الفصل 36 | من 57 فصل

رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل السادس وثلاثون 36 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
15
كلمة
6,518
وقت القراءة
33 د
التقدم في الرواية 63%
حجم الخط: 18


الوجه الخامس والثلاثون للعشق 🌹

لم يكُن حُبًا مُستحيلًا، ولكنه أيضًا لم يكُن مُمكنًا. لم تُفَرِّقْنا الأقدار، بل اخترنا الفُراق بأنفسنا؛ اخترته أنت، ولم أقاومه أنا. احتملتُ من الألم والعذاب والحزن ما لم يتحمله أحد، وكنتُ كل ليلة أُخبر نفسي بأن مكانِي في قلبك لا يزال شاغرًا، إلى أن أتتني صدمةُ انتمائك لغيري!

في البداية لم أستوعبها، ورفضها قلبي إلى الحد الذي جاء بي جَرًّا إليك، لنضحك سويًا على تلك المزحة السخيفة؛ لأراك تُعلِنها بكامل إرادتك، دون أن تنظر إلى قلبي الذي تمزّق أشلاءً أمام سهام غدرك، والذي لا أعلم هل كُتِبَت له الحياة بعدك مرةً ثانية أم لا؟

وبرغم كلّ هذا، لم أندم على عشقك يومًا؛ لم يكُن عشقًا مُرًّا أو قاسيًا، لكنه كان عشقًا قتلني بقدر ما أحياني

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

يُعاتبونك على أصغر أخطائك، أمّا عن أخطائهم فلا عينٌ تُبصر ولا أذنٌ تسمع.

هكذا كان الحال في المشفى، تحديدًا أمام غرفة رحيم، مع تلك التي كانت كل خلية فيها ترتجف رعبًا وندمًا على ما حدث، وما بدر منها تجاه رجلٍ لم يضيع ولو فرصةً واحدة إلا وآذاها بها. وعلى الرغم من ذلك، فقد أخذ الندم يقرضها من الداخل لكونها تسببت في تدهور حالته إلى هذه الدرجة، فصارت عبراتها تتدحرج فوق خديها بصمت؛ فقد كانت خائفة، بل مذعورة من تلك النظرات المسمومة التي كانت تطالعها بها تلك الحية سميرة وابنتها، التي اقتربت منها قائلةً بكرهٍ شديد:

ـ وليكِ عين تعيطي بعد ما كنتِ عايزة تموتيه!

قالت نيفين كلماتها بصراخٍ هز أرجاء المشفى، لتندفع صفية بغضب وشفقة على تلك المسكينة التي ترتجف من شدة الخوف فقالت باستهجان:

ـ نيفين! إيه اللي انتِ بتقوليه دا؟

سميرة بحقد:

ـ بتقول اللي حصل يا صفية. كاميليا هي السبب في اللي حصل لعمي بسبب قلة أدبها وطولة لسانها دي.

زمجر أدهم غاضبًا:

ـ الكلام دا مالوش لزوم. اللي حصل حصل. المهم دلوقتي نطمن على جدي.

همست كاميليا بأسف:

ـ مكنش قصدي والله.

قاطعتها نيفين بعنف:

ـ أمال لو تقصدي كنتِ عملتي إيه؟ كنتِ موتيه بإيدك؟!

روفان بغضب:

ـ كاميليا مكنتش تقصد، دي كانت محموقة وبتدافع عن خالتها بعد ما جدي هانها قدامنا كلنا، وأي حد كان في مكانها كان هيقول نفس الكلام.

سميرة بمكر:

ـ خالتها! أممم.. طب كاميليا كانت محموقة على خالتها. انتِ بقى محموقة دلوقتي ليه؟ تكون خالتك أنتِ كمان وإحنا منعرفش!

نيفين بتخابُث:

ـ معلش يا ماما، أصل روفان بتحب كاميليا وخالة كاميليا وأي حد من ريحة كاميليا.

ارتبكت روفان لثوانٍ قبل أن تنطق صفية التي لمحت علامات استفهام في نظرات أدهم من حديث نيفين المليء بالمكر، فقالت صفية بحدة:

ـ لسانك جوا بقّك يا سميرة، أنتِ وبنتك! وعيب قوي الكلام اللي عمالين تقولوه دا. بدل ما تدعوا لعمي يقوم بالسلامة قاعدين تبهدلوا في الغلبانة دي!

نيفين بحقد:

ـ الغلبانة دي اللي كانت هتسبب في موته! واتسببت إنه لأول مرة إيده تتمد على يوسف. هي دي الغلبانة اللي بتدافعوا عنها؟

كاميليا بصراخ وقد تمكن منها الغضب واليأس والحزن معًا:

ـ والله ما كنت أقصد!

أمسكت نيفين بمعصمها بقوة قاصدة إيلامها وقالت بصراخ:

ـ كذابة! انتِ كنتِ عايزة تموتيه عشان ما بيحبكيش!

كاميليا بتلعثم سببه البكاء الهستيري الذي جعل جسدها يرتجف بشدة، وقالت من بين شهقاتها:

ـ والله... والله... أبدًا... أ... أنا عمري ما قصدت أأذيه... حتى لو هو ما بيحبنيش... أنا بحبه... دا جدي.

نيفين بصراخ وقد تمكن الحقد والشر منها:

ـ جَدك في عينِك! دور الطاهرة الشريفة دا تلعبيه على حد تاني. انتِ أحقر إنسانة شفتها في حياتي، ويوسف لما يخرج هو بنفسه اللي هيقولك كدا!

ارتجاف جسدها وبكاؤها وضعفها بهذا الشكل أشعلوا جنون يوسف الذي خرج لتوه ليستمع إلى ذلك الحديث وتلك الاتهامات، فأفقدته كل ذرة تعقل لديه، فتقدم بمنتهى الغضب، ونزع معصمها من يد نيفين وقال بغضبٍ جحيمي:

ـ لما تتكلمي مع مرات يوسف الحسيني تتكلمي معاها بأدب!

ثم ختم كلامه بصفعة قوية تحمل من الغضب والقهر والندم أقصى ما يمكن تحمله، فسقطت على خد نيفين حتى أنها من شدتها سقطت أرضًا وسط ذهول الجميع. فقد كانوا يتوقعون ثورته عليها وأن يلومها بسبب ما حدث لجده، ولكن رؤيتها بهذا الشكل وتلك الإهانات التي وُجِّهت لها غيّبت عقله، وانتفض قلبه ألمًا عليها، ضاربًا بعرض الحائط كل الوعود والالتزامات التي تطوق عنقه نحوهم جميعًا، ولم يعُد يرى في الحياة سواها. حتى تلك الملقاة أرضًا، والتي كانت تتوقع أن تسدد هدفًا في مرمى غريمتها، لم تتوقع حتى في أحلامها أن يعاقبها بهذا الشكل، فقد جحظت عيناها وتحجر الدمع فيهما وهي تطالع ذلك الذي تشتعل زرقاوتاه غضبًا وكرهًا، ممسكًا بيد كاميليا وهي ملقاة تحت أقدامهم.

استفاقوا جميعًا على صوت سميرة الغاضب، وكانت أول من استعاد وعيه بعد تلك الصدمة، فقالت بصراخٍ عنيف:

ـ انت اتجننت؟! بتمد إيدك على بنتي؟ وعشان مين؟ بنت زه....

لم تستطع أن تُنهي حديثها إثر تلك الصرخة الغاضبة التي خرجت منه فأرعدتها وأفقدتها النطق:

ـ اخرسي ! اسمها كاميليا يوسف الحسيني، واللي هيفكر مجرد تفكير يقلّ منها همحيه من على وش الأرض!

أنهى يوسف جملته ونظر إلى أدهم الذي كان يطالع سميرة ونيفين بشماتة، قائلًا بحدة:

ـ روحوهم كلهم عالبيت، مش عايز أشوف حد هنا.

وافقه أدهم الحديث ثم نظر إلى كاميليا قائلًا باستفهام:

ـ طب... وكاميليا؟

يوسف باختصار:

ـ عم عبده هيوصلها.

وبالفعل توجهوا جميعًا إلى الخارج. وكانت حالة نيفين لا تبشر بالخير؛ فقد كانت في حالة لا تُحسد عليها، تكاد تكون مغيبة عن الواقع جراء ما حدث. فقد رأت الجحيم في عينيه. فأي عشق هذا يحمله لتلك المرأة؟ بل السؤال الأهم: ماذا لدى تلك المرأة لتحظى بكل هذا العشق من رجل مثل يوسف؟

عند هذه النقطة ثار الغضب والكره والحقد بداخلها، لتقسم بصوتٍ يكاد يكون مسموعًا:

ـ وحياة كسرتي قدّام الكل دي... لتبقى بتاعي يا يوسف! ولَـهخليك تتحسر على حبيبة القلب!

ثم ركبت السيارة مع الآخرين، وانطلقوا في طريقهم، كل يحمل بداخله شعورًا مختلفًا، تاركين خلفهم هذا الثنائي الذي كُتِب على عشقهم العذاب الأبدي.

نظرت كاميليا إلى ذلك الذي يقف بجانبها وقد هاتف السائق ليأتي ويأخذها إلى القصر، وبعدها لم ينطق بحرف واحد. فحاولت استجماع شجاعتها واسترداد صوتها الضائع، قائلة بصوتٍ مبحوح من فرط البكاء:

ـ يوسف!

وإن قلنا بأن تلك النبرة الحزينة المبحوحة التي خرج بها صوتها قد أحزنته، فلن نكون منصفين؛ فهي قد قتلته. ألا يكفيه ذلك الغضب العظيم الذي يخفيه داخل قلبه حتى يأتي انهيارها بهذا الشكل ليجعل حياته جحيمًا؟ ماذا عليه أن يفعل مع عشقٍ قد امتلك كل ذرة فيه؟ هل يضحي من أجل وعدٍ أجبر على قطعه؟ هل يمكن أن يلقي بها وبنفسه إلى قاع الجحيم نتيجة التمسك بمبادئه؟

لم يجب على ندائها، فقد كانت تلك التساؤلات تنهش عقله وتدمي قلبه، ولم يخرجه منها سوى لمسة حانية من كفها المرتجف فوق كفه الخشن، وصوتها الذي زاد ارتجافه وهي تقول بضعف وألم:

ـ أنا آسفة.

نظر إليها بعينين يملؤهما الألم والندم، وود لو يخبرها بأنه هو من عليه الاعتذار آلاف المرات، ولن يكفيه ما تبقى من عمره أسفًا لها عما اقترفه من جرم بحق عشقهما. لكن الكلام لم يسعفه، فاكتفى بإيماءة من رأسه، ثم قال بجمود:

ـ يالا عشان تروحي.

قال جملته تلك عندما رأى السائق قد وصل، ليقوم بفتح باب السيارة لها، راسمًا الجمود والقوة على ملامحه. فقابلت جموده بسوط فعلتها التي كأنها جلدت قلبه من الداخل، عندما اقتربت منه واضعةً رأسها فوق صدره، تحتويه بقوة زلزلت كيانه؛ فقد كان آخر ما يتوقعه هو أن تفعل ذلك. اشتعلت براكين العشق داخله، لكن أصفاد الندم طوّقته، فظل على حاله دون أن يملك القدرة على الاستجابة لقلبه واحتجازها بين ذراعيه، وقد أتقن رسم البرود فوق ملامحه. وبروده هذا وصل إلى قلبها، فبادرت بالانسحاب، وتراجعت خطوة للخلف، ثم استدارت تجاه الباب تحمل بداخلها جميع خيبات العالم.

لكن يده التي عاندته  امتدت وأمسكت بمعصمها، قائلًا بلهفة ممزوجة بالألم:

ـ كاميليا...

بكل ما يعتمل بداخلها من وجع، التفتت إليه، مانحةً إياه نظرة ضائعة كانت كالسهم صوب منتصف قلبه، فجعله ينزف ألمًا وألجمت لسانه عن الحديث. نزعت يدها من يده بمنتهى الهدوء والألم، ثم صعدت إلى السيارة وقد تركت العنان لدموعها أن تنزل بصمت دون القدرة على إيقافها، غير مدركة شيئًا عن ذلك القلب الذي تركته خلفها يكاد يُقتَل بالألم والندم معًا...

************

فتح علي باب القصر ثم دخل، تتبعه والدته وأختاه، دون أن يتفوه أحد منهم بحرف؛ فقد كان الصمت والصدمة سَيِّدَي الموقف. ما حدث في المشفى لم يكن هيّنًا، بل قلب حياتهم رأسًا على عقب. هذا ما كانت تفكر فيه كارما، التي كانت أول من تكلّم قائلة:

ـ مش المفروض نتكلم يا ماما؟ ولا هتفضّلي ساكتة كده كتير؟

وافقتها غرام الرأي، والتي لم يختلف حالها كثيرًا عن أختها، فقالت بتأييد:

ـ أيوه يا ماما، إحنا لازم نعرف كل حاجة.

قاطعهنّ عليّ بقوة:

ـ ماما تعبانة، سيبوها ترتاح دلوقتي، وبُكرة تبقوا تعرفوا اللي انتوا عايزينه.

كارما باعتراض:

ـ بس يا علي...

قاطعها بغضب:

ـ مفيش "بس"، قولت بُكرة نتكلم!

تدخّلت الأم بصوت منهك:

ـ سيبها يا علي. من حقهم يعرفوا الحقيقة، ومن حقي أنا كمان أسمع منك اللي معرفوش.

طالعها عليّ بشفقة على حالتها، وقد تأكد أن والده كان محقًّا حين خاف عليها من هؤلاء البشر الذين كانت تنتمي إليهم، فوافقها الرأي. أسندها، وتوجّهوا جميعًا إلى الصالون، وأجلسها على الأريكة ثم جلس بجوارها صامتًا حتى شرعت هي بالحديث.

ـ أول ما بدأت شغلي في المستشفى مكنش ليا أصحاب، وكنت شخصية منطوية، ومكنش ليا اختلاط بحد... لحد ما قابلت أمل. كانت بنت هادية ورقيقة قوي، وكان دايمًا باين على ملامحها الحزن. هي كمان مكنش ليها اختلاط بحد، فبدأنا نتعرف على بعض واحدة واحدة، ووقتها حكت لي عن حياتها، وأنا حكيت لها عن حياتي. قالتلي إنها متجوزة بقالها سنة، وربنا ما أرادش تُخلّف. وشوية شوية بقت أمل بالنسبة لي زي زهرة... زي أختي.

صمتت لحظات تسترجع ملامح الراحلة، ثم تابعت بأسى:

ـ كانت طيبة وحنينة... وكانت دايمًا تحكيلي قد إيه بتحب جوزها، وإنه عِوَض ربنا ليها بعد التعب اللي شافته. وقالتلي إنه دكتور معانا في المستشفى، وإنها هتعرفني عليه.

أطلقت تنهيدة مختنقة قبل أن تُكمل بصوت مملوء بالشجن:

ـ وفي يوم قالتلي إن سالم نفسه عايز يشوفني ويتعرف عليّا من كتر كلامها عني، وإنه مستنّينا نتغدى سوا. ولما اليوم خلص، خرجت من باب المستشفى لقيتها واقفة... وهو معاها.

أغمضت عينيها، وانسابت دمعة شوق وهي تستعيد تلك اللحظة. تابعت بصوت متكسّر:

ـ وشُفته!... مقدرتش أنسى إحساسي وقتها... ولا إزاي قلبي دَقّ له؟

نظرت إلى علي بحنو:

ـ انت شبهه قوي يا علي... نسخة منه. أول مرة سلمت عليه، شعور غريب سيطر عليّا، ولقيت نفسي بتحجّج عشان أمشي ومروحش أتغدى معاهم. وخصوصًا إن أمل لحّت عليّا كتير... بس غصب عني كنت عايزة أهرب من الإحساس اللي حسّيته... اللي مهما كان اسمه فهو غلط، غلط في حقي وفي حق إنسانة كنت بعتبرها زي أختي.

سعلت قليلًا تكتم غصتها، ثم تابعت:

ـ حاولت أتجاوز عن اللي حصل، وبدأت أتجنب أي لقاء يجمعني بيه في المستشفى. وحتى بدأت أتهرب من أمل نفسها... لحد ما في يوم جتلي تجري، وفرحة الدنيا كلها فيها، وقالتلي إنها حامل.

انخفض صوتها وهي تقول من بين دموعها:

ـ فرحت لها والله... وفرحت من قلبي. ودست على أي شعور جوايا مكنش من حقي أصلًا. واتفقنا إنها تعمل لسالم مفاجأة بالخبر. لأنه كان مسافر عند والده في القاهرة عشان تعبان. بس للأسف سالم اضطر يسافر مؤتمر بعدها. ولما رجع كانت هي في المستشفى. خدت إجازة وروّحت جاري عشان تفرّحه. وبالليل لقيتها جاية عندي منهارة... بتقول إن سالم اتجنن لما عرف، وقال لها لازم تنزّل الولد.

تنفست بعمق لتكمل بصوت موجوع:

ـ يوميها بس حكتلي عن ظروف جوازهم... وإن أبوه مكنش موافق عليها، عشان كانت ممرضة عنده في القاهرة. وسالم لأنه عنيد جدًا... اتجوزها غصب عنه. وجابها إسكندرية عشان يعيشوا بعيد.

ـ زعلت منه جدًا. وفكرت إنه مش عايز أي حاجة تربطه بيها. وقلت لها تفضل عندي كام يوم. وفعلاً خدت لها إجازة. وتاني يوم لقيت سالم جاي... وعايز يتكلم معايا. وكانت صدمتي لما قالّي إن أمل عندها مرض خطير في القلب يمنعها من الحمل. وإنه مُصر إنها تنزل الطفل. وورّالي كل ورق حالتها... وطلب مني أقنعها. طبعًا كان مستحيل. وحتى لما عرفتها بخطورة حالتها، قالت إنها مستعدة تفدي ابنها بحياتها.

ساد الصمت ثوانٍ قبل أن تقول الأم بصوت منكسر:

ـ كانت حاسة إنك ولد يا علي. وفضلت طول فترة الحمل تحت الملاحظة. وفي آخر شهرين حالتها اتدهورت جدًا. ولما الدكاترة قرروا يولدوها... كان لسه في أول التاسع. للأسف... قلبها مستحملش. وتوفت.

ارتجف عليّ، وسالت دموعه مع دموع الفتاتين. وواصلت الأم:

ـ قبل ما تدخل العمليات... طلبت تكلّمني لوحدنا. وقالتلي إنها مش هتثق في حد غيري يربي ابنها. كانت بتحب اسم "علي"... وهي اللي اختارتهولك. وطلبت مني... أتجوز سالم.

رفعت نظرها، تغالب ألمها:

ـ رفضت. وقلت لها: مستحيل. سالم بيحبك، ومش هيبقى لحد تاني. ضحكت... وقالتلي إن سالم عمره ما حبّها... وإنها كانت مجرد وسيلة يعاند بيها أبوه. وقالتلي إن سالم مش هيكون مرتاح غير معايا. طمّنتها... وقلت لها هتخرجي بالسلامة. بس للأسف... ماتت قبل ما تشوفك، أو تشيلك في حضنها.

مسحت دموعها بيد مرتجفة:

ـ من يومها... سالم رفض ياخدك عند أهله في القاهرة. وأصرّ إنك تفضل معايا. وكان بييجي يشوفك دايمًا. وبعد فترة... لقيته عايز يتجوزني. وقال إن دي وصية أمل. وبعد رفض كبير عندنا في البيت... وافقوا. واتجوزته بعد ما اشترطت عليه إن الجواز دا عشانك انت بس. وإنه ما يعتبرنيش زوجة حقيقية. وهو... كرامته منعته يناقشني. وفعلاً اتجوزنا. وقعدنا سنة كاملة... مفيش بينا أي كلام إلا اللي يخصك.

أخذت نفسًا مكسورًا وأكملت:

ـ وفي يوم جاب دفتر. وقال لي: دي مذكرات أمل... فيها حاجة تخصك. ولما قريتها... اكتشفت إنها حاسّة من أول يوم شفنا بعض... إني أنا وسالم في بينّا مشاعر. وإنها كانت عارفة بمرضها حتى قبل الحمل. وكل اللي كانت عاوزاه... إنها تسعد سالم بطفل... حتى لو على حساب حياتها.

عمّ الصمت قبل أن تُنهي حديثها بصوت خافت:

ـ والله... كانت أغلى عندي من روحي. وعمري ما اتمنيت لها حاجة وحشة. وحبيتك يا علي أكتر من بناتي... عشان انت من ريحتها. ربنا يعلم.

نهض عليّ واحتضنها بقوة، وهو يبكي:

ـ عارف... ومش محتاجة تقولي. انتِ أمي... اللي معرفتش غيرها... واللي مش عايز غيرها.

انفجرت الأختان بالبكاء، والتفّوا حولهما. قالت كارما بتأثر:

ـ انتِ أعظم أم في الدنيا يا ماما... وإحنا كلنا مصدقينك.

وأضافت غرام من بين دموعها:

ـ مفيش حد زيك في الدنيا. وإحنا عمرنا ما هنصدق عليكِ كلمة وحشة. وانت يا علي... أحسن أخ في الدنيا. وإحنا بنحبك قوي.

لف علي ذراعيه حولهم جميعًا، وقال من بين دموعه:

ـ ربنا ما يحرمني منكم أبدًا.

*************

مر أسبوع على تلك الليلة المشؤومة بأحداثها الكثيرة دون أي أحداثٍ تُذكَر، فالجميع كان هادئًا على غير العادة يحاولون استيعاب تلك الأحداث الأخيرة، ولم يحدث شيء جديد؛ فحالة مراد كما هي دون أي تحسُّن، وبالمقابل تحسَّنت حالة رحيم إلى حد ما، ليسمح له بعددٍ محدود من الزيارات، فأخذ الجميع يتردَّد عليه للاطمئنان على صحته. ومع انتهاء آخر زيارةٍ له واستعداده للراحة قليلًا، وجد نقرًا على باب الغرفة تلاه ظهور آخر شخصٍ في العالم قد يتوقَّع حضوره.

تقدمت كاميليا بخطواتٍ سُلحفائية حتى وصلت إلى منتصف الغرفة وقالت بصوتٍ ضعيف:

_ الحمد لله على سلامتك.

ظل رحيم يطالعها بنظراتٍ غامضة غير مفسرة، ولم يُكلّف نفسه عناء الرد عليها، فأصابها الحرج، لكنها لم تتراجع عمّا نَوَتْه في تصليح خطئها، فرسمت ابتسامةً واهنة على شفتيها قائلةً بنبرةٍ أشبه بالتوسل:

ـ حضرتك عامل إيه دلوقتي؟ يا رب تكون بقيت أحسن.

رحيم بجمود: _ عايزة تقنعيني إن سلامتي تهمك؟!

عند هذه الكلمات انفجرت كاميليا في البكاء، وأتبعته بكلماتٍ صادقة: _ أنا آسفة... والله ما كنت أقصد يحصل لك كل دا بسببي.

اهتز رحيم داخليًا وقد لمس الصدق في حديثها، فقال لهجةً هادئة: _ تعالي اقعدي يا كاميليا... إحنا محتاجين نتكلم مع بعض شوية.

كلماته ألقت في داخلها قليلًا من الأمل في تحسُّن علاقتهما، فأسرعت بالجلوس على الكرسي بجانبه، فبادرها رحيم بالحديث:

ـ أنا عارف إنك مكنتيش تقصدي كل اللي حصل دا، وعارف إنك عمرك ما اتمنّتِ لي حاجة وحشة، وعشان كدا عايزِك تعرفي إن مشكلتي مش معاكي. إنتِ مالكيش ذنب في اللي حصل... وأعتقد إنك عارفة قصدي كويس قوي.

تغيّرت كل ملامح كاميليا من معاني كلماته المبطنة، ولم تستطع التفوّه بحرف، فواصل هو الحديث قائلًا:

_ أنا عارف إنك زعلتي واتحمّقتي على الناس اللي منك، ودا من حقِّك طبعًا، وأعتقد إن من حقي أنا كمان أخاف على الناس اللي مني!

قال الأخيرة بمكرٍ لم يصل إلى براءتها، فقالت باندفاع:

_ حقك والله... أنا عارفة. بس أنا عمري في حياتي ما هفكّر أأذي يوسف... دا هو أغلى إنسان عندي في الدنيا دي.

رحيم بمهادنة:

ـ عارف... بس عايز أتأكد!

كاميليا بلهفة:

_ أنا ممكن أعمل أي حاجة عشان تتأكد إني بحبه أكتر من أي حد في الدنيا.

رحيم بتخابث:

_ أي حاجة يا كاميليا؟!

كاميليا بأملٍ لنيل رضاه ولهفةٍ في إثبات صدق حبها:

_ أي حاجة... كل اللي تقول عليه هعمله.

رحيم بهدوء:

_ توافقي إنه يتجوز نيفين!

************

كانت روفان جالسةً في الحديقة تنظر إلى الفراغ حولها، تفكِّر في قصة حبها التي انتهت قبل أن تبدأ، وفي حلمها الذي قُتِل في مهده دون أن تكون لها القدرة على الدفاع عنه؛ كيف وكل شيء يقف ضدها؟ حتى هو... بالرغم من أن هناك جانبًا من قلبها يعطيه العذر فيما فعله، فإن جزءًا آخر يرفضه بشدة؛ ففعلته تلك تسببت في فراقهما للأبد وقطعت كل الطرق التي قد تجمعهما. وبالنهاية هي لن تستطيع لومه، فهو لم يقل شيئًا صريحًا يمكن أن تلزمه به، فكل شيء كان عبارة عن مشاعر بريئة وكلمات لطيفة متبادلة بينهما، أي أن الأمر لم يصل لمرحلة الارتباط. فلِمَ تحمِّله ذنب علاقة لم تبدأ بعد سوى في أحلامها؟! فهي من بَنَت الكثير من الآمال والأحلام وعاشت بها، والتي تحطمت في لمح البصر أمام عينيها...

دمعةٌ هاربة فرت من طرف عينيها تُحكي مقدار حزنها، فمسحتها بطرف إصبعها، وتناولت بيدها الأخرى الهاتف الذي أعلن عن وصول رسالة نصية؛ كانت كلماتها البسيطة كافية لجعلها تنتفض من مكانها:

_ عايز أشوفِك.

أخذت تنظر إلى الهاتف بعدم تصديق... فهل فعلاً راسلها أم أنها تتوهم؟ لم يُعطِها الوقت للتفكير، فرنَّ الهاتف بيدها مُعلِنًا عن اتصال كان قلبها يتمناه كثيرًا، لكنها كانت تتخبط بين حديث العقل الذي يخبرها بأن تتجاهله عقابًا له على ما فعله وتركه لها كل هذا الوقت، وحديث القلب الذي يرتجف شوقًا لسماع صوته ومحادثته، لعلها تجد عنده ما يريحها من هذا العذاب. ضاع أملها عند انقطاع الاتصال، فجلست في مكانها بيأس وحزن، ليتجدد أملها مرة أخرى عند تكرار الاتصال، فقررت الاستماع إلى صوت قلبها والرد. نظفت حلقها، ثم ردت بصوت حاولت أن يكون هادئًا:

_ ألو.

أتاها صوته من الهاتف هادئًا، يتناقض تمامًا مع ضوضاء قلبه الذي كان يدق بعنف جراء شوقه إليها:

_ كنت واثق إنك مش هتردي من أول مرة.

روفان بلهجة حاولت أن تكون باردة:

_ ليه؟

تنهد علي قائلًا بحزن:

_ على ما تحسمي الصراع اللي داير بين قلبِك وعقلِك.

روفان، وقد آلمتها كلماته وافتضاح أمرها أمامه، قالت بكبرياء:

_ لا أبدًا، مفيش أي صراع... كل حاجة محسومة. أنا بس ما شُفتش الفون.

علي بغضب:

_ يعني إيه كل حاجة محسومة؟

روفان بحزن حاولت قدر الإمكان ألّا يظهر في صوتها: _ قصدي... انت عارف كويس.

علي بنفاد صبر:

_ عايز أشوفِك؟

_ ليه؟

_ محتاجين نتكلم.

_ مفيش كلام بينا... الكلام انت خلصته خلاص، ولا نسيت؟

علي وقد وصل غضبه للذروة:

_ روفان... لآخر مرة بقولِّك: عايز أشوفك؟

ودَّ قلبها لو يجيبه قائلًا: "ارتجف شوقًا لرؤيتك"، ولكن ألجمه عقلها مطوقًا إياه بأصفادٍ من حديد، قاطعًا كل الأمل في غدٍ يكون برفقته، فقالت بلهجة قاطعة:

ـ وأنا لآخر مرة هقولك: مفيش بينا كلام يا سيادة الرائد.

ـ تمام... زي ما تحبي.

قال علي كلمته الأخيرة، ثم أغلق الخط بعدما تملك الغضب كل خلية منه، فقام بإلقاء الهاتف بكل قوته، فاصطدم بالحائط ليتفتت إلى أشلاء تُشبه تمامًا أشلاء قلبه الذي فتتته برودة كلماتها.

*************

أحيانًا تكون أعظم صفاتك هي سبب هلاكك...

منذ أن عادت كاميليا من تلك الزيارة المشؤومة وهي تلزم غرفتها. حتى عندما أتت الخادمة لتخبرها بموعد العشاء، أخبرتها بأنها ستنام، لكن الحقيقة أن النوم كان أمنية صعبة، بل مستحيلة في مثل حالتها تلك. فقد ظلت تتلوّى بنيران البعد مدة أسبوع، تحاول بكل الطرق الوصول إليه، ولكن دون جدوى؛ لا يرد على الهاتف، ونادرًا ما يكون في المنزل. حتى ذلك اليوم الذي استطاعت فيه التحدّث معه، فكان تجاهله لها كاملًا؛ أخبرها بانشغاله ثم تركها وغادر المنزل، ولم تره إلا في اليوم التالي وهو يغادر إلى الشركة. كانت تعتقد أن انشغاله حقيقي، ورفضت كل الخواطر التي تبادرت إلى ذهنها بأنه قد يتجاهلها أو ما زال غاضبًا منها. ولكن اليوم، بعد ذلك الحديث المسموم مع جدها، أصبحت على شفير الجنون. فهل يمكن أن يفعل ذلك؟ خاصةً عندما تذكرت تأكيد جدها على حديثه...

عودة لوقتٍ سابق

صدمة قوية اهتزّ لها جسدها، فهبت من مكانها تطالعه بنظرات مصدومة غير قادرة على تصديق ما سمعته أذناها، فقالت بدهشة:

_ لا... إنت أكيد بتهزر! مش معقول تكون بتطلب مني طلب زي دا؟!

رحيم بهدوء:

"إنتِ شايفة إن دي حاجة ينفع أهزر فيها؟"

كاميليا برجاء لم يلن له قلبه:

_ ياريت تكون بتهزر...

رحيم برزانة:

_ لا يا كاميليا، أنا بتكلم جد.

أشعل ذلك الهدوء نار غضبها، فقالت بصراخ:

_ تبقى مجنون لو فكّرت إني ممكن أسيبه لواحدة غيري!

رحيم بغضب:

_ اخرسي واحفظي أدبك! ومادام انتي كدا، فاعرفي إن دا هيحصل برضاكِ أو غصب عنك!

كاميليا باندهاش:

_ تقصد إيه؟

رحيم بتشفٍّ:

_ أقصد إن يوسف وعدني... وإنتِ عارفة لما يوسف بيوعد لازم ينفّذ.

عودة للوقت الحالي

أخذت تبكي كما لم تبكِ من قبل. ألهذا السبب كان يتجاهلها طوال هذا الأسبوع؟ ألهذا لم يتنازل حتى عن السؤال عنها؟ هل يمكن أن يتخلى قلبه عنها بهذه السهولة؟ هل يمكن أن يصبح زوجًا لغيرها؟

عند هذه النقطة هبّت من مكانها، وقلبها يسبق لسانها:

_ لا... لا! يوسف عمره ما هيتجوز غيري ولا هيحب غيري! أكيد في حاجة غلط... أنا لازم أتكلم معاه.

نظرت إلى الساعة فوجدتها قد تجاوزت منتصف الليل، لكن لفت انتباهها صوت سيارة قادمة. اندفعت إلى النافذة فوجدته قد وصل إلى الأسفل. دق قلبها لرؤيته وغلبها الشوق، فاندفعت نحو الباب لملاقاته، لكن مظهرها المبعثر في المرآة أوقفها. هرولت إلى خزانة ملابسها، واختارت أجمل ثيابها، ثم دخلت إلى الحمّام لتحظى بحمام مُنعش، وخرجت تجفف شعرها ثم تركته ينسدل بحرية خلفها كما يحب. أتقنت وضع مساحيق التجميل لتُخفي آثار حزنها، ثم نزلت إلى الأسفل في طريقها إليه.

لكنها وقفت فجأة عندما وجدت باب غرفة المكتب مفتوحًا قليلًا. وما إن همّت بفتحه حتى جمدتها كلماته في مكانها:

_ عمو مراد قبل ما يتضرب بالنار كلمني ووصاني لو جراله حاجة، أخلي بالي من نيفين وزين.

أدهم بذهول:

_ إنت بتقول إيه يا يوسف؟

يوسف بيأس:

_ اللي سمعته يا أدهم.

أدهم:

_ عشان كدا وعدت جدك إنك تتجوزها؟

زفر يوسف بحنق قائلًا بنبرة جافة:

_ مكنش قدامي حل غير كدا!

أدهم بشفقة على حال أخيه:

_ طب وهتعمل إيه في الموضوع دا؟

يوسف بغموض ونبرة قاطعة:

_ هنفذ وعدي. مش يوسف الحسيني اللي يوعد وما يوفّيش!

*************

دخل رائد إلى هذا القصر البغيض البارد الذي يكره مجرد الاقتراب منه، ولكن تلك المكالمة العاجلة التي أتته من عمه أجبرته على الذهاب إليه. وما إن دلف إلى هناك حتى باغته صوت إطلاق رصاص قادم من غرفة المكتب الخاصة بعمه، فتوجه فورًا إليها فوجد أحد الحرس قد تلقّى رصاصة في منتصف رأسه فخرّ صريعًا في الحال...

اهتزّ داخليًا عند رؤيته هوية هذا الحارس، لكنه رسم ملامح الجمود وارتدى قناع اللامبالاة، ثم زفر بملل وتقدّم إلى البار ليسكب كأسًا من النبيذ. اقترب من أحد الكراسي وجلس عليه بكسل، وارتشف عدة قطرات من كأسه قبل أن يقول بلا مبالاة:

_ ليه؟

ازدادت حدّة غضب راغب من لامبالاته، وقال بقسوة:

_ عشان خاين!

رفع رائد إحدى حاجبيه وقال بسخرية:

_ خاين! اممممم... أوعي تقولي قفشته مع سميرة في شقة المقطم؟

راغب بغضب حاول إخفاءه:

_ لا... كان بينقل أخباري اللي بتحصل جوه الشقة.

رائد بتفكير:

_ لا... تصدّق يستاهل. ها... قولي كنت عايزني في إيه؟

راغب وقد وصل غضبه للحد الذي لا يستطيع السيطرة عليه:

_ أنقذت حياة مراد الحسيني ليه؟

رائد بلا مبالاة:

_ جاتلي فرصة أنقذ حياة إنسان... أضيّعها؟!

ابتسم راغب بشرّ ثم قال باستنكار:

_ والإنسانية دي جتلك من إمتى؟!

رائد بتهكم:

_ جتلي على كِبَر.

راغب بغضب:

_ ولا حد سمّم أفكارك من ناحيتي ووهمك إن ولاد الحسيني ملهومش ذنب في اللي حصل زمان؟!

تنبهت كل حواس رائد لحديث عمه، والذي بالفعل قد سمعه من والدته، لكنه أتقن إخفاء الأمر قائلًا باستفهام:

_ حد زي مين؟

راغب بنفاد صبر:

_ زي ناهد هانم مثلاً! أوعى تكون مفكرني نايم على وداني. أنا عارف إنها لسه عايشة... ومن زمان كمان. وسايبها بمزاجي، لكن تيجي تبوّظلي كل خططي؟ يبقى لا... مش هسكت.

هبّ رائد من مكانه بطريقة أفزعت راغب الذي تراجع خطوتين إلى الخلف ما إن رأى نظرات رائد الشيطانية وحديثه المسموم.

_ هتعمل إيه؟ — قالها راغب بتلعثم.

رائد بسخرية:

_ هو في حقيقة أبشع من اللي قولتهالي؟!

راغب بشماتة:

_ طبعًا فيه!

استجمع أنفاسه قبل أن يُفجّر سمّه رغم حقده أمام رائد حين قال بجهامة:

_ الهانم أمك كانت بتخون أبوك مع عامر الحسيني.

لكمة قوية أطاحت بأنفه، سددها له رائد بكل عنف، فتساقطت الدماء بغزارة. ثم أمسكه من تلابيبه قائلًا بغضب جحيمي:

_ كلمة واحدة على أمي... وهقطعلك لسانك، فاهم؟

واصل راغب حديثه المسموم الذي يحمل شيئًا من الحقيقة في طياته:

_ أنا مقدّر حالتك دي، ومش هلومك على اللي عملته دلوقتي. بس أنا مبقولش كلام من فراغ... أنا عندي الدليل على كلامي.

************

كانت ناهد تتناول حبة دوائها من يد الممرضة عندما دخل رائد إلى الغرفة ومظهره يوحي بأنه قادم من الجحيم؛ فعيناه كانتا مشتعلة من شدة الغضب، وعروقه بارزة، وثيابه مبعثرة، ولكن كل هذا الهلاك لا شيء أمام ذلك الهلاك الداخلي الذي يشعر به.

صُدمت ناهد من مظهره المزري فقالت بلهفة:

_ رائد، مالك؟ إيه اللي عمل فيك كده؟

نظر رائد إلى الممرضة شزرًا قبل أن يزمجر بغضب:

_ برا!

هربت الممرضة إلى الخارج عند رؤية مظهره هذا، ثم توجه إلى والدته قائلًا بألم يغلفه الغضب:

_ انتِ كنتِ على علاقة بعامر الحسيني؟

صُدمت ناهد من حديثه وبهتت ملامحها، لتخرج الكلمات من فمها دون وعي:

_ بتقول إيه؟

رائد بعنف:

_ اللي سمعتيه! جاوبيني على سؤالي. انتِ كنتِ على علاقة بعامر الحسيني وإنتِ على ذمة أبويا؟

حاولت ناهد استيعاب صدمتها قبل أن تقول بألم:

_ قصدك كنت بخون أبوك مع صاحب عمره يا رائد! وضّح كلامك عشان أقدر أجاوبك.

رائد بألم:

_ أيا كانت طريقة السؤال، المهم إنك تجاوبيني.

ناهد بنبرة قاطعة:

_ لا.

أخرج رائد من جيبه عدة صور فوتوغرافية، وقام بوضعها أمام عينيها قائلًا بألم ولوعة:

_ كدابة! أمال إيه الصور دي؟

جحظت عينا ناهد عند رؤيتها لتلك الصور، وفرّت الدموع من عينيها وهي تنظر إليه ولم تستطع أن تتفوه بحرف واحد. فطالعها رائد بخيبة أمل كبيرة وقد تبدّل غضبه إلى حزن وضعف، وقال بلهجة حزينة مكسورة:

_ يا خسارة... كنت بكذّب نفسي لآخر لحظة، بس اللي شفته في عينيك كسرني!

قعدت سنين أعيط جنبك وأتمنى تفوقي عشان تاخديني في حضنك... والنهاردة خلّيتيني أقول ياريتك ما كنتِ فوقتي.

أنا عمري ما هسامحِك أبدًا!

ناهد برجاء وتوسّل:

_ أرجوك اسمعني... هفهمك.

لم يستمع رائد إلى توسلاتها، فما إن أنهى حديثه حتى خرج مهرولًا من الشقة، يودّ لو يهرب من هذا العالم الذي لم يرحم طفولته ولا شبابه، وسمّم حياته دون أن يقترف أي ذنب...

سقطت ناهد على الأرض منهارة في البكاء، وقد شعرت بأنها خسرت ابنها هذه المرة إلى الأبد. فظلّت تبكي سنين عمرها الضائعة وشبابها الذي دفنته بسبب أخطاء غيرها ومؤامرات حيكت خصيصًا لتدميرها...

أوقف نحيبها رنين جرس الباب، فهرولت إلى الخارج علّه يكون فلذة كبدها قد أشفق على حالها وعاد أدراجه، وما إن فتحت الباب حتى صُدمت من رؤية هذا الشخص، وقالت بذهول:

_ سالم!

يتبع.......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...