الفصل 21 | من 57 فصل

رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
24
كلمة
6,220
وقت القراءة
32 د
التقدم في الرواية 37%
حجم الخط: 18

الوجه العشرون للعشق 🌹

أيقنتُ أنّني لم أُخلق لأحيا بدونك،
وأن كل لحظةٍ تخلو منك ليست إلّا جحيمًا يمتص الحياة من قلبي. فأنتَ النورُ الذي أضاء عتمة أيامي،
والحياةُ التي لم أعرفها يومًا إلّا بين جنبات عشقك.
ولذا، وبكل ما في قلبي من شغفٍ ووعي،
أهمس لك اليوم: أحبّك... أحبّك حدَّ امتلاء الروح بك.

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

دقيقة، اثنتان، ثلاث... لا تعرف كم مرَّ من الوقت وهي تنتفض بين يديه حتى بلَّلت دموعها مقدمة صدره من شدّة هطولها.

فقد كانت تبكي حبَّها وضعفها وقلة حيلتها أمام طوفان الشرّ الذي يُحاصرها، وهي غير قادرة على فعل شيء.

لم تستطع سوى أن ترتمي بين جنبات صدره تنشد بعض الدفء والأمان الذي لم تشعر به مع أحدٍ سواه...

وفجأة شعرت بالبرد يجتاح أوصالها ممتدًّا إلى قلبها، قلبها الذي رفض فكرة أن يكون قد سئم منها وقرّر إبعادها عن حياته. فأخذت رأسها تتحرّك يمينًا ويسارًا عندما شعرت به يطلق سراحها، وأخذت ترتجف وهي لا تزال على مقربةٍ منه، رافضةً فكرة أن يفلتها قلبه. ليصدمها ذلك الجمود في صوته الثابت، المتناقض تمامًا مع تلك العاصفة الهوجاء التي أثارتها كلماتها داخله.

كاميليا!

بصعوبة حاولت نزع نفسها من جانبه، فتقهقرت خطوتين إلى الخلف مطأطئةً رأسها، فلم تعد قادرة على النظر إلى عينيه؛ فكيف تنظر إليهما وهي لن ترى فيهما تلك النظرات العاشقة التي كانت تختطفها من براثن تلك الحياة القاسية، وتخبرها دومًا بأن هناك ما يجب أن تحيا من أجله؟

بصِّيلي يا كاميليا...

كان هذا صوته البارد الذي وكأنّه أقسم ألا يلين معها مرةً ثانية، فقد كفاه ما ذاق من ألمٍ وخذلانٍ على يدها، ولا مجال للضعف الآن.

أيقظ صوته بعضًا من كبريائها، فمدّت يدها المرتجفة لتمسح بعض عَبَراتها قبل أن ترفع رأسها وتنظر إليه. وليتها لم تفعل، فقد أهلكته تلك النظرات الحزينة المنبعثة من عينيها، والتي أخبرته بمدى معاناتها. اقترب منها خطوةً دون وعي، ومدّ يده ليمسح تلك الدمعة التي فرّت من طرف عينها، لكن، كالعادة، أوقفه كبرياؤه في اللحظة الأخيرة، ليزفر حانقًا وهو يتراجع إلى الخلف، فتفاجئه بكلماتها التي لم يعلم هل أغضبته أم أفرحته:

أنا آسفة يا يوسف...

في النهاية شعر بالغضب؛ فهل كل ما مرَّ به تداويه كلمة آسف؟! فتحدّث بحدّة:

دي تاني مرة تتأسفي يا كاميليا! ممكن أعرف بتتأسفي على إيه بالضبط؟

على الحيرة اللي إنتَ فيها بسببي دي...

أثار حديثها دهشته التي سرعان ما تحوّلت إلى غضب، فهتف بانفعال:

بس...! على الحيرة اللي أنا فيها بس! بالنسبة لهروبك اللي لحد دلوقتي مش لاقي له سبب مقنع مش آسفة عليه؟!

صمت لثوانٍ ثم تابع بمرارةٍ تأكل قلبه من الداخل:

عارفة يا كاميليا أنا اتحملت إيه في الست شهور دول؟
من أول يوم هربتي فيه وأنا بتحمّل نظرات كل اللي حواليا... من شفقة لاستهزاء لشماتة، لما بقيت لأول مرة في حياتي أهرب. أهرب من أهلي وأخواتي وأصحابي والناس كلها...

علت نبرة صوته بفعل ذلك الغضب الكامن في أعماقه، فانفجر أخيرًا، كالنمر الجريح:

لأول مرة في حياتي ماقدرتش أتحكم في دموعي... لأول مرة أحسّ إني ضعيف بسببك. كنت بدفن نفسي في الشغل زي الحيوان عشان ما أفكّرش فيك، وبرضه مكنتش بعرف. وفي عزّ ما كنت ببقى مشغول وحواليا ألف حد، كانت صورتك بتيجي في خيالي وتلخبط كل كياني.

التفت حول نفسه كالمجنون وهو يهذي كطيرٍ ذبيح:

عقلي ما بطّلش تفكير لحظة واحدة، وقلبي طول الوقت بيسألني: ليه؟ غلطنا في إيه عشان تعملي فينا كده؟ وقفت قدّام الدنيا بحالها عشان خاطرك، وماهمّنيش حد ولا أي حاجة.
قولتلك إنتِ قوتي ومن غيرك هضعف، وبرضه سبتيني...
قولتلك ما تخليش حد يكسرني بيكي، والحقيقة إن إنتِ اللي كسرتيني يا كاميليا!

قال الأخيرة بلوعةٍ أدمت قلبها، فقد مزّقتها كلماته وأشعرتها بمدى فداحة فعلتها. فتفجّرت بداخلها جميع براكين عشقه مع نيران الندم التي كانت تقرضها من الداخل، لتندفع نحوه تحيطه بعشقها وندمها وهي تقول ببكاء:

ما تقولش كده أرجوك... يا ريتني كنت موت وما عملت فيك كده.

قاطعها بصرامة ودون وعي منه:

ما تقوليش كده تاني!

لتكمل بانهيار، بكل ما يعتمل في صدرها من وجع:

سامحني... غصب عني والله. والله غصب عني. مكنتش أقدر أعيش معاهم في مكان واحد. كنت خايفة أوي. أنا كنت بموت من غيرك. ما عشتش يوم واحد حلو وإنت بعيد، بس مكنش قدامي حل تاني يا يوسف، والله ما كان قدامي أي حل تاني.

اخترقت قذائف كلماتها مسامعه، فتصلّب جسده كلّه، وهو يحاول أن يترجم ما سمعه.
هل يمكن أن تكون محبوبته قد تعرّضت للتهديد أو الابتزاز على يد أحدهم دون علمه؟
هل يمكن أن يكون أحدهم استغلّ طيبتها وبراءتها وأجبرها على الرحيل؟

فأبعدها عنه ناظرًا بقوة في عينيها، وقال بترقّب:

إنتِ بتقولي إيه؟ ومين اللي إنتِ خايفة منهم؟

لم تستطع أن تجيبه على تساؤلاته، فازدادت عبراتها هطولًا دون توقف، وخفضت رأسها بقلة حيلة، فهي لا تقدر على إخباره بأكثر من ذلك. فامتدت يده ترفع رأسها إليه، وتلاقت أعينهما للحظات قبل أن يقول بألم:

كاميليا، كفاية عذاب بقى وقوليلي حصل إيه؟
أنا مبقتش قادر أتحمّل أكتر من كده. مبقتش قادر أتحمّل الحيرة والنار اللي أنا عايش فيها من وقت هروبك. أنا خلاص قربت أتجنن...

امتد كفّاه ليحتويها بحنان لامس قلبها، خاصةً عندما قال بهسيسٍ خشن:

اتكلمي يا روح قلبي، وأنا أوعدك مش هسمح لحد في الدنيا كلها يمس شعرة منك.

حاضر... هحكيلك.

أخيرًا أخذت قرارها بالحديث، فماذا ستخسر أثمن منه؟ فإن كانت كل الطرق لا تؤدي إليه، فلتصنع هي طريقها الخاص بنفسها.

طنط سميرة هددتني إني لازم أبعد عنك، وإلّا هتقول للناس كلها إن ماما كانت بتخون بابا مع عمو مراد، وإن معاها الدليل اللي هتثبت بيه كلامها. وأنا مقدرتش أسيبها تشوّه سمعة ماما يا يوسف... مقدرتش.

هبت من مكانها، فلم تعد تستطيع التحمل أكثر، لتجهش ببكاءٍ مرير، إلى أن شعرت به خلفها يحتوي ألمها ويهدهدها وهو يقول بخفوت:

هششش... اهدي وبطّلي عياط.

انتزعت نفسها من بين يديه وقد تذكرت حديثه عن والدتها الذي شطر قلبها نصفين، فقالت بصراخ:

ماما عمرها ما كانت خايْنة! حتى لو كلكوا قولتوا كده، أنا مش هصدّق أبدًا!

وهنا صدح قلبه هاتفًا: ألم أقل لك؟
من البداية صدق حدسي؛ فهي لم تتركنا كما ظننت، بل إنها أُجبرت على الرحيل.

عند هذه الفكرة احتواها بكل ما يكنّه لها من عشق، فقد كان احتواءً كاسحًا يحمل من الحب ما تعجز الكلمات عن وصفه، عشقًا سرعان ما انتقل إليها، فانخرطت في دوامة حبّه غير عابئة بألمها الناتج عن قوته.
غرسها بين جنبات صدره برفق كما لو كانت أثمن أشيائه في هذه الحياة، ثم جلس وهي قابعة عند موضع جنونه بها، يهدهدها كطفل صغير ناثرًا عشقه على خصلاتها وهو يهمس لها ببضع كلماتٍ مطمئنة حتى هدأت شهقاتها.

رفع رأسها ونظر إلى أعماق عينيها قائلًا بحب:

آخر مرة أشوف الحزن ده كله في عينيكي، وآخر مرة أشوفك بتعيطي كده... فاهمة؟

يوسف...

قاطعها بوضع إصبعه أمام شفتيها الشهية وقال بأمر:

فاهمة؟

تلقت إيماءة من رأسها؛ فهو يعلم أنّها ما زالت خائفة من المجهول ومن ما قد يصيبها من تلك الأفعى، ولا تعلم أنّه ينتوي أن يُريها الجحيم على الأرض. لكن صبرًا، فلكل مقامٍ مقال...

يعني إنت خلاص سامحتني؟

قالتها كاميليا بعدما طال صمته وهو ينظر إليها بتلك النظرات الغامضة التي أربكتها وقذفت الحيرة داخلها: أيسامحها أم لم يصدقها من الأساس؟

كان يتأمل ملامحها وكأنه يتشرّبها شوقًا، لكنه قال معاندًا صرخات قلبه التي تطالبه بها:

لسّه...

مطّت شفتيها بعبوس وقالت بغضبٍ طفولي، فقد أرهقها كل شيء ولم تعد تطيق الفراق، فقالت بحزن:

طب هتسامحني إمتى بقى؟

بعدما تحدثت بكل هذا اللطف، لم يستطع أن يقاوم قلبه أكثر، فهَمَس أمام منبع ارتوائه وعذابه في آنٍ واحد:

لما أشبع منك الأول... وأروي قلبي اللي بقاله عشرين سنة محروم من جنتك.

وما إن أنهى جملته حتى أخذ ينهل من عشقها بلا هوادة، فغابت هي عن كل ما يحيط بها، وغاب معها قلبٌ اكتفى بها عن العالم أجمع.

كـينبوع ماء في وسط صحراء قاحلة... هكذا هو حبكِ ❤

*************

أؤمن أنّ الحبّ والغيرة وجهان لعملةٍ واحدة؛
فلا حبّ بلا غيرة، ولا غيرة بلا حب.
فكلُّ مُحبٍّ غيور، وكلُّ غيورٍ مُحب.
ولأنّ القلب حين يعشق يختبئ خلف ستار اللامبالاة،
قد يُخفي سنواتٍ من الشوق بين أضلعه،
إلى أن تأتي لحظةُ غيرةٍ واحدة،
فتُسقط كلّ الأقنعة، وتُطيح بذلك الثبات الهشّ،
كاشفةً عن عشقٍ جامحٍ
يعترف به النبض قبل الشفاة

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

كانت غرام تتحدث على الهاتف مع إحدى صديقاتها بالجامعة منتظرة أن يجهز طلبها في كافيتريا المشفى، لتلاحظ ذلك الذي كان يتلفّت حوله كطفلٍ ضائعٍ من والدته، وأخيرًا وجدها عندما التقت عيناه بتلك الفاتنة التي كانت تتحدث على الهاتف وتمسك بإحدى خصلات شعرها بدلال، غير عابئة بنظرات الإعجاب التي تحاوطها من كل جانب، فتشعل في قلبه فتيل النيران التي لم تهدأ لثوانٍ معدودة بعد ما فعله ذلك الطبيب الأحمق الذي تجرأ ونبض قلبه لأجلها.
لتضفي وقود أفعالها الجنونية نيران غيرته من جديد، عندما اقترب منها وسمعها تتحدث إلى صديقتها قائلة بهيام:

طول إيه وعرض إيه! قمر قمر يخربيته، لا وإيه كمان! دوك قد الدنيا، مش صايع من اللي مولودين وفي بقهم معلقة دهب ورايح جاي على شركة بابي وجدي، وهو ولا له أي لازمة في الدنيا...

صعقته كلماتها وتغزّلها بذلك الأحمق الذي حوّله إلى كومة من العظام المحطّمة، فغلت الدماء في عروقه وقال متوعّدًا:

ماشي يا غرام، الكلب بقي؟! أنا صايع وما ليش لازمة؟! أما وريتك...

خطا خطوتين تجاهها، وما كاد أن يخطو الثالثة حتى تفاجأ بذلك الغبي يتقدم منها، وتنبعث من عينيه نظرات إعجاب صريحة وهو يقول:

هيكون فيها قلة ذوق مني لو قلت لك إني معجب بيكِ جدًا وعايز أتعرف عليكِ؟

التفتت له غرام متفاجئة وهمّت بأن تلقّنه درسًا لا ينساه ذلك الوقح، لكن رائحة عذبة تخللت أنفها لتخبرها بأن هناك من يحترق في الخلف، فاشتعل المكر بداخلها لترسم ابتسامة خجل متقنة جعلت ذلك الشاب يتجرأ أكثر، مقتربًا منها خطوة أخرى وهو يمد يده مصافحًا.
لكنّ المفاجأة كانت لكمة قوية أطاحت به، تلقاها من ذلك الذي انفجرت كل خلية فيه غضبًا وغيرة، فلم يعد يهتم بما يدور حوله، وامتدت يده ممسكةً بمعصمها، يجذبها خلفه دون أن يهتم بتعثّرها أو بصراخها الغاضب، حتى وصل إلى سيارته ففتحها وألقاها في المقعد الأمامي وهو يزفر نيرانًا من أنفه.

لم تعبأ غرام بمظهره المرعب وقالت صارخة بغضب:

إنت اتجننت؟! إيه اللي إنت عملته دا؟!

لم يستطع الالتفات إليها، فقد كان يحاول أن يهدأ من ذلك الغضب المريع الذي يتملّك كل خلية فيه، وهي لا تساعده أبدًا، بل تزيد من نيران غضبه التي لن تحرق سواها.
وفجأة تفاجأ بصراخها ويدها تمتد لتلكمه في كتفه وهي تقول بانفعال:

أنا بكلمك يا حيوان إنت...

لم تستطع أن تُكمل باقي جملتها، فامتدت يده تطحن خاصرتها حتى كادت عظامها تتكسر، وهو يقربها منه حتى أصبحت أنفاسه الغاضبة تحرق المكان حولهما، فشعرت بالرعب من ذلك الجحيم المُرتسم في نظراته ونبرته الخطرة وهو يقول من بين أسنانه:

إياكِ صوتك يعلى عليّ تاني، أو تفكّري تقلّي أدبك وتطوّلي لسانك اللي عايز أقطعه دا، فاهمة؟!

لم يُطاوعها لسانها على الإجابة، فجاءت كلماته التالية توحي بسوء حالته:

وبعدين... أنا عارف إن اللي إنتِ بتعمليه دا مقصود عشان تجنّنيني، صح؟

اندهشت من حديثه، لكنها سرعان ما أجابت بمكر:

وهو إيه اللي حصل بقى وأنا قصده؟

حوار الدكتور الغبي دا، وكلامك مع صاحبتك، والمتخلّف اللي كان في الكافيه!

تراقصت دقات قلبها من حديثه الذي يقطر غضبًا وهي تراه يتلوّى بنيران الغيرة، وذلك الشرر ينبعث من عينيه، لتقرر هي أن تزيد من معاناته قائلة بغنج أصابه بالجنون:

تقصد الدكتور رامي؟

قاطعها بغضبٍ أعمى، بفعل غيرته التي كانت تأكل كل ذرة فيه:

قصدك دكتور زفت! ما تنطقيش اسمه قدّامي!

كتمت ضحكة شماتة بداخلها وهي تتعمد أن تقول ببراءة:

بصراحة مش فاهماك... إيه اللي مش طبيعي في الحوار؟ واحد شاف واحدة أعجب بيها، وواحدة بتحكي لصاحبتها عن واحد أعجبت بيه، إنت إيه اللي مضايقك؟

كانت كلماتها كالبنزين الذي صُبّ على نيرانه، ليضحك كمن مسّه الجنون، ويحرك رأسه يمينًا ويسارًا متمتمًا دون وعي:

معجب بيها... وهي معجبة بيه!

ثم بحركة مفاجئة قبض على مؤخرة رأسها، لتجد نفسها في مواجهة مباشرة مع ظلام عينيه وغضبه الأسود، حين قال من بين أسنانه:

يمين بالله يا غرام، لو جبتي سيرة راجل تاني قدّامي، أو حتى فكرتي فيه بينك وبين نفسك، لهكون دافنك مكانك... سامعة؟

*************

ها يا حبيبتي، عاملة إيه دلوقتي؟

كان هذا صوت صفية الحاني، تطمئن على نيفين التي أصابت قلبها الحُمّى ما إن عرفت بحقيقة أن سميرة ليست والدتها؛ فلم تتحمّل فكرة أنها مجرد بيدق في لعبتها، فتجسّد ألم قلبها على هيئة حُمّى أصابتها وجعلتها طريحة الفراش. وكالعادة لم تهتم سميرة بها، لكنها الآن باتت تعرف السبب.

الحمد لله يا طنط، حاسة إني بقيت أحسن.

طب يلا قومي بقى عشان تاكلي وتاخدي دواكي.

مش قادرة يا طنط، حاسة إني ما ليش نفس للأكل.

مش عايزة دلع بنات! قومي يلا، ويكون في علمك: هتخلصي الأكل دا كله، ومش عايزة نقاش. عايزاكِ تخفّي بسرعة وتبقي زي الحصان، وترجعي إنتِ وروفان القردة تناكشوا في بعض.

تنهدت نيفين بحزن وقالت:

روفان ما بتطقّنيش أصلًا، وكل كلامنا مع بعض خناق وبس.

رقّ قلب صفية لحال تلك المسكينة التي كانت ضحية حقد وطمع والدتها، فجلست بجانبها وأخذت تربت على شعرها بحنان قائلة:

أوعي تقولي كدا تاني. روفان بتحبك عشان إنتِ أختها، هي بس بتكره تصرفاتك. في فرق بين إنك تكرهي حد وبين إنك تكرهي تصرفاته، وانتِ تصرفاتك كانت بتضايقنا كلنا، وخصوصًا تصرفاتك مع كاميليا.

هبت نيفين نافية تلك التهم في محاولة لتحسين صورتها أمام صفية:

أبدًا والله يا طنط، هي اللي كانت بتبتدي الأول وتضايقني.

ما تكذبيش يا نيفين، أنا مش صغيرة وعارفة إيه كان بيحصل كويس أوي. وعايزاكِ تفتكري إنها يتيمة يا بنتي، وإنتِ ما شاء الله باباكي ومامتك الاتنين جنبك، إنما هي ما فيش جنبها حد.

قاطعتها نيفين بقهر صارخة:

جنبها يوسف يا طنط!

رزقها يا نيفين إن ربنا يسخّر لها واحد زي يوسف يحبها بعد ما اتحرمت من حب وحنان أبوها وأمها من وهي لسه طفلة.

ما أنا بابا وماما الاتنين موجودين، بس عمري ما حسيت بحنانهم ولا حبهم. بابا على طول بعيد ومسافر، وماما...

غصّ قلبها لذكر تلك الكلمة البعيدة تمامًا عن وصف سميرة، لكنها تجاهلت وجعها وأكملت:

وجودها زي عدمه، برضه لا بحس بحبها ولا بحنانها. أهو نايمة تعبانة وما هي حتى مش في دماغها. قولي لي يا طنط صفية، مش أنا أولى بحب يوسف دا؟! مش أنا اللي محتاجاه أكتر من كاميليا؟

صُدمت صفية من مدى حقدها وأنانيتها، لكنها تعلم حقيقة معاناتها مع أبويها، وهذا ما جعلها تتمالك نفسها وتقول بهدوء:

ربنا مقسّم الأرزاق يا بنتي، وكل واحد منّا له أربعة وعشرين قيراط واخدهم كاملين، بس بيكونوا متوزعين ومش كل واحد زي التاني. وإنتِ عندك جدّك بيحبك أكتر واحدة في أحفاده وما بيتحمّلش عليكِ الهوا، وعندك أب بيحبك، بس غصب عنه ظروف شغله بتجبره يكون بعيد عنك.

قصدِك ما بيطقش يكون مع ماما في مكان واحد بسبب طنط زهرة مامت كاميليا؟

نيفين، عيب الكلام دا. ما تتدخليش في كلام أكبر منك، وسيبك من كلام أمك اللي نصه كذب. شوفي نفسك وحياتك، وخرّجي يوسف وكاميليا من حساباتك. ولو مفكرة نفسك بتحبي يوسف فأنتِ غلطانة. إنتِ عايزاه عشان تبقي انتصرتِ على كاميليا وبس.
افتكري يا بنتي إن الحياة مش حرب، واللي ما ييجي لكِ جري ما تمشيش عشانه خطوة. والقلب اللي ما يحسّش بيكِ من أول مرة، دا مش هيحس بيكِ العمر كله. ما تفكّريش إنك مجرد ما كاميليا تخرج من حياة يوسف هيحبك، لا... تبقي غلطانة، عشان هي مطبوعة في قلبه، خرجت من حياته بس عايشة جواه.

غضبت نيفين من حديث صفية الذي تعرف كل المعرفة أنه الحقيقة، فقالت دون وعي:

ما إنتِ عشتي مع عمي عامر وهو عمره ما قدر يحبك! عاش ومات وقلبه متعلّق بواحدة تانية غيرك، وقبلتي على نفسك!

جاءهم ذلك الصوت الغاضب من عند باب الغرفة وهو يقول بصراخ هزّ أرجاء القصر:

نيفيـــــن!!!

************

وإن سألوكِ يومًا كيف انتهت حكايتنا،
فأخبرهم : كان قلبها نقيًا ومشاعرها رقيقة،
لكن قسوتهُ وظلامُ قلبه سحقا كل بريقها،
فذبل الحُب وماتت الحكاية...

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

دقّت طبول الخوف في داخلها من مظهره، فقالت بصوت مهزوز:

إنت مجنون! سيبني وابعد إيدك دي عني.

صرخ قلبه الذي لم يعد يتحمّل بعدها أكثر من ذلك، فصرخ دون وعي:

إنتِ بتاعتي... أعمل فيكِ اللي أنا عايزه!

لتبادله صراخًا نابعًا من أعماق جرحها الغائر منه:

بصفتك إيه؟

زاغت نظراته وأصابه سؤالها في الصميم، وتدريجيًا انسحبت يده التي كانت تحتوي رأسها. تركها بعد أن أربكه سؤالها الذي جعل عقله ينهره بشدة على كل هذا الجنون، لكن قلبه كان يرفض فقدانها، يرفض فكرة انتمائها لأحد غيره.

واصلت هي جلده بسوط كلماتها، وكأنها تتحدّى كل خلية فيه تنطق بحبها وتواصل تعرية مشاعره تجاهها:

الدكتور رامي يعجب بيا أو لأ يخصك في إيه؟ أنا معجبة بيه أو لأ برضه يخصك في إيه؟ والشاب اللي جه يتعرّف عليا في الكافيه... بتضربه ليه؟

شعر وكأن كلماتها كشفت الستار عن تلك الحقيقة التي يرفض الاعتراف بها، وهي أنه يعشقها بكل ذرة من كيانه. فلم يعد يدري ماذا يفعل أو ماذا يقول، لينهره عقله قائلاً: هل سنقع في ذلك الفخ مرة أخرى؟
ثم يصدح قلبه معاتبًا بأنه أصبح لا يستطيع التنفس بدونها، فيسقط مرة أخرى في تلك الحيرة اللعينة، لتتحدث هي مقرّرة إنهاء معاناته بقرارها الذي شطر قلبه إلى نصفين:

مادام ماعندكش إجابة يبقى تسمع مني الكلام اللي هقولهولك دا. ياريت متتدخلش في أي حاجة تخصني، ولا ليك دعوة مين معجب بيا ولا أنا معجبة بمين. أحب اللي أحبه وأتجوز اللي أتجوزه، وده شيء ميخصكش.

صرخ بها جراء الألم الكبير الذي شعر به بفعل كلماتها الأخيرة، فأصبحت كل خلية فيه ترتجف من فرط الغضب، وأوشكت دموع الندم والقهر أن تطفر من عينيه. اقترب منها وقد اهتزت نبرة صوته بفعل تلك الغصة التي تملكته، ليقول بقلب محطم من فرط العشق:

على جثتي تبقي لحد غيري، ولو كررتِ كلامك ده تاني، ورحمة أبويا... لهخليكِ تبكي بدل الدموع دم، يا غرامي!

أضاف ياء التملّك كي يثبت لها – ولنفسه أولاً – أنها تنتمي إليه، لكن نظرات التحدي النابعة من عينيها جعلت عزيمتها تبدأ في الانهيار. أرادت أن تواصل تعذيبه بكلماتها عن الحب والزواج من رجل آخر، فقد تمكّنت من نقطة ضعفه: غيرته العمياء عليها.
ومع ذلك ارتعبت من مظهره وحديثه، لكنها أبت أن تُظهر خوفها منه، وقالت بقوة تتنافى مع ذلك الضعف الذي دبّ في أوصالها من اقترابه منها بهذا الشكل:

ولا تقدر تعمل حاجة، ولا هخاف منك. وكلامك ده مهزّش شعرة مني أصلًا!

راق له تحدّيها الذي تعلنه، محاوِلة إخفاء ضعفها أمامه، والذي تجلّى في ارتجاف جسدها وزيادة دقات قلبها التي وصلت إلى مسامعه. اقترب منها وقد أسرته رائحتها الخلّابة وملامحها المحفورة بدقة على جدران قلبه، فأخذ ينظر إلى شفتيها التوتيتين، منبع عذابه وارتوائه، قائلاً بهمس:

تصدّقي عندِك حق... الكلام مبيكسرش فيكِ. بس هنشوف الفعل هيعمل إيه؟

أنهى كلماته وتقدّم قاصدًا الاغتراف من حسنها لإطفاء لهيب شوقه الذي يعذّبه ويؤرق نومه، ليتفاجأ بكفها تمنعه من الوصول لمبتغاه، وكأنه حُرم من دخول الجنّة. رفع عينيه بصدمة، ليتفاجأ بتلك النظرة المحتقرة الممزوجة بالألم تنبعث من عينيها الجميلتين، وتلك الكلمات التي أدمت قلبه، ونبرتها الحزينة التي أشعرته بمدى حقارته معها:

ده على أساس إني واحدة من إياهم بتتنقّل بين كل واحد شوية... والدور جاي عليك!

هبطت دمعة حارّة من عينيها سرعان ما مسحتها بكفها حتى لا تسمح للضعف أن يستولي عليها، وأكملت بقوة ممزوجة بنظرات احتقار استقرّت كطلقات الرصاص في منتصف قلبه:

بس عارف يا أدهم... أنا حتى لو وحشة، إنت آخر واحد هفكّر أكون معاه.

أنهت كلماتها وترجّلت إلى خارج السيارة، ليندفع هو خلفها، ليصدمه مشهد وقوفها خلف مازن الذي كان يبحث عنها. توقّع وجودها معه فتوجّه إلى الجراج ليجدها تخرج من السيارة مهرولة تجاهه، تحتمي به من ذلك المجنون الذي كانت نظراته لا تبشّر بالخير أبدًا. رؤية حبيبته تحتمي برجل غيره أطاحت بكل ذرة تعقّل لديه، فأخذ يقترب منهم وهو يزمجر قائلًا بغضب أعمى:

مازن! أوعى من قدّامي... ومتدخلش بينّا.

إنت اتجننت يا أدهم؟ إيه اللي بتعمله ده؟

صرخ به من فرط وجعه، فهو لن يحتمل أن يكون أحد آخر عائقًا بينه وبينها:

قولتلك متدخلش بينّا يا مازن... دي حاجة بيني وبينها!

وهي مش عايزاك. وأنا حذّرتك قبل كده إنك تفكّر تأذيها. وبحذّرك لتاني وآخر مرة... لو فكّرت تقرّب منها أنا اللي هقف لك!

ألقى مازن كلماته غير مبالٍ بمظهره الذي يُرثى له، ثم التفت إلى غرام التي تفتّت قلبها وجعًا عليه، لكنها أبت الضعف. فقد جرحها وأهانها إلى الحد الذي لا يحتمل الغفران.

يلا يا غرام... عشان نمشي.

كان هذا صوت مازن الذي أخرجها من شرودها وقطع ذلك التواصل البصري بينهما. فقد كانت للحظات قد بدأت تضعف أمام ذلك التوسّل الذي ظهر جليًا في نظراته، لكن صوت مازن انتشلها من طوفان عشقه الذي كاد أن يجرفها في تياره مرة أخرى. ومع ذلك، كانت تلك النبرة المعذّبة في صوته ترهق قلبها الذي يعشقه حتى النخاع، لكنها – من فرط وجعه – ترفض مسامحته.

غرام... متمشيش.

قالها أدهم بنبرة معذّبة ولهجة أشبه بالتوسّل، فقد كان قلبه ينفطر لرؤيتها تغادره بتلك الطريقة. يعشقها إلى الحد الذي يجعله غير قادر على التنفس بدونها. كاد يقسم الآن أنه قادر على غفران جميع ذنوبها – من وجهة نظره – مقابل ألا تتركه، ففراقها عذاب لا يفوق ألمه أي شيء في هذه الحياة.
لكنها فاجأته بكلماتها التي رفعته إلى السماء السابعة لتلقي به بعدها في أعماق الجحيم:

أنا فعلًا مش همشي يا أدهم.

قالتها بنبرة رقيقة جعلت قلبه يتراقص فرحًا، ثم أضافت بنبرة مغايرة تمامًا لتلك الرقّة، نبرة قويّة حادّة كنصل السكين الذي انغرز في قلبه:

مش همشي قبل ما أقولك إن اللي كان بينا خلاص خلص وانتهى... وأنا نسيته. فملهاش لازمة بقى محاولاتك إننا نرجع، عشان صدقني إنت بتتعب نفسك على الفاضي. أنا نسيتك كأنك ماكنتش موجود في حياتي أصلًا.

ألقت قذائف كلماتها التي استقرّت في قلبه، ثم أولته ظهرها واتجهت نحو مازن، وهي تشعر بأنها تشاطره كل ذرة ألم يشعر بها، ولسان حالها يقول: هل من العدل أن أتألم لألمك وأحزن لحزنك، في الوقت الذي قتلتني فيه من قبل، دون أن يحرّك قلبك ساكنًا لكل ذلك العذاب الذي أذقتني إياه؟

فأي لعنة قد أصابتني لأعشق رجلًا مثلك...؟!

*************

"أن يقسو عليكَ شخصٌ في عناقه، هو أشدُّ أنواع الحب التي قد تتلقاها يومًا

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁

بعد مرور عدة أيام، استيقظت كاميليا على فراشات العشق تتراقص فوق وجهها، فظنّت أنها تحلم، فارتسمت على شفتيها ابتسامة حالمة مستمتعة بتلك الأحاسيس اللذيذة التي سرت في جميع أنحاء جسدها. لكنها تفاجأت باختفائها، فقبضت جبينها وتململت في نومتها، ثم سمعت صوت الباب يُغلق بعنف، فهبت من نومها تتلفت حولها فلم تجد أحدًا في الغرفة، فتنهّدت بخيبة، فقد كانت تأمل أن تراه، فهو منذ ذلك اليوم الذي غفَت بجانبه لم تره أبدًا. وزاد من ريبتها أيضًا رجوع خالتها إلى الإسكندرية بهذه السرعة متحججة بقرب مواعيد اختبارات كارما، لكنها كانت تعلم في قرارة نفسها أن أمرًا ما أجبرها على الرحيل...

نفضت جميع أفكارها بعيدًا ونهضت حتى تتجهز؛ فاليوم ستغادر ذلك المشفى وهي خائفة، بل مرتعبة من فكرة ذهابها إلى القصر مرة أخرى. وكم كانت تتمنى لو كان بجانبها حتى تستمد منه بعض الشجاعة، لكن لا أمل في قدومه، فمن الواضح أنه قد سئم منها...

استجمعت شجاعتها وبدّلت ثيابها وأخذت تجهّز حقيبتها، فوقع بصرها على قميصه الذي أخذته معها منذ سبعة أشهر عندما قررت الهرب منه. لا يزال يحمل رائحته التي كانت أنيسًا لها في لياليها الطويلة والمظلمة بدونه. قرّبته من أنفها علّها تطفئ لهيب قلبها الذي أشعله الشوق، فأخذتها رائحته إلى عالمٍ خاص بهما، تتمنى لو تبقى فيه معه إلى الأبد.

ولم تلحظ ذلك الذي فتح باب الغرفة واقترب منها، ليتفاجأ بها تحتضن قميصه بهذا الشكل، فتقدم نحوها واحتواها بقوة محببة إلى قلبها، وجاءها صوته العميق بتلك البحة المُهلكة لأعصابها:

شكل في حد هنا اشتاق لي؟

فأسندت رأسها إلى صدره فوق موضع نبضه، وأمالتها قليلًا لتتمكن من رؤية ملامحه والتأكد من حقيقة وجوده بجانبها، فهي تخشى أن يكون حلمًا يصوره لها قلبها الذي اشتاقه حدّ الجحيم. ارتفعت يدها تتحسّس ملامحه برقة حتى وصلت إلى منبع هلاكها، لتتلقى دفعات العشق الدافئة على راحة يدها، فذاب قلبها في صدرها وخرجت الكلمات من فمها دون وعي:

يوسف... إنت هنا بجد؟ ولا دا حلم وهفوق منه على كابوس غيابك عني تاني؟

لم تتلقَّ سوى ابتسامة جميلة من شفتيه، أعقبها بفتات من السكر نثره على عنقها المرمري، جعلها تحلّق فوق الغيوم حدّ الذوبان بقربه، وأخذت تهمهم بآهات عاشقة تبعتها بصرخة متألمة عندما شعرت بأسنانه الحادة تؤكد على حقيقة وجوده بقسوة طبعت على عنقها. فاستدارت غاضبة وقالت بوجع:

كده يا يوسف؟ وجعتني!

سلامتك يا قلب يوسف من الوجع.

قالها بعشق كبير تجلّى في نظراته الزرقاء التي لم تصفُ يومًا لسواها، ثم نثر شغفه مكان ألمها برقة أذابتها، ونظر في عينيها قائلًا:

لسه زعلانة؟

تحدثت بدلال يليق بها كثيرًا:

تُؤ تُؤ... مش زعلانة.

ضيّق عينيه بمكر وقال متخابثًا، وقد بلغ الشوق ذروته في قلبه:

بس أنا حاسس إنك زعلانة، وعايز أصالحك.

أخجلتها نظراته وتلميحاته التي جعلت قلبها يدق بعنف، فقالت وهي تشاكسه:

يوسف... إنت بتتلكك على فكرة.

اقترب منها أكثر، يحويها بين طيات صدره، وقال بصوتٍ يقطر شوقًا:

مش محتاج أتلكك على فكرة... وحشتيني.

أضاء وميض الأمل في قلبها من غفرانه، فقالت بلهفة:

يعني خلاص سامحتني ومبقتش زعلان مني؟

تنهد يوسف وقد شعر أن الوقت قد حان للحديث ووضع المشاعر جانبًا، فهو على وشك خوض حرب طاحنة وهي درعه ومصدر قوته، فقرّبها إليه، ووشم راحتها بختم عشقه قبل أن يجذبها لتجلس معه على الفراش وبدأ حديثه الذي تمنى بكل قلبه لو تفهمه وتشعر به:

كاميليا... أنا عارف إنك بتحبيني، بس قبل ما تحبيني، حبّي نفسك عشاني. حافظي عليها عشاني. قولتهالك وهقولهالك تاني: إنتِ سر قوتي، وضعفك يعني ضعف ليا. عشان كده عايزك قوية... مش أي حد يقدر يكسرك أو بكلمتين هايفين وتهديد أهبل زي دا يبعدوك عني.

أخفضت رأسها، فأعادها إلى مكانها مرة أخرى وهو يقول بنبرة ذات مغزى:

بالرغم من إنك عارفة إني أقدر أخرس سميرة باقي عمرها، لكن إنتِ خوفتِ وهربتِ. مش بلومك على دا، عشان أنا بحمل نفسي الذنب إني ما قدرتش أحميكِ منهم. بس صدقيني، أي غلط بعد كده بالنسبالي مش هيعدي من غير عقاب.

لم تعرف هل تفرح أم تحزن؛ فها هي معه من جديد، ولا مزيد من الألم والعذاب بعد الآن، لكن هناك عذاب من نوع آخر... فوجودها مع تلك المرأة التي تعرف مقدار الحقد والكراهية التي تكنّها لها، يجعل الرعب يتسلل إلى قلبها من مجرد وجودها في القصر. ومع ذلك، لا ترى سوى حل وحيد للهروب من براثن حقدها...

التفتت إليه تنظر بعينين يملؤهما الخوف وقالت بنبرة مرتجفة:

يوسف...

عيوني.

همست بخفوت:

إنت بتحبني، صح؟

أجابها بسلاسة أذابتها:

بعشقك يا كاميليا.

أربكتها كلماته وتلك النظرات العاشقة التي يرمقها بها، فصعب عليها حديثها، فهبت واقفة وهي تعبث بمقدمة ثوبها لتخفي ارتجاف يديها، وقالت بنبرة حاولت جاهدًة أن تجعلها ثابتة قدر الإمكان:

يبقى تثبتلي إنك بتحبني...

التقطت عيناه توترها الواضح ورجفة يديها وتلعثم الكلمات على شفتيها، فاقترب منها قاصدًا أن يطيح بكل ذرة ثبات تملكها، مُمارسًا ببراعة سحره على قلبٍ يهيم في هواه، وقال بهمسٍ خشن أصاب ثباتها في مقتل:

وإيه يثبتلك إني بعشقك يا كاميليا؟

تطلّقني...

يتبع......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...