية فاطمة، وهي أغلى ما أملك، فبها صغيري وحبيبي وطفلي الغالي... رائد.

كرّر قراءة الإهداء، ثم لمع وميض الذكرى في عقله، فهبّ واقفًا من مكانه ولسان حاله يردد:

_ أيعقل أن يحدث هذا؟!

أخذ علي يبحث في أوراقه ليجد ذلك الملف الذي أعطاه إيّاه صديقه شادي، والذي يحتوي على معلومات عن ذلك المدعو رائد. فبدأ ينظر إلى صور فوتوغرافية له قبل سنوات، ويقارنها بصورة ذلك الطفل... هناك شبه كبير بينهما، لكن عليه أن يتأكد بنفسه.

بحث علي عن الهاتف البديل فوجده أخيرًا، ووضع شريحته فيه، وما إن فتحه حتى وجد اتصالًا هاتفيًا؛ فأجاب بلهفة ليجده شادي، الذي قال سريعًا:

_ فينك يا ابني؟! عمال أرن عليك... تليفونك مقفول!

علي بلهفة:
_ شادي، في حاجة مهمة عايزك تعملها لي.

شادي باستفهام:
_ حاجة إيه؟

_ أنا لازم أقابل الست اللي اسمها ناهد دي في أقرب وقت.

_ أنا أساسًا كنت متصل عليك علشان كده. رائد من شوية صغيرين جه بيته وطلع يجري زي المجنون، دا حتى نسي يقفل باب العربية وراه. والمراقبة بتقول إنهم سامعين صوت زعيق وخناق فوق.

كان علي يتحدث إلى شادي وهو يرتدي ثيابه بسرعة، فقال لاهثًا:
_ ابعتلي العنوان أنا رايح على هناك.

شادي باستنكار:
_ تروح تعمل إيه هناك يا علي؟! انت مجنون؟

علي بحدة:
_ الموضوع ده لازم يخلص النهارده، وأنا لازم أقابل الست دي. إنجز ابعتلي اللوكيشن.

أنهى علي المكالمة، ثم توجه إلى الخارج، وأدار سيارته وانطلق سريعًا إلى ذلك العنوان الذي أرسله له شادي، لينتهز فرصة عدم وجود رائد، ويصعد إلى تلك الشقة لكشف الحقيقة بنفسه.

عودة للوقت الحالي

أجابها علي بهدوء وقد حاول السيطرة على انفعالاته:

_ أنا محمود صاحب رائد. هو مش موجود ولا إيه؟

طالعته ناهد بنظرات تائهة؛ فقد كان يشبه سالم كثيرًا، فهي لا تزال تتذكره عندما تقدّم لخطبة فاطمة. ولكن ذلك الشاب محق... فـسالم الآن في عمر الستين أو أكثر، لذا لا يمكن أن يكون هو. لكنها، رغم خوفها من الغرباء، ارتاحت لذلك الشاب.

كانت ناهد شاردة تنظر إليه، فقام هو بفرقعة أصابعه أمامها. خرجت من شرودها قائلة بارتباك:

_ آسفة. فكرتك حد أعرفه. في الحقيقة رائد خرج من شوية.

علي محاولًا خلق أحاديث معها:
_ حضرتِك والدته مش كده؟

ناهد بارتباك:
_ آه... لا لا... أنا واحدة قريبتُه.

علي بهدوء:
_ طب ممكن كباية ميه؟ أصلّي جاي من طريق طويل، وكنت عايز رائد في موضوع مهم بس ماليش نصيب أقابله بقى.

نظرت ناهد إليه بحيرة، ثم رأت في عينيه الاطمئنان، فهزت رأسها ودخلت إلى المطبخ. رن هاتف علي، فأجاب بصوت خفيض:

_ إيه يا شادي؟ في إيه؟

شادي بلهفة:
_ انزل من عندك بسرعة يا علي! في عربية دفع رباعي وقفت قدام البيت، وفيها ناس شكلهم ميطمنش... طالعين على فوق. وأنا واثق إنهم طالعين عند الست دي!

علي بعملية:
_ أأمن طريق للهروب إيه؟

_ الشقة دي ليها باب في المطبخ. اطلع منه وانزل عالسلم... هتلاقيني مستنيك بالعربية عند الباب اللي في ضهر العمارة.

تحرك علي، وأغلق الباب بالمفتاح الذي بداخل الشقة، وأخرج سلاحه المخفي بين طيات ملابسه. وجد ناهد تسكب الماء في الكوب، فضربها بمؤخرة سلاحه فوق رأسها وهو يقول:

_ سامحيني يا خالتي... للضرورة أحكام.

سقطت بين ذراعيه فاقدة الوعي، فحملها وفتح ذلك الباب ونزل السلالم بسرعة كبيرة، ووصل إلى ذلك الباب لحظة سماع صوت إطلاق رصاص في الأعلى. قابله شادي الذي صُدم عندما رأى علي يحمل السيدة، وقال بدهشة:

_ الله يخرب بيتك! انت عملت فيها إيه؟!

علي بلامبالاة:
_ ضربتها بالمسدس على دماغها.

شادي بذهول:
_ نهار أبوك اسود! انت اتهبّلت يا ابني؟!

علي بملل:
_ هتتنيل تركب ولا مستني لما ييجوا يخلّصوا على أهلك هنا؟

استوعب شادي الأمر مع صوت الطلقات، فهرول إلى جانب علي، الذي جلس في مقعد السائق بعدما وضع ناهد في الخلف. وما إن جلس شادي حتى انطلق علي بالسيارة بسرعة كبيرة، فلم يستطع أحد من الرجال اللحاق بهم.

زفر قائدهم بغضب، وردّ على هاتفه الذي كان يرن قائلًا بأسف:

_ للأسف يا بوص... وصلنا متأخر. في حد هربها.

*****************

كانت كاميليا تلزم غرفتها منذ أن سمعت ذلك الحديث المسموم في غرفة المكتب بين يوسف وأدهم، وقد أيقنت أن كل ما أخبرها جدّها به كان حقيقة. فيوسف قد أعطى له وعدًا بالزواج من نيفين... تلك الخاطرة التي كلما مرّت على ذهنها جلدتها، وكأنها سوط خُلق خصيصًا ليجعلها تنزف من شدّة الألم الذي لا يُعادل وجعه شيء في هذه الحياة.

وأيضًا في اليوم التالي عندما طلب يوسف الاجتماع بروفان ووالدتها سرًّا دون أن يُخبراها، فقد سمعت روفان وهي تتهامس مع صفية بصوت منخفض عن ذلك الاجتماع الذي كان يقتصر عليهما فقط، والذي رجّحت كاميليا سببه بأنه يريد أن يُخبرهما قراره بالزواج من نيفين!

للمرة الأولى لم تُسعفها دموعها لتسقط علّها تريحها قليلًا، بل عاندتها أكثر مثل تلك الحياة التي كلّما رأتْها تفرح ولو قليلًا منحتها من العذاب ما يجعلها تحزن دهرًا، ولم تُرأف بحالها ولا مرة. ولكن هذه المرة كان العذاب أكبر من قدرتها على التحمّل.
فهي لا تذكر تلك الليلة كيف صعدت مرة ثانية إلى غرفتها وارتمت على سريرها تحتضن نفسها بذراعيها لعلّها تخفّف قليلًا من تلك البرودة التي لفّت جسدها فجعلته صلبًا كالفولاذ. وحُجبت العبرات في عينيها، حتى عندما شعرت به يدخل غرفتها ويقترب منها، لم تستطع سوى التظاهر بالنوم، ولم تستجب خلية واحدة بجسدها حين لثم جبينها، ثم نظر إليها لثوانٍ يائسًا من التفاتها إليه وخرج مغلقًا الباب خلفه بهدوء.

لامت نفسها كثيرًا كيف لم تصرخ في وجهه وتقول له:
لماذا؟ لماذا أتيتَ إن كنتَ تنوي الابتعاد؟ لماذا تقترب مني وفي داخلك تنوي الزواج بأخرى؟ بأي ذنب تقتلني لتحييها؟

عند هذه الخاطرة ارتجفت شفتاها، وفرّت دمعة يتيمة، تبعتها دموع غزيرة أشفقَت على ذلك القلب الذي لم يعد قادرًا على التحمّل.

ازدادت شهقاتها شيئًا فشيئًا، وظلّت تبكي طويلًا لا تعلم كم مضى من الوقت، إلى أن هدأت تدريجيًا. ثم قامت من مكانها واتجهت إلى أحد الأدراج، فأخرجت كتابًا كبيرًا وأخذت تبحث بين أوراقه حتى وجدت ضالتها. تلك الرسالة الوحيدة المتبقية لها من والدتها، فشرعت في قراءتها بشفاه ترتجف ألمًا ووجعًا وفقدًا:

بنتي حبيبتي كاميليا...
لما تقري الجواب دا هكون أنا أكيد فارقت الحياة، بس عمري ما هفارقك أبدًا، لأني هفضل عايشة في قلبك.
عايزاكِ تعرفي إني بحبّك قوي، وإنك أغلى حاجة عندي في الدنيا، ولو طولت أفديكِ بروحي هفديكِ.
بس للأسف في حاجات كتير مبقاش بإيدينا، وقدرنا إننا نعيشها.
عارفة إنك هتتعبي قوي مع الناس اللي إنتِ عايشة معاهم، وعارفة إنك هتحاربي كتير عشان تقدري تعيشي وسطهم بسلام.
بس أنا واثقة في بنتي إنها قوية وعمرها ما تتهزم.
خليكِ قوية يا كاميليا، وأوعي تبيني ضعفك لحد أبدًا حتى لو كان مين، هييجي يوم ويستغلّه ضدك.
وخلي عندك إيمان بربنا كبير، واعرفي إن الشر عمره ما هينتصر، ومهما قوي هييجي يوم ويتكسر.
وقتها هتعرفي قيمة طيبتك وإنسانيتك، وهتعرفي إن ربنا عادل قوي. متتعشميش في حد، أصل العشم أكتر حاجة وجعها صعب... اتعشمي في ربنا، ربنا كبير وما بيخذلكيش.
وفي آخر الجواب هسيبلك عنوان فاطمة أختي... انتِ عمرك ما شفتيها، بس هي هتكون لك زيي وأكتر.
لما الدنيا تضيق بيكي، متتردديش تروحي لها، ولما تروحي قولي لها: زهرة بتقولك حافظي على ضناها قوي.
خليها تحضنك بالنيابة عني... وتسلمك بإيديها لعريسك اللي يصونك ويحافظ عليكِ.
وأوعي تصدقي أي كلمة وحشة تتقال لك عني يا بنتي.
اعرفي إن أمِك أشرف ست في الدنيا.
خلي بالك من نفسك يا بنت قلبي وروحي، وكوني قوية... أوعي تضعفي مهما الدنيا جت عليك.
بحبك قوي...
ماما زهرة.

قرأت كاميليا الخطاب للمرة التي لا تعرف عددها... في كل مرة كانت عبراتها تتساقط بغزارة، لكن هذه المرة كانت مختلفة.
فقد هبّت واقفة، ومسحت بقايا دموعها، ثم طوت الخطاب ووضعته في مكانه. دخلت إلى المرحاض لتأخذ حمامًا دافئًا، ثم ارتدت أجمل ثيابها وجهّزت بعضًا من أغراضها في حقيبة، وخرجت متجهة إلى الأسفل.

ذهبت إلى المطبخ فوجدت صفية تقف مع الخدم، فاتجهت إليها وقالت بهدوء:
_ ماما صفية.

التفتت صفية نحوها تنظر لها بحب قائلة:
ـ نعم يا حبيبتي؟

كاميليا بابتسامة بسيطة ولهجة حاولت أن تكون ثابتة:
_ ممكن أروح أزور خالتو فاطمة؟ البنات وحشوني قوي ونفسي أشوفهم.

ترددت صفية... فهي تشفق على حال تلك المسكينة، خاصة بعد انشغال يوسف الدائم عنها، وحزنها الذي بدأ واضحًا على ملامحها منذ ذلك اليوم في المشفى، خصوصًا بعد معرفتها بأن رحيم ينوي تزويج يوسف من نيفين.
فقالت بتردد:
_ طب قولتي ليوسف؟

انمحت ابتسامتها وحلّ محلّها أسىً كبير، وقالت بنبرة مهزوزة قليلًا:
_ يوسف مشغول... ربنا يعينه. أنا قولت أستأذن حضرتك لو مفيش مانع؟

ذلك الرجاء في صوتها، والحزن المسيطر على ملامحها، جعلا صفية تحسم أمرها فقالت بحزم حانٍ:
_ روّحي يا حبيبتي... غيرّي جو وانبسطي. ومتقلقيش، أنا هقول ليوسف.

اكتفت كاميليا بهز رأسها وهمست بامتنان:
_ شكرًا.

كانت صفية تود احتضانها، لكنها تراجعت... فهي تعلم أنها على شفير الانهيار، وأي لمسة حنان قد تجعلها تنهار باكية، وهذا آخر ما تريده الآن.

قبل أن تتحدث كاميليا، قاطعها صوت أدهم القادم من الخارج، فهتفت صفية بارتياح:
_ كويس... أدهم جه يودّيك، عشان الخناقة متبقاش خناقتين. مانتِ هتسبيني في وش المدفع وتمشي!

خرجتا إليها فوجداه أسفل السلم ينظر إلى ساعته. وقبل أن تتحدث صفية، لمحت يوسف بالأعلى يتحدث عبر الهاتف. شعرت كاميليا بانقباض حاد في قلبها، وحاولت إظهار اللامبالاة فقالت لأدهم بمرح:
_ عمال تبص في الساعة! عامل فيها مهم حضرتك؟

أدهم باستفزاز:
_ طبعًا مهم... أنا راجل ورايا شغل، مش عوّاطلي زي حضرتِك!

كاميليا بمكر:
_ هتندم على المعاملة دي.

أدهم بتكبر:
_ عمري ما ندمت على حاجة عملتها!

كاميليا بخبث:
_ أبدًا أبدًا؟ مفيش كده ولا كده؟

نظر لها بنصف عين ثم قال متخاذلًا:
_ لأ... مش أبدًا قوي يعني... في شوية حاجات، أولها معرفتك.

كاميليا باستفزاز:
_ معرفتي؟! طيب يا رب نفضل على موقفك ده لما تعرف أنا رايحة فين!

وقبل أن يجيب، التقطت أذنه ضحكتها التي عزفت على أوتار قلب يوسف، الذي كان يقف بالأعلى، يراقبهم...
اقترب بخطوات أثارت كل اضطراب مكبوت في صدرها، لكنها تماسكت.

وعندما مدّت يدها تداعب ياقة أدهم، علا صوت صفية:
_ واد! انت وهي... هو في إيه؟ انتِ ماسكة على الواد ده ذلّة ولا إيه يا كاميليا؟ قولّيلي!

أدهم بغيظ:
_ اركني يا حاجّة بالله عليكِ! أنا حاسس إنك لاقياني قدّام باب الجامع!

ثم التفت إلى كاميليا وقال برجاء ساخر:
_ طب أحلف لك بإيه إنك أكتر حد غالي عليّا في البيت ده؟

قهقهت بدلال، فبلغ الجنون ذروته في قلب يوسف الذي تفجّر صوته أخيرًا:
_ أدهم!

التفت أدهم بسرعة:
_ نعم يا يوسف؟

نزل يوسف آخر درجات السلم، وعيناه لا تحيدان عن كاميليا.ذلك الثوب، تلك الملامح الجميلة كل شيء بها يجذبه رغم كل غضبه.

لكن تجاهلها له أشعل ما تبقى من هدوئه.
و لكنه شاء أن يُخفي اضطرابه، ليلتفت إلى أخيه قائلًا:
_ روح خلّص اللي قلت لك عليه... وقابلني على الشركة.

_ حاضر.

ثم وجه حديثه إلى نيفين القادمة من خلفهم بنبرة جافة:
_ نيفين.

أجابته الأخيرة بلهفة مصطنعة، ليشتعل قلب كاميليا ألمًا.

قال يوسف ببرود:
_ تعالي معايا المكتب عايزك، وياريت محدّش يقاطعنا.

سقطت كلماته على قلبها كالرصاص.
ورأت نيفين تتبعه وهي ترسل لها نظرة شماتة...
فكتمت أنين روحها، بينما كلمات والدتها تتردد في ذهنها:
"خليكِ قوية يا بنتي... أوعي تضعفي."

ناداها أدهم بهدوء:
_ كاميليا...

رفعت رأسها تحاول التماسك:
_ نعم؟

_ تحبّي نقعد نتكلّم شوية؟

قالت بمرح لا يصل لعينيها:
_ إحنا هنتكلم فعلًا... بس في الطريق. انت هتوصّلني عند خالتو فاطمة.

أدهم بتعقّل:
_ كاميليا... مش ده الحل.

تدخلت صفية:
_ من حقها تروح تزور خالتها وقت ما تحب.

_ تستأذن من جوزها يا ماما.

_ لما يبقى فاضي لها! وبعدين هي استأذنت مني... وأنا وافقت. خلاص!

تنفّس أدهم بغيظ وقال:
_ اتفضلي قدّامي... مانتوا مش وراكوا غير التعب.

اما ان خطت خارج باب القصر حتى اقترب أدهم منها هامسًا:
_ زعلانة منه؟

خرجت منها تنهيدة موجوعة:
_ زعلانة كلمة قليلة قوي على اللي أنا حاسّاه.

أدهم بخبث:
_ طب إيه رأيك؟ مش نولّع الفرن ونحطّه تحت الشواية شوية؟

قالت باستغراب:
_ يعني إيه؟

_ يعني... جرعة حرقة الدم اللي من شوية؟ هنزود لها شوية بهارات... ونخلّي صاحبك يتكلم مع نفسه اليوم كله!

قطبت كاميليا جبينها بعدم فهم وقالت:
_ يعني نعمل إيه؟

_ ولا أي حاجة... الضحكة الحلوة اللي هبدتيها جوا وخلّتيه يقفل في وش الناس، عايزك تهبّديها أول ما نوصل عند العربية.

كاميليا بسخرية:
_ وهو هيشوفني إزاي يا خفيف؟

أدهم بمزاح:
_ أقطع دراعي من هِنهوه لو مكنش يوسف أخويا راشق قدّام الشباك يشوفني هخرج إمتى.

كاميليا بنفاد صبر:
_ ولو إني مش معشمة... بس يالا يمكن كلامك يطلع صح.

تقدّم أدهم من كاميليا ما إن وصلا إلى السيارة، وقام بفتح بابها في حركة درامية بعد أن انحنى أمامها. أمّا كاميليا فوضعت إحدى يديها في خصلات شعرها تُبعدها إلى الجهة الأخرى بدلال، ثم تقدّمت في حركة مسرحية وكأنها أميرة مدلّلة تسير بغنج تجاه الباب الذي يقف أمامه أدهم. وما إن وصلت أمامه حتى انفجرا في الضحك سويًا، ثم ركبت السيارة.

والتفت أدهم إلى الجهة الأخرى بعدما التقطت عيناه يوسف الذي يقف خلف النافذة ينظر إليهما بعينين كأنهما قادمتان من الجحيم؛ فقد اشتعل داخله براكين الغضب الممزوج بالغيرة. فأطفأ سيجارته بعنف قبل أن يتوجّه للخارج في غضب؛ فكيف تخرج بدون أن تخبره؟

لتلحق به نيفين عند باب الغرفة قائلة باستفهام:
_ يوسف... إنت رايح فين؟

يوسف بغضب ونظرات نارية جمدتها في مكانها:
_ مالكيش فيه... استنّيني هنا لحد ما أرجع.

تجمّدت نيفين في مكانها، وعلى الرغم من أن الفضول كان يأكلها لمعرفة ما ينوي فعله؛ إلا أن نظراته كانت لا تبشّر بالخير إطلاقًا، ففضّلت ألّا تُثير غضبه أكثر فهذا ليس في صالحها.

وعلى الجانب الآخر كان يوسف يغلي من شدّة الغضب، فأخذ يبحث عن والدته وهو يصرخ بصوت جهوري يرنّ في أرجاء المنزل:
_ ماما! يا ماما!

خرجت صفية مُهرولة من المطبخ إثر ندائه بهذه الطريقة، فقالت باضطراب:
_ إيه يا يوسف؟ في إيه؟

يوسف بغضب:
_ الست هانم رايحة فين من غير ما تقولي؟

حاولت صفية رسم الهدوء على ملامحها وهي تقول ببرود:
_ رايحة تزور خالتها فاطمة.

يوسف بحنق:
_ من غير ما أعرف؟!

صفية بتهكم:
_ وهو انت كنت فاضي لها؟! دخلت أوضة المكتب وقلت محدّش يقاطعني، المفروض هي تعمل إيه؟! تتحبس في البيت لحد ما تطقّ وتموّت على ما حضرتك تفضالها!

تراجع غضب يوسف قليلًا، وشعر بوخزات الألم تنغرز في قلبه، لكنه آثر عدم الإفصاح عمّا يدور بداخله، وقال بحدّة:
_ لما ترجع... خليها تيجي لي على المكتب.

ألقى كلماته ثم انصرف إلى غرفة المكتب، صافقًا الباب خلفه. كان قلبه يخبره بأن يذهب إليها ويعاتبها ويوبّخها على أفعالها الحمقاء، وبعد كل هذا يحتويها بين جنبات عشقه ليرمّم كل تلك الكسور والجروح التي مهما حاولت أن تُخفيها عنه لن تفلح؛ فهو يرى داخلها كما لو كانت كتابًا مفتوحًا أمامه. لكنه لا يقدر على التغافل عن أخطائها أكثر من ذلك.

_ يوسف!
كان هذا صوت نيفين الذي أخرجه من شروده، فزفر بتعب نافضًا من تفكيره كل الأفكار المتعلقة بكاميليا، ووجّه تركيزه إليها؛ إلى تلك الجالسة أمامه تطالعه بعينين يملؤهما الحب والألم، مما دفعها لتقول:

_ طبعًا مش محتاجة أعرف إنت بتفكر في إيه عشان باين قوي على وشّك. بس أنا هريحك يا يوسف وهقولك اللي إنت عايز تعرفه.

رفع يوسف إحدى حاجبيه وقال باستفهام:
_ اللي هو؟

نيفين بثبات:
_ هقولك كاميليا هربت منك ليه.

طالَعها يوسف بشك، وحاول الثبات قدر الإمكان وهو يقول بصوت أجش ونبرة هادئة ومثيرة:
_ وأنا هصدّقك في كل اللي هتقولي يا نيفين.

نيفين بشك:
_ اشمعنى؟

زفر يوسف بتعب، ثم قام من مقعده ودار حول مكتبه واقترب منها كثيرًا، ناظرًا في عينيها، وقال بصوت أجش:
_ عشان مش هتعرفي تكذبي عليّ وإنتِ عينيكِ في عيني كده.

سقطت نيفين تحت تأثير تلك اللحظة التي تمنّتها كثيرًا ن يقترب منها بكامل إرادته فأخذت نفسًا طويلًا وقالت بنبرة يملؤها التوسل:
_ قبل ما أقولك أي حاجة... عايزة أعرف... إنت جايبني هنا عشان تسألني السؤال ده، صح؟

يوسف بنفس نبرته المثيرة:
_ لا. ولو مش عايزة تقولي... أنا مش عايز أعرف. أنا جايبك هنا عشان موضوع تاني خالص.

قطبت نيفين جبينها عندما تراجع يوسف وجلس على كرسيه مرة ثانية وقد خيّم الحزن على ملامحه، فقالت باهتمام:
_ مالك يا يوسف؟

يوسف بهدوء:
_ اللي هقولهولِك ده محدّش يعرفه غير أنا وإنتِ وجدي... وأتمنى تسمعيني للآخر.

نيفين باهتمام:
_ سمعاك.

يوسف:
_ قبل ما عمي مراد يحصلّه اللي حصل... كلّمني في التليفون وطلب مني لو جراله حاجة... أخلي بالي منك إنتِ وزين. وأنا وعدته بكده.
وجدي لما تعب وأنا دخلت له... طلب مني إني أتجوزِك!

هبت نيفين من مقعدها من شدّة المفاجأة الرائعة التي لم يستوعبها عقلها، ليأتي هو بمفاجأة أكبر حين قال بتأكيد:
_ وأنا وعدته!

داهمها الدوار مرة أخرى، ولكن كان ذلك في الوقت الخطأ، فسقطت على الكرسي خلفها. فاندفع يوسف نحوها قائلًا باهتمام:
_ إنتِ كويسة؟

نيفين بتوَهان:
_ كويسة... متقلقش.

_ أطلب لك دكتور؟
نيفين وقد استعادت بعض تركيزها:
_ لا... متقلقش. هبقى كويسة كمان شوية. دي دوخة بتيجي لي كل فترة.

ناولها يوسف كوبًا من الماء فشربت منه عدة رشفات وأعادته إليه، فبادرها بالسؤال:
_ أحسن دلوقتي؟

فأجابته بهدوء:
_ آه... تمام.

_ طيب يا نيفين... نكمّل كلامنا وقت تاني؟

قاطعته نيفين بلهفة:
_ لا... منأجّلوش. أنا كويسة... من فضلك نكمل.

يوسف بلا مبالاة:
_ زي ما تحبي. مش هطوّل عليكِ.
أيوه... أنا وعدت جدي إني هتجوزِك... بس ده مش هيحصل غير لما أعرف مين عمل في عمي مراد كده... وآخر تارة!

نيفين بصدمة سرعان ما تحولت لارتباك:
_ إيه؟ طب وإنت هتعرف إزاي؟

يوسف بيأس:
_ للأسف... مفيش في دماغي أي حاجة. ولا طرف خيط أمشي وراه. بس أنا مش هسكت... ولازم أعرف مين عمل فيه كده... وليه خرج يجري اليوم ده كإن في مصيبة؟!

هبّت نيفين من مقعدها وسارت في أنحاء الغرفة بارتباك التقطته عين يوسف بمهارة:
_ مين قالك الكلام ده؟

يوسف بهدوء:
_ الخدم شافوه وهو جاي يجري من المرسم بتاعه وطلع بسرعة... وكأن في مصيبة حصلت.
وعشان كده أنا اتصلت عليه... وقالّي الكلام اللي قلتُهولِك.

تنفست نيفين الصعداء عندما تأكدت أن الحديث لم يشملها، وقالت بلهجة حاولت أن تكون متأثرة:
_ والله يا يوسف... أنا زيّك ويمكن أكتر هتجنن وأعرف مين اللي عمل في بابا كده؟

يوسف بقسوة:
_ هعرفه يا نيفين... ووقتها هدفعه التمن غالي قوي.

أتقنت ذرف دموع التماسيح وطعّمتها بلهجة حزينة مفتعلة:
_ وأنا واثقة فيك يا يوسف... إنك هتجيب لي حق بابا.

يوسف بتصميم:
_ ده شيء مفروغ منه. في حاجة تانية حابب أتكلم معاك فيها... بس يا ريت تبقي هادية وتحاولي تستوعبي اللي هقوله.

نيفين باهتمام:
_ حاجة إيه؟

يوسف بحزن:
_ عمو مراد... مش في غيبوبة زي ما الدكتور قال لنا. للأسف حالته متأخرة جدًا... تقريبًا هو عايش على الأجهزة بس. ولو انفصلت عنه ثانية واحدة هيموت.
الدكتور بعت لي وقالّي الكلام ده عشان أقرر هنعمل إيه... وطبعًا أنا مقدرتش أقول لجدي فخليته يقول موضوع الغيبوبة ده خوفًا على صحته.

حاولت نيفين رسم الحزن على وجهها وقالت بتأثر زائف:
_ إنت بتقول إيه يا يوسف؟ يعني بابا خلاص هيموت؟

اتبعت كلماتها بسيل من الدموع المزوّرة، فقابلها يوسف بهدوء:
_ أنا لسه قايل لك... عايزك تهدي وتستوعبي اللي داخلين عليه.

نيفين باستفهام:
_ تقصد إيه؟

يوسف بجفاء:
_ أقصد إني لازم أنفّذ وصية عمي وهو لسه عايش...
وعشان كده لازم نكتب كتابنا في أسرع وقت.
وده مش هيتم غير لما أمسك اللي عمل فيه كده
وده أنا محتاج فيه مساعدتك.

ارتبكت نيفين من كلماته ونظراته الثاقبة التي تشعر وكأنها تخترقها، لكنها تظاهرت بالثبات، وقالت باستفهام:
_ طب وأنا هساعدك إزاي؟

يوسف بهدوء:
_ إنتِ الفترة اللي فاتت كنتِ قريبة قوي من عمو مراد
مقالكيش إن في عداوة بينه وبين أي حد؟
حد بيضايقه بيعمله مشاكل؟

تنفست نيفين الصعداء عندما فهمت اتجاه تفكيره، وقالت بحزن زائف:
_ للأسف لا... عمره ما قالي حاجة زي دي.

يوسف بشك:
_ افتكري يا نيفين... يمكن في حاجة حصلت وإنتِ نسياها ؟

نيفين بتوتر:
_ لا مفيش، وعموماً هدور في دماغي ولو في حاجة هقولك.

تنهد يوسف ثم قال:
_ تمام. يا ريت الكلام اللي اتقال بينا ده... ميطلعش بره.
ده أول سر يكون بينا... وأنا واثق إنه مش هيكون الأخير.

اتبع جملته الأخيرة بنظرة خاصة جعلت جسدها يرتجف، فاقتربت منه للحد غير المسموح به وقالت بنبرة مثيرة:
_ وأنا كمان واثقة من ده... بس عندي سؤال. ممكن؟

يوسف بهدوء دون أن يُظهر أي رد فعل لمحاولتها إثارته:
_ ممكن.

نيفين بمكر يغلفه الحزن:
_ كاميليا!

اضطربت دقات قلبه عندما سمع اسمها، لكنه أخفى ذلك باللامبالاة وقال:
_ مالها؟

_ هتوافق على جوازنا بالسهولة دي؟

التفت يوسف نحو مكتبه وجلس على مقعده، وللحظة تخيل ردّة فعل كاميليا على هذا القرار، لكن قلبه أبى التخيل، فقال بفظاظة:
_ ده شيء يرجع لها يا نيفين. قبلت أو لأ... أنا مش هتدخل في قرارها. اللي عايزاك تكوني متأكدة منه إني عمري ما وعدت وعد وما وفّتش بيه.

كانت الأرض لا تتّسع لفرحتها عند سماع تلك الكلمات تخرج من فمه، فقالت بحب:
_ وأنا واثقة فيك يا يوسف.

هز يوسف رأسه كعلامة شكر، ثم قال بهدوء:
_ تقدري تخرجي دلوقتي... عندي شغل كتير.

هزّت نيفين رأسها وتوجّهت إلى الباب، لكنها توقفت قبل أن تغادر، ثم التفتت إليه قائلة:

_ يوسف... كاميليا هربت عشان عرفت إنك مضيتها على ورق تنازل عن حقها في الميراث يوم كتب كتابكوا!

★★★★★★★★

وصلت كاميليا عند بوّابة قصر السباعي، ونظرت إلى أدهم الجالس بجوارها قائلة بهدوء:

_ مش هتدخل معايا؟

نظر إليها أدهم بحيرة ثم قال بحزن:
_ مش هينفع يا كاميليا.

كاميليا باستفهام:
_ ليه يا أدهم؟

أدهم بحزن:
_ بعد اللي حصل دا، ماليّش عين أواجه حد منهم.

كاميليا بأسى:
_ بس انت مالكش ذنب في اللي حصل.

أدهم بندم:
_ بس كان ليا يد في حاجات كتير قبل كدا.

كاميليا بحزن على ملامحه:
_ هتستسلم يا أدهم؟

أدهم بخشونة:
_ مقدرش أقولك آه... بس أقدر أقولك إني لازم أكون متأكد من كل خطوة بعملها، عشان الموضوع بعد ما كان صعب... بقى دلوقتي مستحيل، وخصوصًا بعد اللي حصل في المستشفى. أي خطوة غلط هتضيعها مني للأبد... ودا أنا مقدرش عليه.

كاميليا بحزن:
_ بس غلط إنك تبعد عنها في الوقت دا بالذات.

أدهم بألم:
_ أنا أكتر واحد بيتعذب بسبب البعد دا، خاصة بعد ما طلبتها من علي وهي رفضتني. أنا بس بديها فرصة تستوعب اللي حصل... مش أكتر.

كاميليا بيأس:
_ اللي تشوفه يا أدهم.

أدهم:
_ عايز أطلب منك طلب؟

_ طلب إيه؟

قال أدهم بشوق بلغ ذروته، فظهر جليًا في نبرة صوته:
_ عايز أشوفها... ولو من بعيد.

لمست كاميليا الألم في صوته فأشفقت عليه، فهي أكثر من ذاق لوعة الفراق. ترقرقت العبرات في عينيها وقالت بصوت يملؤه الحزن:
_ حاضر. خليك هنا وأنا هحاول أجيبها عشان تشوفها.

وما إن أنهت كلامها حتى تحولت عينا أدهم فجأة إلى كتلة من النار المشتعلة، عندما رأى غرام تخرج من بوّابة القصر وهي تمسك بالهاتف. رن هاتف كاميليا فوجدت اسم "غرام"، فالتفتت تلك الأخيرة إليهما لتتعالى دقات قلبها جنونًا عند رؤية السيارة.

كانت كاميليا قد ترجلت من السيارة لتعانق غرام بشوق ثم قالت بصوت خافت:
_ اديله و ادي لنفسك فرصة... اسمعيه.

لم تُجب غرام، وتوجهت للداخل، لكن خطواتها توقفت حين رأت أدهم يترجل بسرعة ويمد يده ممسكًا بمعصمها قبل دخولها. ارتفعت دقات قلبها وتأثر تنفسها، وظلت تعطيه ظهرها لثوانٍ، قبل أن تسمعه يقول:

_ غرام... أرجوكِ اسمعيني.

التفتت إليه بعد أن استعادت بعضًا من هدوئها، ورسمت الجمود على ملامحها قائلة بفظاظة:
_ مالوش لزوم أسمعك... كلامك مش هيغير حاجة جوايا.

أدهم بنبرة حانية محاولًا استغلال الفرصة الذهبية:
_ لا هيغير حاجات كتير يا غرام، وبعدين بلاش تمثلي إنك مش عايزة تسمعيني أو إنك مبقتيش تحبيني. مش هصدقك، وإلا ماكنش قلبك هيدق بالشكل دا أول ما قربت منك.

اشتعل غضبها وقالت بانفعال:
_ أيوه... حتى لو قلبي بيدقلك كدا، مش عايزة أشوفك ولا أسمعك. عارف ليه؟ عشان عمر كلامك ما هيداوي الجرح اللي جرحتهولي، ولا هيهد السد اللي اتبنى بينا، خصوصًا بعد اللي حصل في المستشفى.

انفلت زمام غضبه، فأمسك بمرفقيها وقربها منه حتى اختلطت أنفاسهما وقال بيأس:
_ اللي حصل في المستشفى أنا ماليش يد فيه، وانتِ عارفة دا. ليه مُصرة ترمي كل حاجة عليّا؟ ليه مش عايزة تدي لقلبك وقلبي فرصة يعيشوا مرتاحين سوا؟ ليه كل العند دا؟

غرام بقهر:
_ العند دا أنا اتعلمته منك. يوم ما كنت مرمية قدامك وبموت، وما رحمتنيش من اتهاماتك وكلامك اللي كان زي السم. ولسه بيتردد في وداني لحد دلوقتي. تحب أقولك قولتلي إيه؟ ولا لسه فاكر؟

أدهم بألم يائس:
_ غرام... أرجوكِ سامحيني وكفاية بقى.

صرخت من وسط دموعها بعنف:
_ كويس إنك فاكر... عشان دا بالظبط اللي قولتهولك! إني في يوم هقف قدامك وهشوفك بتترجاني أسامحك، و وقتها عمري ما هسامحك! وأظن واضح إن دا ردي على كلامك قبل ما تقوله. وياريت بلاش جو "تتجوزيني" دا... أنا مش عيلة صغيرة هفرح بالكلمتين دول. أنا النجمة اللي هتفضل طول عمرك تتمناها، ومش هتوصلها. عارف ليه؟
عشان أنا عمري ما كنت رخيصة زي ما وصفتني يومها.
أنا غالية، وغالية أوي لدرجة إنك عمرك ما هتعرف توصل لي.

أنهت كلماتها، وانتزعت نفسها من بين ذراعيه، تجمع ما استطاعت من قوة لتفارقه رغم أن قلبها لم يكن يريد سوى عناقه، عناق واحد قد يعيد ترميم كل شيء.

★★★★★★★★

توجهت كاميليا للداخل لتجد كارما وفاطمة تنتظرانها. هرولت فاطمة إليها واحتضنتها بحنان كانت كاميليا بأمسّ الحاجة إليه، وقالت الأخيرة وسط دموعها:

_ آسفه... آسفه قوي يا خالتو.

قاطعتها فاطمة وهي تمسح دموعها برفق وبلهفة:
_ أوعي تعتذري يا قلب خالتك إنتِ مغلطتيش.

كاميليا بألم:
_ مكنتش أتمنى يحصل اللي حصل.

فاطمة بتعقّل:
_ هو إيه حصل يا حبيبتي؟ اللي قاله جدك لازم كان يُعرف في يوم من الأيام. وبعدين عليّ مسكتش، وخدلي حقي تالت ومتلت. وانتِ كمان مقصرتيش يا كاميليا.
أنا زعلت منك!

كاميليا بأسف:
_ آسفه اني انفعلت، بس مقدرتش أسكت وأنا شايفاه بيهينك كدا قدامهم.

فاطمة بحنان:
_ ولو يا كاميليا... مهما كان دا جدك، ومكنش يصح تعلي صوتك عليه بالشكل دا.

قبل أن ترد، رن هاتف فاطمة:
_ أيوه يا علي.

_ إنتوا فين يا ماما؟

_ في البيت يا ابني.

_ أيوه يعني فين في البيت؟

_ في الجنينة... أنا والبنات ومعانا كاميليا. ليه؟

قال علي بنفاد صبر:
_ اسمعي بس اللي هقولهولِك... من غير أسئلة. خدي البنات وادخلي أي أوضة من أوضهم... ومحدش يخرج. وإنتِ استنيني في أوضتي.

_ ليه؟

_ يا ماما بلاش أسئلة! لما أجي هفهمك.

_ طيب... قدامك قد إيه وتوصل؟

_ ربع ساعة.

_ طيب ما تتأخرش... وهعمل اللي انت عايزه.

أغلقت الهاتف، فرأت غرام تدخل مسرعة، ملامحها توحي بالحزن.

سألت فاطمة كاميليا باستفسار:
_ مين اللي وصلك لحد هنا؟

كاميليا بخفوت:
_ أدهم يا خالتو.

هزت فاطمة رأسها وقد استوعبت الموقف:
_ عشان كدا... طيب قومي يالا انتي وهي.

نظرت إليها كاميليا وكارما باستفهام، فقالت بعجلة:
_ مش وقت أسئلة... البت اللي جوا هتشلّني. لازم نعقلها. قومي يالا.

وصلوا لغرفة غرام، فقالت فاطمة:
_ ادخلوا جوّا... وقعدوا معاها. ومحدش يخرج غير لما دماغها تتعدل.

دفعتهم للداخل وأغلقت الباب بالمفتاح، ثم اتصلت بعلي:

_ نفذت اللي قولته يا آخره صبري... هتفهمني ولا لأ؟

_ بصي... أنا قدام القصر. افتحي لي الطريق.

فاطمة بنفاد صبر:
_ واد انت! هو في إيه؟ فاكرني عسكري عندك؟!

علي بمسايسة:
_ يا ماما... اهدِي. لما أجي هتعرفي كل حاجة. اتكي عالصبر شويه.

فاطمة بحنق:
_ اللهم طولِك يا روح. اتفضل ادخل، الخدم في المطبخ وجدّك نايم.

وبالفعل قام عليّ بحمل ناهد والدخول إلى البوابة ومنها إلى داخل القصر، ليجد فاطمة التي ضربت على مقدمة صدرها وقالت بصدمة:
_ يا لهوي! مين دي يا واد؟

عليّ لاهثًا:
_ تعالي ورايا بس وبطّلي رغي أحسن ما نتقفّش.

طاوعته فاطمة وصعدت خلفه حتى دخل غرفته، وقام بوضع ناهد على السرير، لينكشف وجهها الذي ما إن رأته فاطمة حتى جحظت عيناها من شدة الذهول وقالت بصدمة:
_ ناهد!

تابع الجزء الثاني من الوجه السادس و الثلاثون للعشق 🌹

_ تفتكري يا ماما كلام نيفين اللي قالته ليوسف صح؟

صفية بحيرة:

_ والله يا روفان أنا معرفش. بس إزاي نيفين هتفتن على سميرة كدا؟ دي أمها برضه!

روفان بعدم تصديق:

_ والله يا ماما أنا حاسة إنها خطة عشان تضايق بيها مامتها. نيفين دي صعبة ومحدش يتوقعها.

صفية بتعب:

_ والله يا بنتي أنا احتارت في الناس دي وتعبت من مشاكلهم، ومبقتش عارفة أقول إيه؟ بس اللي هيجنّني إن سميرة تكون السبب في هروب كاميليا؟

روفان بشماتة:

_ لا واللي يفضحها مين؟ بنتها! فعلاً يمهل ولا يهمل.

كان هذا الحديث يدور بين روفان وصفية في الصالون، ليقع على مسامع سميرة التي ارتعبت وجُنّ جنونها مما سمعته، فعادت إدراجها متوعدةً نيفين بشتى أنواع العقاب. اندفعت تجاه غرفة نيفين التي كانت ترتدي ثيابها حتى تذهب لرؤية رحيم، والذي حدثها البارحة يخبرها بأن تأتي لرؤيته، ووعدها بأن هناك مفاجأة بانتظارها، ولكنها كانت تعرفها مسبقًا من يوسف، لذا لم ترد أن تفصح عنها.

فما إن انتهت من تزيين وجهها حتى فاجأها ذلك الهجوم العاصف من سميرة التي اقتحمت غرفتها بوجه لا يُبشّر بالخير، وأغلقت الباب خلفها تناظرها بعينين يملؤهما الشر. فحاولت نيفين الثبات قدر الإمكان ورفعت إحدى حاجبيها كأنها تسأل: ماذا؟ لتقوم سميرة بصفعها صفعة قوية أدارت وجهها للجهة الأخرى، ثم صرخت بغضب قائلة:

_ واطية وخسيسة!

لم تفق نيفين من صفعتها حتى أمسكتها سميرة من خصلات شعرها وهي تقول بغل:

_ بقى أنا يا كلبة؟ بتبيعيني وتروحي تقولي ليوسف إني السبب في هروب كاميليا؟ بتكسبيه على قفايا يا سافلة؟

نفضت نيفين شعرها من يد سميرة وهي تقول بغضب:

_ ابعدي عني! أنا مقولتش حاجة لحد. إنتِ اتجننتي؟

سميرة بحقد وغضب:

_ اتجننت عشان حاويت حيّة زيّك في بيتي. بس لا، أنا مش هقع لوحدي، دا أنا هخسف بيكِ الأرض قبل ما تفكري توقّعيني.

نيفين بغضب:

_ إنتِ بتهدديني؟

سميرة بسخرية:

_ لا يا عيني، أنا مش بهدد... أنا بنفّذ على طول. ومادام إنتِ فاردة جناحاتِك قوي كدا، أنا بقى هقصقصهملك.

قهقهت نيفين ساخرة وقالت بتخابث:

_ ولا هتقدري تعمليلي أي حاجة. كلمة واحدة مني لرحيم الحسيني، هخليه يطيرك على طول. ويا سلام بقى لو عرف إنك إنتِ اللي عملتِ في ابنه الوحيد كدا... إنتِ وعشيقك طبعًا.

جحظت عينا سميرة من حديث نيفين، وللحظة استرجعت كل الأحداث السابقة، لتشهق قائلة بذهول:

_ إنتِ اللي قولتي لمراد على مكاني؟

نيفين بشماتة:

_ مش بالضبط. أنا رميت الطُعم وهو بلعه يعني تقدري تقولي إديته طرف الخيط!

استعادت سميرة وعيها وأوشكت على الهجوم مرة ثانية على نيفين وهي تصرخ بغضب:

_ آه يا كلبة يا واطية! والله لهتقِّلك ولَأشرب من دمك!

أمسكت نيفين بيدها وهي تقول بسخرية:

_ اهدي اهدي الانفعال وحش عليكّ. إنتِ دلوقتي المفروض تقعدي تفكري هتتقولي إيه لمراد الحسيني لما يفوق ويقرر يقتلك على خيانتك له. ما هو مش معقول يعني هيسيب واحدة خاينة زيّك على ذمته!

سميرة بشماتة وقد استعادت بعضًا من هدوئها:

_ لا دا أنا هفكر في حاجة أحسن وأحسن. تفتكري إيه رد فعله لما يعرف إنك أصلاً مش بنته؟

لم تتغير ملامح نيفين وكأنها كانت تتوقع حديثها، بل زادت ابتسامتها حتى وصلت لقهقهات متتالية، مما أدى إلى ذهول سميرة، وخاصةً عندما تحدثت نيفين قائلة:

_ إيه؟ اتفاجئتي إني عارفة؟ لا يا حبيبتي اتعودي لأني عارفة حاجات كتير قوي. وأولهم سر كاميليا اللي خلاها تهرب وتسيب البيت وتمشي!

كان الذهول يخيم على ملامح سميرة التي قالت بعدم تصديق:

_ إيه؟

نيفين بملل:

_ إنتِ سمعيني كويس، ومش دا موضوعنا. أنا هعرض عليكِ ديل حلو. إنتِ تسكتي عن حقيقة إني مش بنت مراد الحسيني وأنا هسكت عن موضوع خيانتك له وإنك السبب في اللي حصل له.

أخذت سميرة وقتًا للتفكير واستيعاب ما تفوهت به نيفين، ثم قالت بقلق:

_ طب وافرَضي مراد فاق؟ ما هو هيقول على كل حاجة؟

نيفين بسخرية:

_ لا من الناحية دي اطمني مراد خلاص في عداد الأموات. مجرد ما تتفصل عنه الأجهزة هيبقى "بح". ومعتقدش دي حاجة صعبة يعني.

قالت نيفين جملتها الأخيرة بمكر، فأجابتها سميرة مستفهمة:

_ وإنتِ عرفتي الكلام دا منين؟

نيفين بخبث:

_ يوسف اللي قالي.

قطبت سميرة جبينها قائلة:

_ ومن إمتى يوسف بيحكيلِك أو بيتكلم معاكي؟

نيفين بغرور:

_ آه... ما إنتِ معرفتيش؟ مش جدي العزيز وصّاه وهو في العناية المركزة إنه يتجوزني... ويوسف وعده بكدا. فمن دلوقتي تقدري تعتبريني "مادام يوسف الحسيني".

سميرة بانبهار:

_ إنتِ بتتكلمي بجد؟ طب وكاميليا؟

نيفين بملل:

_ متجبليش سيرة الزفتة دي. وعمومًا الحوار دا ميخصنيش، ويوسف هيتصرف فيه. المهم دلوقتي روحي شوفي إنتِ رايحة فين عشان متأخرش على مشواري... وخليكٌ فاكرة إن مصلحتِك معايا أنا. وإني ممكن أرفعِك سابع سما... وأقدر برضه أخسف بيكِ سابع أرض.

طالعتها سميرة بمكر وهي تقول:

_ طبعًا يا نيفو... هو أنا ليا غير بنتي حبيبتي؟

*************

مرَّ قرابةُ السبعِ ساعاتٍ ويوسف جالس في مكانه ينظر إلى ساعته للمرة التي لا يعرف عددها، ينتظر وصولها على أحرّ من الجمر المشتعل في صدره، والذي أوشك على الانفجار في أي لحظة جراء غيابها الذي كان أكثر من قاسٍ على قلبه الذي عانده ككل مرة ويشتاقها حدّ الجنون، والذي أيضًا للمرة الألف يتجاوز عن أخطائها ويغلبه شوقه إليها. ولهذا السبب كان يتجنبها الفترة الماضية، ولكن قد حانت لحظة المواجهة، فهو لن يستطيع العيش بهذا الذنب وكل هذا الغضب. فظل ينتظرها كثيرًا لكنها لم تأتِ، ولم يعد يستطيع الانتظار لحظةً واحدة، فهبَّ من مكانه متوجهًا إلى والدته التي كانت تتابع طعام العشاء في المطبخ وسألها بلهجة مباشرة:

_ كاميليا مجتش لحد دلوقتي؟

صفية ببرودٍ أتقنت رسمه:

_ كاميليا اتصلت وقالت إنها هتقعد يومين عند خالتها عشان واحشاها.

صاح مستنكرًا:

_ نَعَم!

صفية بلا مبالاة:

_ اللي سمعته يا يوسف!

اجتمع الغضب والكبرياء داخله فقال بحدة:

_ يوسف! هو يوسف بقى له لازمة أصلًا؟!

صفية بهدوء:

_ إنت شايف كده؟

_ إنتِ شايفة إيه يا صفية هانم؟ لما واحدة تخرج من غير إذن جوزها وتبات برا من غير ما حتى تفكر تعرفه دا يبقى صح؟!

صفية بغضب:

_ لا يا يوسف، ميبقاش صح يبقى غلط وغلط كبير. بس أنا لأول مرة هوافق على الغلط وأسقف له كمان، عارف ليه؟ عشان دا ردّ فعل لغلط أكبر هي ملهاش ذنب فيه.

انفلت زمام غضبه حتى صار لا يدري مع مَن يتحدث، فقد تجمعت أمام عينيه كلُّ ذنوبها، فقال بصراخ هز أرجاء المنزل:

_ هي دايمًا مش ذنبها! تعمل كل عملة والتانية وأقول حرام مش ذنبها! كل غلطة تغلطها أكبر من اللي قبلها و أسامح وأقول برضو مش ذنبها! تدوس عليّا وعلينا كلنا وأقول مش ذنبها! بس لاااا لحد هنا وكفاية! هي مش طفلة صغيرة، ومن النهاردة كل غلطة غلطتها هتتحاسب عليها!

أنهى كلماته ثم التفت وسار إلى باب القصر وكأن شياطين الجحيم تلاحقه. هرولت صفية خلفه قائلة بخوف:

_ رايح فين؟

_ رايح أجيب الست هانم وأعرفها إن ليها راجل مفروض تستأذن منه قبل ما تروح أي مكان مش سايبة هي!

انطلق بسيارته بأقصى سرعة وقد تجمعت بداخله كلّ مشاعر الغضب في هذا الكون. فقد كان يتجاوز عن الكثير والكثير لأجلها، ثم تأتي هي وتتجاوزه مرة ثانية، أو لنقل ثالثة لا لن يسمح لها، فإن كان قلبه الغبي غارقًا في عشقها حتى أذنيه، فعقله الذي طالما جنّبه في أي شيء يخصها قادرٌ الآن وبقوة على بتر تلك العلاقة من جذورها إن نالت من كرامته هذه المرة، وليذهب قلبه إلى الجحيم؛ فلن يعيش أقسى مما عاشه في غيابها عنه والذي اختارته بملء إرادتها.

هكذا كان تفكيره قبل أن يتوقف أمام باب قصر السباعي، ليستمع إلى قهقهاتها قادمة من الحديقة، فتوجه إلى حيث أخذه قلبه، فوجدها جالسة بين كارما وغرام، غافلة عن عيونٍ بلون السماء التي تجمعت بها سحُب الغضب عندما وجد ذلك الشاب يجلس قبالتها. لم يتذكره في الوهلة الأولى، لكنه عرف هويته حين دقّق النظر؛ فهو عمرو ابن عمّ علي. اقترب بخطوات حاول أن تكون هادئة رغم هذا الكم الهائل من الغضب. وكانت كارما أوّل من رأته فقالت بلهفة:

_ الحَقي... يوسف جه!

لم تستوعب كاميليا صدمتها حتى أتاها صوته البارد كالصقيع:

_ كاميليا.

التفتت غير مصدقة، وللحظات نسي قلبها كل شيء سوى أنه أتى لرؤيتها، وودّت لو تهرول لترتمي بين ذراعيه، لكن لهجته الباردة أعادتها إلى أرض الواقع حين قال:

_ تعالي... عايزِك.

اقتربت بخطوات سلحفائية، كأنها تجر خلفها آلاف الخيبات التي تثقل كاهلها، وزادت حدّة كلماته حين قال:

_ يلا... عشان نروح.

كاميليا بهدوء قوي:

_ بس أنا قلت لطنط صفية إني هبات مع البنات.

يوسف بجفاء:

_ لما تبقي متجوزة طنط صفية ابقي استأذني منها. اتفضلي قدّامي.

كانت على وشك أن تجادله، لكنها جمدت تحت نظراته القاتلة، فاكتفت بهزّ رأسها باستسلام وقالت للفتيات بنبرة مهتزة وقد سالت دموعها:

_ أنا هروح دلوقتي... وهبقى أكلمكوا لما أوصل.

ركبت السيارة، وانطلق يوسف بسرعة جنونية. ومع تزايد السرعة شعرت بالرعب:

_ هَدّي السرعة شوية.

فقال بحدة:

_ ممكن أعرف إيه اللي انتِ بتعمليه دا؟

نظرت إليه ببرود ينافي ضجيج قلبها:

_ أنا عايزة أشتغل.

وقع حديثها عليه كالمزحة الثقيلة، فقهقه ساخرًا:

_ تشتغلي!

كاميليا ببرود:

_ آه أشتغل. إيه الغريب؟

يوسف بسخرية:

_ غريب؟! أبدًا! وياترى بقى هتشتغلي فين؟ ولا هتعمليها مفاجأة؟

_ لا... ولا مفاجأة ولا حاجة. أنا عايزاك انت اللي تجيبلي الشغل.

أوقف السيارة أمام القصر، ونظر إليها بقسوة:

_ عايزاني أنا اللي أجيبلك الشغل؟! عارفة يا كاميليا انتِ أكتر حدّ غير مسئول قابلته في حياتي، وأكتر حد غير جدير بالثقة. انتِ أول حدّ حسّسني إني غبي في الحكم على الناس.

صدمت من حديثه لتهتف بنبرة مُرتجفة:

_ أنا يا يوسف؟!

لم يجب، بل نزل من السيارة متجهًا إلى الداخل. لتلحق به به وأمسكت ذراعه قائلة بانفعال:

_ يوسف... أنا بكلمك!

نفض يدها بقسوة:

_ كلامنا خلص. اعملي اللي يريحك. عايزة تشتغلي اتفضلي. عايزة تمشي وتسيبي البيت اتفضلي. واتأكدي عمري ما هدور عليكِ تاني.

دخل المكتب وصفق الباب بعنف. أما هي فكانت ترتجف، تتساقط دموعها كالمطر من فرط الألم الذي اجتاح قلبها في هذه اللحظة فصعدت الدرج ببطء لتجد نيفين تنظر بشماتة، وهي تقول:

_ يا حرام... والله صعبتي عليّا! هي بهدلتِك دي بالساهل؟!

تجاوزتها كاميليا ودخلت غرفتها لتلحق بها نيفين قائلة بنبرة مسمومة :

_ وأخيرًا... جه اليوم اللي أشوفك فيه مزلولة يا كاميليا! دا أسعد يوم في حياتي!

التفتت كاميليا باحتقار:

_ دا عشان أنتِ مريضة بتفرحي في وجع الناس. إنسانة معدومة القلب.

قهقهت نيفين قائلة بتهكم:

_ ما تقوليلي إيه كان إحساسك وهو بيقولك إنه زهق منك ومش هيدور عليك؟

كاميليا بقوة:

_ ولا حاجة. عارفة ليه؟ عشان كل دا من ورا قلبه. ومهما بعد... مسيره يرجعلي.

نيفين بمكر:

_ كان زمان... أنتِ متعرفيش الأخبار الجديدة ولا أية ؟

_ مش عايزة أعرف حاجة... خصوصًا منك. عشان أنا عارفة أن كل كلامك كذب

قهقهت نيفين بشماته ثم أخرجت هاتفها و قامت بفتح إحدى المحادثات ثم رفعت الهاتف لتضعه أمام كاميليا و قالت بتشفي

_ طب وايه رأيك في كدا ؟

_ اجهزي هنخرج كمان شويه ، و هنتعشي بره !

كانت كلماتٌ بسيطة، ولكن وقعها كان كوقع السوط على جلدٍ مُبتلٍّ بمياه الغدر الذي تلقّته على يدَيه في تلك اللحظة، عندما سمعت صوته الذي لطالما كان يبعث في قلبها الأمان، لكنه الآن قد سلبه منها بمنتهى القسوة، وألقى بها في قاع الجحيم بحياةٍ خاليةٍ تمامًا منه. فها هو قد وعد وبدأ بتنفيذ وعده دون النظر إليها أو حتى التفكير في إخبارها، وهذا يعني أنها منذ تلك اللحظة أصبحت خارج حياته؛ فهي وإن كانت تذوب فيه عشقًا، لن تقبل بهذا الوضع أبدًا.

لا تعرف كيف أتتها الجرأة والشجاعة والثبات لتردد تلك الكلمات على مسامع نيفين التي ذُهلت من ثباتها:

_ تمام. مبروك عليكِ يا نيفين، انتي اللي فوزتي، وأنا بعترف إني خسرت. بس خسرت واحد ما محافظش عليّا، وقُصاد خسارته كسبت نفسي، ودا بالنسبة لي أعظم انتصار. ماهو أنا مش زيّك، هجري ورا واحد بايعني. اتفضّلي اشبعي بيه.

صُدِمت نيفين من حديثها، ولكنها سرعان ما تجاوزت ذلك وقالت بحقد:

_ طب ابقَي خلي نفسك تنفعِك بقى، وإنتِ شايفاني مراته وجنبه، وإنتِ مش مسموح لك حتى تسلّمي عليه. ابقَي خليها تنفعك، وأنا بخليه يطردِك من البيت دا زي الكلبة ويرميكِ في الشارع... مكانك الطبيعي. تصدّقي؟ أنا متشوّقة قوي أشوفِك في الموقف دا. ياااه، دي الفرحة مش هتبقى سيعاني يومها، وأنا باذِلّك زي ما أمي ذلّت أمّك زمان.

_ اخرسي واطلعي برا، مش عايزة أشوف وشّك هنا تاني.

انهارت كاميليا لدى سماعها هذا الكم من الكلمات السامة التي خرجت من فم تلك الحيّة، فلم تملك سوى أن تطردها من غرفتها؛ فهي لم تعد قادرة على تحمّل حقدها وكرهها. وبالفعل أخرجتها من الغرفة، ثم سقطت على الأرض منهارةً في نوبة بكاءٍ حارّةٍ استغرقت قرابة الساعة حتى هدأت تدريجيًا. ثم، ببطء، اتكأت على الحائط خلفها تستند عليه حتى وصلت إلى المرحاض، ووقفت تحت المياه الباردة علّها تُطفئ نيران قلبها المشتعلة. فظلت على هذه الحالة مدة لا بأس بها، ثم خرجت وقامت بارتداء منامتها الحريرية، وكانت عبارة عن ثوب نوم قصير وضعت فوقه شالًا من الحرير، واتجهت إلى الشرفة تستنشق بعض الهواء البارد كبرودة قلبه الذي قتلها قبل أن يحييها.

أخذت تنظر إلى البعيد إلى أن وصل لمسامعها صوتُ قفلِ الباب يدور، وسرعان ما غزت أنفَها رائحتُه التي كانت كافية لجعل قلبها ينتفض عشقًا لذلك الذي كان يمرّ من أمام غرفتها المظلمة، وقد أمره عقلُه بتجاوزها والمضيّ قدمًا بخطته، ولكن قلبه لم يطاوعه أبدًا على تجاوزها، فقادته قدماه إلى حيث ترك قلبه وروحه معها، اعتقادًا منه بأنها نائمة، أو هكذا كان يتمنى حتى يستطيع احتواءها واستنشاق عبيرها الفاتن الذي أصبح مُحرّمًا عليه الآن بفرمانٍ من كبريائه الجريح. فقام بإدارة قفل الباب ليجد الغرفة تغوص في الظلام الحالك، فاقترب خطوتين فوجد سريرها خاليًا، فهبط قلبه في قدميه من فكرة أن تكون قد هربت مرة أخرى، ولكن عادت له أنفاسُه الهاربة عندما وجدها تقف عند باب الشرفة تستند عليه، ونسمات الهواء البارد تتلاعب بخصلات شعرها التي التفّ حول قلبه الذي كان يودّ لو يدخلها بين ذراعيه معاتبًا تارةً وعاشقًا تارةً أخرى.

كان مظهرها من الخلف لا يوحي بأنها قد شعرت به، ولكن كان هذا على النقيض تمامًا، فهي كانت تشعر بكل خطوة منه وكأنها ترسو فوق قلبها الخائن الذي، برغم كل شيء، انتفض بداخلها لدى سماعه صوته يناديها بهدوء قائلًا:

_ كاميليا.

لم تلتفت إليه خوفًا من أن تضعف أمام عشقه الذي أهلكها وقلبَها معًا، فظلت على حالها قائلةً بنبرة جامدة:

_ نعم.

وبنبرةٍ جافة تخفي خوفًا تسلّل إلى قلبه عليها قال:

_ واقفة عندك ليه؟ هتاخدي برد.

كاميليا بجمود:

_ الجو حلو.

كانت لهجتها الجامدة ومظهرها الساكن يبعثان القلق في قلبه، فودّ لو يديرها إليه صارخًا بها أن تكفّ عن تعذيبه هكذا، ولكنه آثر تأجيل الحديث لوقت آخر. ومع هذا، قلبه العاشق لها حتى النخاع قال باهتمام:

_ ماما وروفان عرفوا إنك جيتي وقاعدين تحت، انزلي اقعدي معاهم، متقعديش لوحدك.

كاميليا باختصار:

_ هشوف.

زادت حدّة الهواء من حولها فبعثرت خصلات شعرها أكثر، فانتشر رذاذُه في الهواء الذي حمل رائحتها الشهية إلى أنفه، فأيقظ نيران الشوق الخامدة داخل قلبه. حاول تجاهلها واقترب من السرير وحمل غطاءً خفيفًا ووضعه حول كتفيها، تاركًا يديه حولها لثوانٍ، مقربًا رأسه من خصلاتها قائلًا بصوت أجش:

_ ياريت تفكّري يا كاميليا في كل اللي وصلناله دا وتعرفي الغلط فين. وأنا هخرج دلوقتي، وبكرة إن شاء الله نتكلم.

لم تستطع التفوّه بحرف واحد، فلأول مرة لا تذيبها لمساته ولا يزلزلها اقترابه منها، وإنما قتلها إقراره بواقع كانت قبل لحظات تكذّبه وترفضه بقوة. فلم تتمكن من الحديث إلا بإيماءة بسيطة من رأسها جعلته يتراجع قسرًا. ثم توجه إلى باب الغرفة، وما إن وصل إليه حتى أوقفته كلماتها ونبرتها المهددة بالانفجار وهي تقول:

_ مشوارك مهم، مينفعش تتأخر عليه طبعًا.

التفت يوسف إليها قائلًا بشَكّ:

_ تقصدِي إيه؟

التفتت إليه ليُصعق من مظهرها الذي وقع عليه ضوء القمر، وارتجافة جسدها التي تشبه الانتفاض، تزامنًا مع دموعها التي انهمرت فوق وجهها بغزارة وهي تهرول تجاهه قائلة بهستيريا:

_ متروحلهاش يا يوسف! متعملش فيّ كدا! موتني قبل ما تسيبني وتروحلها!

التقطها يوسف قبل أن تقع وقال بصدمة وذهول:

_ «كاميليا! إنتِ بتقولي إيه؟ أروح لمين وأسيبِك؟»

كاميليا بصوت متقطع من البكاء:

_ نيفـــين! أ... أ... أنا عارفة إنك رايح لها... وعارفة كمان إنك وعدت جدو تتجوزها... هي جت وقالتلي إنك بتحبها... وإنك خلاص مبقتش عايزني... وإنّي هموت كل يوم وأنا شايفاها جنبك... قالتلي إنها هي اللي فازت بيك في الآخر... وإنك هتكون ليها...

مزقت نهنهاتُ الوجع جوفَها وهي تتابع:

_ بس... بس أنا مش هقدر أستحمل دا يحصل قدّامي... هموت قبلها... والله هموت.

احتواها بقوة إلى صدره الذي انشق نصفين لرؤيتها بهذا الحال وقال بلهفة ممزوجة بالألم:

_ إششش... اهدي...

قاطعته كاميليا بألم من بين شهقاتها:

_ متقوليش اهدي! عمري ما ههدى أبدًا وأنا عارفة إنك رايح لوحدة تانية غيري!

حاول تهدئتها، فقد كانت حالتها تسوء أكثر، فقال بصدق نابع من عشقه لها:

_ اهدي، والله مفيش الكلام دا... الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.

قاطعته بصراخ آلم حنجرتها:

_ متكذبش عليا! أنا سمعتك وإنت بتقول لأدهم إنك وعدت جِدّي تتجوزها، وإن يوسف الحسيني لما بيوعد بيوفي، بس وعدك دا هيكون نهايتي! عارف يعني إيه نهايتي؟!

اشتعل فتيل غضبه من كلامها الذي يثبت أنها لم تتعلم من كل ما مرت به، فقال بحدة:

_ «وطبعًا سمعتي الكلمتين دول مني وطلعتي تجري تعيّطي زي العيال الصغيرة، صح؟! مفكرتيش تقفي ثانية تسمعي باقي كلامي، ولا حتى فكرتي تدخليلي وتقوليلي ليه؟ بالرغم إنك ليكِ كل الحق! قررتي تهربي تاني من مواجهتي وتختاري تعذّبي نفسك، وتعذبيني معاكِ! متعلمتيش أبدًا من غلطك، وغلّطتي نفس الغلطة تاني وتالت!

صدمتها حدّة كلماته وقالت بعدم فهم:

_ تقصد إيه؟

يوسف بغضب ممزوج باليأس من تسرّعها:

_ «أقصد إنك غبية يا كاميليا... وهتفضلي طول عمرك غبية! عملت المستحيل عشان تثقي فيّا وتعرفي قد إيه أنا بعشقِك... وإنتِ مفيش فايدة! أسهل حاجة عندك الهروب!»

أوشكت على الحديث، فاستطرد بجفاء:

_ جربت كل الطرق عشان أثبتلك إني بحبك لكن بردو مفهمتيش. بس فاضل طريقة واحدة بس هي اللي ممكن تثبتلك أنا بعشقك قد إيه...

قال كلماته الأخيرة بيأس قاتل تسرب إلى قلبه. وعلى الرغم من أنها لم تفهم مقصده، إلا أنها رأت تبدّل نظراته إلى درجة أفزعتها فقالت بخوف:

_ إيه هي؟

يوسف بيأس وقد اختلط عشقه بغضبه ليشكلا بركانًا هائلًا، غذّته نيران شوقه الطاغية، فلم يعد يرى أمامه سوى جنة وجودها تلك الجنة التي أسرته قبل أن يأسرها بقوة ضارية. ولأول مرة في حياته لم يستطع السيطرة على نفسه؛ فقد امتزج الغضب والعشق، الشوق واليأس معًا، فشكّلوا شعورًا لا يستطيع رجل في العالم السيطرة عليه، حتى رجلٌ ببرودته التي تذوب أمامها... فصار يغترف من جنتها، يقتطف ثمار فتنتها، مطلقًا العنان لمشاعر كبتها لسنوات حتى صارت كفيضان يجرّ كل شيء في طريقه، ولا يستطيع شيء إيقافه. وحتى انتفاضتها القوية لم توقفه، فقد كادت تهلك تحت ضغيان عشقه لولا توقفه في اللحظة المناسبة، لاهثًا من فرط المشاعر التي أفقدته كل ذرة عقل، فنطق بأسف على حالها:

_ آسف... مقدرتش أسيطر على نفسي.

لكن ما لم يتوقعه هو أن يجد يدها تحتويه أكثر، تقرّب رأسه من رأسها الملقى فوق الوسادة، وهي تقول بألم ممزوج بالعشق:

_ أنا راضية أموت جنبك، ولا إني أشوف غيري مكاني.

يوسف بلهفة يملؤها الحب:

_ عمر ما هيكون حد غيرِك جنبي يا كاميليا.

كاميليا بألم:

_ بس إنت وعدت جدي.

يوسف بتخابث:

_ وعدته بإيه؟

كانت الكلمات ثقيلة على لسانها وهي تقول بوجع:

_ وعدته إنك تتجوز نيفين.

يوسف بصوت أجش من فرط الرغبة الممزوجة بالعشق:

_ لا... وعدته إني أتجوز بنت عمي.

قطّبت كاميليا جبينها قائلة بعدم فهم:

_ تقصد إيه؟

يوسف بعشق:

_ حبك سيف محطوط على رقبتي. لو فكرت في واحدة غيرك تبقى نهايتي.

كاميليا بحب:

_ يوسف

_ تقبلي تكوني مراتي قولًا و فعلًا يا كاميليا ؟

فتحت أبواب الجنة أمامها على مصراعيها... فهل يمكنها الرفض؟ فقالت بجرأة:

_ كإنك بتسألني... تقبّلي تدخلي الجنة يا كاميليا؟

ارتسمت ابتسامة نصر على قلبه قبل شفتيه فقال بعشق صادق لم يُخلق لغيرها:

_ والجنة بالنسبالي وجودك جنبي.

_ بحبك يا يوسف.

وكأن كلماتها فرمان أطلقته ليعطيه الضوء الأخضر لامتلاكها روحًا وجسدًا، فأشعلت الفتيل الذي حرّك النيران في قلبه، فصار يبثها من الحب والعشق أطنانًا، حتى شعرت وكأنها خُلقت لها جناحان تحلّق بهما في سماء العشق الممزوج بالحنان. فقد كان يرعى عُذرية مشاعرها في كل شيء يقوم به، وصارت شفتاه تهمسان على مسامعها بعبارات الغزل والهوى، وأكدتها أفعاله العابثة التي كانت تجعلها تضحك تارة وتتألم تارة أخرى، لكن حتى الألم معه كان له مذاق آخر راقها كثيرًا، فقد كان ممزوجًا بنكهة عشقه الذي تلاه صرخة قوية خرجت من جوفها فاختصته، فابتلع آلامها داخله، لتتحول بعدها إلى سيمفونية عاشقة يخالطها ألم لذيذ يعجز اللسان عن وصفه.

وهكذا مرّت ليلة من أجمل ليالي الحب التي لا يمكن نسيانها أبدًا؛ ليلة بدأت بألمٍ قاتل وانتهت بألم لذيذ حتى ساعات الصباح الأولى، فقد أُنهكت الأجساد من فرط العشق الذي كان يغلف قلوبهما التي لا تتعب أبدًا مهما مارسته طوال الحياة.

ولأن اللحظات الجميلة تنتهي سريعًا، فقد أتى الصباح على بطلتنا الجميلة التي قضت ليلة من النعيم ظنّت أنه سيدوم إلى الأبد، ولكن تأتي الرياح دائمًا بما لا تشتهي السفن. استيقظت بعد نوم طويل منهكة القوى، تشعر وكأن شاحنة مرّت فوق جسدها الذي يلتفّ بشرشف أبيض. بدأت تتململ بألم، ثم التفتت حولها فلم تجده بجانبها، فشعرت بالخوف، والذي سرعان ما انمحى عندما سمعت صوت الماء القادم من الحمام، فعلمت بوجوده هناك. كانت تتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعها من شدة الخجل عندما رأت مظهر الغرفة وثيابهما المبعثرة في كل مكان، ومرّ على ذاكرتها كل أحداث ليلتهم الهوجاء التي لم تكن تتخيلها في أحلامها، فاحمرّ وجهها حتى صار يناقض بياض الشرشف حولها.

زادت أنفاسُها حدة عندما سمعت باب الحمّام يُفتح، فسارعت بتمثيل النوم. شعرت بخطواته تقترب منها وتتوقف أمامها مباشرة، تلاها لمسة حانية من يديه اللتين فعلتا الأعاجيب بها ليلة البارحة، وهو يعيد خصلة من شعرها خلف أذنها، ثم اقتربت أنفاسه وهو يقول بمزاح:

_ جبانة.

نعم، فقد شعر باستيقاظها وبادعائها النوم، وتفهّم خجلها المحبّب إلى قلبه؛ فما حدث البارحة لم يكن قليلًا بعد كل العذاب الذي عاشه قبل أن ينال قربها ويُريها مدى عشقه الضاري لها. ولكن كل هذا صار من الماضي، فعليه الآن إنهاء مخططاته حتى ينعم بجنتها إلى الأبد.

ارتدى يوسف ثيابه التي جلبها صباحًا من غرفته ثم اقترب منها قائلًا بصوت مسموع ولهجة يكسوها المزاح:

_ مفقوسة قوي على فكرة الفراولة اللي في خدودك دي فضحاكِ.

زاد خجل كاميليا إلى الحد الذي جعلها تضع الغطاء فوق وجهها وهي تقول بصوت باكٍ من فرط الإحراج:

_ بطل بقى. والله هعيّط.

قهقه يوسف بسعادة على خجلها، وقرر ألا يحرجها أكثر، فتحرك من مكانه متوجهًا إلى باب الغرفة قائلًا بجدية:

_ مستنيكي تحت... متتأخريش عليا.

وما إن شعرت بخروجه حتى هبّت من نومها وهي تمسك يدًا بخدها واليد الأخرى على قلبها الذي يدق بجنون، قائلة بسعادة وبلا تصديق:

_ معقول؟! أنا بقيت مراته؟! لا. لا مش مصدقة نفسي.

أخذت تضحك ودموعها تتساقط لأول مرة من شدة الفرح، وصارت تقفز على السرير بسعادة بالغة حتى سقطت منهكة القوى، ولكن ذلك كان أكثر من محبب بالنسبة لها. فقامت من مكانها متلهفة لرؤيته، فقد اشتاقته كثيرًا، فتوجهت إلى المرحاض لتأخذ الحمام الخاص بها، الذي شهد البارحة على أصعب لحظات حياتها، والآن يشهد على أسعد لحظاتها على الإطلاق. فقد شعرت عندما كانت معه وكأنها في الجنة، ولكن لكل جنة شيطان، وكان هذا الشيطان متجسدًا في نيفين، التي ظلت طوال الليل تنتظره وتهاتفه دون جدوى، فقد أغلق الهاتف بوجهها، وظلت طوال الليل تأكلها الظنون. حتى أتى الصباح، قررت الذهاب إلى غرفته، فوجدتها كما هي، لم تُمس، كأنه لم يقضِ ليلته بها، لينهش القلق قلبها الذي انشطر إلى نصفين عندما رأته يخرج من غرفة غريمتها، وخصلات شعره تتساقط منها قطرات المياه، لتستوعب عقلها تلك الصدمة التي أفقدته كل ذرة تعقل لديها. فتوجهت إلى غرفة كاميليا ودخلت بدون أي استئذان، لتصعق من تلك الصدمة وهي ترى حال الغرفة وتلك الدماء على شرشف السرير، مما جعل شيطان الغيرة يتلبسها. فنظرت إلى تلك التي كانت تتغنج أمام المرآة تصفف خصلات شعرها بعدما ارتدت أجمل فساتينها، لتتفاجأ بتلك المجنونة تقتحم غرفتها بتلك الطريقة. فاقتربت منها بغضب قائلة:

_ إيه قلة الذوق دي؟ مش تخبطي؟ في حد يدخل على حد كدا؟!

كانت كاميليا تتحدث إلى تلك التي أصابها الحنون، فلم تكن تستمع إلى كلماتها، فقط شيء واحد ترتسم أمامها: صورتها مع يوسف، تلك الصورة التي جعلتها كالممسوسة. فاقتربت من كاميليا، تمسكها من خصلات شعرها، وهي تقول بهستيريا:

_ خدتيه مني يا حقيرة. والله ما هخليكِ تتهني بيه أبدًا. على جثتي تاخديه مني.

ثم قامت بجر كاميليا، التي كانت كالمذعورة بين يديها، تبكي ألم خصلاتها التي تمسكها تلك المجنونة، وتجرها خلفها بعنف حتى هبطت درجات السلم، وهي تقول بشر:

_ والله لهعرفهم حقيقتك القذرة.

كاميليا بألم:

_ سبيني يا مجنونة، إنتِ عايزة مني إيه؟

قامت نيفين بدفع كاميليا بقوة، فسقطت على الأرض تزامنًا مع صراخها المليء بالشر والقهر:

_ هسيبك بس قدام حبيب القلب اللي لازم يعرف حقيقتك.

تنبهت كاميليا لكلمات نيفين التي تابعت بشراسة:

_ إنك مش بنت عمو أحمد، إنتِ بنت حرام.

سقطت كاميليا بعنف على الأرض أمام أقدامها، التي تجمدت من فرط الذهول لما سمعته، خاصةً عندما قالت نيفين بشماتة وكره:

_ عمي أحمد مكنش بيخلف، واتجوز أمها عشان يستر عليها بعد ما كانت حامل فيها في الحرام!

يتبع....

الى اللقاء في الجزء الثاني

"عشق بين حنايا الروح " 🌹💗

يتبع....
الى اللقاء في الجزء الثاني
"عشق بين حنايا الروح " 🌹💗

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...