الفصل 13 | من 57 فصل

رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثالث عشر 13 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
19
كلمة
11,360
وقت القراءة
57 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18

بسم الله الرحمن الرحيم

الوجه الثاني عشر للعشق 🌹

كطيرٍ صغيرٍ كُسِر جناحُه عند أوّلِ محاولةٍ للطيران، ذلك هو الخُذلان.

الخيبة: انطفاءُ آخرِ ضوءٍ كان يُنير عتمةَ العالم من حولك، فلا يعود هناك فرقٌ بين النهار والليل، إذ أصبح القلب أسيرًا للظلام.

الحنين: زائرٌ غيرُ مرغوبٍ فيه، يأتي غالبًا في الليل ليطرُق أبوابَ قلوبٍ ظنّت أنّها استطاعت لملمة أشلائها، فإذا به يُبعثرها من جديد.

الخيانة: غُصنٌ أزهرت عليه الثقة، فإذا به يُثمر شوكًا في قلبٍ لم يتوقّع إلّا وردًا.

الغدر: أن أكون ملاذَك في جميع أوقاتك الصعبة، وحين يأتيك الفرح لا تتذكّر حتى أن تُخبرني.

فماذا عن قلبٍ يُعاني كلَّ ما سبق؟!
أيبقى حيًّا رغم موته، أم يموت وهو ما زال ينبض؟

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

من العبث أن نقف بحياتنا عند نقطة معيّنة ننتظر شخصًا لم يُجبره أحد على الرحيل، بل كان بملء إرادته. فالقلب يميل، ثم يحب، ويتعلّق، وأخيرًا يعشق؛ فإن عَشِق لا يترك أبدًا، حتى لو اجتمعت عليه الأرض والسماء.
أمّا ما دون العشق فلا يستحق أبدًا دقيقة انتظار واحدة!

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

كانت كارما تتوسط سريرها، محاوطةً كتفيها بذراعيها، تحاول احتواء ذلك الألم الرهيب الذي يعصف بكيانها، وتترجمه عيناها على هيئة أنهار من الدموع لا تستطيع إيقافها، فجميع حواسها الآن تتركّز على صورة واحدة: حبيبها مع أخرى...!

لم يكن فقط حبيبها، بل حلم طفولتها الذي انغرس بقلبها منذ أن كانت طفلة صغيرة، وأخذت ترعاه وتسقيه مياه الأمل بأن يعود فارسها ويختطفها مثلما وعدها لتجني ثمار عشقها وتتذوّق حلاوة انتظارها له. ولكن... ماذا حدث؟

أُصيبت زرعة حبها بفيروس الخيانة القاتل، الذي وحتى الآن لا يوجد أي دواء في هذه الحياة يمكنه معالجة قلب أُصيب بذلك الألم الناجم عنه، فهو يقتل القلب ولكن ببطء... 💔

ترى، هل أخطأت بالانتظار؟ لكن لم يكن لدي حيلة مع قلب خُلِق له وبه! لم أكن أملك من أمري شيئًا سوى انتظاره... وانتظار جزء من روحي قد انشقّ مني ورحل معه.

لقد سألته مرارًا وتكرارًا: هل اقتحمت حصونك أنثى غيري؟ فأقسم لي بأن قلبه لم يحوِ سواي...

كذب! نعم، كذب عليّ وعلى قلبي الغبي، الذي كان يصدّقه حتى قبل أن يتحدث، وكان يلتمس له العذر في كل مرة أذاقني فيها خذلانه. فالغدر لم يأتني منه فقط، بل من قلبي الذي غدر بي أولًا، عندما سامحه مرارًا وتكرارًا، وأخذ يختلق له الأعذار الواهية، وأعطاه الخنجر الذي طعنني به.

أخذت تتذكر لقطات من سعادتها المزعومة معه.

عودة لوقت سابق...

ها، عايزة تعرفي عني إيه بقى يا سكرتي؟

أنا مش سكرتي حد، دا أوّلًا يعني... ثانيًا بقى قول اللي عندك استعداد إنّي أعرفه.

نظر لها مازن بتسلية وأجاب بمرح:

عندك حق، بلاش سكرتي دي... دي لما كنتِ صغيرة بضفاير، إنما دلوقتي كبرتي يا كرملتي وبقيتي فرسـة...

خجلت كارما كثيرًا من غزله المبطن، فقالت بغضب ممزوج بالخجل:

مازن، احترم نفسك وبطّل استهبال، وإن كنت عديتلك اللي عملته في العربية دا، فدا مش معناه إني موافقة عليه، ولو حصل تاني...

قاطعها مازن بعشق، وعيناه تغازلها بما لا يتفوه به اللسان:

هتعملي إيه يا روح قلبي؟

مش هتشوف وشي تاني.

قالتها بارتباك من نظراته التي تغازلها، فابتسم على خجلها المُحبب وقال بهدوء:

موضوع إنّي مش أشوف وشك تاني دا مش هيحصل، عشان دا لا بمزاجك ولا بمزاجي.

ودا إزاي بقى؟

قالتها ساخرة، فأجابها بنبرة تحمل العشق والإصرار معًا:

يعني مثلًا لو قمت الصبح وقلت لنفسي: "يا واد يا مازن، مش عايزين نشوف البت كارما دي تاني"، هلاقي قلبي بيعاندني، وجايبني من قفايا، وجاي يقولك: "وحشتيني". نفس النظام بينطبق عليكِ، قلبك هيعمل معاكي كدا برضو.

كارما بدلال:

والله لو قلبي عمل معايا كدا هسيبه يتفلق، ومش هسمح له يتحكّم فيّا أصلًا.

ابتسم على طريقتها في الحديث ودلالها، وأجابها بخشونة:

الكلام دا عندك إنتِ... والله يكون في عون قلبك بصراحة. إنما أنا بقى، واحد قلبي دا أغلى حاجة عندي، ومدلّعه عالآخر، ومبقدرش أرفض له طلب.

كارما بتخابث:

أمممم... وياترى بقى كنت بتدلّعه إزاي وأنا مش موجودة؟

أجابها مازحًا:

كارما، الداخلية عندنا خسرتك صدقيني... إنتِ محدش يعرف يحوّر عليكِ أبدًا.

صاحت بانفعال:

أديك اعترفت إنك بتحوّر! في إيه بقى خايف تحكيه وعمّال تلف وتدور عشان تغلوش ع الموضوع؟

قهقه مازن بشدة، وقال من بين ضحكاته:

خايف...! إنتِ متخيلة بطولك دا ممكن تخوفيني؟

كارما بثقة راقت له كثيرًا:

الموضوع مش بالطول يا سيادة الرائد، دا بالعقل. وبعدين أنا طولي مظبوط على فكرة، إنت اللي طويل بزيادة.

مازن بغزل:

إنتِ كل حاجة فيك مظبوطة يا قمر، مش طولك بس.

أردف كلماته بغمزة أربكتها، فتصنّعت الغضب قائلة:

ما قلنا احترم نفسك بقى...

كانت كل ذرة من كيانها تنتفض طربًا لغزله الصريح بها، وقد كان ذلك الماكر يعلم بذلك، ويتجلّى في عينيه التي كانت تغوص في أعماقها وتكشف جميع أسرارها.

كارمتي، عايزك تعرفي إني في أقصى درجات الاحترام معاكِ والله، ودي حاجة ضد طبيعتي.

نهرته بتهديد:

مازن، هقوم أمشي والله.

أجابها بثقة بعدما تحرك ليجلس براحة أكثر:

وماله يا روحي، امشي لحد آخر مكان في الدنيا، هتلاقيني وراكي. أي مكان هتروحيه يا كارما، هتلاقيني جنبك فيه.

أطلقت العنان لمخاوفها لتظهر على السطح، وأعلنتها ببساطة:

خايفة أصدقك يا مازن.

شاركها صراحتها، وقام بفتح مغاليق قلبه ليعبّر عن مكنوناته:

عارفة يا كارما أنا مكنتش قادر أرجع ليه طول المدة اللي فاتت دي؟

لم يتلقَّ منها إجابة، لكن عيناها كانت تتوسله ألّا يجرحها، فطمأنها بضغطه رقيقة على كفها وأردف:

عشان مكنتش هقدر أشوفك ومقرّبش منك. مكنتش هقدر أشوفك وأبعد عنك تاني. وقبل ما تسألي، كنت خايف أذيكي وأخنقك معايا بعقدة الذنب اللي كانت ملفوفة حوالين رقبتي طول السنين دي، واللي يمكن بُعدي عن ربنا كان السبب الرئيسي فيها.

تقصد إيه؟

بسط إجابته وأطلق العنان لقلبه ليبثّها ما يحمله من أثقال وما يشوبه من نقوصات:

أقصد إني يوم ما روحت من عندكم حسيت كإني كنت أعمى طول السنين اللي فاتت دي، وفتحت لما شوفتك. لقيت قلبي بيقول لي: "إزاي كنا مختارين نعيش في الضلمة طول حياتنا؟"

صمت لثوانٍ وهو يتذكر تلك الليلة، قبل أن يضيف بتنهيدة تعبّر عن مشاعره حينها:

فضلت طول الليل أتقلّب عالسرير ومش عارف آخد قرار. قلبي بيترجاني أرجعلك ومحرموش من نور حبك، وعقلي بيقول لي اهرب، إحنا مش قد الوداع مرة تانية...

لحد ما ربنا أراد إنه ينور بصيرتي، وهنا سمعت أذان الفجر، وحسيت بصوت بيقول لي: "قوم صلّي، وسيب كل حاجة لربنا". وفعلاً اتوضيت، ولجأت لربنا اللي كنت بعيد أوي عنه، في حين إن الراحة مبتجيش غير في القرب منه.

أخفض رأسه يتذكر خجله حينما كان يقصّر في حق ربه، ثم تابع يسرد روعة ما حدث معه:

قمت صليت، وقلت: "يا رب"، ومش قادر أوصفلك الراحة اللي حسيت بيها بعدها. وفي لمح البصر، أول ما حطيت راسي عالمخدة، نمت، وشوفت أبويا وأمي في الحلم، لابسين أبيض، وحواليهم أطفال صغيرين كتير بيضحكولي وبيشاورولي من مكانهم. والمفاجأة بقى إن دي كانت أول مرة يجولي في الحلم من يوم وفاتهم. تقريبًا كدا كانوا بيعاقبوني عاللي كنت بعمله في نفسي.

لاحظ تأثرها من حديثه، فتابع وهو يخاطب عينيها أولًا:

بعدها عرفت إن أهم حاجتين في حياتي هما: قُربي من ربنا، اللي بالرغم من بُعدي عنه، مَبخلش عليّا بيكِ ورَدّك ليا من تاني.

هتف قلبها متسائلًا بلهفة:

والسبب التاني؟

إنتِ يا كارما... إنتِ أغلى حاجة عندي في الدنيا، فرحة قلبي اللي عمره ما ذاق ولا عرف طَعم الفرح غير بيكِ.

لَثَمت كلماته جروحها، فقد كانت كالبلسم لقلبها الذي ضاق ذرعًا بآلامه، وحلّقت روحها في السماء السابعة، فها هو حلمها قد تحقق به، وعاد لها فارسها الذي انتظرته لأعوام.

ومن فرط الفرح لم تشعر بجريان الدموع على وجنتيها، فاقترب منها محاوِطًا وجهها، قائلًا بعشق:

مفيش حاجة ولا حد في الدنيا يستحق دموعك دي يا قلبي. دموعك دي غالية عليّا أوي يا كارما... أنا بحبك، وعارف إني جرحتك بُعدي، بس صدقيني، قلبي مَبطلش يوم يحبك... أنا كنت بعاقب نفسي قبلك.

إن تركنا العنان للقلوب، فهي تعلم أكثر مما نظن وتشعر بما يُخفيه اللسان. وقد ألهمها قلبها بأن هناك الكثير ما زال مدفونًا بصفحات عينيه، فقالت بخفوت:

أمال ليه عينيك بتقول كلام كتير لسانك مَقالهوش؟

طاوع عقله وعاند قلبه مؤكدًا على حديثه:

قلبي اللي بيتكلم يا كارما، مش لساني.

لا يمكن للأنثى إلا أن تنصاع خلف شعورها، فواصلت حديثها قائلة:

طب أصدّق مين فيهم؟

صدّقي قلبك وشوفي هيقولك إيه.

لم تكن الأمور عادلة معها، لذا قالت بتنهيدة حارقة:

قلبي هييجي عليّا معاك يا مازن.

قلبك حاسس بقلبي وعارف إيه جواه.

أرادت أن تقطع بذور الشك من جذورها، فقالت بإصرار:

في حاجة معرفهاش؟

راوغ سؤالها بقنبلة تتفجر داخلها كلما ألقى تلك الكلمة على مسامعها:

بحبك أوي.

تجاهلت ضجيج قلبها إثر سماع كلمته، وواصلت تريد العبور إلى أبعد مما يمكنه السماح لها:

في حد دخل حياتك في غيابي؟

محدِش دخل قلبي غيرك.

ماعرفتش حد بعدي؟

ضاق ذرعًا من إصرارها، فهتف بعناد:

محبتش حد غيرك... ليه مش قادرة تصدّقي؟

لا تتنحى الأنثى حين يتعلّق الأمر بالغيرة، وكانت تتألم بداخلها لسبب لا تعلمه، لذا تابعت بقوة:

اقنعني.

تتجوزيني؟

أدارت وجهها عنه وأغمضت عينيها بشدة، فهي تعشقه حتى النخاع، لكن هناك شيء يخبرها بأن لكل جنة شيطانًا، وهي تخشى أن يظهر هذا الشيطان على هيئة امرأة قد استوطنت قلبه في غيابها، فتحرمها من جنّته التي لطالما حلمت بها معه.

متخبيش عينيك مني، كفاية اتحرمت منهم كل دا.

هكذا تحدّث بخفوت ولهجة معاتبة، فأجابته بجفاء يوحي بمدى لوعتها وما يعتريها من تخبّط:

خايفة أعرف أترجم اللي في عينيك يا مازن ويوجعني...

أجابها بصدق:

عمري ما هوجعك أبدًا.

يبقى متخبيش عني حاجة.

زفر بتعب من عنادها:

عايزة تعرفي إيه؟

كل اللي ماعرفهوش.

أجابها بخشونة تتنافى مع عذوبة كلماته:

اللي ما تعرفهوش إني مكنش ليا حد قبلك، ولا هيكون ليّا حد بعدك.

تفاقم الغضب وطغى على كل شيء، فحاولت كبحه باستفهام جاف وصريح، فلا طاقة لها بالمراوغة وهو لا يستجيب:

وأنا مش موجودة، مكنش في حد بيعوّض غيابي؟

شدّدت على كلماتها بكل ما يعتمل بداخلها من خوف.

لم تتلقَّ من شفتيه أي إجابة، لكن تولّت عيناه مهمة الردّ عليها، فقد أخذت ترسل إليها شرارات من العشق الذي فاض به قلبه، وارتوت به روحها، فشعرت بالدفء يتسرب إلى داخلها. لكنها أبت أن تسلّم رايتها، فقالت:

ساكت ليه؟

سيبت عيوني ترد عليكِ... سيبتِ تشوفي فيهم إنتِ بالنسبالي إيه.

لم تستطع الصمود أمام عينيه أكثر، فأدارت وجهها قائلة بتململ:

إنت بتلجأ لطرق غير مشروعة على فكرة.

ابتسم قبل أن يقول بخشونة:

في الحب والحرب كل شيء مباح.

هتفت بحنق:

بس دي حرب غير متكافئة.

استنكر حديثها قائلًا:

حرب مش حب! طب ليه مش متكافئة من وجهة نظرك؟

أجابته بتذمر:

عشان كل حاجة ضدي فيها. كل حاجة فيّا بتحاربني معاك يا مازن.

لم يهتم لأي شيء وقال بعذوبة:

وكل حاجة فيّا بتعشقِك يا كارما. ليه راميه نفسك في الحيرة دي كلها، وسايبة الظنون تاخدك وتوديكي؟

أخرجت مكنوناتها في تنهيدة قوية، اتبعتها بكلمات أقوى نابعة من خوف كبير يستوطن داخلها:

عشان مش هقدر أترفع معاك لسابع سما، وتيجي حاجة تخسف بيا سابع أرض. مش هقدر يا مازن... لو وقعت مش هقوم تاني.

للدرجة دي ما عندكيش ثقة فيّا يا كارما؟

قالها بحزن، فأجابته بتعقّل:

مش قِلّة ثقة، بس أنا وإنت مش لسه متقابلين امبارح... إحنا متقابلين من زمان أوي، وكان بينا وعد حافظت عليه بروحي. وأنا مُحصّنة نفسي بريحتك اللي كانت ساكنة فيا من يوم فراقك، وفضلت مُصبّرة قلبي بصورة قديمة لينا زمان، كانت بتواسيني في بُعدك. فمش هقدر أُسامح على حاجة حصلت في غيابي، ومش هقبل أسكن مكان لمست جدرانه واحدة غيري... حتى لو كان وضع مؤقّت.

كانت كلماتها وكأنها ضربات سوط تجلد قلبه العاشق لها، وكان يصبّ عليها النار لتشتعل أكثر نار ضميره، الذي كان يُعنّفه بشدة على ما يُخفيه عنها ويأمره بالإفصاح عمّا يُخبّئه في أعماق نفسه. لكن ما يُخفف من عذابه ولو قليلًا، أنه لم يكذب بشأن قلبه الذي لم تَمَسّه امرأة سواها.

وأخيرًا قرر إنهاء معاناته ومعاناتها؛ فلا طاقة له بالعيش دونها، ولن يترك الحياة تتلاعب به مرة أخرى وتُرغمه على التخلي عنها، فقال بلهجة لا تقبل الشك:

محدش سكن قلبي غيرك إنتِ. قلبي كان مختوم بحبك، اللي كان مخليه مش شايف أي بنت تانية. محدش لمس جدرانه غيرك... ومفيش حد هيقبل يسكن مكان كل ركن فيه مكتوب عليه اسمك.

كلماته حملت من الروعة ما جعل عينيها تتعلقان به رغمًا عنها، وخاصةً حين تابع بصدق:

إنتِ حبيبتي الأولى والأخيرة، وقلبي محدش سكنه إلا إنتِ... اطمني.

عودة للوقت الحالي...

كدّاااب... أكتر إنسان كدّاب في الدنيا.

قالتها بحرقة من بين دموعها، وأخذت تلعن غباءها؛ فهو كان يراوغها، وهي بكل سذاجة صدّقته. خدعها، ولم يكن صريحًا معها، وهي لن تلومه وحده، بل تلوم قلبها الذي أوقعها في شِراك رجل لا يعرف معنى الوفاء.

صدح رنين هاتفها برسالة منه، فهي تتجاهل مكالماته التي تخطّت المائة مكالمة فائتة...

أمسكت بهاتفها تقرأ، وداخلها يتمزق:

"ردّي عليّا يا كارما، متحكميش عليّا بالإعدام من غير حتى ما تسمعيني ولو لمرة واحدة... أرجوكِ ردّي عليّا."

أخذت شهقاتها تعلو شيئًا فشيئًا، فكتمتها بالوسادة خوفًا من أن تستيقظ والدتها؛ فهي تخشى عليها من أن تراها في تلك الحالة المزرية، مفطورة القلب، مكسورة الخاطر. وما هي إلا دقائق معدودة حتى سمعت جرس الباب. تعجبت، فالوقت يشير إلى الحادية عشرة... فمن سيأتيهم في هذا الوقت؟

حاولت إصلاح هيئتها المزرية تلك، وهمّت بفتح الباب، فصُدمت مما رأته.

أنت...؟

★★★★★★★★

بكل ما أُوتيت من عشق، أتمنّى لو أنّني لم ألتقِ بك أبدًا.

بدأت غرام باسترداد وعيها شيئًا فشيئًا، وأخذ رأسها يتحرّك في جميع الاتجاهات تحاول معرفة أين هي. شعرت بيد تحتوي كفّها بحنان لامس قلبها، فالتفتت لتتفاجأ به يبتسم لها بوهن، فبدأت تستعيد ذكرياتها المريرة معه، فشعرت بألم حادّ في صدرها بات يمنع عنها التنفّس. وعلى الفور انتزعت كفّها من تلك المتشبّثة بها، ووضعتها فوق قلبها وأغمضت عينيها بشدّة، بينما دموعها تنهمر على وجنتيها وكأنّها جمرات مشتعلة تسقط على قلبه فتحرقه.

أخذ الندم يقرضه من الداخل كونه المتسبّب في ذلك العذاب الذي تعيشه الآن، فودّ لو يرجع به الزمن بضع ساعات لكان الآن معها يخبرها أنّه يعشقها وأنّها امرأة حياته، ولكن سبق السيف العزل، ولم يعد بيده شيء. لقد أخطأ، والآن يجب عليه تحمّل نتيجة أفعاله النكراء.

حتى الموت استخسرته فيَّ!

قالتها بوجع انحفر في ملامح وجهها، فباتت كعجوز نجح الزمن في امتصاص الحياة منها وطبع خيباته عليها.

وقعت كلماتها عليه كضربات السيف الذي شطر قلبه نصفين. فيا ليتها تعلم أنّه لا حياة لقلبه دونها، وأنّه لو كان بإمكانه أن يدفع عمره مقابل أن يعيد الزمن إلى الوراء بضع ساعات فقط، لوضعها بين طيّات قلبه وحماها من ذلك الشيطان اللعين الذي كان يتملّكه. ولكن هيهات أن يستطيع إنسان أن يُعيد الزمن للحظة واحدة.

فالندم كان ولا يزال لعنة البشريّة التي لا يمكن التحرّر منها، فهو أشبه بابتلاع الإنسان جمرة من النار تحرقه من الداخل، ولا يملك سلطة إرجاعها، ليظل يكتوي بنارها الحارقة. فرَفاهيّة إرجاع الزمن إلى الوراء لم تُخلق بعد.

متقوليش كده... إنتِ لو كان جرى لك حاجة مكنتش هسامح نفسي طول حياتي.

تحدّث أدهم بعد أن جاهد كثيرًا ليلملم شتات نفسه التي بعثرتها امرأة أصبح يعشق الهواء الذي تتنفّسه، وأكثر ما كان يقتله أنّه لم يكن يكتشف مقدار عشقه لها سوى في تلك اللحظة التي أوشكت فيها على التخلّي عن حياتها.

ودلوقتي مسامح نفسك؟!

قالتها بوجع، فلم تتلقَّ منه أي إجابة، فباتت صورته في عينيها كمسخ مجرّد من كلّ معالم الإنسانيّة. وواصلت تحطيم ما تبقّى من ثباته المصطنع:

ياااه... هو السؤال صعب أوي كده؟

"لا يليق بك الضعف والانحناء، حتى وإن أخطأت، فهي من دفعتك لذلك..."

هكذا أخبره عقله، فنصَب عوده وحاول رسم جدار من اللامبالاة التي تجلّت في كفّيه اللذين أخفاهما في جيوب بنطاله، وقال بصوت جاهد أن يكون ثابتًا:

مقدرش أشوف حد بيحاول يموت نفسه وأقف أتفرّج عليه.

خرجت منها ضحكة ساخرة تحمل كلّ معاني الخذلان الذي يعتمل بداخلها، وسرعان ما تحوّلت لبكاء يقطع نياط قلبه. نصبت عودها المحتّي بخزي لتقترب منه قائلة بسخرية سرعان ما تحوّلت لوجع:

متقدرش تشوف حد بيموت، لكن تقدر تموّته صح؟! أنا عملت فيك إيه عشان تعمل فيَّ كده؟

بلاش السؤال ده... قولي شفت مني إيه يخليك تفكر فيَّ التفكير القذر ده؟

شوفت...

قالها أدهم بصراخ اهتزّت له أرجاء الغرفة، ودبّ الرعب في أوصالها عندما وجدته يقترب منها بإحدى يديه، ويده الأخرى تلكم الحائط خلفها، وهو يقول بغضب مميت ونبرة مرعبة:

شوفتك وإنتِ مع واحد في الكافيه، وضحكتك مسمّعة إسكندريّة كلها! وشوفتك وإنتِ مع واحد تاني قدام باب المستشفى بعد ما كنتي معايا بدقايق. وسمعتك وإنتِ بتكلّمي واحد تالت في التليفون وبتوصفيله قد إيه مشتاقاله... وبتتكلمي عني معاه على إني مجرّد واحد صاحب أخوكي! عايزاني أشوف إيه تاني عشان أفكّر فيكي كده؟ ردّي عليّاااااا!

قالها بصراخ أرعبها، فصار جسدها يرتعش وأخذت تردّد دون وعي:

إنت مجنون... أكيد مجنون... استحالة تكون إنسان طبيعي.

احمدي ربنا إن المجنون ده مقتلكيش في ساعتها، لإن النار اللي كانت جواه كفيلة إنها تحرق إسكندريّة باللي فيها.

صرخت بكلّ ما تحمله من وجع وخزي:

ابعد عني... مبقتش عايزة أشوفك! إنت إنسان ظالم وكدّاب، وملكش أي حق تحاسبني على أي حاجة. إنت بتدور على أي شمّاعة تعلّق عليها جريمتك!

تمكّن منه شيطانه الذي حوّله لمسخ بنظرها حين هدر بعنف:

جريمتي دي كانت النهاية لأي واحدة تفكّر ترخّص نفسها وتتنقّل بين كل واحد شوية.

دوّت صفعة مدوّية على خدّه، بثّت فيها كل ما تشعر به من قهر وألم، حتى أخذ يتردّد صداها في أرجاء الغرفة.

أغمضت عينيها بشدّة تتوقّع منه أن يحطّم رأسها في أي وقت، وهي حتى لن تعترض؛ فقد كانت تتمنّى لو تنتهي حياتها في تلك اللحظة وينتهي كلّ ذلك الألم. ولكنّها فوجئت بذلك المجنون يحطّم كلّ ما يحيط بهم ويزأر كأسد جريح. فارتعبت من مظهره واتّخذت ركنًا في آخر الغرفة، وانزوت به محاوطة جسدها بذراعيها ترتجف بشدّة، حتى هدأ تمامًا من نوبة الجنون التي انتابته. فهو إن لم يفعل ذلك ويُخرج شحنة الغضب التي ولّدتها فعلتها الخرقاء، لكانت الآن في عداد الأموات.

أخذت خطواته تقترب منها، فشعرت بثقلها على قلبها. أمّا هو فقد كان يودّ لو فصل رأسها عن جسدها لتلك الفعلة الشنيعة، والتي لم يجرؤ أحد على الإقدام عليها طوال حياته. ولكن تلك النظرة التي رآها في عينيها ما أن رفعت رأسها لتنظر إليه، شلّت تفكيره تمامًا. فلم يشعر إلا وهو يقترب منها ويقارب جبهته من خاصّتها حتى امتزجت عبراتهما، ليقول بنبرة متحشرجة:

كان نفسي تطلعي غيرهم... كان نفسي تبقي الملاك اللي هينقذني من الجحيم اللي عايش فيه... ليه طلعتي خاينة زيهم؟

حتى وإن مستها دموعه وانتفض لها قلبها، فلن تسامحه على غدره بها، وأيضًا ظلمه لها. إذن فليتجرّع جزءًا من عذابها، فانتفضت من جانبه قائلة بغضب:

عشان إنت متستهلش غير واحدة خاينة وغدّارة زيك... عارف؟ أتمنّى تفضل عايش في الجحيم ده طول عمرك، وتفضل متعذّب، ومتشوفش يوم حلو أبدًا في حياتك... هو ده اللي تستاهله.

شعر أدهم بسريان النار بين أوردته، فقد كان يودّ لو تخبره بأنّه أخطأ بحقّها وأنّها الملاك الذي جاء لينتشله من عذابه. فهو بعد أن رأى انهيارها ومحاولة انتحارها يكاد يجزم بأنّها أطهر مخلوق على وجه الأرض. ولكن لِمَ تتفوّه بهذه الترهات؟! ألتزيد من عذابه؟! ألا يكفيه ما يعانيه من ألم ولوعة؟ فلم يشعر بنفسه وهو يقول بجمود:

عشان كده أنا مش ندمان على اللي عملته معاكِ، ولو رجع بيا الزمن هعمل كده تاني.

ألقى بقنبلته وغادر دون أن يلتفت ليرى مدى الخسائر التي تسبّب بها، ولا ذلك القلب الذي تفتّت حزنًا ووجعًا. ولكن ماذا كانت تنتظر من شخص مثله لا يمتلك قلبًا من الأساس؟!
ألم يكن هذا ما تمنّته؟ أن يُشبه حبيبها مصّاص الدماء! فهو بالفعل يشبهه قولًا وفعلًا، ولكن الاختلاف هنا أنّه امتصّ روحها وتركها مثل خرقة بالية لا تصلح للحياة. ليته امتصّ دماءها أيضًا وأنهى حياتها التي أصبحت كالجحيم.

---

دخل يوسف إلى شقّته وهو يشعر بأنّه يحمل همومًا بثقل الجبال فوق كتفيه، فنظر إلى أثاثها المبعثر والمهشّم، تمامًا كما هو حال قلبه. فأخذته قدماه تلقائيًا إلى حيث الغرفة التي كانت تمكث بها، يتلمّس رائحتها التي يعشقها.

فتقدّم وجلس على فراشها، واحتضن وسادتها، وانفلتت دمعة حارّة منه تحكي مقدار الوجع الذي يشعر به. فأخذ يتذكّر كيف حطّمه غيابها وما تحمّله من عذاب فقدها، فبهروبها كأنّها منعت عنه الهواء الذي يتنفّس.

فتلك هي المرّة الأولى التي يشعر بها بمثل هذا الضعف في حياته. لطالما كان قويًّا صلبًا لا يستطيع أيّ شيء أن يحرّك ساكنًا فيه. فهو مثال الرجل القوي الذي اعتاد أن يقف في مواجهة الحياة بكلّ عنفوان، لم يأبه لأحد قط. فقد كان بمثابة الصخرة التي يحتمي بها الجميع، والجدار الذي يتكئ عليه كلّ من حوله. لم يعتد يومًا على الانحناء للحياة.

فكان يناطحها، ولم يجعلها يومًا تُخضعه لإرادتها. بل لم يستطع شيء أو شخص في هذه الحياة أن يهزمه... سواها!

هي، وفقط هي، من استطاعت أن تحطّمه. غيابها أفقده عقله، وأشعره بالعجز لأوّل مرّة في حياته. تلك المرأة فعلت به ما لم يستطع أعداؤه كلّهم فعله. حتى أنّها جعلته يتخلّى عن الكثير من مبادئه لأجلها. ولكن لم يعد يستطيع أن يتحدّى كبرياءه أكثر، فلتتحمّل نتيجة خياراتها.

أخيرًا، قرّر ألّا يستسلم لأحزانه أكثر من ذلك، وقرّر أنّه لن يتراجع عمّا انتواه لها. فقام بالبحث عن حقيبتها ليجدها مخبّأة في الخزانة. فراوده الشك حول هذا الأمر، فقرّر معرفة ما تحتويه. قام بفتحها، ولكنّه صُدم ممّا رآه...

*************

إنت إيه اللي جابك؟ ليك عين تيجي هنا؟

أرجوكِ يا كارما، لازم تسمعيني.

قالها مازن بقهر، فصاحت بألم:

كدّاب... كدّاب! من قبل ما أسمعك يا مازن، ولو قعدت تتكلم من هنا لبكرة مش هصدّقك.

تابع يحاول جعلها تستمع إليه:

أرجوكِ، إديني فرصة أدافع بيها عن نفسي.

صاحت بغضب:

فرصتك خلصت خلاص، ومعدش ليك جوايا اللي يخليني أقدر حتى أسمعلك.

قال مازن بقهر:

يعني إيه؟

يعني رصيدك جوايا خلص يا مازن. إنساني وابعِد عني. أنا حتى مبقتش طايقة أشوفك قدامي.

همّت بإغلاق الباب في وجهه، فوضع قدمه مانعًا إغلاقه وقال بغضب:

بلاش تعنّدي. أنا عارف إن لسه جواكِ اللي خلاكِ تستنّيني السنين دي كلها، مش هيخليكِ تقدري تشيليني من قلبك بالسّهولة دي.

قالت صارخة من بين دموعها:

وإنت قدرت، صح؟! قدرت واحدة حبتك واستنّتك كل السنين دي، وما سمحتش لحد يقرب من حاجة تخصّك. كتبت قلبها على اسمك وماخلّت حد يقرب منه. قضت طفولتها ومراهقتها وشبابها بتحلم بيك، وإنت في المقابل عملت إيه؟ روّحت رميت نفسك في حب واحدة تانية! لا وكمان كانت هتبقى مراتك. يعني أنا أصلًا مليش وجود... امشي يا مازن، مش عايزة أشوفك تاني!

سردت أخطاءه ووجعها بكل ما تحمل من ألم، وكان أضعافه في قلبه الذي يشتهي فرصة واحدة فقط ليخبرها بحقيقة جريمته تلك، لذا تحدّث بإصرار:

والله إنتِ فاهمة غلط. البنت دي ما تهمّنيش أبدًا، والخطوبة دي ليها قصة... لو سمعتيها هتعذريني.

كارما بقهر:

كان ممكن أصدّقك لو ماكنتش شفتها بعيني وهي جنبك ومعاك، وكأنها متعوّدة على كده، وكأن ده مكانها.

أرجوكِ...

قاطعته بغضب:

اسكت!... أوعى تترجّاني، عشان لو عملت المستحيل عمري ما هرجعلك تاني. أنا بقيت بقرف منك.

ألقت جملتها في وجهه وأغلقت الباب وهي تبكي بلوعة. فكم تود أن ترتمي بقربه تشكو له عذابها معه، تشكو ضعفها، تشكو خيبتها، تشكو كل ما يجعلها تتألّم بهذا الشكل المريع.

صدح هاتفها معلنًا عن اتصال من مجهول، فلم تلقِ بالًا، فيكفيها ما تعانيه. لكن تكرر الاتصال عدّة مرات، فأجابت.

ليتها صوت غرام الباكي:

كارما، أنا في المستشفى... تعالي خديني.

انتفض قلبها ذُعرًا على شقيقتها:

مستشفى إيه؟! إنتِ كويسة؟

متقلقيش، أنا كويسة... بس تعالي من غير ما تقولي لماما حاجة. أنا بكلمِك من رقم ممرضة هنا، تليفوني ضاع مني.

حاضر يا قلبي، مسافة السكة وهكون عندك.

لملمت أشياءها سريعًا، وقامت بالاطمئنان على والدتها خوفًا من أن تستيقظ، فوجدتها تغط في نوم عميق بفعل الأدوية التي تناولتها، فخرجت سريعًا. وما أن فتحت باب المنزل حتى تفاجأت به يجلس على الأرض، يضع رأسه بين قدميه في حالة يُرثى لها. فخفق قلبها بشدّة، وودّت لو اقتربت لتخفّف عنه وعن قلبها، وتزيل كل هذا الألم الذي يشعران به...

انتفض مازن عندما وجدها تخرج من باب الشقّة. تُرى هل رأفت بحاله وقررت أن تمنحه فرصة أخيرة للحياة بإنصاتها إليه؟ فاقترب منها قائلًا بلهفة:

كنت عارف إني مش ههون عليكِ.

عاجلته قائلة:

غرام في المستشفى! معرفش حصلها إيه!... كلمتني بتعيط وأنا رايحة لها.

اقترب منها قائلًا بحنان بالغ:

إن شاء الله خير يا حبيبتي، متقلقيش.

نسيت كل شيء للحظة، وبثّته قلقها ولوعتها:

خايفة عليها أوي يا مازن.

فما كان منه إلا أن لبّى دعوة قلبها المنفطر ألمًا، وأخذها يطمئنها ويطمئن قلبه بها...

أشعر بأن هناك خيطًا خفيًا يربط قلوبنا ببعضها البعض، فكلما هممنا بالابتعاد أجده يعيدنا مرة ثانية... فبالرغم من عذابي ومعاناتي معك، إلا أنني لا أشعر بالاطمئنان والأمان سوى بين يديك. وأشعر بقلبك أيضًا ينتفض عشقًا عندما أكون معك. فلا أدري ماذا تُخبئ لنا الحياة، ولكن حقًا أشعر بصوت في أعماق قلبي يتوسّل لي ألّا أفلت يدك مجددًا...!

نورهان العشري ✍️

فتح يوسف باب غرفتها بعدما تحدث مع الطبيب الذي أخبره بأنه يجب عرضها على طبيب نفسي لمتابعة حالتها حتى لا تسوء أكثر، وبأنها نامت بفعل المنوّم ولن تستيقظ حتى الصباح. فسبقه قلبه بلهفة إلى مكانها، واقترب منها بخطوات بطيئة، وأخذ ينظر إلى ملامحها الجميلة وشَعرها المنثور حولها كأشعة الشمس، يمنحها جمالًا فوق جمالها. فقد كانت نائمة كملاك بريء، فتمدد بقربها ليجعلها في مكانها الصحيح بجانبه، وأخذ يتذكر لقطات من سعادته معها.

فلاش باك

كان منهمكًا في عمله كثيرًا، إلى أن سمع طرقة رقيقة على الباب تردّد صداها في قلبه على الفور، فعرف صاحبتها قبل أن تشرق بنورها عليه. ابتسم ابتسامة خافتة وأغلق الملف الذي بيده، واقترب من الباب وفتحه بسرعة ساحِبًا إياها لتصبح أمامه بعد أن أغلقه خلفها، فأصبحت محاصرة بينه وبين باب الغرفة. فشهقت بصدمة وقالت بخفوت:

يوسف، خوّفتني!

لم تتلقَّ منه ردًا، فقد كان مشغولًا بأن يُملي عينيه منها، ويملأ داخله من عبيرها الفاتن، ويروي ظمأ عشقه منها. فقد أسكره وجودها ظلًا على هذه الحالة وقتًا ليس بالقليل، إلى أن شعر بها تتململ بخجل فقال بهمس:

قلب وروح يوسف.

توترت من كلماته وزاد خجلها، ففعلت تلك الحركة المعتادة وقامت بأسر كريزيتها بتوتر، فكانت فعلتها هذه كافية لإشعال براكين عشقه الممزوج برغبة كبيرة من قلبه في قربها. فأخذ يحرّر أسرها وهو يقول بخشونة:

قولتلك مليون مرة متقسيش عليهم... أنا بس اللي مسموحلي أعمل كده.

وعلى الفور أثبت ملكيته لها؛ فهي حبيبته، منبع عشقه وارتواؤه الذي لا يمل منه أبدًا. فقد كان وجودها بجانبه هو الجنة بعينها التي دائمًا ما تجذبه بقوة. ولكن هذه المرة كانت مختلفة، فهذه المرة أصبحت ملكه، فبات اسمها مقرونًا باسمه مدى الحياة... فاليوم أصبحت زوجته.

تركها على مضض وهو يشعر بأنها لم تعد قادرة على التنفس، وكان صدره يعلو ويهبط من فرط المشاعر التي عصفت به، فكان يلهث كما لو أنه في سباق عدو.

ماذا تمتلك تلك المرأة لتجعله يشعر بكل تلك المشاعر التي تجتاحه كفيضان وهو غير قادر على السيطرة عليها؟ هكذا حدّثه عقله.

قام برفع رأسها ليجعلها تنظر إليه، فقال بعشق وهو يتأمل خجلها المحبب إلى قلبه:

هو أنا لو كلتك دلوقتي هيجري إيه؟

يوسف، ابعد... أنا همشي.

يوسف بمكر:

هو دخول الحمّام زي خروجه ولا إيه؟

تقصد إيه؟

قالتها بخوف، فضحك يوسف على ملامحها التي انتابها الذعر وقال:

هو ينفع تبقي مرات يوسف الحسيني وتخافي كده؟

كاميليا بعدم تصديق:

هو ده بجد؟ أنا بقيت مراتك فعلًا؟

يوسف بحنو:

طبعًا بجد يا حبيبتي... وجد الجد كمان.

خايفة أصدق يا يوسف.

يوسف بطمأنينة:

قولتلك متخافيش، طول ما أنا معاكِ. مش واثقة فيا ولا إيه؟

طبعًا واثقة فيك، بس إنت مشوفتش ردود أفعال الناس حوالينا كانت عاملة إزاي؟ تقريبا محدش باركلنا خالص غير روفان، وبعد ما أخدت وقت عشان تستوعب الصدمة.

يوسف بخشونة:

إنتِ قولتيها... صدمة. يبقى لازم نديهم وقت يستوعبوها.

كاميليا بتيه:

حاسة إني متلخبطة...

يعرف الطريق إلى قلبها جيدًا، ويعرف كيف يهذب ثورتها ويطمئن خوفها، فهمس بعذوبة:

بحبك.

أخفضت رأسها خجلًا، أضفى روعته على نظيرتها حين قالت:

إنت قاصد تلخبطني أكتر...

تابع هجومه على ثباتها قائلًا:

بموت فيكِ.

يوووسف...

قالتها بدلال.

عيوني.

قالها بحب، ولكن سرعان ما برقت عينيها وكأنها تذكرت شيئًا، فصاحت بغضب:

صيييح! تعالالي هنا. حضرتك فتحت الباب وشدّيتني كده، افرض بقى كان في حد تاني غيري... كان هيبقى إيه الوضع دلوقتي؟

كانت غيرتها تتحكم بها وهي تمسكه من أعلى قميصه، فأجابها بوعيد يُبطنه المزاح:

عارفة يا كاميليا لو حد من الناس اللي بره دول شافك وإنتِ ماسكاني كده... هيبقى شكلي عامل إزاي؟

شاطرته المزاح قائلة:

هبقى أنا دخلت التاريخ من أوسع أبوابه يا روحي. المهم دلوقتي جاوب عليا يا يوسف: لو حد تاني دخل... كان زمانه مكاني، صح؟

باغتتها روعة كلماته ونبرته المشبعة بالصدق:

مفيش حد ينفع يبقى مكانك يا كاميليا.

صمت لثوانٍ، ثم أكمل ليجعل عشقها له يتضاعف داخل قلبها:

وبعدين، لو أي حد تاني غيرك... مكنش قلبي هيدق أوي كده. قلبي بيعرف صوت خطوتك.

كاميليا بعشق:

قلبك ده أغلى حاجة في حياتي.

يوسف بلهجته الخشنة التي تدغدغ حواسها:

قلبي ده مفيش حد سكنه غيرك، ولا حد قدر يوصله قبلك. إنتِ عشقي يا كاميليا... عشق يوسف.

ذابت من حلاوة كلماته، وارتمت بين ضفاف جنتها وحصنها المنيع، غير مصدقة أن هذه السعادة لها وحدها. فهطلت دموعها من فرط التأثر، وتسلّل بعض الخوف إلى داخلها من أن يحدث ما يعكّر صفوها، فشعرت به يتصلب وزادت وتيرة أنفاسه، فعلمت أنه غاضب. فغزا قلبها الخوف، فهي تعلم كم غضبه مرعب، فشدّد من احتوائه لها وقال بخشونة:

عارفة يا كاميليا كام واحد هنا بيمشي رافع راسه وعارف إن محدش هيقدر يرفع عينه فيه... عشان هو تحت حمايتي؟

ضيقت عينيها بعدم فهم؛ فهذا الرجل بالرغم من عشقه لها وهيامها به، إلا أنه مليء بالغموض والأسرار. فهو كـ اللوغاريتمات بالنسبة لها... لا تقدر على ترجمتها.

تخيلي يا كاميليا إن في آفات من الناس هنا، وفي العزبة، وفي كل مكان أنا بملكه... كلهم حاسين بالأمان عشان تحت حمايتي. والإنسانة الوحيدة اللي بعشقها، واللي ممكن أهدّ الدنيا لو اتمسّت شعرة واحدة منها... خايفة وهي معايا!

أنا مش خا...

أوقف استرسالها في الحديث بوضع إصبعه أمامها وقال بحزم:

متكذبيش يا كاميليا عشان أنا ما بحبش الكذب، وعشان إنتِ مش مضطرة لدا. أنا بفهمك من عنيكِ، إنتِ مرعوبة يا كاميليا، مش خايفة بس.

تنهيدة قوية خرجت من أعماقها، وتحركت في أنحاء الغرفة بحركة عشوائية تحت شعاع نظراته المسلَّطة على كل حركة بسيطة تخرج منها، فقالت بخفوت:

أنا مش مكتوبلي السعادة يا يوسف. مفيش مرة كملت فرحتي.

شعرت به يقترب منها فأدفأ قلبها الذي أثلجته برودة الحياة القاسية التي عاشتها، فأردفت بعدما أسكرها عشقًا:

إنت الحاجة الوحيدة الكاملة في حياتي. الحاجة الوحيدة الحلوة اللي بمتلكها. لو حصلت حاجة خلتني أخسرك يبقى مفيش حاجة اسمها عوض في الدنيا بالنسبالي.

خسارتها تعني الحياة، وأي حياة خالية منها تعني هلاكه. ولأنه رجل لا يعرف معنى المستحيل ولا يعطي لتلك الكلمة ولو حيزًا بسيطًا في قاموسه، اختار أن يبثها الأمان على طريقته:

عارفة يا كاميليا، الحب دا درجات، أول درجة فيه الإعجاب وآخر درجة فيه العشق. الإعجاب دا ما يعتبرش حب عشان بيبقى بالعين وبس. لكن لو اتكتب له عمر بيمر بمراحل كتير زي التعلّق، اللهفة، التعود، لحد ما يوصل لآخر مرحلة اللي هي العشق.

قال كلمته الأخيرة وهو يديرها لينظر داخل عينيها بقوة وهو يكمل:

اللي بيعشق دا بيبقى لا شايف ولا سامع ولا حاسس بأي حاجة غير باللي ساكن ومعشِّش في قلبه.

روعة كلماته جعلت العبرات تترقرق في مقلتيها، فتابع بخشونة أذابتها:

العشق دا يجري في الدم. يعني ما تعرفيش تتخلصي منه ولا تعيشي من غيره. وأنا عشقتك.

أوشكت على الحديث ولكنه تابع بصدق أثلج جروحها وأجلى الخوف الساكن بأعماق عينيها:

عشقتك لدرجة مخلياني مش عايز حياتي دي لو مش هتكوني فيها. أوعي تخافي ولو للحظة وأنا موجود.
لو حد فكر بس مجرد تفكير إنه يؤذيكي أو يبعدنا عن بعض أنا همحيه من على وش الدنيا حتى لو كان مين.

بس يا يوسف...

قاطعها يريد أن يمحي ذيول الخوف بقلبها:

لو حطوكي في كفة، والعالم دا كله في كفة، كفتك تربح. أنا مش عايز من دنيتي غيرك.

ذابت عشقًا من روعة كلماته ودفئها، فهمست بحب:

ولا أنا عايزة غيرك.

ضاعف من جرعات عشقه قاصدًا تعزيز ثقتها به وبنفسها أكثر بقليل، بخشونة:

عايزك بس تحطي إيدك في إيدي وتنسي أي حاجة في الدنيا غيري. مش عايز حد يكسرني بيكِ أبدًا، وأنا هدوس على كل حاجة في الدنيا ممكن تبعدني عنك.

أطلقت العنان لقلبها الذي همس بعذوبة:

بعشقك يا يوسف.

بادلها العشق، عشقها بأضعافه حين همس:

بعشقك يا قلب يوسف.

تدللت برقة:

ممكن أقعد معاك هنا؟ مش عايزة أشوف حد غيرك.

دا ممكن، وممكن، وممكن... تعالي.

جذبها لتستقر فوق المكتب بجواره، وأخذ ينظر إلى عينيها بعشق، فشعرت بالخجل منه وقالت:

هتفضل تبصلي كدا كتير ومش هتشتغل؟

مازحها قائلًا:

يعني بذمتك حد يكون قدامه القمر دا ويبص على حاجة تانية!

ابتسمت بخجل قبل أن تجيبه برقة:

بسيطة، هقوم من قدامك عشان تعرف تشتغل.

تسلل المكر من بين أمواج بحره الأزرق وتخلل لهجته حين قال:

عايزاني أعرف أشتغل ..؟

أكيد.

أسكنها بين جنبات قلبه مشددًا على احتوائه، مستمتعًا بدفء وجودها بجانبه:

خليكِ جنب قلبي كدا، وإنتِ هتشوفي مني أحلى شغل.

أردف كلامه بغمزة أربكتها، فأخفضت رأسها بخجل قائلة:

إنت بتستهبل يا يوسف؟

فقهقه بشدة قائلًا:

والله يا قلبي كان نفسي أوريكِ الاستهبال اللي على حق، بس للأسف مضطر أستنى أسبوعين لحد ميعاد الفرح.

لكزته في كتفه قائلة ووجهها يتوهج من فرط الحب والخجل معًا:

لو ما بطلتش هقوم وأسيبك.

أجابها بثقة:

آخرك هتمشي خطوتين وهترجعي تاني يا حبيبتي.

ودا ليه بقى؟

تحمحم بخشونة قبل أن يجيبها بثقة:

حاجة من الاتنين: يا قلبك هيرجعك بما يرضي الله، يا إما هقوم أجيبك أنا من شعرك وأرجعك بما لا يرضي الله. ها يا روحي تختاري إيه؟

أضاءت وجهها ابتسامة مرحة وهي تقول باستسلام:

لا، أنا أخليني هنا أحسن بكرامتي.

أنا بقول كدا برضو.

قالها بمرح، فهمست بتساؤل:

يوسف، إنت ممكن تضربني بجد لو زعلتك؟

أجابها بسلاسة:

اللي يضرب واحدة ست دا يبقى غبي ومش راجل يا كامي.. بس في أنواع عقاب كتير ممكن يعاقبها بيها، وتقريبًا الضرب دا أهون حاجة فيهم.

همست بتوجس:

ما تخوفنيش منك يا يوسف.

أجابها بابتسامة هادئة:

ليه بس يا قلب يوسف؟

أجابته بخفوت:

عشان إنت صعب مع الناس كلها، وكلهم بيخافوا منك وبيعملولك ألف حساب، وأكيد دا مش من فراغ.

تفنن في سكب رخات عشقه بتمهُّل حين أجابها:

إنتِ غير الناس كلها يا كاميليا. أنا ما قدرش أذيكي أبدًا، حتى لو اضطريت إني أعاقبك في يوم، تأكدي إني عمري ما هأذيكِ برضو.

حاوطت خوفها بذراعيها، وقد طمأنتها كلماته وبثتها الأمان الذي لا تشعر به مطلقًا سوى معه، وقالت بحب:

ربنا يخليك ليا يا حبيبي وما يحرمنيش منك أبدًا.

شدّد من قربهما، وطبع شهد عشقه فوق معالمها وقال بحنو:

ويخليكِ ليا يا حبيبتي.

وبعد وقت قليل وجدها قد غفت بين جنبات عشقه، فابتسم بداخله على هذا الملاك الجميل الذي هبط من السماء لينير حياته ويجعلها جنة.

عودة للوقت الحالي

تنهد يوسف بحزن وهو ينظر إلى تلك النائمة بسلام، ويتمنى لو أن الحياة توقفت عند تلك اللحظة، عندما غفَت بقربه. ليتَه لم يتركها أبدًا... لو يعلم أنها ستغادره بعدها، ما توانى عن البقاء بجانبها باقي عمره. لكن ما حدث قد حدث، وهي الآن معه، حتى ولو لوقت قصير، فيكفيه أن تكون أمام عينيه.

ارتسمت ابتسامة مريرة ساخرة على شفتيه من حلمه الجميل الذي تبدل في لمح البصر، ولأول مرة في حياته يخاف مما يخبئه له القدر...

بدأ النوم يداعب جفونه، وسرعان ما استسلم له، يسرق من الزمن لحظات ينعم فيها بجنّة أنفاسها...

وما حيلة قلبٍ قد أوقعه القدر في حيرة، بين الحنين لحلمه الجميل والسخرية من واقعه الأليم.

---

غرام، حبيبتي، مالك؟ فيكِ إيه؟

كان ذلك صوت كارما التي دخلت مندفعة نحو غرام المستلقية على سريرها، وكل شيء مبعثر حولها.

كارما...

قالتها غرام ببكاء وهي تتشبث بذراعي شقيقتها تنشد السكينة والراحة.

فهمست كارما بخوف:

مالك يا قلبي؟ حصلك إيه؟

ارتبكت غرام كثيرًا... ماذا تقول؟ وكيف تستطيع أن تقص عليها تلك الكارثة التي وقعت فيها جراء غبائها وتهورها وثقتها في ذلك الذئب؟ وعندما لمحت مازن أمام الباب، خفضت رأسها بحزن قائلة:

عملت حادثة.

دخل مازن الذي تفاجأ كثيرًا من حال غرام، فشعر بأن الأمر يتخطى كثيرًا مجرد حادث. اقترب منها يربت على ظهرها، فهو لطالما أحبها مثل أخته الصغيرة، فقد تربّت أيضًا على يديه.

غرام... حصل إيه يا حبيبتي؟ عرفيني، وما تخافيش، أنا جنبك. مفيش حد ولا حاجة هتقدر تأذيكي أبدًا وأنا موجود.

في إيه بيحصل هنا؟

كان هذا صوت أدهم الذي تفاجأ من وجود كلٍّ من مازن وكارما في الداخل، وقد غضب عندما رأى مازن قريبًا منها هكذا.

أدهم، إنت إيه اللي جابك هنا؟

قالتها كارما باندهاش، ثم ما لبثت أن نظرت لغرام بشك وأردفت:

هو حصل إيه يا غرام؟

قالتها بنبرة حادة، فتحدث أدهم بهدوء:

كارما، كلميني أنا وأنا هفهمك.

التفتت كارما تناظره شذرًا قبل أن تقول بحدة:

بصفتك إيه هتفهمني؟

أدهم بغلظة:

ما انتي لو تديني نفسك فرصة تسكتي، هتفهمي.

تمام، اتفضل، فهمني.

ممكن نتكلم برّه.

هكذا تحدث أدهم بنفاد صبر، فتدخلت غرام قائلة بلهفة:

أنا عملت حادثة، وهو لحقني وجابني هنا المستشفى.

كانت قد ارتعبت مما قد يخبر كارما به، فهي لا تثق به مطلقًا. فنظر إليها أدهم بغموض، وقد انتابه غضب ممتزج بالحزن حين وجدها ترتجف كورقة في مهب الريح. فلعن نفسه للمرة المليون على ما فعله بها، فهي لا تثق به أبدًا، ولهذا اختلقت تلك الكذبة خوفًا مما قد يخبر أختها به. لكنها لا تعلم بأنه لن يقدر على أذيتها مرة أخرى...

وهو عرف منين موضوع الحادثة دا؟

تحدثت كارما بريبة، فتدخل مازن الذي تأكد أن هناك شيئًا بين غرام وأدهم، وأن لأدهم علاقة بما حدث لها. فقد اكتشف ذلك من خلال نظرات غرام الحزينة له.

خلاص يا كارما، إنتِ مش شايفة حالتها عاملة إزاي؟ خلينا نشوف الدكتور ونطمن عليها الأول، وبعدها ابقي اعرفي كل اللي إنتِ عايزاه.

جلست كارما بجانب أختها وعاتقتها قائلة من بين دموعها:

طب قوليلي، الحادثة دي حصلت إزاي؟

كنت بعدي الطريق، وعدى واحد خبطني بالعربية وجري. وبعدها أُغمى عليا، وصحيت لقيت نفسي هنا. تقريبًا هو جابني على هنا...

كانت تشير عليه بعينيها، لكنها لم تستطع أن تذكر اسمه خوفًا من أن تهتز نبرة صوتها عشقًا ووجعًا. يكفيها ذلك الحزن الكبير على حالها، وعلى اضطرارها للكذب على شقيقتها. لكن ليس بيدها شيء.

شهقت كارما بذعر، وشددت من احتضانها قائلة:

يا قلبي، سلامتك... والحيوان دا إزاي يعني يخبطك ويجري كدا؟ هو للدرجة دي الناس ما عادش عندهم رحمة في قلوبهم؟

تدحرجت العبرات من مقلتيها وهي تقول بأسى:

فعلًا يا كارما، الناس بقوا وحشين أوي، وما عادش عندهم رحمة في قلوبهم.

تمزقت أوتار قلبه، فهو يعلم بأنها تقصده بحديثها. لكنه بقي على حالته من الجمود، فهبت كارما قائلة بلهفة:

أنا لازم أشوف الدكتور وأطمن عليكِ.

مزق ثوب الجمود قائلًا:

أنا لسه كنت عند الدكتور، وهو طمّني عليها. بس هيحتاج إنها تبات هنا النهارده عشان يطمن عليها أكتر.

لم تلتفت إليه، بل طالعت شقيقتها برجاء:

أنا عايزة أمشي من هنا يا كارما. مش هقعد هنا ولا دقيقة واحدة.

يلا يا كارما عشان أوصلكم.

تحدث مازن أخيرًا بعد أن كان يراقب الموقف في صمت، حتى تأكدت له شكوكه. لكنه أقسم بداخله أن يعاقب أدهم أشد العقاب إن تأكد من ظنونه.

اقترب من غرام يساعدها مع كارما على النهوض، لكن ما أوشك على الإمساك بيدها حتى فاجأته يد أدهم الذي كان ينظر إليه بغضب جحيم، وقال من بين أسنانه:

إنت رايح فين؟

فابتسم مازن ساخرًا، وأراد أن يضايقه قليلًا، فقال بهدوء:

هشيلها، عشان أكيد مش هتقدر تمشي.

تبلور الجنون في نظراته وهو يقول بهسيس مُرعب:

فكّر بس تلمسها، ووقتها هنسى إنك أخويا الكبير، وهنسى أي حاجة بتربطني بيك.

كانت كارما مُنشغلة بغرام فلم تلحظ ذلك الحديث الدائر بينهم، وخاصةً ملامح مازن الساخرة.

‐ "وماله يا روميو ..."

توقف أمام السرير وقال بجفاء:

"أنا هوصّل غرام لحد البيت عشان عايز أتكلم معاها في موضوع."

صاحت الفتاتان معًا:

"لا طبعًا!"

تجاهل ذهولهما وقال بفظاظة:

"غرام، عايز أتكلم معاكِ في موضوع مهم."

شدّد على جملته الأخيرة بغضب مكتوم من عنادها.

واصلت عنادها قائلة بحنق:

"وأنا تعبانة ومش عايزة أتكلم مع حد."

قالتها دون أن تنظر إليه خوفًا من أن تقع في فخ عينيه مجددًا، لكنه ضاق ذرعًا بكل شيء فصاح غاضبًا:

"تمام أوي! مازن، لو سمحت وصّل كارما وأنا هوصّل غرام."

أنهى جملته واقترب منها، رافعًا جسدها ليحملها بين كفوف عشقه الذي لا يزال ينكره، وخرج من الغرفة وسط ذهول تام من كارما ومازن، وحتى غرام التي لم تستفق إلا عندما سمعت باب السيارة يُغلق بعنف، فالتفتت له قائلة بصراخ:

"إنت إنسان مش طبيعي! إنت أكيد مجنون ... إيه اللي إنت عملته دا؟"

تعاظم غضبه حتى بدا جحيميًا:

"ما هو إنتِ لو ما عاندتيش ماكنتش عملت كدا!"

لم تكترث كثيرًا لغضبه، بل أجابته بغضب مماثل:

"هو بالعافية؟! مش طايقة أتكلم معاك!"

فاجأها جموده حين قال:

"بس أنا عايز أتكلم معاكِ."

لم تعُد قادرة على احتمال غطرسته وألمها، فصاحت بتقريع:

"تصدّق إنك بجح؟ تقتل القتيل وتمشي في جنازته! عايز مني إيه تاني؟ مش كفاية اللي عملته فيّا؟"

"ماعملتش!"

قالها بصراخ يصمّ الآذان، مما جعلها تندفع للخلف خائفة، ليتابع بقهر يمزّق أحشاءه من الداخل:

"ماعملتش ... مقدرتش أذيكِ أبدًا!"

قال جملته الأخيرة بضعف أذهلها، فظلت جامدة بلا حراك، فلم يستطع عقلها أن يستوعب كلامه. اقترب منها ما إن لاحظ حالة الجمود التي اعترتها، مستندًا جبهته على جبهتها، وقال بحزن:

"مقدرتش ... والله ما قدرت ألمسك أو أذيكِ ... أنا كنت بس عايز أعملك قرصة ودن عشان تبطلي اللي إنتِ بتعمليه دا وتحرصي على نفسك أكتر من كدا."

ماذا ... ماذا ... ماذا؟! هل حقًا لم يفعل بها شيئًا؟ هل تركها تعاني كل تلك الآلام وتتجرع كل ذلك الخذلان وتشعر بهذا الخزي ليعاقبها على هذا الهراء الذي صوّره له عقله المريض؟

لم تشعر إلا وهي تنهال عليه باللكمات وتسبّه بكل أنواع السباب التي تعرفها، فلم يفكر بمقاومتها، بل تركها تفرغ كل شحنات غضبها منه حتى هدأت أخيرًا وقالت من بين دموعها:

"إنت أحقر إنسان شفته في حياتي ... أنا عمري ما هسامحك حتى لو بتموت!"

قالت جملتها التي استقرّت في منتصف قلبه، لكنها فاجأته بفتحها باب السيارة وهروبها إلى ذراعي شقيقتها التي كانت تقف مذهولة من الحالة التي فيها غرام!

على الفور هرول خارج السيارة وتوجّه إليها، يودّ لو يصرخ بها أمام الجميع بأنه يعشقها، لكنه تفاجأ بلكمة باغتته وألقته أرضًا وسط ذهول تام منهم جميعًا ....

---

"عمي، ممكن أتكلم مع حضرتك شوية؟" قالتها صفية بعد أن طرقت باب الغرفة على رحيم الذي سمح لها بالدخول.

"طبعًا يا صفية، اتفضلي ... في حاجة ولا إيه؟"

"لا أبدًا، مفيش حاجة ... لو هتنام أأجلها لوقت تاني."

"يا ستي مش هنام ولا حاجة، بس استغربت عشان الوقت اتأخر ودي مش عوايدك تكوني صاحية لحد دلوقتي."

قالت صفية بخفوت:

"أصل حصلت حاجة كدا وكنت حابة أقولك عليها ... حضرتك عارف إني ما اتعودتش أخبّي عنك حاجة."

أيقظت جيوش فضوله فقال باستفهام:

"حاجة إيه دي اللي ما تستناش لحد الصبح؟"

أخذت صفية تقصّ عليه ما حدث، بدءًا من إخبار نيفين لها بخروج روفان لمقابلة علي، وحتى تلك المكالمة التي أتتها من يوسف.

عودة لوقت سابق ...

"يوسف! حبيبي يا ابني، إنت فين؟ طمّني عليك! بقالي أسبوع هتجنن مش عارفة عنك أي حاجة!"

هكذا صرخت صفية بخوف، فأجابها يوسف بنبرة مُطمئنة:

"يا أمي، اهدي ... أنا كويس، إديني فرصة أتكلم."

قالت صفية بعتب:

"كاميليا معاك يا يوسف، صح؟ أوعى تأذيها يا ابني، ورحمة أبوك الغالي."

فقال يوسف بغلظة:

"مين قالك إن كاميليا معايا؟"

تلعثمت صفية واحتارت ماذا تخبره، لكنها فضّلت أن تخبره الحقيقة، فالصدق دائمًا مُنجي.

"ابن خالة كاميليا جه عندنا القصر وسأل عليها، وقالنا إنك ... يعني ..."

"يعني إيه يا أمي؟ قولي ما تجننيش!"
قالها بغضب.

"إنك خطفتها ... واتخانق مع جدك!"

تجمعت ذرات الغضب فوق جبهته، واسودّت عروقه، وكذلك نبرته حين قال:

"شكل الهانم ما قالتش لابن خالتها إنها مراتي!"

أجابته صفية بلهفة:

"لا يا ابني، هو عارف والله ... بس أصل خالتها يا عيني تعبت ودخلت المستشفى لما عرفت إنها اتخطفت، ووصّته إنه يدور على بنت خالته."

أنهى النقاش قائلًا بجفاء:

"ماشي يا ماما، أنا هتصرف ... المهم بكرة تيجوا إنتِ وروفان عشان تشوفوا كاميليا، هي في مستشفى (...)."

اندلعت حرائق الخوف بقلبها جراء حديثه:

"كاميليا مالها يا يوسف؟ مستشفى إيه؟"

قال يوسف بجمود:

"اطمني، هي كويسة ... شوية هبوط بس عشان ما كانتش بتاكل كويس."

استفهمت بجزع:

"يوسف، إنت ما بتكذبش عليّ، صح؟"

"وأنا من إمتى كذبت عليكِ يا صفية؟"

همست بتعب:

"ربنا يريح قلبك يا ابني ... طب مش ممكن نيجي نشوف كاميليا دلوقتي؟ دي وحشاني أوي."

قال يوسف باختصار:

"الوقت اتأخر يا أمي، خليكوا بكرة."

"ما إحنا كده كده برّه."
قالتها صفية بلهفة، فقال بخشونة:

"وإنتوا بتعملوا إيه برّه في الوقت دا إنتِ وروفان يا ماما؟"

تلعثمت صفية وفضّلت تأجيل الحديث لحين الاطمئنان على كاميليا، وحتى لا تزيد غضبه من علي الذي شعرت به من نبرة صوته، فقالت كاذبة:

"كنا بنشتري شوية حاجات يا حبيبي، وبعدين قولنا نقعد في أي كافيه نرتاح شوية ونشرب حاجة، وبعدها نروح."

شعر يوسف باهتزاز نبرة صوتها، لكنه فضّل الصمت على أن يعرف ما أربكها في وقت لاحق.

"ماشي يا ماما، هستناكم بكرة تيجوا تشوفوها، وبعدها نتكلم براحتنا ... سلام دلوقتي."

عودة للوقت الحالي

"وهو دا اللي حصل يا عمي ... وأنا بصراحة ما اتعودتش أخبي على حضرتك حاجة، وكمان ما قدرتش أستنى لحد بكرة الصبح."

ابتسم رحيم بهدوء قبل أن يقول:

"عارفة يا صفية ... إنتِ فيكِ حاجات كتير أوي حلوة، بس أحلى حاجة فيكِ إنك نقية ... ما تعرفيش اللوع ولا الخداع. يعني بالرغم من إنك عارفة إني ممكن أعاقب روفان على اللي عملته، بس إنتِ اخترتي تكوني صادقة معايا وتعرفيني إيه اللي بيحصل من ورا ضهري."

قالت صفية بهدوء:

"يا عمي، أنا شاكرة لذوقك، وشهادتك دي أعتز بيها ... بس روفان لسه صغيرة وخافت على أخوها، ما كانتش تقصد تكذب علينا أو تخبّي."

أومأ برأسه قائلًا بتفهّم:

"فاهم يا صفية ... وعارف كلامك دا من قبل ما تقولي ... وعارف اللي حصل من قبل ما تيجي تحكي."

صُدمت صفية مما تفوّه به، واتّسعت عيناها وهي تقول بذهول:

"تقصد إن حضرتك كنت عارف إن روفان قابلت علي؟"

"تقصدِي بتقابله! أنا عارف من وهي هناك معاه!"

اغتاظت، لكنها كظمت غيظها حين قالت بهدوء:

"وطبعًا أكيد سميرة اللي قالت لحضرتك؟"

"مش مهم مين قالي يا صفية ... المهم اللي حصل، والواد اللي اتجرأ دا وفكّر يهدد روفان عشان تقابله لازم يتعاقب."

قالت صفية بهدوء:

"يا عمي، صدقني ... الولد دا كويس جدًا ومحترم، هو بس قلقان على بنت خالته ... كمان والدته دخلت المستشفى من الزعل."

استنكر دفاعها عنه، فقال باندهاش:

"إنتِ غريبة يا صفية! بتدافعي عنه بعد ما هدد إنه يموت ابنك؟"

قالت صفية باتزان:

"عشان عارفة هو عمل كدا ليه ... وله مبرره."

"إنتِ كمان بتبرّري له يا صفية؟"

"مش ببرّرله يا عمي، بس هو عارف هو داخل بيت مين، وكان لازم يبيّن إنه مش خايف منّا ... وقال كدا عشان يوسف ما يفكرش يأذي كاميليا."

قال رحيم بسخرية:

"دا أقنعك بقى؟"

قاومت ذلك الاتجاه الذي تأخذه كلماته وقالت:

"ما أقنعنيش ولا حاجة، بس أنا مش صغيرة وأقدر أفهم الناس كويس ... وكمان أنا عارفة تربية فاطمة هتبقى عاملة إزاي."

"قصدك أصلها يا صفية هو اللي هيمنعها تعمل حاجة وحشة ... فاطمة دي زيها زي أختها."

كلماته كانت تحمل طابع الاحتقار والبغض الذي أغضبها، لذا قالت مؤكّدة على كلماتها:

"فعلًا، فاطمة زيها زي زهرة الله يرحمها، والاتنين أحسن من بعض ... حتى لو حضرتك رافض تصدّق دا."

تشدّق ساخرًا:

"تحبي أفكّرك بالعذاب اللي اتسبّبوا لك فيه؟"

رفضت أن تخطو كلماته إلى غرفتها السوداء بجراحها الدامية، فقالت بلهجة حاسمة:

"مش هما يا عمي ... وحتى الشخص اللي حضرتك تقصده ما كانش يقصد يعذبني أبدًا!"

قال رحيم بقهر لم يفلح في إخفائه:

"بس كان يقصد يعذب ابني!"

يئست من عناده، فقالت بلهجة أهدأ:

"أرجوك يا عمي ... بلاش نفتح في اللي راح. كل واحد بياخد نصيبه ... والماضي مات واندفن ... أنا كنت عايزة أعرف حضرتك ناوي تعمل إيه مع علي؟"

قال رحيم بجفاء:

"اللي مانعني عنه إن هاشم كان بيعمل عملية كبيرة في قلبه ... مش هيستحمل أي حاجة دلوقتي تتعبه، خصوصًا إنه عمل المستحيل عشان يخليهم يروحوا يعيشوا معاه من بعد موت سالم الله يرحمه."

قالت صفية بسخرية:

"لا، تقصد شرط عليهم إنه مش عايز أمهم في حياته ... عايزهم بس من غيرها!"

اندفع يدافع عن صديقه:

"حقه! بعد ما اتسبّبت في بُعد ابنه عنه ومات زعلان منه."

لم تستطع الصمت عن تزييف الحقائق فقالت مُصحّحة:

"قصد حضرتك ابنه هو اللي بعد عنه ... لما لَقاه واقف قدام سعادته معاها."

تشدّق ساخرًا:

"عرفت تضحك عليه وتوقعه في حبها، وتاخده من أهله ... وكل دا عشان فلوسه وفلوس عيلته."

قالت صفية بتقريع خفي:

"ولما أنقذت حياة عمرو حفيده ... كان عشان فلوسه؟! لما رضعته مع بنتها واهتمّت بيه بعد ما الدكاترة كلها قالوا هيموت ... خدته في حضنها وحافظت عليه لحد ما وفاء خرجت من المستشفى بالرغم من كره وفاء الفظيع ليها!"

تجاهل صَخَب تلك الحقائق التي تزعجه وقال:

عشان كان المفروض سالم بيحب وفاء و هيتجوزها.

سالم عمره ما كان هيتجوز وفاء أبدًا حتى من قبل ما يقابل فاطمة، وحضرتك فاهم أنا بتكلم عن إيه.

ضاق ذرعًا من حصارها فصاح غاضبًا:

وهاشم عمل كل اللي عليه معاها، كفاية قوي إنه ما رضيش يقول لعلي إن.............

قاطع حديثهما صوتُ طرقاتٍ على الباب وهو

يتبع....
شوفولي الحلوياتي دي 😍😍😍

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...