الوجه الحادي عشر للعشق 🌹
أحيانًا تأتي أيام يشعر فيها الإنسان بالضياع، لا يعرف إلى أين هو ذاهب أو من أين هو آتٍ. تكاد الوحدة تقتله ببطء وهو غير قادر على المقاومة، بل راضيًا تمامًا بما قُدِّر له. ولكن دائمًا ما يكون هناك شيء بأعماقه يتمنى لو كان له جدار صلب يتكئ عليه، شخص واحد يلجأ إليه، وجه واحد يُشعره بالأمان، يد قوية تنتشله من ذلك الحزن الذي يغتال روحه ويتغلغل إلى كل خلية بجسده.
✍️ نورهان العشري
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
آه يا سهونة يا ميّة من تحت تبن! لحقتِ علَّقتي الواد؟ طب والله لهوريكِ...
ردَّدت نيفين كلماتها المسمومة بينها وبين نفسها ما إن سمعت حديث روفان مع علي، الذي تجاهلها تمامًا، فشعرت بالغيرة الشديدة تنهش قلبها، ونوَت أن تهدم تلك العلاقة قبل أن تبدأ.
ماما... يا ماما! إنتِ فين؟
استمعت نيفين إلى صوت وشوشات قادمة من الحمام الخاص بوالدتها، فتحركت لتسمع أكثر، فاصطدمت بسميرة التي خرجت على عجل عندما سمعت صراخها.
إيه يا نيفين! في إيه بتزعقي كده ليه؟
قالتها سميرة بتوتر.
فألقت نيفين نظرة على هاتفها ورفعت أنظارها إليها بشك:
مالك يا ماما؟ متوترة كده ليه ولونك مخطوف؟ وبعدين هو إنتِ كنتي بتتكلمي في التليفون وإنتِ في الحمام ولا إيه؟
هاه! لا طبعًا، هو أنا هدخل أتكلم في الحمام ليه؟!
أمال واخدة الفون معاكي جوا ليه؟
سميرة بتلعثم:
لا... دا... أنا كنت فاتحة فيسبوك. وبعدين إنتِ جاية هنا تحاسبيني يا زفتة؟ انطقي! في إيه؟ جاية تزعقي ليه كده؟
تشتت انتباه نيفين عمّا تفعله والدتها وقالت بغيظ:
شفتي السهونة اللي اسمها روفان؟ سمعتها بتكلم علي، ابن خالت الزفتة كاميليا!
آه يا بنت الـ... لعبتها صح. بنت صفية دي ما بتضيعش وقت خالص، طالعة حرباية لأمها.
قالتها سميرة بغل.
لا وإيه؟ دي اتفقت معاه يتقابلوا كمان! هموت وأعرف جابت رقمه منين! دي ما خرجتش من يوم ما كان هنا...
زجرتها سميرة بعنف:
قولي لنفسك يا ست هانم! شايفة البنات اللي ما بيضيعوش وقتهم؟ مش خيبتك القوية!
نيفين بتذمر:
وأنا كنت هعمل إيه يعني؟ ما أنا بعمل كل اللي إنتِ بتقوليه لي.
وإنتِ فين عقلك؟ حِتّة بت مش باينة من الأرض علَّقته، وإنتِ حتى ما عرفتيش تطلعي منه بحاجة! عرفتلك مكانه وخليتك تقابليه، وسيادتك عملتِ إيه؟ رجعتي زي ما روحتي! حتى ما لَفِتيش نظره ولا انتباهه ليكي! ناقصك إيد ولا رجل عشان حد يعجب بيكي أو يفكر يحبك؟
كانت كلماتها كالرصاص، انطلقت لتخترق روحها، فها هي منذ أن وعَت على هذه الحياة وأمها تُنقِص من قدرها وتُفرغ بها شحنات خيباتها من والدها وإهماله المتعمد لها. وتذكرت لامبالاة علي عند صدفتها المزعومة معه.
عودة إلى وقت سابق
دخلت نيفين بهو الفندق الذي يمكث به علي، بعد أن أخبرتها والدتها بمكانه. فظلت تتلفت حولها باحثة بنظرها عنه، فوجدته يتناول فطوره. أخذت تنظر إلى وسامته المفرطة وهيبته الطاغية فرددت بداخلها:
"قمر! يخرب بيتك، ليها حق البت روفان تعجب بيك... بس مبقاش نيفين لو خلتها تتهنى بيك يوم واحد!"
سرعان ما حولت أنظارها عنه عندما رأته قد بدأ بلملمة أشيائه، فأخرجت هاتفها وتَصنَّعت النظر فيه وهي تتدلل بمشيتها في طريقها إليه. فارتطمت به، وقبل أن تقع كان علي قد منعها من السقوط، قائلًا:
إنتِ كويسة يا آنسة...؟ إنتِ؟
قالها علي ما إن رفعت أنظارها إليه.
حضرت الظابط؟
قالتها نيفين متصنعة الدهشة.
فاعتدل علي قائلًا بخشونة:
إنتِ كويسة؟ آسف، ماخدتش بالي...
لا ولا يهمك، أنا اللي آسفة، كنت مركزة في الفون وما بصيتش قدامي.
حصل خير... عن إذنك.
هكذا تحدث علي بجفاء وهو ينوي الذهاب، فأوقفته قائلة بلهفة:
إيه دا؟ رايح فين؟ إنت هتمشي؟ يعني أقصد... ممكن نفطر سوا لو ماكانش يضايقك؟
ابتسم علي وقال بسخرية، رافعًا إحدى حاجبيه:
هتقعدي تفطري عادي مع واحد كان بيهدد جدك من كام يوم في نص بيتكم؟ لا، وتحديدًا كان بيتوعد لابن عمك وحبيب القلب! إيه؟ مش خايفة مني؟
فاجأها هجومه الذي توارى خلف نبرته الهازئة، فتلعثمت قائلة:
هاااه... لا، لا! أنا عارفة إنك مش ممكن تعمل حاجة من دي. وكمان إنت عمرك ما هتقدر تأذي يوسف. إنت متعرفش هو ممكن يعمل فيك إيه. وأنا بصراحة كنت عايزة أحذرك.
قالت جملتها الأخيرة برقة، ناظرة لعينيه، فضيّق علي عينيه وقال بسخرية:
عايزة تحذريني؟ أممم... يعني جدك مش باعتك؟ ولا عايزة تغيظي حد إنك كنتِ قاعدة معايا؟
لا طبعًا! إيه اللي بتقوله دا؟ أغيظ مين وبتاع مين؟ أنا الحق عليّ إني كنت عايزة أحذرك؟
ابتسم علي بخفوت وقال بسخرية:
آل... وأنا اللي كنت فاهمك غلط... أخس عليّا والله!
اغتاظت نيفين من لهجته وشعرت بأنه يسخر منها، فقالت بغيظ حاولت أن تُداريه قدر الإمكان:
وسيادة الرائد بقى خايف على إحساس مين ومش عايزني أغيظه؟
سيادة الرائد ما بيخافش من حد، ولا بيفرق معاه زعل حد. بس ما بيحبش حوارات البنات دي، ولا يحب يدخل فيها. وتبقي عبيطة لو فكرتِ إنك ممكن تضحكي عليّا.
تفاجأت من حديثه ونظراته، وتملكها الحرج، لكنها حاولت التظاهر بأنها لا تفهم شيئًا:
أنا مش فاهمة... حوارات إيه وكلام فارغ إيه؟ إنت فاهمني غلط خالص.
علي بجفاء:
يمكن. عن إذنك.
أوشك على المغادرة، فأوقفته كلماتها حين قالت:
على فكرة أنا عارفة مين شوّه سمعتي عندك، وقالك الكلام الغلط دا عني.
زفر علي بنفاد صبر، فتقدمت لتقف أمامه وهي تقول برقة:
بس أنا مش كده يا سيادة الرائد. وعلى فكرة أنا زعلت من كلامك.
علي محاولًا الحفاظ على رباطة جأشه:
آنسة نيفين، هو إنتِ كنتِ جاية هنا ليه؟
للحظة لم تعرف كيف تجيبه، ولكنها استخدمت الحيلة لتخرج من هذا المأزق، فقالت بخفوت:
بتسأل ليه؟
عشان بما إنك جاية هنا، يبقى أكيد عندك ميعاد مع حد. فأنا بقول تتفضلي على ميعادك عشان ما تتأخريش. عن إذنك.
عودة للوقت الحالي
طب وأنا ذنبي إيه؟ ما أنا رُحت وعملت كل اللي إنتِ قولتيلي أعمله. هو اللي ما رضييش حتى يتكلم معايا، وما قالش غير كام كلمة ومشي وسابني.
عشان غبية! ما عرفتيش تبلفيه صح.
طب والحل؟
هكذا تحدثت بنفاد صبر، فأجابتها سميرة:
تنزلي بدموعك الحلوة دي على الست صفية هانم، وتقوليلها كل اللي سمعتيه دا. وتاخديها من إيديها وتوريها بنتها المحترمة بتقابل اللي عايز يقتل أخوها وبيهدد عيلتها كلها.
تصدقي فكرة!
قالتها نيفين بانبهار، ثم لمعت عيناها بخبث وأردفت:
وكده بقى أكسب طنط صفية في صفي، وأبين لها حسن نيتي، وإني الطيبة الغلبانة اللي ما رضيتش تروح تقول لجدها على اللي عملته بنت عمها ودارت عليها.
سميرة بسخرية:
ناصحة ياختي! يلا روحي قوليلها، خلينا نشوف آخرتها معاها. أما خليت رقبتها تحت جزمتي! بس أخلص من بنت زهرة الأول...
طب يا ماما، وهنعمل إيه في الزفتة دي اللي ما صدقنا غورناها من هنا ورجعتلنا تاني؟
سميرة بتفكير:
ماعتقدش يوسف هيرجعها هنا تاني.
أمال هيوديها فين يعني يا ماما؟
هكذا تحدثت نيفين بنفاد صبر، فزجرتها سميرة قائلة:
بطلي غباوة شوية! إنتِ تايهة عن يوسف؟ دا هيوريها النجوم في عز الضهر عشان فكرت تهرب منه وخلّت شكله زبالة قدامنا!
لم تقتنع بحديث والدتها، فأجابتها ساخرة:
يا سلام! أولًا يوسف بيحبها. ثانيًا ما هي ممكن تقوله إن إحنا السبب إنها هربت... صحيح يا ماما، هي كاميليا هربت ليه؟ إنتِ ما قولتليش قولتلها إيه خلاها تهرب؟
قهقهت سميرة بشر وقالت بثقة:
ما تشغليش بالك. إنتِ ركزي إزاي تشدي يوسف ليكي وتخليه يحبك. وما تقلقيش، لا هي هتقدر تقوله على سبب هروبها، ولا هو هيفكر فيها تاني أصلًا.
نيفين بتهكم:
هموت وأعرف جايبة الثقة دي منين! ماما، هو إنتِ تعرفي حاجة أنا ماعرفهاش؟
هكذا قالت نيفين جملتها الأخيرة بريبة، فأجابتها سميرة بملل:
كاميليا في المستشفى بعد ما يوسف... بقي الله أعلم إذا كان عذّبها ولا ضربها، وبسببه دخلت هناك. واحتمال كبير تدخل في غيبوبة، ومحدش عارف إذا كانت هتفوق منها ولا لأ.
نيفين بحقد:
يارب ما تفوق أبدًا! بس إنتِ عرفتي منين؟
مش شغلك. ويلا روحي عشان تقولي لليدي صفية على عمايل بنتها المحترمة، ولا هتسبيها تتهنّى بحضرة الظابط؟
ودي تيجي يا ست ماما؟! دا أنا هطربقها على دماغها!
قالتها بغيظ وهي تتذكر حديثها مع علي.
**********
- الله الله يا ست روفان... وإيه كمان؟
لم يكن ذلك الصوت سوى صوت صفية، التي كانت تنظر إلى ابنتها بنظرات يملؤها الغضب والخزي معًا، بينما كانت نيفين تقف بجانبها تنظر لها بشماتة.
تفاجأ كلٌّ من علي وروفان، لكنّ مفاجأة روفان كانت أكبر عندما رأت والدتها؛ فهبت واقفة وهي تهتف بصدمة ممتزجة بخوف:
ماما!
صفية بعتاب جاف:
أيوة ماما يا روفان هانم، اللي كبرتي وبقيتي تستغفليني.
تدخل علي بهدوء:
يا صفية هانم، حضرتك فاهمة غلط.
وجهت صفية أنظارها الغاضبة نحوه وقالت بجفاء:
لما دخلت بيتنا ووقفت قدام عمي وفي وسط أهله وهددته، بصراحة استفزتني جرأتك ووقاحتك. مش هنكر إني خفت على ابني زي أي أم، بالرغم من إن يوسف الحسيني محدش يقدر يقرب منه ولا حتى يفكر يأذيه. لكن في جانب جوايا احترمك، لما لقيتك واقف بتدافع عن بنت خالتك اللي إنت تقريبًا متعرفهاش غير من ست شهور بس، وقلت: "فاطمة ربت راجل." ... لكن بمجرد ما جيت وشفت ألاعيبك القذرة دي، كل ذرة احترام جوايا اتحولت لقرف واشمئزاز.
لم تحتمل روفان كلمات والدتها المشبعة بالاحتقار؛ فهو لا يستحق أن يُلقى عليه اللوم دون ذنب، فهذا خطؤها منذ البداية. فاندفعت لتخبرها بحقيقة ما حدث:
ماما أنا اللي...
لكن قاطعها علي بكلمته، ففغرت فاها من شدة الذهول:
أنا آسف لحضرتك... أنا اللي كلمت الآنسة روفان وأجبرتها تنزل تقابلني.
تحدث علي باندفاع بعد أن حاول كبح غضبه بشتى الطرق؛ فرجولته لا تسمح أن تُلام روفان أمامه. ثم استعاد بعض هدوئه وقال:
لو سمحتي، ممكن تتفضلي تقعدي وأنا هشرح لحضرتك.
وما إن همّت صفية بالاعتراض حتى تابع بمسايسة:
أنا عارف إني أخطأت، لكن صدقيني ليا مبرراتي اللي يمكن تخليكِ تغيّري رأيك فيا.
شعرت صفية بالحرج من ذوقه ودماثة أخلاقه، لكنها أبت أن تُظهر شيئًا، فجلست بصمت. تنحنح علي وبدأ حديثه:
والدتي من يوم ما عرفت إن كاميليا اتخطفت وهي في العناية المركزة جالها أزمة قلبية وحالتها كانت سيئة جدًا.
قاطعته صفية بشهقة فزع قائلة:
لا حول ولا قوة إلا بالله! طب هي عاملة إيه دلوقتي يا ابني؟ طمّني.
الحمد لله بقت أحسن شوية، بس نفسيتها سيئة بسبب اختفاء كاميليا. وأول ما فاقت وبدأت تتكلم، طلبت مني مسبش بنت خالتي وأحميها من عيلتها اللي كانت خايفة جدًا يأذوها. وأنا وعدتها بكده، فجيت القاهرة عشان أدور عليها.
أوشكت أن تقاطعه، فاستطرد قائلًا:
وقبل ما تقولي أي حاجة، أنا عارف إنكم متعرفوش عنها حاجة، بس حبيت أتأكد. وبرضه، عشان ظروف هروب كاميليا المُبهمة، حبيت أعرف مدى علاقتها بيوسف قبل ما آخد أي إجراء ضده. وده اللي كنت عايز أسأل الآنسة روفان عنه. وباعترف إن ده كان غلط، وحضرتك ليكي حق طبعًا تزعلي، بس أنا عندي أختين في نفس عمرها، وعُمري ما فكرت مجرد تفكير إني أأذيها.
أخجلتها كلماته، فقالت بهدوء:
أنا مقدّرة يا ابني أسبابك ودوافعك، وكمان تعب والدتك. بس صدقني، كاميليا طول عمرها زي روفان عندي بالضبط. وهروبها ده أثّر علينا كلنا، وأولنا يوسف. وإن جينا للحق، يا ابني، هي غلطت. إنت لو حطيت نفسك مكان يوسف، كنت هديت الدنيا.
علي بتفهّم:
كنت على الأقل سمعتها قبل ما أحكم عليها.
ما يمكن سمعها يا علي... إحنا منعرفش إيه اللي حصل بينهم.
علي بتعقّل:
المشكلة إن أي راجل في مكان يوسف، وبشخصيته دي، كبرياؤه هيتحكم فيه وممكن يأذيها غصب عنه. وأكبر دليل اختفاؤهم ده.
تدخلت روفان معارضة:
طب ما يمكن اختفاؤهم ده خير. مادام مسمعناش حاجة وحشة يبقى خير.
اندفعت نيفين، التي كانت تشتعل غيظًا بعدما فشلت خطتها في تدمير أي علاقة بين علي وروفان، فبثّت سمومها قائلة:
المفروض نستنى لما نسمع إنه قتلها يعني؟ إيه الذكاء بتاعك ده؟
تجاهلها علي للمرة التي لا تُعد، موجهًا أنظاره إلى روفان بابتسامة هادئة:
كلام الآنسة روفان صح. كون إننا مسمعناش حاجة وحشة، ده في حد ذاته كويس. بس لازم برضه أطمن على كاميليا.
تابعت نيفين بغيظ من تجاهله لها، فحاولت أن تسمّم عقل روفان قائلة بمكر:
مش شايف يا سيادة الرائد إن اهتمامك بكاميليا مُبالغ فيه أوي؟ خصوصًا إنك مشوفتهاش غير من ست شهور بس!
لكن علي التقط مقصدها سريعًا، فاغتاظ من دناءتها، وأجابها بمكر أخرسها:
تفتكري يا آنسة نيفين لو كنتِ مكان كاميليا، ويوسف مكاني... كان هيعرف إن أخته وبنت عمه اتخطفت ويسكت؟
طبعًا لا.
أجابته نافيه، والغيظ يأكلها من ذلك الماكر الذي واجهها بهدوء:
تمام. أهو ده بالظبط اللي أنا بعمله. وفكرة "قابلتها من ست شهور بس" دي ملهاش أي قيمة. بالنسبالي كاميليا من يوم ما دخلت بيتنا بقت أختي، زيها زي غرام وكارما. واللي مقبلوش عليهم، مش هقبلوه عليها. أتمنى تكون إجابتي كافية لأي كلام مالوش لازمة ممكن يدور في دماغك.
... آه، وعلى فكرة، كاميليا من أول يوم دخلت عندنا قالتلنا إنها مكتوب كتابها على ابن عمها يوسف.
أخرستها إجابته فلم تقدر سوى أن تُومئ برأسها، فقد شعرت وكأن دلواً من الماء البارد قد انسكب فوقها.
بينما نظرت له روفان بانبهار؛ فهو ألقى بكامل اللوم على نفسه، بل وجعلها ضحية، واستطاع أن يقنع والدتها بحديثه، ويجعلها تتعاطف معه، وأوقف نيفين عند حدها. أي فارس نبيل هذا قد أرسلته السماء لها؟ نعم... لها وفقط.
لكزتها والدتها التي لاحظت نظرات ابنتها المُحدقة به ببلاهة، وهمست بجانب أذنها:
اظبطي نفسك يا زفتة... متنحة للواد ليه كدا؟
الله يا ماما، مقصدش... أنا ببصله عادي يعني.
على ماما يا بت؟ لا تكوني فاكرة إنه كلّني بكلمتين وهَنسي عملتك السودة دي... حسابنا لما نروح.
آه صحيح يا ماما... إنتِ عرفتي منين إن أنا هنا؟
قالتها روفان بصوت عالٍ نسبياً.
---
عودة لوقت سابق
طنط صفية، حضرتك هنا! وأنا بدور عليكي.
نعم يا نيفين يا حبيبتي، عايزة حاجة؟... إيه مال عينك؟ إنتِ معَيّطة ولا إيه؟
مالت نيفين على أذنها وقالت:
عايزاكِ في موضوع ضروري.
طب تعالي نطلع أوضتي.
التفتت للخادمة وأردفت:
كمّلي يا عبير الأكل عشان ورايا حاجات مهمة.
ثم خرجت مع نيفين وصعدتا إلى غرفتها.
ها يا نيفو يا حبيبتي، مالك بقى؟
حصل حاجة مهمة يا طنط ولازم تعرفيها.
خير يا حبيبتي، حاجة إيه دي؟
تصنعت نيفين الحزن وقالت:
حضرتك فاكرة الظابط اللي كان هنا من كام يوم؟ قريب كاميليا... اللي جه وهدد جدي بقتل يوسف؟
ضغطت نيفين على كلمتها الأخيرة بشدة.
بعد الشر... طبعاً فاكره. ماله الزفت دا؟
تعملي إيه لو في حد من البيت بيقابله وعلى علاقة بيه؟
انتفضت صفية وقالت بغضب:
إنتِ اتجننتي يا نيفين؟ إيه الكلام اللي بتقوليه دا؟ ومين اللي يتجرأ يعمل حاجة زي دي؟
روفان...
نيفين! حاسبي على كلامك. إنتِ عارفة بتقولي إيه وبتتكلمي على مين؟
والله يا طنط ما بكذب عليكي. أنا سمعتها وهي بتكلمه وبتتفق معاه يتقابلوا...
ثم نظرت إلى ساعتها وأردفت:
زمانها دلوقتي خرجت عشان تقابله، ولو مش مصدقة تعالي شوفي بعينيكي.
قوليلي العنوان فين وأنا هروح.
قالتها صفية بعدما تذكرت أن روفان قد استأذنت منها للخروج لمقابلة أصدقائها.
أنا ممكن أجي أودي حضرتك عشان السواق مش برّه.
تمام، اجهزي عشان نخرج... نيفين، حد غيرك يعرف الموضوع دا؟
والله أبدًا يا طنط، محدش خالص يعرف.
نظرت لها صفية بشك، لكن كان عليها اللحاق بتلك الغبية روفان.
---
عودة للوقت الحالي
عرفت وخلاص و...
قاطعها رنين هاتفها فتفاجأت برقم رائد، لكنها أجابت:
آلو؟
برقت عينا صفية وهبّت واقفة من مكانها، ونظرت لعلي بتوتر فهمه على الفور، ثم قالت متلعثمة:
معايا مكالمة مهمة، هخلصها وهرجع.
ثم ولّت هاربة من نظرات علي الثاقبة.
✦✦✦
كان مازن في حالة يُرثى لها؛ من ناحيةٍ سعادته مع كارما التي فقدها قبل أن يروي ظمأ روحه من شهدها، ومن ناحيةٍ أخرى ظهور سيدرا التي ظن أنه تخلص من وجودها في حياته نهائيًا، وأسقط ذلك الحِمل عن عاتقه للأبد. فأحيانًا تصبح مبادئك كحبل ملفوف حول عنقك؛ لا قادر على أن تتجرد منها، ولا قادر على الالتزام بها.
ظل يجوب الطرقات باحثًا عن حل لمعاناته، وأخذ ينظر إلى وجوه الناس حوله لعلّه يجد إجابة لتساؤلاته:
لِمَ الحياة قاسية دومًا مع أولئك الذين لم يعتادوا يومًا على التخلي؟ لِمَ دائمًا تحمل قلوبنا ما لا نطيقه وتضعنا في طرق مظلمة لا نعرف لها نهاية؟ لِمَ لا يكون درب السعادة من ضمن خياراتنا؟
أحيانًا أشعر بأني ناقم بشدة على كل تلك العقبات التي تضعها الحياة في طريقي، وعلى كل تلك الأزمات التي تجبرني على مواجهتها وحدي... فها هي للمرة الثانية تجبرني على الوقوف عاجزًا أمام قلبي الذي يرتعب من فكرة الوداع، الذي حتمًا سيكون أبديًا هذه المرة.
أخذ يتذكر بعضًا من معاناته...
مازن... مازن! مين دي؟
لحقت به سيدرا، وقد اغتاظت كثيرًا عندما رأته يندفع خلف تلك الفتاة. لكن صعقها ما رأته من صفْعها له، فعلمت أنها أطالت غيابها كثيرًا، وعزمت على استعادة ما ظنته ملكًا لها.
إنتِ إيه اللي رجّعك تاني؟
قالها مازن بحنق مما فعلته كارما.
تفاجأت من هجومه المباغت فقالت بخفوت:
كنت فاكرةك هتفرح برجوعي.
مازن بجفاء:
هه... الحاجة الوحيدة اللي تخصك وفرّحتني فعلًا، كانت وأنا بوصلك المطار وإنتِ مسافرة. وفرحتي كانت عشان خلصت منك.
وكأنه غرس سكينًا مسمومًا في قلبها المتيم بعشقه.
يااه يا مازن، أنا كنت بصبّر نفسي وأنا مسافرة وأقول: أكيد وحشته.
لم يكن أمامه مفرّ من عرض الحقيقة أمام عينيها بتلك الطريقة حتى تتوقف عن تلك الترهات التي تتفوه بها.
إنتِ عمرك ما وحشتيني يا سيدرا، وإنتِ عارفة كده كويس.
واصلت دربها في استعادة علاقة لم يكن لها أساس من البداية سوى في مخيلتها.
بس أنا كنت بوحشك زمان.
مازن بجفاء:
زمان، أيام ما كنتِ أختي... أخت محمود صاحبي الله يرحمه. كنتِ الطفلة الصغيرة اللي بتجري تتشعبط في رقبتي أول ما أروح أزور أخوها الكبير. لكن اللي اتحولتِ ليه بعد كده... دي واحدة مش عايز أفتكرها.
عاندته بقهر:
قصدك إني بقيت واحدة بتحبك ومستعدة تعمل أي حاجة عشان تفضل معاها.
مازن بتقريع:
والسرمحة مع الزبالة اللي كنتِ تعرفيهم؟ برضه كنتِ بتعملي كده عشان أفضل معاكِ؟
أخجلها ذنبها، ولكن دوافعها بدت عظيمة، فقالت بخفوت:
أنا كنت عايزاك تغيّر عليا، ماكنتش أعرف إن ده كله هيحصل... صدقني.
وبّخها بغضب:
أنا حذرتك مرة واتنين وعشرة من غضبي ومن تهورك، بس إنتِ ما سمعتيش وكملتي في غبائك.
صاحت بانفعال:
تمام! أنا غبية ومتهورة، بس عايزة أشوف غضبك هيبقى إزاي عالحلوة اللي ضربتك بالقلم على وشك قدام الناس كلها ومشيت!
قالت كلمتها الأخيرة بتشفي، فصاح من بين أسنانه:
سيدرا! ما تختبريش صبري عليكِ... وملكِيش دعوة بكارما خالص، فاهمة؟
واصلت في غبائها، ظنًا منها أنها تدافع عن ما لم تملكه يومًا:
هي اللي ملهاش دعوة باللي يخصني!
قهقه مازن بغضب وقال بدهشة:
أكيد ما تقصدنيش أنا... صح؟!
سيدرا بوقاحة:
لا، أقصدك يا مازن... إنت تخصني أنا! إنت مدين لمحمود أخويا بحياتك اللي كان زمانه عايش دلوقتي لو ماكنش فداك بروحه. وانت عليك دين لازم توفيه... ده غير الأمانة اللي أمنّك عليها قبل ما يموت: إنك تحافظ عليا أنا وأمي. يعني إنت مجبر تكون معايا أنا...
---
حقًا، لا أعرف متى ستنتهي معاناتي مع الحياة؟ فتارةً تجمعني بأناس ينطفئ قلبي بوجودهم ولا أتحمل العيش معهم، وتارةً تمنع عني أناسًا لا تحلو الحياة إلا برفقتهم، ولا يضيء قلبي إلا في حضرتهم...
فهل يمكن أن أتصالح معها يومًا وأحتضن جزءًا كانت قد بترته مني فتكتمل به روحي، وأروي به ظمأ قلبي؟
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أخذ يوسف يتطلع إلى تلك الجميلة النائمة بسلام، لكن تحمل على ملامح وجهها جميع خيبات العالم. كان قلبه يؤلمه بشدة لألمها الذي تحاول أن تخفيه عنه، ولكن هيهات لقلب يعشق لذلك الحد ألا يشعر بألم نصفه الآخر الذي كان يحميه ويرعاه ويخشى عليه من نسمة الهواء...
أخذ يرسم بأنامله ملامحها الفاتنة التي يعشق كل إنش فيها، محاولًا أن يملأ قلبه من قربها الذي سيشتاقه كثيرًا.
فما المانع من تنفيذ أمنية صغيرة لبريء حُكم عليه بالإعدام؟
هكذا أخذ يقنع عقله الذي كان ينهره بشدة ويطالبه بتركها والثأر لما فعلته به، وخاصةً تلك الكلمات التي كانت تنخر في عظامه من فرط قسوتها. لكنه تجاهل كل هذا واقترب يسكب عشقه بين عينيها قائلًا بصوت أجش من فرط الوجع يكاد يكون مسموعًا:
"خليكِ فاكرة إني بحبك مهما حصل مني... أوعي تنسي كده أبدًا."
أخيرًا استطاع أن ينتشل نفسه من جنة حبها المليئة بالأشواك التي كان دائمًا يتجاهل ألمها. فقد كان يكفيه قربه منها، والنظر إلى بحر العسل الذائب في عينيها الذي كان كالمخدر له... ينسيه كل آلامه، ولا يتذكر سوى وجودها معه.
بدأت كاميليا تستعيد وعيها تدريجيًا، على الرغم من رفضها الكبير للعودة إلى تلك الحياة البائسة التي كُتبت عليها، إلا أنها دائمًا ما تجد نفسها تُرغم كالعادة وتستفيق من تلك الغيبوبة التي أصبحت مؤخرًا تلجأ إليها كثيرًا...
أخذت تسترق النظر لذلك المارد الذي يقف أمام النافذة بكل هيبة ووقار، ينظر إلى البعيد ولا يدري شيئًا عن قلبها الذي ينتفض حبًا له...
كانت قديمًا حين تراه تركض إليه، لترتمي في بيتها وملاذها. لكن الآن مجبرة على النظر إليه من بعيد، غير قادرة على إطلاق العنان لجناحيها اللذين حتمًا سيأخذانها إليه.
أغمضت عينيها بشدة تمنع نزول دموعها، مرددة في نفسها أن هذا كان اختيارها، ولم يعد للتراجع مجال...
أخرجها من شرودها صوته العميق، بتلك البحة الرجولية التي تجعل قلبها يدق بعنف:
عاملة إيه دلوقتي؟
قالها يوسف ما إن انتهت من تحديقها به، وشعر بها تغمض عينيها وتضم شفتيها كالعادة حتى تمنع نفسها من الحديث معه، فقرر أن يزيل ذلك التوتر اللعين الذي يحيط بهما.
كويسة الحمد لله.
قالتها كاميليا بخفوت وهمّت بالاعتدال، فكانت تشعر بالخجل من استلقائها أمامه هكذا. وما إن رفعت رأسها قليلًا، حتى شعرت بالدوار يهاجمها من جديد...
اقترب منها حتى يساعدها، فقلبه العاشق لا يتحمل ألمها ولو بسبب دوار بسيط. ساعدها بيد، وبالأخرى قرّب الوسادة ليضعها خلف ظهرها. ويا ليته لم يفعل، فقد كان قربهما بهذا الشكل القاتل لثوانٍ معدودة مدمرًا لقلبيهما. كان كل منهما يحارب جيشًا من المشاعر التي اجتاحته كالطوفان...
ظهر ذلك جليًا في يدها التي احتمت به من الخلف بشدة، ويده الممسكة بالوسادة تعتصرها حتى لا تخونه وتقربها...
كان كلاهما يتعذب ويتوسل للآخر أن يأخذ زمام المبادرة، ولكن هيهات أن يتحرك أحدهما، فما إن يصبح الكبرياء الضلع الثالث للعلاقة فالهلاك حتمًا في انتظارها...
تحمحم يوسف وقام بإسنادها على الوسادة وسأل بهدوء:
مرتاحة كده؟
أ.. آه ميرسي يا يو......
صمتت لثوانٍ لا تعرف ماذا تقول، هل تنادي حبيبها بلقبه المُحبب أم تتعامل معه كالجميع؟ فغافلتها الكلمات وقالت باندفاع:
هو أنا دلوقتي مفروض أقولك يا يوسف ولا يا بيه؟
تحدثت كاميليا برقة ممزوجة بالبراءة، فحاول يوسف بصعوبة منع الابتسامة من الوصول إلى شفتيه. فتلك المرأة تقوده للجنون، هل هذا حقًا ما يشغلها الآن؟! وهل عليها أن تكون بمثل هذا الجمال والرقة وهي في أكثر أوقاتها ألمًا؟
جاهد نفسه كثيرًا ألا يختطفها إلى أبعد مكان يمكن أن يصلا إليه ويعاقبها بطريقته الخاصة إلى أن تهدأ براكين الشوق داخله، ولكن مهلاً... فلكل وقت أذان.
أجاب بهدوء مناقض تمامًا لذلك الصخب الذي يدور بداخله:
إنتِ شايفة المفروض تقوليلي إيه؟
يعني مش عارفة.. الأول كنت بقولك يا بيه، وبعدين إنت يعني... قولتلي أقولك يا يوسف بيني وبينك، وبعد... يعني ما بقيت... ما بقيت...
لم تستطع أن تنطقها خوفًا من أن تذوب بحلاوة طعمها وتنسى مرارة ما تخبئه بجوفها، فصمتت وأخفضت نظرها. إلى أن اقترب منها ليرفع رأسها لتناظره وقال بعدما أصبح على مقربة منها:
بعد ما بقيت جوزك بقيتي تقوليلي إيه؟
أكمل هو جملتها ليتذوق جمال كونها تنتمي إليه، لكنها فاجأته بقنبلة سقطت على قلبه فحوّلته لأشلاء وقالت بحزن لم يلحظه لفرط الألم الذي عصف بكيانه:
ما إحنا خلاص هنطلق...
صفعة! تلك المرأة حتمًا تحتاج إلى صفعة قاسية حتى تعود لرشدها، وهو لن يتوانى عن فعل هذا، ولن ينصاع مجددًا لأي توسلات لعينه من قلبه الغبي الذي يمنعه عنها كل مرة. ولكن يكفي. ابتعد عنها وتحمحم قائلًا بجفاء:
عندك حق.
خلاص يبقى أقولك يا بيه يوسف.
قالتها بحزن، فصاح بقسوة:
قولي أي زفت على دماغك يا كاميليا مش فارق معايا...
أو أقولك، ما تناديش عليا خالص يكون أحسن!
قال جملته الأخيرة بحنق لم يستطع السيطرة عليه، وهمّ بالمغادرة حتى لا يفعل شيئًا قد يندم عليه معها، خاصة وهو الآن في أقصى درجات غضبه. وعندما وصل إلى باب الغرفة التفت لها قائلًا:
إنتِ هتقعدي هنا كام يوم لحد ما نطمن على حالتك ونشوف الإغماء اللي بيجيلك ده سببه إيه. أنا هروح أجيبلك هدومك والحاجات اللي هتحتاجيها ومش هتأخر.
طب وإنت هتعرف منين أنا محتاجة إيه؟
قالتها حتى تستوقفه ما إن رأته على وشك الرحيل.
بقالي خمستاشر سنة عارف كل احتياجاتك وبجيبلك كل حاجتك. هاجي دلوقتي ومش هعرف؟
عاتبتها عيناه بقسوة توازي قسوة لهجته حين قال:
إيه الست شهور اللي عدّوا وإنتِ بعيدة غيروكي أوي كده؟
أنا ما قصدتش، أنا بس...
أخفضت رأسها من فرط الحزن والخجل معًا، فقد أوشكت دموعها أن تهطل. غضب بشدة من نفسه لأحزانها بهذا الشكل وهو يعلم أنها متعبة، فقال محاولًا تلطيف حدّة كلماته:
هبعتلك ممرضة تشوف لو محتاجة حاجة خاصة.
صمت لثوانٍ قبل أن يضيف:
هجبلك الشنطة اللي كنتِ هرب... أقصد مسافرة بيها. أظن إنها فيها كل حاجة إنتِ محتاجاها.
الحزن في نبرته وعينيه كاد أن يقتلها، ولكنها فضّلت الصمت قبل أن تقول باختصار:
فعلًا.. فيها كل حاجة أنا محتاجاها.
أولاها ظهره وهرول مسرعًا، هاربًا من ضعفه أمامها الذي كان على وشك أن يجبره أن يضرب بكبريائه عرض الحائط ويبثها ذلك الشوق الكبير الذي يكنّه لها ولم يعد يستطيع قلبه أن يتحمله. ولكن ماذا هو بفاعل؟ فالوداع كان خيارها، وبرغم ذلك يوجد في عينيها توسل يقتله وخوف كبير...
يرى فيهما العذاب الذي تخفيه بداخلها، فهو لن يخطئ أبدًا في فهم عينيها...
أي عذاب هذا الذي قذفته بداخله؟! فماذا عساه أن يفعل معها؟! لقد سألها مرارًا وتكرارًا وحاول أن يطمئنها، ولكن لا جدوى، فإصرارها على الفراق يقتله ولا يترك له أي مجال...
أخيرًا حسم أمره واتخذ قراره بأن ينفذ ما انتوى عليه، فإن كانت قد اختارت فلتتحمل عواقب اختيارها...
"إن أجبرتني الحياة على إفلات يدي منك، فقلبي لم ولن يفعلها أبدًا، فكلما ابتعدتِ خطوة أعادني إليكِ عشرة. أتمنى أن يظل قلبك على العهد الذي أخذناه يومًا بألا تُفلت قلوبنا بعضها البعض، فربما تُشفق علينا الحياة ذات يوم وتتشابك أيدينا مُجدّدًا..."
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كان أدهم يراقب ملاكه الحزين الذي يرقد بسلام، وذلك المُقوِّي المغروز بيديها يشعر به مغروزًا في قلبه الذي ينفطر من كثرة الندم على ما تسبب لها به. يلعن نفسه ويلعن تلك المرأة التي جعلت منه ذلك الشيطان المطرود لتوّه من الجنة... جنته!
أخذ يتذكر كيف أجبره قلبه على مراقبتها حتى يطمئن لكونها عادت سالمة إلى بيتها، وهو يعرف حق المعرفة بأنها لن تكون سالمة أبدًا بعد ما فعله بها...
وعندما وجدها لم تركب السيارة التي من المفترض أن تقلّها إلى منزلها، ورآها تتوجه ناحية البحر حتى شعر بالدماء تتجمد في عروقه. ماذا تنوي أن تفعل؟
وهنا أخبره عقله: لن تفعل شيئًا، فإن كانت خائنة مثل باقي النساء، لماذا قد تُقدِم على إنهاء حياتها؟
وما كادت جملته تكتمل بداخله حتى وجدها تتقدم نحو البحر بخطوات ثقيلة من فرط الخذلان الذي يلتصق بها. وما إن بدأت قدماها تلامسان مياهه حتى شعر بقلبه ينتفض رعبًا على حبه الذي حُكِم عليه بالقتل في مهده...
وعندما كادت المياه تغمرها اندفع كثور هائج لينقذ ما تبقى من حطام قلب قد كسره دون أن يرفّ له جفن. وقلبه يخبره بأن خسارتها هي ما يستحقه، ليعيش هو وشيطانه الجحيم على الأرض، وهو على حق، فخسارتها كانت الجحيم بالنسبة له... لكنه لم يُدرك ذلك إلا بعد فوات الأوان.
انتشلها من بين أمواج البحر الثائرة عليه، والتي آزرتها السماء، فأرعدت بشدة وأخذت تصبّ جام غضبها عليه بأمطارها الكثيفة. وكأن الطبيعة أيضًا تلعنه كما يلعنه قلبه على غدره بها. حاول أن يجعلها تستيقظ، ولكن دون جدوى، فأخذ يضغط بقوة حتى يخرج الماء الذي ابتلعته رئتَاها، فلم يجد أي استجابة منها. صار يهزّ رأسه يمينًا ويسارًا رافضًا فكرة أن تكون قد غادرته إلى الأبد، وأخذ يبكي بشدة ويتوسلها بكلماته:
غرام فوقي... فوقي أرجوكِ، ما تعمليش فيّ كده... أنا اللي أستاهل الموت مش إنتِ... فوقي يا ملاكي!
أخذ صوت شهقاته يعلو كطفل صغير يبكي على قبر أمه، يتوسلها أن تعود وتنتشله من ذلك الضياع الذي أوقعه فيه فراقها.
سعال قوي خرج منها جعله يضحك كمن فقد عقله. هل ضحك له القدر أخيرًا ولم يأخذها منه؟ أم أن قلبه المسكين يتخيل؟
غرام... إنتِ سامعاني؟ إنتِ كويسة صح؟... افتحي عينيكِ وبصيلي.
نظرت له غرام بضعف شديد وقالت بوهن:
ابعد عني.
زأر بقوة تنافي ضعفه في تلك اللحظة:
مقدرش... مقدرش! يا ريتني كنت أقدر أبعد عنك، ما كانش حصل اللي حصل.
أخذت غرام تنتفض وارتعش جسدها، فقام بتطويقها كمن يحاول حمايتها وبثّها الأمان الذي لم ولن تشعر به مطلقًا بجانبه، ثم توجّه بها إلى المشفى...
يتبع..
***************************
فراولاتى منتظرة رايكم فى الاقتباس ده
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!