الفصل 20 | من 57 فصل

رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل العشرون 20 - بقلم نورهان العشري

المشاهدات
22
كلمة
12,362
وقت القراءة
62 د
التقدم في الرواية 35%
حجم الخط: 18

الوجه التاسع عشر للعشق 🌹

أشعر أنّ القدر يتحالف معك ضدّي، ويخيط الصُّدف كي يجمعنا سويًّا،
لأجدني مُبعثَرة تمامًا أمام جيوش شوقي التي تدفعني لأن أودّ لو أرتَمي بين جنبات صدرك،
علّ تلك النيران المندلعة في قلبي تهدأ.
قلبي الذي يقسم في كلّ مرّة يراك فيها أن يرفع رايته البيضاء ويحاربني لأجلك،
فيجعل نسيانك دربًا من دروب المستحيل،
ولا يسعني سوى المقاومة في تلك الحرب غير العادلة.
فما إن أبدأ بلمِّ أطراف كبريائي الذي بعثره ذلك العشق الغاشم، حتى يرمي القدر بك في طريقي مرّة أخرى،
فأجد كلّ خليّة فيّ تفِرّ هاربة إليك، لأعود إلى معاناتي من جديد.
نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

ـ وأخيرًا يا بنت زهرة وقعتِ في يدي...

كان هذا صوت سميرة المليء بالشر، تقترب من كاميليا بخطوات بطيئة، وتلك النظرة الكريهة تطلّ من عينيها لتقذف الرعب في قلب تلك التي تقف في منتصف هذه الغرفة المخيفة بالمشفى، تتطلّع حولها فلا تجد سوى الظلام الذي غلّف قلبها منذ رحيله عنها. فأخذت تتراجع إلى الخلف بخطوات مهزوزة لتصطدم بذلك الجدار الصلب، فتلتفت بفزع لتجد تلك العيون الحمراء تنظر إليها نظرات مرعبة، ليزداد فزعها، وما إن أوشكت على الابتعاد عنه حتى امتدّت يد رائد تمسك برسغها وهو يقول بصوت جهوري مرعب:

تعالي معاي.

ابعد عني يا حيوان!

أخذت تتخبّط بين يديه كحيوان جريح تحاول الفرار منه،
لتأتي سميرة وتمسك بيدها الأخرى، وتأتي نيفين بتلك الابتسامة الشريرة والنظرات الكريهة تحاول وضع الحبل حول عنقها وهي تقول بشرّ:

موتي يا كاميليا... موتي وريحينا، المرادي محدش هيعرف ينقذك، وحبيب القلب خلاص...

نظرت لها كاميليا بصدمة وقد سكن كل جسدها ما إن ذكرته، لتنظر لها باستفهام، حتى أشارت نيفين بشرّ في اتجاهٍ ما. فالتفتت كاميليا إلى ذلك الاتجاه لتُصعق مما رأته: حبيبها مع أخرى ينظر إليها نظرات ذات مغزى وكأنه يقول:

أليس هذا ما أردته...؟

لتخرج من أعماق قلبها صرخة قوية كادت أن تمزّق أحبالها الصوتية مثلما تمزّق قلبها لذلك المشهد المريع الذي رأته في منامها.

أخذت تنظر حولها لتجد نفسها ما زالت في تلك الغرفة في المشفى، فاعتدلت جالسة تضمّ ساقيها إلى صدرها، محاوطةً نفسها بذراعيها، تستند برأسها عليهما، سامحة لتلك العبرات التي اندلعت من مقلتيها أن تحكي مقدار الوجع المطبوع في قلبها.

فجأةً انفتح الباب لتجد يوسف يدخل إلى الغرفة بقامته المديدة وهيبته الطاغية. فقد استأذن من خالتها حتى يطمئن عليها أولاً، إذ ظنّ أنها ستكون غارقة في النوم وسيتمكّن من أن يختلس بعض النظرات إلى ملامحها المحفورة في قلبه ليروي بها ظمأ شوقه إليها الذي يحاربه بضراوة. لكنه عندما دخل إلى غرفتها صُدم عندما رأى حالتها تلك، فظنّ أن مكروهًا قد أصابها، فتقدّم منها بخطوات حاول أن تكون ثابتة قدر الإمكان قائلاً بلهفة لم يستطع إخفاءها:

كاميليا، مالك؟ في إيه؟

لم تستطع التفوّه بحرف من فرط الألم الذي بداخلها؛ فهي إن تحدّثت الآن لن تصمت أبدًا إلى أن تُخرج كل تلك النيران التي تأكلها من الداخل. وعندما لم يجد منها إجابة، تقدّم منها أكثر محاوطًا وجهها بحنو ليصبح على بُعد إنشين من وجهها، وقال بعشق ناظرًا إلى عينيها الحزينة:

كل الوجع اللي في عينيكِ ده سببه إيه يا كاميليا؟

أنت.

إجابة واحدة كانت كفيلة بشقّ قلبه إلى نصفين من فرط الصدمة والذهول، الذي ما لبث أن تبدّل إلى شعور رهيب بالألم من حديثها. ما إن قالته حتى شعر بانسحاب الهواء من رئتيه.

أنت سبب كل الوجع والألم اللي أنا فيه. لو مكنتش موجود في حياتي مكنتش هخاف ولا هتوجع كده.

تحدثت بكل ما يكمن بداخلها من قهر؛ فعلى قدر عشقها له على قدر خوفها من فراقه. لكنها لم تحسب أن لكلامها معانيَ أخرى أيقظت وحش الكبرياء بداخله. فجمدت نظراته فجأة، وتحولت يده الحانية إلى قبضة حديدية اعتصرت فكّها قائلاً بهدوء خطير مخالف لتلك العواصف والأعاصير التي عصفت بصدره وصارت تتقاذفه بين رياحها إلى أن رمته تحت أقدام تلك المرأة التي دهست على قلبه بشاحنة كلماتها القاتلة، فحوّلته إلى أشلاء:

من اللحظة دي تقدري تعتبريني مش موجود في حياتك. من دلوقتي إنتِ زيك زي أي حد في العيلة هتعامل معاه عشان الواجب وبس.

صمت للحظات محاولًا تهدئة ذلك الألم الذي ينهش قلبه دون رحمة، ليردف بصوت جامد وقد وصل إلى أقصى مراحل الغضب والألم داخله، لتنتفض جيوش الكبرياء معلنة حربًا ضارية على احتلال عشقها المستوطن قلبه:

تقدري تطمني إني مش هتسببلك في أي وجع تاني... ولا هضايقك بوجودي.

ألقى قذائف كلماته التي توقف عندها عقلها فلم تستوعب ما قال، وظلّت في حالة صدمة لذلك التحوّل الرهيب الذي حدث له. ولم تستفق سوى على تلك اليد الحانية تربت على كتفها، فترفع رأسها حتى تزداد صدمتها لرؤية فاطمة تنظر إليها بتلك النظرات الحانية التي جعلت كل ذرة في جسدها تنتفض ببكاء هستيري لا نهاية له.

****************

بكامل قواي العقلية، أُعلِن أنّ قلبي لم ولن ينتمِي لغيرك،
وأنّ روحي قد اكتملت بوجودك،
وإنّي معك أطلقتُ العنان لجناحي العِشق
ليحملاني إلى براح ذراعيك،
أنعم بالجنة التي حرمنا البُعدُ منها...

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

ـ تفتكري يا كارما يوسف وكاميليا حصل بينهم إيه يخليه يخرج ووشه متغيّر أوي كده؟

كان هذا صوت كارما ذو النبرة الرقيقة يتخلّله الحزن على ما يحدث بين هذين القلبين اللذين يعشقان بعضهما حتى النخاع، ولكن لا أحد يعرف ما يدور بينهما. شعر مازن بالألم يغزو قلبه وهو يتأمل ملامح وجهها الجميل الذي يلطخه الحزن، فاقترب يتشرّب جمالها قبل أن يقول بحُب:

مش عايز أشوفك متضايقة أبدًا ولا زعلانة كده.

خجلت كثيرًا من قربه منها بهذا الشكل وكلامه الذي جعل قلبها يذوب بين ضلوعها، وما زاد الأمر حرجًا وقوفهما أمام غرفة كاميليا في انتظار أن تأذن والدتها لهما بالدخول؛ فيمكن لأي أحد أن يراهما. فأخفضت وجهها الذي اشتعل واحمرّ جراء حديثه، لتقول بخفوت:

مازن، ابعِد كده، ما ينفعش حد يشوفنا.

طب وإيه المشكلة؟ أنا عايز كل الناس تشوفنا.

كان هذا صوت مازن الذي يريد التنعم بجنّة وجودها إلى الأبد.

اهتزّت نبرة كارما من فرط الخجل وأوشكت على البكاء، قائلةً بصوت مبحوح متأثّرة بقربه:

مازن، بس بقى، متهزرش... ممكن علي ييجي ويشوفنا.

ابتسم مازن لخجلها الذي يروق لقلبه كثيرًا ويشعل بداخله براكين الشوق التي يفعل المستحيل لإخمادها، ليقول متخابثًا:

هبعد... بس بشرط.

تقطيبة خفيفة ظهرت على ملامحها جعلتها تبدو شهيّة للغاية، لتقول دون أن تدري شيئًا عن تلك النيران التي لا يُخمدها سوى شهدها:

شرط إيه؟

أدوّق التوت...

قالها مازن بوله وقد خدره قربها للحد الذي لم يعد يدري معه شيئًا عن الزمان والمكان، فباغتته بلكمة خفيفة على صدره ما إن فهمت ما ينوي فعله، لتقول بغضبٍ مصطنع:

بطل قلة أدب بقى، أحسن والله هخاصمك.

وأهون عليكِ تعملي في قلبي كده؟

قالها بحُب وهو يشير إلى موضع قلبه لتستشعر دقاته الجنونية من مكانها، وكأنها عدوى أصابتها، لينتقل جنونها إلى قلبها الذي كان يودّ أن يخرج من بين ضلوعها ليرتمي بين يديه.

شعر مازن بما يدور بداخلها من رعشة شفتيها ورجفة يدها وتلك النظرات التي تصرخ بذلك العشق الذي تنتفض له القلوب، ففطن إلى أن الأمور ستخرج عن السيطرة؛ فهو أضعف من أن يقاوم تلك المرأة التي تأسره كل ذرّة بها. فضغط فوق كفّها بكل ما يعتمل بداخله من شوق، وزفر بقوة قائلًا:

مش كفاية عذاب بقى... يجوزونا!

قد كده بتحبني؟

تحدثت كارما بهيام ما إن رأت تلك النظرات العاشقة تطلّ من عينيه، ففاجأها بحديثه الذي حلق بقلبها إلى السماء السابعة:

بحبك دي ولا حاجة جنب اللي في قلبي ليكِ.

صمت قليلًا ثم قال بصوت مغيَّب:

إدمان... إنتِ بقيتِ إدماني اللي مش عايز أخفّ منه، بقيتِ بتجري في دمي.

أخذ يتنفس أنفاسها قائلًا بعشق:

أنا بتنفسك يا كارما... عارفة يعني إيه بتنفسك؟

لم يقدر الكلام على وصف روعة ما تشعر به؛ تكاد تقسم بأن قلبه قد خُلِق له جناحان وأصبح يحلّق في سماء العشق الممزوج برائحة عطره، لتجد نفسها تقول بلا وعي:

بحبك يا مازن.

وأنا بدمنِك يا روح قلب مازن...

وأنا اتنقّطت منكم!

كان هذا صوت غرام التي كانت قادمة من الكافتيريا، لتتفاجأ بهذين العاشقين غائبين عن الوعي بعد أن أسكرتهما خمرة العشق، فانتفض كلاهما على صوتها. فضغط مازن على شفته السفلى بشدة من الغيظ حتى كاد أن يُدميها، وهو يقول من بين أسنانه:

هو إنتِ يا بنتي حد مسلّطك عليّا؟ بتطلعيلي من أنهي داهية؟

عيب لما واحد جنتل زيك يقول لآنسة جميلة وقمر كده زيي الكلام الوحش ده! إحم... وخصوصًا إني هبقى خالة ولادك، وأنا اللي هربّيهم، يعني مستقبل العيلة كله في إيدي.

تحدثت غرام مازحة كعادتها، فزمجر مازن بحنق:

يا صبر أيوب... انطقي عايزة إيه؟

أجابته غرام بسماجة:

بعد إذن الحب، عايزة أعدي.

بطلي سخافة بقى يا غرام.

كان هذا صوت كارما التي أخيرًا استعادَت أنفاسها واستطاعت التغلب على خجلها، لتفاجئها غرام بحديثها الذي جعلها تغرق في بحور الخجل من جديد:

نعم؟ نعم دلوقتي بقيت سخيفة يا ست كارما!

ثم أردفت ما إن رأت ذلك الاحمرار الذي بَسَط على وجنتيها:

وبعدين مالِك قلبتي على طماطم ليه كده؟ ما داهية... ليكون داق التوت!

صبرني يا رب عشان ما أخنقهاش.

تحدث مازن لينقذ كارما، التي كانت على وشك الإغماء من فرط الخجل بسبب تصريحات غرام.

تخنق مين يا عم؟ هي البلد سايبة ولا إيه؟ وبعدين ما يغركش الشياكة دي، لا دانا أساسًا بلعب كاراتيه وواخدة الحزام الأسود أو البمبي، مش فاكرة whatever يعني. المهم إنك ما تقدرش تدوسلي على طرف.

ثم قامت برفع ذراعيها تتفاخر بعضلاتها غير المرئية، بعد أن ثنت أطراف كُمّيها، لينفجر مازن ضاحكًا، ثم يقوم بوضع "عضلاتها الوهمية" بين إصبعيه قائلًا بتهكم:

عضلاتك مقوية قلبك فعلًا...

اقتنصت عينيه ذلك الذي أتى للتو، فرآه يقف بالقرب منها بذلك الشكل الذي أثار جنونه، ليصب مازن البنزين على النار. وبحركة مُباغتة قام بثني ذراع غرام خلف ظهرها لتبدو لمن يراها من الاتجاه الآخر وكأنها على مقربة كبيرة منه، وأخذ يبعثر خصلات شعرها. ضحكوا جميعًا، بينما كانت غرام تحاول ركل مازن بقدمها على ساقه، لينطلق ذلك الصوت المرعب الذي أفزعها لوهلة، وانتفض له قلبها عشقًا حين تحدث أدهم صارخًا بغضب جحيمي:

مااازن...

التفت كلٌّ من كارما وغرام بصدمة إلى أدهم، وذلك الغضب المشتعل في عينيه الذي جعل قلب غرام يتخبط داخلها من فرط الخوف والشوق معًا. لكنها تفاجأت بمازن يضع ذراعه حول عنقها وهو يقول ببراءة مزيفة وودٍّ مصطنع، مدركًا أن فعلته هذه أيقظت شعلة الغيرة التي أصبحت براكين تعصف بداخله:

أهلاً يا أدهم.

غلت الدماء في عروق أدهم لدى سماعه نبرة مازن التي يعرفها جيدًا؛ فهو يسخر منه ويعاقبه على فعلته معها. فقال من بين أسنانه، وقد أوشك صدره على الانفجار جراء رؤيته لذراعيه ملتفتين حول عنقها بهذا الشكل:

شيل إيدك من عليها!

وما كاد ينهي جملته حتى تسمر في مكانه عندما رآها تندفع نحوه بتلك النظرات العاشقة وتلك اللهفة التي جعلت قلبه يتراقص بداخله. وعندما همَّ برفع ذراعيه كي يحتويها بهما، أتته الصاعقة حين أتى رجلٌ من خلفه، لترتمي صغيرته ومعذبة فؤاده بين أحضان ذلك الرجل، الذي حاطها بذراعيه ودار بها، فكاد أن يُصاب بالإغماء من فرط الغضب والغيرة.

علي!

كان هذا صوت غرام التي، ما إن رأت شقيقها قادمًا خلف أدهم، حتى ركضت لترتمي بين ذراعيه؛ فقد اشتاقت إليه كثيرًا. لكنها استخدمت قليلًا من مكر حواء، إذ أوهمت ذلك "الوغد" – كما تسميه – بأنها ستعانقه، لتفاجئه باحتضانها لأخيها، الذي كان دائمًا الدرع الحامي لها. وكأنه شعر بما يدور بداخلها، حملها بعفوية ودارت به، فظن من يراهما أنهما عاشقان. وما زاد الطين بلة عندما التقت نظراتهما، فألقت عليه تلك النظرة الساخرة وكأنها تقول:

لا تحلم عزيزي، فذلك العناق لن تناله أبدًا.

قبض أدهم على كفه بشدة حتى برزت عروق يده، وتقدم خطوتين للأمام ليصبح بمحاذاتهما، وهي ما زالت بين ذراعي أخيها تزيد من نيران غيرته. وأخيرًا انزلقت من بين ذراعي شقيقها لتجده ينظر إليها كالبركان الثائر، وقد أصبحت عيناه أكثر قتامة. فأعطته تلك الإيماءة البسيطة كترحاب به، وأمسكت يد شقيقها وتوجهت ناحية مازن وكارما، وهي تتمايل بخطواتها فوق أوتار قلبه، الذي كان يود لو ينتزعها من بينهم ليذيقها بعضًا من تلك النيران التي أشعلتها في جوفه.

احتضنت كارما أخاها بسعادة؛ فقد اشتاقت إليه هي الأخرى كثيرًا، لتنتقل نيران أدهم إلى صدر مازن الذي أخذ يعضّ على شفته السفلى متوعدًا لها؛ فكيف استطاعت عناق أحد غيره؟

القردتين الحلوين هناء وشيرين، وحشتوني يا جزم!

تحدث علي بعدما ضم أختيه الاثنتين تحت ذراعيه لتعانق أيديهما خصره، فقالت غرام، تتلوها كارما:

وحشتني يا حظابط... وحشتني أوي يا علي!

وإنتوا وحشتوني أكتر...

وما إن اختتم جملته حتى وجد مازن يعض على شفته بحنق، فقال علي بغضب مصطنع:

أمال إيه اللي جاب الحيوان دا هنا؟

فاغتاظ مازن بشدة من نعته أمامها بالحيوان وقال بغضب:

وإنت مال أهلك؟ كانت مستشفى أبوك!

لا يا ضريف...

بعض ما عندكم يا أخويا.

شايف طولت لسانك يا علي؟ أومال بقى لو قلتلك إنه شد شعري هتعمل إيه؟

كان هذا صوت غرام التي أرادت إغاظة مازن وكارما، متجاهلة قلبها الذي ينتفض بداخلها، يطالبها بالالتفات لذلك الذي يقف خلفهم عاجزًا عن التقدم خطوة واحدة، لكنها شعرت بنظراته تحرق ظهرها وأبت أن تستسلم لنيران عشقه التي لم تحرق سواها في النهاية.

بتشد شعر أختي ليه يا واد إنت؟

مازن بحنق:

عشان لسانها طويل وعايز أقطعه... زيّك كدا.

شايف يا علي بيقول إيه؟ أنا لساني طويل!

تحدثت غرام بغضب طفولي وهي تهز رأسها بتبرم لتتناثر خصلات شعرها حولها، فتعطيها هالة من الجمال جعلت أدهم يبتلع ريقه بصعوبة. تجاهلها يقتله. جمالها يقتله. دلالها يقتله. إن هلاكه حتمًا سيكون على يد تلك المرأة.

الصراحة يا غرام هو ما كدبش، إنتِ لسانك طويل فعلًا... بس طبعًا ما نقدرش نقطعه، أمال مين هيصدعنا؟

لكمته غرام في كتفه قائلة:

تصدق بقى إنك مش وحشتني؟ والبيت من غيرك كان جميل جدًا وهادي كدا.

آه بأمارة حضن المطارات اللي كان من شوية دا! يا بنتي دا إنتِ مقطّعة عليا... هتتجوزي إمتى بقى؟ خليني أخلص منك بدل ما إنتِ لازقة لي كدا، خليني أشوف نفسي شوية.

والنبي إيه! يعني أنا اللي واقفة في زورك؟ والست كارما إيه وضعها؟

علي بتخابث:

كارما يا بنتي عريسها موجود، إنما إنتِ مطلعة عينينا ومش عاجبك حد.

مين دي اللي عريسها موجود؟

تحدث مازن بدهشة من حديث علي عن ذلك العريس المزعوم، غير عالم بأن فاطمة قد حدثت علي وأخبرته بطلبه الزواج من أخته. فقال علي بمكر وقد احتضن كتف كارما شقيقته ليغيظه أكثر...
أصل في واحد صاحبي ظابط في الداخلية شافها وأُعجب بيها وطلب إيديها... وأنا وافقت!"

ثم نظر إلى كارما، التي امتقع وجهها من حديثه، وقال:

"وكارما كمان وافقت."

التقت نظرات مازن وكارما فكانت مشحونة بمختلف أنواع المشاعر: العتاب، والغضب، والحزن، والغيرة، والتوسل. فالتفت مازن إلى علي وأمسك بمقدمة قميصه قائلًا بغضب جحيمي:

"كارما مش هتكون لحد غيري يا علي، سواء وافقت أو لا، وسواء هي وافقت أو لا... وإلا وشرف أمي، هطربق الدنيا دي على دماغكوا!"

غضب علي من لهجته، وسرت بداخله موجة من مشاعر الغيرة على شقيقته؛ فهو يعتبرها بمثابة ابنته، لكن جانبًا آخر منه ابتهج لرؤية مشاعر الحب التي يكنّها مازن لها، فهو صديقه ولن يتمنى لها من هو أفضل منه.
حاول أن يعرف إلى أي مدى متمسك بها، فأمسك هو الآخر بتلابيبه وسط شهقات كارما، التي احتضنتها غرام، وقال بغضب مصطنع:

"إيه؟ هتاخدها غصب عني يا مازن ولا إيه؟"

"هاخدها غصب عن الدنيا بحالها يا علي!"

هُنا دخل أدهم، الذي كان يتظاهر بالحديث في الهاتف كي يظل قريبًا منها، ولم تكن له القدرة على النظر إلى داخل عينيها اللتين تقتلانه عشقًا ووجعًا.

"إيه يا جدعان؟ في إيه؟ صلوا عالنبي! هتضربوا بعض؟"

قال أدهم وهو يحاول فض الشجار بينهم.
فقال مازن وهو على نفس حالة الغضب:

"أنت مش سامع بيقول إيه؟ دا عايز يجوزها لواحد غيري! ده أنا أروح فيكوا في داهية!"

كان علي يقاوم الضحك بصعوبة بالغة وهو يرى مازن على تلك الحالة من الغضب، فلم يستطع التحكم في رجفة شفتيه، التي لاحظتها على الفور تلك الشقية غرام، لتفهم ما يفعله أخوها.
أرسلت له غمزة شقية واندفعت تجاهه، مارةً بذلك الذي ما إن لفحته رائحتها، ولامست وجهه بعض خصلات من شعرها الذي يعشقه، حتى غلت الدماء في عروقه وتكونت بعض قطرات العرق على جبينه، تحكي ما يعانيه قلبه من فرط رغبته بها. وما زاد الوضع سوءًا وقوفها بالمنتصف بين أخيها وبينه، لتصبح على بُعد سنتيمترات قليلة منه، فتجمعت جميع جيوش شوقه الضارية لها، وجيوش غضبه منها، وجيوش ندمه على ما فعله معها، فتكوّن ذلك المثلث المرعب القادر على إيصاله إلى حافة الجنون.

إن كانت تفعل كل هذا لتعاقبه على فعلته معها فقد نجحت وببراعة؛ فلا سلاح أقوى من أن يستخدم أحد مشاعرك العميقة نحوك ليعاقبك بها. في هذا الوضع تصبح هالكًا لا محالة.

"وأنا مع علي بصراحة. الجوازة دي إحنا مش موافقين عليها، وكمان العريس اللي متقدملها كويس جدًا، ومستحيل حد عاقل يرفضه."

"غرام، اخرجي من الموضوع دا عشان ما نخسرش بعض!"

صرخ بها مازن، مما زاد من اشتعال أدهم الذي خرج الحديث من فمه دون أن تكون له القدرة على إيقافه:

"أنت بتزعقلها كده ليه؟!"

تصنم جميعهم من اندفاع أدهم وغضبه بهذا الشكل، وكلماته التي ألقت بذور الشك في عقل علي، والرعب في قلب كارما من معرفة أخيها بما حدث، وصدمة في قلب تلك التي ترتدي ثوب المكر منذ أن رأته اليوم، حتى أقسمت أن تجعله يعض أصابعه ندمًا على ما اقترفه بحقها، وهي للآن ناجحة وبامتياز.
لكن اندفاعه للدفاع عنها بتلك الطريقة زلزل قلبها الذي اشتاقه كثيرًا، وبعثر أفكارها للحظات، قبل أن تنفض كل هذا جانبًا متجاهلة صخب قلبها، محاولةً ألا تتأثر ملامح وجهها بتلك الحرب الداخلية، وقد نجحت في ذلك بصعوبة.

"إحنا في مستشفى، ما ينفعش تزعق كده. لو في مشكلة حلّها بهدوء، مش بالزعيق والخناق."

تحدث أدهم محاولًا تغيير دفة كلماته التي عرّت قلبه الذي يعشق تلك المرأة، وقد فشلت كل محاولاته في انتزاعها منه واقتلاع عشقها من داخله؛ فالآن أدرك أن نسيانها أصبح دربًا من دروب المستحيل.

"بص يا صاحبي... أنا بحب أختك وعايز أتجوزها، ومستعد لكل اللي تطلبه."

تحدث مازن من بين أسنانه محاولًا التمسك بآخر ذرة عقل لديه، ليقول علي بهدوء مستفز:

"بتحبها أوي يعني؟"

"هموت من غيرها!"

قالها مازن بصدق وتوسل آلم قلب كارما، التي كانت تشاهد ما يحدث، وكل ذرة من جسدها ترتجف خوفًا من أن يفرقهما القدر مرة ثانية.

ظل علي قرابة الثلاثين ثانية ينظر إلى مازن، الذي كان يشعر بأن دموعه على وشك خيانته والنزول؛ فها هو أكثر شيء يخشى فقدانه في الحياة يكاد أن يُنتزع منه.

أخيرًا قرر علي الحديث بعد أن رأى حالته، فاختار وضع حدٍّ لمعاناته، فالتفت يده حول عنق غرام، التي شعرت بما ينتوي على قوله، فانفلتت ضحكة ناعمة منها لعبت على أوتار كبرياء ذلك الرجل، الذي بدأت حصونه جميعها بالانهيار أمام تحديها المبطن له.

"خلاص يا ابني، صعبت عليا وقطعت قلبي. مش كده يا ميمو ولا إيه؟"

تحدث علي بمرح تشاطره إياه تلك الشقية، لترد بحزن مصطنع:

"آه والله يا لول، صعب عليا أنا كمان أوي."

ضيّق مازن عينيه وقد شعر بما يُحاك ضده، فقبض جبينه قائلًا بتوعد:

"دانتوا بتشتغلوني بقى!"

قهقهة رجولية تبعتها ضحكات نسائية ناعمة خرجت من علي وغرام، ليقول علي بسخرية:

"آه، بنشتغلك براحتنا... عندك مانع؟"

"أفهم من كده إيه؟"

قالها مازن بهمْس خطير، فهو أراد أن يصل إلى مبتغاه أولًا ثم يأخذ بثأره.

"بصراحة يا مازن... مش عارف إيه اللي عاجبها فيك وإنت بالغباء ده!"

تحدث علي، ثم أكدت غرام حديثه قائلة:

"ولا أنا بصراحة... يا ابني، بيقولك صعبت عليه يعني قرر يجوزها لك خلاص!"

"أهي الأوزعة اللي ما تجيش لحد كتفك قالتها لك أهي!"

– يعني أنتَ موافق على جوازي منها ودي كانت تمثيلية؟

"بصراحة آه، حبيت ألعب بأعصابك شوية."

لكمة كاد أن يتلقّاها وجه علي لولا أن تنبّه لذلك الوميض الخطير في عيني صديقه، فتفاداها في آخر لحظة قائلاً بدهشة:

"إيه يا د، انت اتجننت؟"

"ده أنا هوريك الجنَان على أصوله.. ويكون في علمك: أنا كده كده هتجوزها، وافقت أو لأ!"

ألقى بكلماته وانطلق غاضبًا لا يدري وجهته، فقط يريد التنفيس عن ذلك الغضب الأعمى الذي تملّكه، فلحق به علي قائلاً:

"استنى يا د يا أهبل!
كارما، غرام، ادخلوا عند ماما وكاميليا، وأنا هشوف المجنون ده رايح فين."

ثم التفت لأدهم قائلاً:
"هتيجي معايا نشوف المجنون ده؟"

"لا، أنا هشوف كاميليا وأطّمن عليها."

قال أدهم بلهفة، فهو يودّ لو ينفرد بمعذِّبة فؤاده، لا يعرف ماذا سيفعل أو ما سيقول، لكنه يريد أن يُسكِت نيران الاشتياق التي تعصف بداخله.

"تمام، هروح أشوفه وارجعلكوا."

قالها علي وهو يلحق بمازن، تزامنًا مع ارتفاع رنين هاتف كارما، ولم يكن سوى مازن. فأجابت على الفور وتحركت إلى ركن منعزل حتى تستطيع الرد عليه.
همّت غرام بالدخول إلى غرفة كاميليا حتى أوقفتها تلك اليد التي قبضت على رسغها بقوة آلمتها، فالتفتت لتصطدم عيناها بذلك الجحيم المرتسم في عينيه اللتين كان قلبها يهيم بهما عشقًا.

"سيبني!"

قالتها غرام بقوة واهية، تحاول أن تدفعه عنها حتى لا تنهار أمامه.
لم يعرف لماذا أوقفها، ولم يجد في جوفه ما يمكن أن ينقذ به كبرياءه الذي خضع لأوامر قلبه وتنحّى جانبًا، ليجد نفسه يقول بلا وعي، وبغيرة قاتلة تحكي مقدار عشقه لها:

"إنتِ إزاي تسيبي مازن يقرب منك كده؟"

"وده يخصّك في إيه؟"

مجرد كلمات بسيطة منها أصابت كبرياءه في الصميم، وجعلت الكلمات تتعثر في حلقه. فأي كلام يمكن أن يقوله من دون المساس بتلك الحقيقة الشائكة، لكونها تنتمي إليه كروح ثانية له؟

قالت كلماتها ببرود عكس تلك النيران التي تشتعل بقلبها وتتجلّى بوضوح في عينيها المشتاقتَين له والغاضبتَين منه، لتجد ذلك المجنون يقترب منها حتى لم يفصل بينهما سوى سنتيمترات قليلة، ليقول من بين أسنانه وقد أعمت الغيرة عينيه:

"يخصني..! وأي حاجة تخصّك تخصّني! فاهمة؟"

قست عيناها وكذلك نبرتها حين قالت:
"لا، مش فاهمة ومش عايزة أفهم. سيب إيدي... وأوعي تفكّر تقرب مني تاني!"

"وإن ما سبتهاش هتعملي إيه؟"

لا يدري ماذا يقول، وأي لعنة تُجبره على الإمساك بها بهذه الطريقة. كل ما يريده أن تظل بجانبه، فقد اشتاقها حد الجحيم.
كان يبحث في عقله عن أي شيء يمكن أن يبرر لها حماقة أفعاله، لكن تظل حقيقة واحدة متجلّية أمام عينيه: أن عشقه لتلك المرأة لا هروب منه.

حاولت نزع يدها من قبضته القوية، فما زاده ذلك إلا اقترابًا منها، وما زاده سوى جنونًا بها، ليجد نفسه يقترب أكثر، يهمس بلا وعي من سُكرة قربها:

"وحشتيني أوي يا غرامي..."

قفز قلبها بين ضلوعها من شدة التأثر بقربه بهذا الشكل، وزادت من جنون دقاته تلك الكلمات التي صرّح بها عن اشتياقه لها.
لكن مهلاً، فهو أبدًا لا يعرف الحب، وما فعله بها لا يُغتفر.
لتقول بكبرياء أنثى لا تعرف الهزيمة طريقًا لها:

"بس إنت موحشتنيش!"

"كدابة... لو مكنتش وحشتك مكنتيش جيتي هنا."

تحدث قلبه الذي أسكره قربه منها بتلك الطريقة، وقد نسي كل ما يدور حوله ولم يتذكر سوى ارتجافها بقربه.
فقد كان يريد الارتواء من شهد عشقها الذي خرج عن حدود سيطرته، لتفاجئه بتخلصها من ذراعيه بلمح البصر، فهي لاعبة كاراتيه وقد نسي هذا مؤخرًا.
تسليمها له وذوبانها بجانبه سابقًا كان بفعل العشق، لكن الآن هو في نظرها مجرد وغد لا يستحق ذرة حب واحدة.

تبعت حركتها تلك بضحكة ساخرة وهي تقول بلهجة مدللة خطيرة:
"تؤ تؤ... حسبتها المرادي غلط يا أدهم بيه.
لو كنت وحشتني أو حتى كنت فِكراك، كان زماني هناك في إسكندرية قاعدة يا حرام بعيط عشان حبيت واحد طلع واطي وما يستاهلنيش.
بس أنا هنا أهو، وشيفاك عادي... وأقل من العادي كمان. وزي ما إنت شايف."

ثم قامت بتمرير أصابعها في مقدمة شعرها وقلبته للجهة الأخرى في حركة مُدللة مثيرة، أودت بثباته إلى الهلاك، وأردفت بعد أن تأكدت من وصولها لمبتغاها:

"ضحكتي منوّرة وشي، وبهزر وبتنطّط، وكإن الكام يوم اللي فاتوا دول ما مرّوش عليا أصلًا."

ثم أتبعَت كلامها بغمزة شقية من عينيها الساحرتين وقالت بتهكم:
"ها، لسه برضو مصدّق إنك يا حرام واحشني أو إني ممكن أكون بفكر فيك أصلاً؟!"

تلقّى كلماتها بصدمة سرعان ما تحولت لنيران حارقة من احتمال أن يكون حديثها حقيقة.
يعلم أنه قد آذاها بشدة، وأنه يستحق أقسى أنواع العقاب، لكن ليس أن يُعاقب بفقدانها الذي كان قد اختاره في لحظة غباء سلّم فيها نفسه لشياطينه، وهو الآن يرفضه من كل قلبه.

قلبه الذي ضربته كلماتها في الصميم، ليشعر بذلك الألم القاتل يجتاح كيانه.
فلأول مرة في حياته يفقد السيطرة على نفسه، فتمتد يده تؤلم رسغها بقوة، ويتحدث قلبه الذي يرفض حقيقة نكرانها لوجوده:

"باين أوي في عينيكِ إنك بتكذبي... وكلامك ده عشان اللي حصل بينا آخر مرة..."

قال جملته الأخيرة بنبرة ألم تجلّت في عينيه، لتجعل قلبها يهتز؛ فهي لامست ندمه، لكنها أبت التراجع وقالت بوجع مغلَّف بالسخرية:

"الكلام ده اللي بتضحك بيه على نفسك عشان توهمها إنك لسه جوايا.
واللي حصل بينا آخر مرة ده... عقابه اللي إنت فيه دلوقتي، إنك تبقى هتتجنن عليا كده في الوقت اللي أنا فيه نسيتك كأنك ما مرّيتش عليا أصلًا."

أعلم مقدار الوجع الذي تحكيه عيناك عن معاناتك في غيابي،
وأعلم أنّ رجفة يديك المتشبِّثة بي سببها ذلك الكمّ الهائل من الألم المتبوع بفقداني،
لكنّي حتمًا لن أغفر!
فمرارة الخذلان أصبحت مُلتصقة بحلقي وكأنها خُلِقت معه،
وذلك السهم المغروز في منتصف قلبي ما زال ينزف بغزارة،
يُذكّرني بما عانته ذاتي بين يديك.
فلتتجرّع إذن بعضًا ممّا جعلتني أُعانيه بسببك...

نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

تابع الجزء الثاني من الفصل 👇

كان رحيم في غرفة مكتبه يدقّق النظر في تلك الأوراق الخاصّة بمجموعة شركاته، والتي تدلّ على بداية انهيار تلك الإمبراطورية العظيمة التي كلّفه بناؤها حياته بأكملها.
وفجأة اقتحم يوسف المكتب وهو في أقصى مراحل غضبه، ليقول بحدّة وصوتٍ أشبه بالصراخ:

روحت المستشفى عند كاميليا تعمل إيه يا جدي؟!

بقالك قد إيه ما شفتش جدّك عشان تيجي تتخانق معايا كده يا يوسف؟

ما تجاوبش على سؤالي بسؤال، رد عليّا.

روحت أطمن عليها، إيه فيها؟ بلاش...؟

قالها رحيم بارتباك لم يَخفَ على يوسف، برغم محاولته الثبات.

وكنت واخد سميرة معاك برضه عشان تطمن عليها؟

تحدّث يوسف بسخرية أغضبت رحيم بشدّة، فقال من بين أسنانه:

إنت بتتكلم كأننا أعداؤك، مش جدّك ومرات عمّك!

إيه اللي مش قادر تفهمه في إن كاميليا تخصّني؟!

قالها يوسف بغضب، فزجره رحيم بعنف:

حتى بعد ما هربت وكسرت قلبك وكسرت هيبتك قدّامنا كلنا؟!

استقرّ الحديث في منتصف كبريائه، فهو محقّ في كلامه، لكنه لا يملك أي سلطة على قلبه الذي يعشقها حتى النخاع.
حاول لملمة ذاته التي تبعثرت وتأذت بشدّة من تذكير جده له بهروبها، وقال بهدوءٍ يناقض حالته قبل لحظات:

دي حاجة تخصّني أنا، ما تخصّش حد. ولو الكلام ده اتقال تاني، أنا مستعد أوريكم كلكم هيبتي عاملة إزاي وإنها ما تأثرتش ولا سنتي واحدة. وإنت عارف أنا أقدر أعمل إيه!

تأثّر رحيم بنبرة صوت يوسف التي تغيّرت، وبذلك الألم الذي ارتسم في عينيه للحظات قبل أن يغلفهما بالجمود الذي تخفي خلفه جراحًا لا تندمل، وقال بلهجة حانية:

يا ابني، أنا مقدرش أضايقك. بس أنا حذّرتك كتير إن عمر الخير ما هييجي من ورا الجوازة دي. وصعبان عليّا كسرة قلبك اللي لو داريتها عن الناس كلها، مش هتقدر تداريها عني.

تحدّث يوسف بنفس نبرته الهادئة، لكن يتخللها الصرامة:

أنا مش عايز منك حاجة غير إنك تبعد عنها وما تحاولش تأذيها، ده لو مش عايز تضايقني فعلًا.

ثم تحوّلت نبرته إلى الشراسة عندما أردف:

وسميرة تعرف إنها لو فكّرت بس تضايقها ولو بكلمة، همحيها من على وشّ الدنيا.

برضه لسه مصرّ تحميها؟ هي عاملة فيك إيه يا ابن زهرة؟

قال رحيم بغضب من استبسال يوسف في حمايتها، فردّ يوسف من بين أسنانه:

كاميليا مراتي... عارف يعني إيه مراتي؟

لسه ما بقتش مراتك، ده مجرد كتب كتاب يعني ممكن تطلّقها ونخلص.

مش هيحصل! أنا هعيش وأموت وهي مراتي، ومحدش هيقدر يغيّر ده. فياريت كل واحد يخليه في نفسه، عشان صدّقني مش هرحم أي حد يحاول يتدخّل بينا.

تحدّث يوسف بنبرة قاطعة جعلت رحيم يكاد ينفجر غضبًا، فالتفت وقذف تلك الأوراق على المكتب أمامه قائلاً:

الموضوع ده ما عادش يهمّني من اللحظة دي. بس مش هسيب بنت زهرة تخليك تهدّ اللي قعدت سنين أبنيه.

لم يكلف يوسف نفسه عناء إلقاء نظرة على الأوراق، وقال ببرود:

أنا عارف شغلي كويس، ومفيش حاجة هتلهيني عنه.

زاد غضب رحيم من لهجته الباردة وقال بسخرية:

ما هو واضح... بأمارة الصفقتين اللي خسرناهم والمناقصة اللي ضاعت مننا. فاضل إيه تاني؟!

لو شايف إني ما أقدرش أدير شركاتك، تقدر من دلوقتي تشوف حد غيري يديرها، وصدقني هكون شاكر جدًا لأفضالك.

ضاق ذرعًا من عناده فصاح بغضب:

يوسف، بلاش تتحدّاني. إحنا الاتنين زي بعض وشبه بعض، والحرب بينا مش هتكون سهلة أبدًا!

أتمنى تقول الكلام ده لنفسك يا رحيم بيه. عشان إنت خسرت قبل كده وسهل تخسر تاني. لكن أنا عمري أبدًا ما خسرت... ولا هخسر.

إنت بتخسر فعلًا... طول ما إنت عامي عقلك وسايب قلبك يمشيك ورا بنت زهرة هتفضل تخسر طول عمرك.

تقريبًا زهرة دي مرات ابنك!

قالها يوسف بسخرية، فردّ رحيم بغضب كبير:

زهرة دي دمّرت ولادي الاتنين! خدتهم مني، فاااااهم؟!
واحد مات بسببها، والتاني خرج عن طوعي ومبقاش شايف حد في الدنيا بعدها!

تحدّث يوسف بقسوة:

عرفت بقى مين اللي خسر؟ أنا عارف بعمل إيه كويس، ومش هقبل إن حد يتدخّل في حياتي، ولا هقبل إن حد يفكّر يمسّ شعرة من كاميليا.

أنهى حديثه وسار نحو باب الغرفة، ليفاجئه رحيم بتلك الكلمات التي استقرت كخناجر في قلبه، تذكّره بذلك الذنب الذي حتمًا سيجعل اجتماعهم ثانيةً دربًا من دروب المستحيل:

ولما إنت بتحبها أوي كده... عملت اللي عملته ده ليه؟

  ***************

‐ خمس دقايق وانزلي لي تحت يا كارما.

كان هذا صوت مازن الذي كان الغضب يأكله من الداخل، ولن يقدر على امتصاصه سواها،
لتصطدم نيران غضبه بلهجتها الحانية وكلماتها التي أربكته وأطفأت نيرانه بنسيم حبها.

بحبك قوي يا مازن.

لا والله! بتضحكي عليَّ بكلمتين؟

تحدث مازن بعد أن حاول التحكم في ذاته التي بعثرتها كلماتها، فهتفت بلهفة:

لأ والله، بحبك قوي.

وبعدين يعني؟

قالها بكبرياءٍ أبى التراجع، فأجابته برقة:

ومقدّرش أعيش لحظة واحدة من غيرك.

طال صمته، فقد كان يريد أن يستمع إلى المزيد من كلماتها التي تُحلّق بقلبه فوق السماء،
لتستجيب لذلك النداء الصامت من قلبه وتردف:

عارف؟ أجمل حاجة في الدنيا إنك تحب، بس اللي أجمل وأجمل إنك تلاقي اللي بتحبه بايع الدنيا كلها وشاريك،
مستعد يحارب ويفوت في الحديد عشان خاطرك. قبل موقفي مع علي كنت بحبك، بس دلوقتي بعشقك يا مازن.

شعرت بصمته الذي دام أكثر من نصف دقيقة، ثم تحدث بصوت أجش:

إنتِ فين؟

لم يستطع أن يجيبها بالكلمات، بل سيجعلها ترى مدى عشقه لها، وماذا فعلت به كلماتها.

إنت هتعمل إيه يا مجنون؟

إنتِ فين يا كارما؟

مازن، اعقل! علي نازل يدور عليك...

لآخر مرة هسألك، إنتِ فين؟

أنا في الدور التاني، نزلت عشان أبعد عن الدوشة وأعرف أكلمك.

ما إن أنهت كلماتها حتى وجدت تلك اليد التي جذبتها، ساحبةً إياها إلى تلك الغرفة الفارغة،
لتتسع عيناها من فرط الصدمة.

احتواها بتملك، ووضع رأسه بين حنايا دفئها مستنشقًا عبيرها الأخّاذ،
لتتحول صدمتها تلقائيًا إلى خجل كبير.

أخذ مازن ينثر عشقه على ملامحها وهو مخدَّر تمامًا،
إلى أن شعر بها تتململ بجانبه، فرفع رأسه وألصق جبهته بجبهتها قائلًا بعشق:

سمعيني كده اللي قولتيه في التليفون من شوية.

مازن، أوعى...

تحدثت بصوت مهزوز من فرط المشاعر التي عصفت بها، ليقول بحب:

كنتِ بتقولي إنك بتحبيني... وإيه كمان؟

عاندته بخجل:

مازن، بطّل بقى.

همس أمام عينيها بنبرة تقطر عشقًا:

بحبك أنا، طيب.

وعلى قدر عشقها له، على قدر خوفها من هذا الضعف الذي يعتريها بجانبه.

لو ما بعدتش، هخاصمك.

مقدرش.

تدللت قائلة:

بتقدر.

والله ما بقدر...

حاولت التماسك أمام سحره قائلة بقوة مصطنعة:

لو ما سبتنيش أخرج دلوقتي أنا هــ...

ابتلع باقي حروفها بين أمواج عشقه،
لتصمت الأفواه وتتحدث القلوب، بل وتذوبا معًا من فرط العشق الكبير الذي أصبح يتحكّم حتى في الهواء المحيط بهما.

****************

وبعدين يا كاميليا، هتفضلي معذِّبة نفسك كتير كده يا بنتي؟

كان هذا صوت فاطمة التي كان قلبها يتمزّق على حال ابنة أختها،
وصوت شهقاتها الذي لم يهدأ منذ أن غادر يوسف بتلك الطريقة الغاضبة.
أردفت فاطمة بعد أن طال صمتها:

يا بنتي، ردي عليَّ. مالك؟ فيكِ إيه؟ وعاملة في نفسك وفي جوزك كده ليه؟

إحنا خلاص هنطلّق يا خالتي.

تحدثت كاميليا بألم، فقد مزقتها تلك الكلمة التي لطالما تمنّت سماعها،
لكنها الآن مجبرة على التضحية بها في سبيل من تحب.

هتطلّقوا عشان غبائك يا كاميليا!

لا يا خالتي، يوسف مبقاش عايزني.
هو قالي كده من شوية... إني معدش ليا وجود في حياته، وخلاص هيعتبرني زيّي زي أي حد في العيلة.

زجرتها فاطمة بعنف:

لو مبقاش عايزك ما كانش جالي آخر الدنيا يجيبني أشوفك عشان نفسيتك تتحسّن.
ما كانش دخل عليكِ قبل أي حد وقلبه سابق خطوته عشان يطمن عليكِ.
ومعرفش إيه اللي قولتيه خلاه طالع زي الإعصار كده مش شايف قدّامه؟

أخفضت كاميليا رأسها، وتساقطت دموعها كالأمطار.
فهو قد فهم حديثها خطأ، فقد كانت تودّ أن تخبره بأن خوفها من فقدانه هو سبب ذلك العذاب المرتسم في عينيها.
لكن برغم كل ذلك الوجع بداخلها، لم تستطع أن تنسى نظراته الحانية التي غرقت فيها،
لتتحول بعد ذلك إلى ذلك الجمود الذي أرعبها.
كانت تدرك أنّها بحديثها الأخير معه قد هدمت آخر جسر كان يربط قلبيهما.

كاميليا...

استجابت كاميليا لنداء خالتها ذي النبرة الحازمة، ورفعت رأسها لتقول فاطمة بأمر:

حالًا دلوقتي تقولي لي هربتي من يوسف ليه؟
ودي تقريبًا آخر فرصة ليكِ معاه: يا تستغليها يا هتندمي باقي عمرك وإنتِ شايفاه مع ست تانية غيرك.

لو كانت كلماتها أسهُمًا لانغرست في جسدها،
لما كانت لتؤلمها بهذا الحد،
فتذكرت ذلك الكابوس الذي رأته في منامها،
فشعرت بانسحاب الهواء من رئتيها وشحب وجهها.
لاحظت فاطمة ذلك التحوّل الرهيب في حالتها، فاقتربت منها قائلة بحنان أم تخشى على صغارها من نسمة الهواء:

يا حبيبتي، يوسف بيحبك وإنتِ بتحبيه،
يبقى ليه تعذّبي نفسك وتتعبي قلبه كده؟
شايفة حالتك بقت عاملة إزاي؟
وحالته هو كمان... دا يا حبة عيني تحسيه عامل زي التايه،
بيحاول يبان قوي، بس هييجي وقت ويقع، وإنتِ أول واحدة هتندمي.

إنتِ مش فاهماني يا خالتي...
أنا مش هقدر أعيش وسط الناس دي تاني.
دول بيكرهوني وبيكرهوا أمي، ونفسهم يعملوا فيَّ زي ما كانوا بيعملوا فيها،
ومش هيرتاحوا غير لما يموتوني زيها.

تحدثت كاميليا بلوعة وعذاب،
فقد كانت تتذكر كلمات سميرة ونيفين السامة عن والدتها،
وأيضًا جدها الذي لم تشعر يومًا بحنان منه،
بعكس نيفين التي كانت تتلقى كل أنواع الدلال والرعاية التي كانت كاميليا تتوق لرشفة واحدة منها.

بعد الشر عنكِ يا حبيبتي.
طب ويوسف يا كاميليا؟
كان زيهم؟
كان بيعاملك كده برضه؟
كان بيسمح لحد فيهم يقولك حرف وهو موجود؟

هيفضل يحارب في أهله لحد إمتى عشاني؟

لحد ما تحاربي إنتِ كمان معاه، وتبطّلي ضعفك قدّامهم،
ده اللي بيخليهم يستقووا عليكِ.
يا بنتي يا حبيبتي ريّحي قلبي.
طب بلاش، هربتي ليه؟
هتقدري تكوني لحد غيره؟
أو تسيبيه لحد...

قاطعتها كاميليا بصراخ قلبها الذي أبى أن يستمع لتلك الكلمات التي تقتله مرة أخرى:

متقوليش تاني!
أيوة، مش هقدر أكون لغيره،
وهموت لو شفته مع غيري،
بس غصب عني... غصب عني... افهموني وحسّوا بيا!

أقدر أعرف إيه هو اللي غصب عنك ومخليكِ عاملة في نفسك وفيه كده؟

كان هذا صوت أدهم،
الذي تجاهل ضجيج حزنه وحاول لملمة شتات كبريائه الذي بعثرته تلك المرأة التي بات يعشقها حدّ أن يكره نفسه لوقوعه في فخ عشقها.
فما إن سمع صراخ كاميليا حتى توجّه على الفور إلى غرفتها ليرى ماذا يحدث معها،
وقد شعر بوجود أمر خطير عندما رأى هيئتها المزرية وانهيارها بهذا الشكل.
وما جعل الشك يتسرّب إلى قلبه تصريحها بأنها ستموت إن رأت يوسف مع أخرى،
وهذا يعني أنّها تحبه...
إذن لماذا تختار أن تبتعد عنه مع كل هذا الحب؟

فجأة اقتحم عقله ذلك الهاجس:
هل لجده يد في كل ما يحدث بينهما؟

ترى... هل تجرأ وهدّد كاميليا لتبتعد عن حياة أخيه؟
لا، لن يفعلها مباشرة،
لكنه موقن أنّه بشكل أو بآخر سيكون له يد فيما يحدث،
وقد انتوى أن يكشف ألاعيبه بنفسه،
ولن يسمح له بتدمير سعادة أخيه مع المرأة الوحيدة التي يحب.

ليخرج الكلام من فمه وهو يترقب ملامح كاميليا كالصقر حتى يتأكد من ظنونه:

جدي له علاقة ببُعدك عن يوسف وهروبك يا كاميليا؟

صاعقة أصابتها عندما استمعت إلى كلماته،
فلم تستطع التفوّه بحرف،
إذ زادت رعشة شفتيها وارتجافة كفيها،
بل وانحبست الأنفاس في صدرها.
ترى... هل يعلم أدهم شيئًا عمّا حدث؟

لم تعد تعرف ماذا تقول أو بماذا ترد على سؤال أدهم الذي أصاب صميم قلبها،
فهل تبوح بمكنوناتها وتسقط ذلك الحمل عن كاهلها،
أم تلوذ بالصمت كعادتها؟

لكن أنقذها قدوم ذلك الطبيب،
الذي ما إن رأته غرام حتى تملكها الذهول متذكرةً ما حدث منذ ساعات قليلة.

عودة لوقت سابق

كانت غرام تتحدث مع علي في الهاتف خِلسةً من دون أن تعرف والدتها، بعد أن تحججت لهم برغبتها في النزول إلى الكافيتريا، وذلك كي تخبره بما حدث وقدوم يوسف إليهم.

بس يا لول، وبعدها بقى ماما قررت إننا نيجي نشوف كاميليا... عارف إيه اللي غايظني؟ إنها حكمت عليّا ماخرجش من الأوضة بتاعتي طول ما هو هنا، ولا كأنهم بيقولوا أسرار عُظمى...

كانت غرام تتحدث غير منتبهةٍ لذلك الذي وقف يتطلع إليها بعيون تنطق بإعجاب صريح بجمالها ورقتها، وخاصةً عندما كانت يدها تعبث بشعرها بتلك الطريقة أمامه، فقد كانت كمن تعبث في إعدادات عقله ليجد نفسه يقترب منها حتى أصبح خلفها، لتنهي محادثتها وتلتفت للخلف لتصطدم بذلك الجدار البشري الذي أربكها للحظات، فرفعت أنظارها لتتفاجأ بتلك العينين الصقريتين تحدّقان بها بنظرات غامضة، لتجد نفسها تقول بحدّة كعادتها:

مش تفتح يا أخينا إنت!

رفع الآخر حاجبه بتعجب وقال لها بصوت رجولي عميق:

أنا اللي أفتح؟! تقريبًا إنتِ اللي اتخبطتِ فيا!

ارتبكت غرام للحظة ثم قالت بنفس حدتها:

أنا كنت بتكلم في التليفون ومكنتش مركزة، المفروض إنت تكون مركز.

يعني إنتِ تتكلمي في الفون وتمشي تخبطي في خلق الله، وفي الآخر مش عاجبك!

أنا مقولتش كده.

قالتها بارتباك ونبرة رقيقة خجلة، ثم رفرفت برموشها بتلك الطريقة الرائعة، فهي قد أدركت خطأها لكنها كانت تكابر، فقاطعها بابتسامة مرحة:

خلاص يا ستي ولا يهمك، أنا غلطان لك.

ثم قام برفع كفه إليها يصافحها قائلًا بمرح:

أنا الدكتور رامي، وإنتِ؟

رفعت غرام إحدى حاجبيها وقالت بسخرية:

دانتَ هتصاحبني بقى! وسِّع يا كابتن من وشي عشان مش فاضيالك.

وما إن ألقت بكلماتها حتى تحركت بعيدًا عنه وتركته خلفها مدهوشًا من تلك الرقة الممزوجة بذلك العنفوان الذي أشعل نار الفضول بقلبه.

عودة للوقت الحالي

نظر رامي لتلك الشقية التي كانت تنظر إليه بسخرية سرعان ما تحولت لنظرات خجلة صاحبتها ابتسامة رائعة، عندما التقت عيناها تلك النيران التي اندلعت في عيون أدهم حين شاهد تلك النظرات بينهما، وغلت الدماء في عروقه. فهل ما يراه صحيح؟! ذلك الأبله يوجّه نظرات الإعجاب تلك لحبيبته، بل والأدهى من ذلك هي تبادله؟!

عاملة إيه النهارده يا آنسة كاميليا؟

كان هذا صوت رامي الذي قطع ذلك التواصل البصري، متحمحمًا بخجل، فهِمَّ بمباشرة عمله متجاهلًا ضجيج قلبه الذي أثارته تلك الفاتنة...

الحمد لله يا دكتور.

تحدثت كاميليا بصوت رقيق يكاد يكون مسموعًا، ليقترب رامي منها لقياس ضغطها، لكنه ألقى نظرة ذات معنى على فاطمة، لتقول:

غرام، خليكِ مع بنت خالتك وإحنا هنخرج لحد ما الدكتور يكشف عليها.

لا طبعًا، محدش هيخرج من هنا...

كان هذا صوت أدهم الغاضب الذي لاحظ تلك الابتسامة الخافتة التي ظهرت على وجه رامي ما إن تفوهت فاطمة بعرضها، ليتفاجؤوا جميعًا بحديث أدهم المندفع ونظراته التي تكاد تفتك برامي، لتقول فاطمة بتخابث:

ليه يا أدهم؟ الدكتور عايز يكشف على كاميليا.

ارتبك أدهم من كلماتها، فهو لم يقدر على التحكم في غضبه واندفاعه، لكنه يريد لو يحطم رأس ذلك الطبيب اللعين الذي ينظر لحبيبته تلك النظرات التي يعرفها جيدًا.

يوسف هيضايق ومش هيوافق نخرج من الأوضة.

لا، ما هي مش هتبقى لوحدها، غرام هتفضل معاها.

لا طبعًا...

قالها بغضب كبير، ليتلقى نظرات مستفهمة مدهوشة من جميع من بالغرفة، لينقذه دخول كارما ومازن الذي لاحظ تلك النظرات التي كان أدهم يصوبها لذلك الطبيب، والتي توحي بأنه على وشك ارتكاب جريمة قتل، ليحاول تهدئة الوضع قائلًا:

إزيك يا كاميليا؟ عاملة إيه؟

الحمد لله يا مازن، إنت عامل إيه؟

تحدثت كاميليا بفرح، فهي كانت دائمًا ما تعتبر مازن أخًا ثانيًا لها مثل أدهم، لكنها تفاجأت بكارما تندفع تجاهها معانقةً إياها بلهفة قائلة بحب:

كوكي حبيبتي، وحشتيني أوي أوي!

لتبادلها كاميليا العناق بحب كبير، وقد شعرت بسعادة عارمة لرؤيتها.

وإنتِ كمان وحشتيني أوي يا كارما.

وهنا دخل علي الذي ما إن رأى مازن حتى قال بدهشة:

إيه يا ابني، هو إنت بتلبس طاقية لخفه؟ إنت مش نزلت تحت؟ جيت هنا تاني إزاي؟! ده أنا قلبت الدنيا عليك!

أصلي بطير يا خفيف.

تحدث مازن محاولًا كتم غيظه ما إن تذكر حديث علي معه منذ قليل، ليقاطعهم حمحمة رامي الذي قال بحرج:

أنا مضطر يا جماعة أقاطع اللقاء العائلي ده، هطمن بس على كاميليا هانم وبعد كده تقدروا تاخدوا راحتكوا.

علي، ممكن تاخد مازن وأدهم بيه وتخرجوا على ما الدكتور يكشف على كوكي، وأنا هستنى أنا وماما وكارما معاها. تمام كده يا دكتور؟

كان هذا صوت غرام الرقيق، والذي كان كالبنزين الذي سُكب على نار أدهم المشتعلة، ليغادر الغرفة بسرعة البرق خشية أن يرتكب جريمة، فهي قررت أن تعاقبه أقسى أنواع العقاب الذي يمكن أن يناله عاشق على يد محبوبته، لكنه لن يسمح لأحد بالاقتراب منها، فهي له وحده، وحتمًا سيصلح ما أفسده بفعلته الحمقاء تلك، وسيريها عندها مدى الجحيم الذي تجرعه على يديها.

ضغطك واطي شوية، وده عشان مفطرتيش طبعًا، وإحنا قولنا نهتم بأكلنا ونتغذى كويس.

كان هذا صوت رامي الذي تابع فحصه لها بعد الخروج العاصف لأدهم، يليه خروج مازن وعلي من الغرفة.

ماليش نفس والله يا دكتور...

مفيش حاجة اسمها ماليش نفس يا كاميليا، لازم تاكلي، عاجبك رقدتك دي؟

كان هذا صوت فاطمة التي احتدت نبرة صوتها قليلًا بعد أن رأت مظهر ابنة أختها وما آل إليه حالها.

حضرتك والدتها؟

أنا خالتها وفي مقام مامتها، ودول بناتي كارما وغرام.

ما شاء الله، ربنا يبارك فيهم... والشباب دول ولاد حضرتك برضو؟

علي ابني اللي دخل آخر واحد، واللي كان مع كارما ده مازن خطيبها، أما أدهم يبقى أخو يوسف.

تهللت أسارير رامي الذي تأكد أن غرام ليست مخطوبة لذلك الأدهم، فهو لاحظ نظراته القاتلة نحوه وتجاه غرام، فقال بمرح:

بصراحة يا حاجة، إنتاجك كله ما شاء الله... إنتوا أكيد مش مصريين.

قهقهت فاطمة وابتسمت غرام، لتنظر إليها كارما نظرات ذات معنى، فقد شعرت بما تحيكه أختها، لتقترب منها وتقرصها بخفة في ذراعها مقتربة من أذنها قائلة بهمس:

متلعبيش بالنار، أديكِ شفتي عينيه كانت بتطق شرار إزاي وخرج إزاي من الأوضة؟

لتجيبها غرام بنفس الهمس ولكن بنبرة متوعدة:

أنا هخلي النار دي تحرقه، بس اصبري عليّا، أما خليته يقول حقي برقبتي.

الله يخرب بيتك، ناوية على إيه؟ ده مجنون وممكن يهدّ الدنيا فوق دماغك.

اصبري إنتِ بس وهتشوفي. أما خليته يندم ندم عمره، ما بقاش أنا غرام.

قاطع حديثهما الجانبي صوت فاطمة وهي ترد على رامي:

أنا والدتي روسية وبابايا مصري، وجوزي الله يرحمه كان مصري.

طب حيث كده بقى ما تشوفولي عروسة عندكوا، وأهو نحسّن النسل شوية.

تعالت الضحكات، تلاها صوت فاطمة وهي تقول بمجاملة:

ليه يا ابني، ده إنت ما شاء الله عليك طول بعرض وزي القمر، وألف بنت تتمناك.

ألقى رامي نظرة خاطفة على غرام التي نظرت له بطرف عينيها ثم طأطأت رأسها بخجل مصطنع جعل رامي يقول بلهفة:

بما إن ده رأيك فيّا، فخلاص عروستي عندك بقى.

إحنا يا دكتور كده ما عندناش غير غرام، ودي الله يكون في عونه اللي هيتجوزها...

كان هذا صوت كاميليا التي لم تكن تدري عن تلك الحرب الدائرة حولها، ولكنها أرادت مشاكسة غرام ما إن رأت تلك النظرات الخجلى في عينيها، لتؤكد على حديثها فاطمة:

آه والله يا كاميليا، عندك حق، أنا مشفقة على جوز غرام بنتي من دلوقتي، ده هيشوف أيام يا قلب أمه سودا.

لا والله! الحفلة على غرام دلوقتي ولا إيه؟! وبعدين اللي هيتجوزني ده أمه داعية له، ده هيشوف أيام هنا على إيدي إن شاء الله.

كان هذا صوت غرام الغاضب من حديثهم، لتخلع ثوب الخجل جانبًا وتندفع الكلمات من حلقها في غضب جميل يليق بها، ليتفاجأ رامي بحديثها وغضبها الذي أضفى على خديها ذلك الاحمرار الشهي، ليتابع معهم المزاح ما إن وجدها ترفع إحدى حاجبيها بغضب وتضع يدها في منتصف خصرها بحركة طفولية جميلة، ليقول بمرح مدعيًا الخوف:

لا، من الواضح فعلًا إنه هيشوف أيام هنا على إيدك، وتقريبًا هتبقى آخر أيام يعيشها على وش الدنيا.

قهقه جميع من في الغرفة على مزاح رامي وغضب غرام، لتعرف الابتسامة طريقها إلى ثغر كاميليا بعد وقت طويل من الأحزان.

قاطع صوت ضحكاتهم عَيْنان بلون زرقة السماء، سرعان ما التهبتا بنيران الجحيم عند رؤيته لمحبوبته تضحك هكذا في وجود ذلك الطبيب الذي أصبح الآن في عِداد الموتى...

---

يعني إيه يا رائد اللي بتقوله ده؟

يعني مش هدخل الحريم في خطتي يا سميرة، ولو هبعد كاميليا عن يوسف فهي هتبقى مراتي لفترة وبعدها أطلّقها، غير كده معنديش. وأظن بكده نبقى كسرنا قلب يوسف برضه ودمرناه.

وبنت زهرة تنفد من تحت إيدي؟!

قال رائد بحنق:

بنت زهرة ماعملتلكيش حاجة عشان تفكري تأذيها الأذية دي كلها.

لا، عملت في بنتي... كسرت قلبها وخدت حبيبها منها.

اهتزت نبرة سميرة بعض الشيء، مما جعل رائد ينظر إليها بسخرية قائلًا:

خدت من بنتك إيه؟ حبيبها...! إنتِ بتتكلمي على أساس إن أنا هندي! يوسف عمره ما بص لنيفِين أصلًا ولا فكر فيها، ولا هيفكر حتى بعد هروب كاميليا منه. ولا نيفين عمرها حبّته، إنتِ اللي كنتِ طول عمرك بترميها عليه، بالرغم من إنها بنت مراد الحسيني يعني ليها حق في ورثه، بس إنتِ الطمع عاميكي، ومش مكفيكي اللي هتورثيه، عايزة تكوشي على كل حاجة.

صححت حديثه بجشع:

قصدك الملاليم اللي هتورثهم من أبوها؟ دي بتسميها ثروة؟ في حين إن بنت زهرة تكوش على كل حاجة! ده على جثتي!

الملايين دي كلها عملتيها ملاليم! ولنفرض... ما إنتِ ممكن تجوّزيها جوازة كويسة، ومعتقدش إنك هتغلّبي في إنك تلاقي اللي يشيل يعني.

وبنت زهرة تنتصر عليّا زي ما أمها عملت زمان؟! لا يا رائد، على جثتي يحصل الكلام ده!

قال رائد بتهكم:

أمها! قولي كده بقى... طارك كله مع أمها اللي ماتت بقالها يمكن عشرين سنة ولسه برضه بتكرهيها وبتغلي منها.

استمهل نفسه قبل أن يقول بسخرية، قاصدًا إلحاق مزيد من الألم بها:

ألا هي كانت صاروخ زي كاميليا كده لدرجة تخلي أحمد الحسيني يقرر يمشي ويسيب عز أبوه وفلوسه دي كلها؟

أتت محاولته لاستفزازها بثمارها، فهو يكره تلك المرأة بشدة ويعلم بأنها تخفي الكثير والكثير، لترد عليه سميرة بحدة وبكل ما يعتمل بداخلها من كراهية وحقد لزهرة:

إنت أكيد اتجننت! أنا أِغار من واحدة زي دي؟ دي أزبل من إني أقارن نفسي بيها! واحدة رخيصة تبيع نفسها مقابل الفلوس، وبنتها طالعة لها، لفت على يوسف ووقعته في شباكها عشان تكوش على كل حاجة زي ما أمها عملت في أحمد زمان!

لا تصدقي... واطية فعلًا! رمت نفسها عليه عشان فلوسه، بس نيفين إنتِ رمّيتيها عليه عشان سواد عيونه!

تحدث رائد بتهكم، أتبعها بضحكة ساخرة ونظرات احتقار قبل أن يكمل:

بس قوليلي... إنتِ مالك ومال حكاية أحمد وزهرة؟ إنتِ كنتِ بتحبيه ولا إيه؟ شكلك كده كنتِ بتحبيه وادّاكِ الصابونة عشان خاطرها. ما أنا أصلي سامع إنها كانت صاروخ، له حق برضه!

وكأن حديثه اخترق أعماق قلبها كاشفًا عن جرح غائر لم تفلح السنين في مداواته، فهبت واقفة على قدميها بفعل الوجع المعتمل بداخلها وصرخت في وجهه قائلة:

اخرس يا حيوان!

باغتها رائد جاذبًا خصلاتها بعنف، قائلًا بغضب جحيمي:

إياكِ تفكري تطوّلي لسانك عليّا تاني، أحسن أقطعهولِك، فاهمة ولا لأ؟

ظلت تتخبط بين يديه وهو يشد بقوة على خصلاتها حتى تركها بغتة، لتقع على الأرض، وألقى عليها نظرة احتقار ثم تركها وغادر ذلك المقهى المتطرف قليلًا عن المدينة.

أخذت تتوعد له بحقد:

ماشي يا رائد... ودّيني لموتك هيكون على إيدي، وهتشوف سميرة هتعمل فيك إيه.

وما إن همّت بالتقاط هاتفها لإجراء مكالمة هاتفية حتى تفاجأت برحيم الحسيني يتصل بها، لتحاول لملمة شتات نفسها وترد بنبرة حاولت جاهدًة أن تكون ثابتة:

أيوة يا عمي.

إنتِ فين يا سميرة؟ وإزاي تتجرأي تخرجي من غير إذني؟

أبدًا يا بابا، أنا في السوق بشتري شوية حاجات، وما رضيتش أصحي حضرتك لما عرفت إنك نايم.

إزاي تسيبي نيفين لوحدها وتخرجي، وإنتِ عارفة إنها تعبانة؟!

ما أنا سايباها نايمة يا بابا، واطمنت عليها بنفسي قبل ما أخرج، وبعدين أنا مسافة السكة وجاية أهو.

بسرعة، ما تتأخريش... وحسابنا لما ترجعي.

ألقى كلماته ثم أغلق الهاتف في وجهها، مما زاد من حنقها، فالجميع يعاملها دون المستوى وكأنها نكرة لا قيمة لها، وهذا ما جعل حقدها يزداد، فتتوعد لهم جميعًا بالهلاك...

****************

دخل يوسف الغرفة بهيبته الطاغية، يسبقه قلبه المتلهِّف لرؤيتها، متجاهلًا سهامها المغروزة في قلبه جراء كلماتها السامّة التي أخذت تسري في أوردته، مشعلةً بها نيرانًا لا تهدأ.
لكنّه تفاجأ بصوت ضحكاتها التي أطربت آذانه، لتجعله يقتحم الغرفة لرؤية ابتسامتها التي كانت كشروق الشمس بالنسبة له، غير أنّه تجمّد في مكانه عندما شاهد ذلك الطبيب يضحك أيضًا بتلك الطريقة.

والحقيقة أنّ جميعهم كانوا يضحكون، لكن قلبه لم يكن يرى سواها، فتلوّنت عيناه بلهيب الغيرة...

أهلاً يوسف بيه، اتفضّل عشان أشتكي لك من كاميليا هانم.
كان هذا صوت رامي الذي التفت ليجد يوسف واقفًا عند باب الغرفة، لكنه لم يلحظ ظلام عينيه، فقد كانت تلك الجنية الغاضبة تسرق كل تفكيره.

اقترب يوسف من كاميليا المرتعبة من نظراته القاتمة وخطواته التي كانت ترسو على قلبها، وتجلى رعبها في ارتعاشة يدها التي تمسّكت بها بشدّة حتى كادت تكسر عظامها. جلس بجانبها على السرير ثم حاوطها بيده كأنّه يعلن ملكيته لها، وهو يرمقها بنظرات متوعّدة، ثم التفت إلى رامي قائلًا بلهجة خطرة فهمتها فاطمة على الفور:

عايز تشتكي لي من كاميليا ليه يا دكتور؟

لحد دلوقتي مفطرتش، وده طبيعي مخدّتش دواها وضغطها واطي. ينفع؟

التفت يوسف وقد شعر بالحزن على حالها، لكنه لم يُظهر شيئًا مما يدور بداخله، وظلت نظراته جامدة، غير أنّ نبرة صوته رقت قليلًا وهو يضغط على كفّها:

مفطرتيش ليه لحد دلوقتي؟

لم تستطع أن تخرج الكلمات من بين شفتيها؛ فهي تعلم أنّه غاضب منها بشدّة. ارتفع صوت أنفاسها، وألقت نظرة استجداء على خالتها التي كانت تعرف أنّ غضبه لن يلين سوى معها، فوجهت نظرها لرامي قائلة:

خلاص يا دكتور، خليهم يجيبوا الأكل والدوا، ويوسف هيأكلها وهيهتم بيها، مش مراته حبيبته؟

قالت الأخيرة وهي توجّه ليوسف نظرة ذات معنى فحواها (كن حنونًا معها).
لتتلقى إيماءة بسيطة منه دلالةً على تفهّمه لما تقصده، ثم أردفت:

يلا يا بنات نستنى برّه على ما كاميليا تفطر وتاخد دواها.

ثم همّت بالخروج، تلاها كارما وغرام، وخرج رامي وهو يقول:

حالًا يا يوسف بيه، الممرضة هتجيب الفطار والدوا لكاميليا هانم، عن إذنك.

زادت ارتجافة جسدها ما إن سمعت الباب يُغلق، فهذا يعني أنّهم جميعًا تركوها لمواجهة غضبه الجحيمي. شعر يوسف برجفتها التي كانت على مقربة منه، فتصاعدت أبخرة الغضب داخله على خوفها غير المبرّر منه، وأخذ يلعن قلبه الذي لم يستطع الابتعاد عنها لساعات معدودة فعاد، متحجّجًا برغبته في رؤية فاطمة لأمرٍ مهم.

ترك يوسف كتفها ونصب قامته متجهًا إلى النافذة محاولًا التنفيس عن ذلك الغضب الهائل الذي يعتمل بداخله.
مرّت عدّة دقائق غلّفها الصمت حتى سمع طرقًا على الباب، ودخلت الممرضة ليأمرها بترك الطعام والدواء على الطاولة قرب سريرها. وأثناء ذلك ألقى نظرة خاطفة عليها ليجدها تعتصر كفيها بشدّة وتضغط على شفتها السفلى حتى كادت تُدميها، ليقول بلهجة مريرة ما إن أغلقت الممرضة الباب خلفها:

كل دا خوف مني؟ ولا متضايقة إنك شوفتيني؟

آلمتها تلك النبرة في صوته وتلك الارتجافة بجانب فمه التي تحكي مقدار الألم الذي يعانيه، فقالت بصوت رقيق ممتلئ بالحزن:

ليه بتقول كده؟

ضحكتِك اللي كانت منوّرة وشِك ومسَمعة المستشفى كلها، واللي اتحوّلت مية وتمانين درجة لما أنا دخلت...

شعرت بالعذاب الذي يقطر من كلماته؛ فقد ظنّ أنّها حزنت لرؤيته، وهو لا يعلم أنّ أكثر ما يفرحها في هذه الحياة هو وجوده. لكنها ارتعبت من ظلام عينيه الذي واجهها به، فلم تشعر إلا وهي تترجل عن السرير لتقف خلفه قائلةً بنبرة مرتعشة:

يوسف...

شعر باقترابها منه فانتفض قلبه اشتياقًا لها، وازداد جحيمه لعجزه عن الالتفات إليها واحتضانها. كان يشتاق لكل إنش فيها، لكن تبقى كلماتها وأفعالها حاجزًا بينهما، فطبق شفتيه مانعًا تدفق الكلمات، لتفاجئه بتلك الكلمة التي فجّرت براكين غضبه:

أنا آسفة...

وكأن تلك الكلمة كانت القشّة التي قصمت ظهر البعير، فالتفت إليها بغضب جحيمي قائلًا بصوت غاضب:

آسفة؟!

لكن التفاته بهذا الجنون كادت أن توقعها أرضًا، فشعرت بنفسها تترنح، وكادت ترتطم بأرض الغرفة لولا أنّه حال دون ذلك. رفعت رأسها لتنظر إلى عينين تعشقهما حتى النخاع، لترى فيهما ذلك العذاب الذي كانت هي المتسببة به، فمدّت يديها تحتويه بكل ما تملك من قوة، وانهمرت عبراتها وهي تقول:

أنا بحبك أوي يا يوسف، ومقدرش أعيش من غيرك.
أنت مشيت الصبح من غير ما تفهم معنى كلامي إيه؟
أنا سبب تعبي وحزني في الدنيا دي هو خوفي من إنّي أخسرك.
أنا هربت عشان مخسركش.
أنت أغلى حاجة عندي في الدنيا، أرجوك متسبنيش...
هموت من غيرك.

*************

لا أعرف أيَّ لعنةٍ أصابتني حين عشقتك؛
ففي اللحظة التي تمتدّ فيها يدي لنزعك من قلبي،
أجدها تُجبِرك على البقاء،
وتُرغِمني على تقبّل وجودك
كما لو أنّ قلبي خُلِق بك ومن أجلك.

  نورهان العشري ✍️

🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁

كان رامي يتجوّل في طرقات المشفى، وابتسامةٌ حالمةٌ بلهاء ترتسم على وجهه وهو يفكّر في تلك الجنيّة الجميلة التي خطفت قلبه،
ليتفاجأ بتلك القبضة الحديديّة التي أمسكت بعنقه تكاد تنتزع الحياة منه، وتجرّه إلى إحدى الغرف،
ملتصقًا بالحائط خلفه وسط أنفاسٍ غاضبةٍ أحرقت وجهه،
ليصطدم برؤية ذلك المجنون ينظر إليه بنظراتٍ مرعبة وهو يقول من بين أسنانه، بصوتٍ كزئير الأسد:

– عايز إيه من غرام يا حيوان؟

يتبع.......

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...