تحميل رواية «للعشق وجوه كثيرة» PDF
بقلم نورهان العشري
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
الوجه الأول للعشق 🌹 ما أصعب أن تتحول ذكرياتنا الجميلة إلى شجرة شوك تنغز في قلوبنا بدون رحمة ، لا نحن قادرون على نزعِها ولا قادرون على تجاهلها ! أتدري مرارة أن تفقِد شخصاً كان بمثابة روحك وأكثر؟! أتدري شعور أن تشتاق لشخص أصبح مُحرّماً عليك حتى مُشاهدة طيفه؟! أتدري شعور الحاجة لشخص ما، كان كل الحياة بالنسبة لك و فجأة أختفى؟! أتدري شعور أن تنظُر إلى كل ملذات الحياة وكأنها لاشيء بنظرك؟! أتدري شعور أن يتسرب حلمك من بين أصابعك كالرِمال ولا تستطيع التمسك به؟! أتدري شعور أن تُجبِرك الحياة أن تُصبِح أسو...
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الحادي وثلاثون 31 - بقلم نورهان العشري
الوجه الثلاثون للعشق 🌹
ذلك الثبات الذي أبدو عليه لم أصل إليه بسهولة و لم يكُن منحة من الحياة، بل كان ثمرة ألف خيبة تجرعتها بصمت، وجرحتني حتى النضج، ثم تجاوزتها وحدي، لأعاود النهوض أقوى مما كنت.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أعتقد أن النظرات قادرة على سرد روايات العشق أبلغ من ألف حديث، فهناك مشاعر أقوى بكثير من أن يستطيع اللسان وصفها.
هكذا كانت نظرات أدهم إلى غرام، فلو أنها رأت كيف يطالعها لتجاوزت عن جميع أخطائه في حقها، وهرولت إليه؛ فقد كانت عيناه تحملان أطنانًا من العشق القادر على محو جميع الجروح العالقة بقلبها.
ولكنها للأسف كانت مستلقية مغمضة العينين، وقد خانها قلبها وأخذت تتذكر أجمل لحظاتها معه، فأخذ قلبها يرتجف داخلها من فرط العشق الممزوج بالوجع، لتسقط دمعة خائنة من عينيها.
وسرعان ما امتدت أصابعه ليمسحها، فابتسمت غرام ابتسامة خفيفة، فقد كانت تظن أنها واهمة، وأنها من فرط اشتياقها له تتخيل رائحته.
لكن قشعريرة سرت في كامل جسدها عندما شعرت بيديه تمسح دمعتها، ففتحت عينيها بسرعة، والتفتت إلى الجهة الأخرى لتجد معذبها ينظر إليها بتلك النظرات التي أذابت عظامها، ليتساءل قلبها بلهفة:
أنت هنا بجد؟
أجابها أدهم، الذي كانت كل خلية فيه ترغب في احتوائها، علّه يطفئ تلك النيران التي تأكله من فرط الوجع والعشق أيضًا:
مادام سألتي السؤال دا، يبقى قلبِك كان بيحلم بيا.
لم تستطع زحزحة عينيها عن عينيه، فقد كانت تأسرها نظراته وتكبلها بقيود عشقٍ خُلِق لها وبها، فلم تقوَ شفتاها على التفوه بحرفٍ واحد قد يُكذّب حديثه.
فلا طاقة لها على الكذب أو محاولة إخفاء ما يدور بداخلها، فقد أنهكتها تلك المعارك التي خاضتها اليوم، فلجأت إلى الصمت أمام عينيه اللتين كانتا وكأنهما تحتويان ملامحها شوقًا.
ولو أن الشوق بداخله فاق حدود الوصف؛ فقد اختبر في غيابها أقسى ما قد يشعر به الإنسان في حياته، ولم يعد لديه طاقة للمقاومة أكثر، فأعلن قلبه وعقله معًا رايتهما البيضاء، مستسلمين لغزوها الضاري.
لذا فقد فعل المعجزات ليختلي بها، حتى يتسنى له أن يُعبّر عن مكنونات قلبه ويزيل الرماد المحترق الذي لا يزال مشتعلًا منذ سنين.
لكنها لم تستطع أن تصمد أكثر أمام عينيه، فأدارت رأسها إلى الجهة الأخرى قائلة بخفوت:
جاي ليه يا أدهم؟
امتدت يداه ليعيدها إلى النظر إليه مرة أخرى، فهو أكثر من يعلم ذلك الصراع الدائر بين قلبها العاشق وعقلها الرافض، فقد كان فريستها لوقتٍ طويل، لذا قال بحنو:
بصيلي، متدوريش عينيكِ الناحية التانية، عشان قلبِك هيفضل باصصلي.
حاولت جاهدًة ارتداء قناع القوة والثبات أمامه، لكن ذلك كان شاقًا للغاية، خاصةً وأنها تقاوم نفسها أولًا، فكررت سؤالها بصوتٍ حاولت أن تجعله ثابتًا:
جاي ليه يا أدهم؟
في بينّا كلام كتير لسه مخلصش.
قالها أدهم بهدوء، فأجابته بنبرةٍ حزينة آلمته كثيرًا:
مبقاش في بينا كلام يتقال، اللي عندي إنت عارفه، ومتفتكرش إن اللي حصل دا ممكن يغيره.
بس أنا مش جاي أكلّمك إنتِ يا غرام، أنا جاي أكلّم قلبِك، اللي حس بيا قبل ما أتكلم، واللي كان بيناديني في حلمه وجابني على ملا وشي جري.
آلمتها كلماته وذكّرتها بمعاناتها بسببه، لتندفع قائلةً بغضبٍ وحزنٍ أرهقها كثيرًا:
قلبي؟ مش دا برضو اللي دوست عليه بعد ما اتأكدت إنه حبك واتعلّق بيك؟
كان أدهم ثابتًا على غير عادته، فقد أقسم أنه سيراضيها بكل الطرق، ولن يترك المجال لجنونه أن يُدمّر كل شيء مرة أخرى، لذا أخذ نفسًا عميقًا، ثم بدأ الحديث عن جراحٍ دُفنت لسنوات:
عارفة يا غرام، أوحش حاجة في الدنيا إنك تراهن الناس كلها على شخص، وفي الآخر يخذلك. مش هقولك إن طفولتي كانت صعبة أو غير مستقرة، بس مكنتش حابب بيتنا دا أبدًا.
صمت قليلًا يسترجع مرارة المراهقة التي قضاها في ذلك القصر، ثم أضاف بنبرةٍ مشجبة:
اللي يشوفه من برّه قصر كبير وفخم، أي حد يتمنى يعيش فيه، إلا الناس اللي عايشة فيه! تخيلي القصر دا كان فيه أكتر ناس طيبة ممكن تقابليها في حياتِك، وأكتر ناس شريرة كمان ممكن تقابليها. كنتِ ممكن تقعدي على نفس السفرة مع ناس بيكرهوك وبيتمنّوا لك الموت، ومجبرة تضحكي في وشهم وتتعاملي عادي كمان.
زفر رماد الذكريات الثقيلة عن قلبه، ثم تابع:
الوقت اللي كنت بقضيه في البيت دا كان أصعب وقت في حياتي. مكنش بيعدي يوم من غير مشكلة. كبرت وأنا رافض كل دا، ومكنش بيصبرني على البيت دا غير وجود أمي فيه، وطبعًا يوسف وروفان.
لاحَت ابتسامة مريرة على شفتيه توازي مرارة لهجته حين تابع:
كنت بحس إن ماما معتبرانا عِوضها من ربنا في الدنيا، وإن اللي مصبّرها على الحياة دي هو وجودنا حواليها، وكان كفاية أوي اللي شافته واللي حصلها زمان، فكنت مجبر أتحمّل حياتي معاهم... لحد ما قابلتها.
جميع حواسها انتبهت عند تلك الكلمة، وأخذ قلبها ينتفض من فرط الترقب والخوف، وعيناها تتابعانه عندما انتقل من مكانه متجهًا إلى النافذة.
وقد لاحظ هو ما يدور على ملامحها من انفعالات، لكنه واصل الحديث مرة ثانية:
مقابلتي ليها كانت صدفة، زي اللي بنشوفها في الأفلام كده. كنت سايق عربيتي وماشي في طريقي، فجأة لقيت واحدة بتعدّي الطريق، ودوخت ووقعت قدّام العربية بتاعتي. طبعًا وقفت ونزلت أشوف فيها إيه، وأصريت أوديها المستشفى عشان أطمن عليها. ومن هنا بدأت القصة... لقيتها بنت جميلة وهادية وبريئة، أو دا اللي حسيته وقتها.
كانت ملامحه تتلون بمرارة لهجته حين تابع:
ابتدت علاقتنا تقوى أكتر، ونقرب من بعض أكتر، ولأنها ممثلة شاطرة، قدرت تخدعني صح وتوقعني في حبها. كانت بالنسبالي طوق النجاة، والحاجة الوحيدة الحقيقية في حياتي. عشت معاها أحلى قصة حب، وطبعًا حكاية "سندريلا البنت الفقيرة اللي وقع في حبها الشاب الغني" دي أكيد وصلت لرحيم بيه، فحاول يبعدني عنها بحجة إنها طمعانة في فلوسي وفي نفوذ عيلتي. وأنا الحب عامي قلبي، بس لما لقاني متمسك بيها أوي، قالي: يبقى مالكش أهل ولا عيلة، وقرر يطردني من البيت ويحرمني من الميراث.
تبدلت ملامحه إلى السخرية حين تابع:
يوسف وماما حاولوا يقفوا جنبي وقتها بالرغم إنهم مكنوش مقتنعين بيها، ويوسف نفسه حذرني منها ومارتاحلهاش، بس اللي مكنوش يعرفوه إني كنت مستني اللحظة دي، اللحظة اللي أتحرر فيها من البيت والعيلة دي للأبد. هتصدقي لو قلتلك إني كنت مستني يقولي كده؟
كانت تتابع انفعالاته بلهفة، خاصةً حين تابع بمرارة...
وحكتلها وقلت لها إني هبدأ من الصفر معاها، وإن معايا اللي هيسندني. بس طبعًا ملايين الحسيني مش هتبقى موجودة، وانتِ أكيد سمعتي عن البوقين اللي بيتقالوا في الظروف دي: "أنا جنبك ومعاك ومش هسيبك أبدًا"، والحقيقة إن اللي حصل كان عكس كده خالص. بقت تتهرب مني، وكل ما أجي أطلبها للجواز تتحجج، لحد ما في يوم اختفت خالص، وكنت وقتها عامل زي المجنون، مش عارف أروح فين ولا لمين. لحد ما في يوم جت لي رسالة إنها موجودة في مكان معين، وروحت المكان ده، لقيتها بتكتب كتابها!
لم يكن الألم باديًا على ملامحه، إنما الاشمئزاز، وقد صدمها هذا كثيرًا.
الدنيا كلها بالنسبالي وقفت عند النقطة دي، وطبعًا العريس كان أغنى مني وعنده ملايين كتير، بس اللي مستغربتوش بقى إنه كان تقريبًا قد أبوها.
ابتسم أدهم ساخرًا ثم أكمل:
عرفت بعدها إن يوسف هو اللي بعت لي الرسالة دي عشان يفوقني، حتى إنه بعت لي مازن يقف جنبي، ومَرضيش ييجي هو عشان ما يكسّرش نفسي، وطلعوا صح، وأنا اللي كنت غلط. وبعدها اتحولت لأدهم اللي إنتِ شفتيه.
أصاب ملامحه الجمود، وكذلك لهجته، حين قال:
أنا حتى ما ادّيتش لنفسي وقت إني أحزن أو أستوعب اللي حصل. كتمت كل حاجة في قلبي، وروحت تاني يوم الشركة، قعدت في مكاني وكملت من مكان ما وقفت. محدش قدر يتكلم ولا يسأل حتى، بما فيهم جدي، وده بأمر من يوسف. وكملت حياتي وأنا مقتنع إن الستات دول أرخص حاجة في الدنيا، نستمتع بيهم ونرميهم. والحقيقة إن كل اللي قابلتهم بعد كده أكدولي الكلام ده... لحد ما قابلتك.
اختتم حديثه ناظرًا إليها، ليجد ملامحها المتألمة من أجله ومن أجلها، ولا ننسى الغيرة التي نالت منها، خاصةً وهو يتحدث عن غريمتها التي لم تكن تعلم حتى بوجودها. تألم قلبها كثيرًا، فهناك حبٌّ آخر قد ملأ قلبه سابقًا، ولأجله يتألم الآن.
نهش الفضول عقلها، فتحركت من مكانها متوجهة إليه لتقف قبالته قائلةً بصوتٍ مهزوز:
حبيتها؟
لاحَت ابتسامة خافتة على محيّاه، فقد علم المغزى وراء سؤالها، ولمح الغيرة القاتلة المرتسمة في عينيها والتي تحاول إخفاءها عنه، لكن المرأة تستطيع أن تُخفي ألف شعور بداخلها ما عدا الغيرة. أجابها باختصار:
قبل ما أعرفك كنت مفكر إني بحبها، بس اللي اكتشفته بعد كده إني كنت محتاج لها... وبس.
قطّبت جبينها وقالت بعدم فهم:
محتاج لها؟!
مش محتاج ليها كشخص، بس كنت محتاج لحد يظهر في حياتي في الفترة دي، والصُدف خلتها الشخص ده. أنا كنت راسم في خيالي صورة للبنت اللي أتمنى أكمل حياتي معاها، حتى لو مش هحبها، بس كنت عايز فيها صفات معينة. ولإنها جت لي في وقت كنت فيه متدمّر نفسيًا، وهي رسمت دورها صح، فأنا كمان حاولت أحطها في إطار الشخصية اللي في خيالي، ودي اللي أنا حبيتها فعلًا... لكن هي في الحقيقة كانت عكس كده خالص. ودي أكبر غلطة ممكن الإنسان يغلطها في حياته.
أراحتها فكرة أنه لم يكن عاشقًا لتلك المرأة قليلًا، لكنها هيهات أن تخمد تساؤلاتها، لذا واصلت الحديث محاولة التوغل في أعماقه قدر الإمكان:
إنت قلت إنك قبل ما تعرفني كنت فاكر إنك بتحبها... اشمعنى بقى؟ يعني، أقصد، أنا إيه علاقتي بالموضوع؟
أنهت حديثها المتلعثم، وكانت تنظر في جميع الاتجاهات ما عدا إليه، فمد إصبعيه تحت ذقنها وأدار وجهها إليه، قائلًا بصدقٍ ترك صداه علامةً كبيرة في قلبها:
عشان عرفت معاك يعني إيه حب.
أصابت كلماته صميم قلبها، الذي ودَّ الهروب من بين ضلوعها إلى ذراعيه في تلك اللحظة، متجاهلةً نزيف جراحها التي كان هو المتسبب الرئيسي بها.
لكن العقل أرسل إشارات الخطر — خطر وجود ذلك الرجل أمامها — فهبّت كالمذعورة من بين يديه، وأدارت رأسها إلى الجهة الأخرى قائلةً بنبرةٍ قوية:
بتحكيلي كل ده ليه يا أدهم؟
زفر أدهم بعمق، وقال بلهجةٍ جادة:
"عشان أبدأ معاك بداية صح."
التفتت إليه غرام رافعةً إحدى حاجبيها قائلةً باستنكار:
وإيه اللي مخليك متأكد كده إني هوافق أبدأ معاك؟
بلغ الغضب ذروته داخل أدهم، فقد تراكمت عليه جميع الأحداث السابقة لتشكّل بركانًا ثائرًا بداخله، لكنه آثر الحديث بهدوء، وقال:
عندي سببين مهمين أوي يخلّوني متأكد من كلامي.
أولهم؟
اقترب منها ناظرًا بقوة إلى داخل عينيها، ثم قال بلهجة خشنة:
إنك بتحبيني زي ما بحبك، وإلا مكنتيش حاولتي تفديني بروحك، وماترددتيش لحظة تعملي كده.
ارتبكت كثيرًا من حديثه الصحيح واقترابه منها إلى هذا الحد، فمرت ثوانٍ حاولت أن تستجمع فيها شتات نفسها حتى لا تُهزَم من أول معركة أمامه، فحاولت الثبات قدر الإمكان لتقول بدفاع:
إنت أنقذتني الأول، وكان لازم لما ألاقيك في خطر إني أعمل كده، وعلى فكرة أنا كنت هعمل كده مع أي حد غيرك.
ابتسم أدهم وطالعها بحب قائلًا:
مفيش، ولا هيكون، غيري يا غرام. أقلمي نفسك على كده. آه، وده السبب التاني.
اغتاظت كثيرًا من لهجته الواثقة، فبدلًا من أن يداوي جراحها التي كانت بيديه ويطلب منها السماح، يرغمها على تقبّل وجوده وكأن شيئًا لم يكن!
فاندفعت دماء التمرد تجري في عروقها، لتقول بقوة:
أبدًا يا أدهم! بدل ما تيجي تقولي آسف وتطلب مني أسامحك، جاي تقولي كده؟!
ابتسامة ساخرة لوّنت ثغرها قبل أن تقول بلهجةٍ قوية:
أوعى تفكر، ولو للحظة، إني ممكن أكون ليك... ولا حتى في أحلامك.
نصب أدهم قامته قائلًا بفظاظة:
ما عنديش وقت أحلم يا غرام، أنا هنفّذ على طول. الخيار ليك، لو مش بمزاجك... هيبقى غصب عنك. وأبدًا مش هطلب منك تسامحيني، أنا هجبِرك تعملي كده.
بلغ غضبها الذروة من فظاظته وغروره، فانتفضت من مكانها صارخةً:
بأي حق ترغمني على وجودك في حياتي؟
لم يستطع أدهم السيطرة على جنون غضبه أكثر، فاندفع نحوها قابضًا على ذراعيها قائلًا بقسوة:
بحق كل لحظة شُفت فيها الموت وأنا بعيد عنك، وبحق كل لحظة اتمنيته فيها وإنتِ مخطوفة ومش عارف أوصلك، وبحق النار اللي كانت بتقيد فيّ كل ما أتخيل الحيوان ده جنبك!
صمت لثوانٍ يحاول ابتلاع غصةً صدئة تشكّلت في حلقه، ثم قال بعنفوان:
مش هبعد عنك يا غرام... ورحمة أبويا، لهتكوني ليا، وبكرة تشوفي.
أنهى كلماته وتوجه إلى باب الغرفة، تاركًا خلفه كتلةً من النيران التي أشعلها هو، ليوقفه نداؤها:
أدهم...
رقص قلبه بين ضلوعه عندما سمع نداءها بتلك الطريقة المُغوية، فقد ظنّ أنها قد انصاعت لأوامر قلبها أخيرًا، فالتفت ناظرًا إليها بأمل، فوجدها تقترب منه بتمهّل قائلة بلهجة هادئة مثيرة:
هتفضل عمرك كله تحلم بيا ومش هتطولني يا أدهم. هتفضل عمرك كله في نار إني كنت في حياتك ومحافظتش عليّا، وده وعد مني.
وهل يوجد تناقض أكبر من أن يتفوّه الإنسان بحديثٍ وتنفيه عيناه بآخر مناقض له تمامًا؟
هكذا كان حالها، فلو أنه ألقى بالًا لحديثها لهدم المكان من حولها، ولكن ما جعله يهدأ هو تلك النظرات المختبئة بين تمرد عينيها؛ فكيف تتحدث بتلك الثقة وعيناها تهتزان أمامه بتلك الطريقة؟ شفتاها تخبرانه شيئًا، وعيناها تنفيانه تمامًا.
لذا قرر أنه لن يُبالي بما تقوله، بل سيكتفي بما يراه، لكن كبرياء الرجل بداخله أبى أن تكون لها الكلمة الأخيرة، فامتدت يداه تُمسكها أسفل رأسها، يُقربها إليه ليحتوي شفتيها بطريقة محمومة فجّر بها جميع براكين شوقه وغضبه.
ولم تستطع هي التمرد أو المقاومة، فقد تغلّب القلب على العقل وغيّبه تمامًا، ليجرفها تيار عشقه ويلقي بها في دوّامة من المشاعر التي أرهقتها كثيرًا حتى أوشكت على الاختناق.
تركها أدهم رأفةً بها، فقد كان يودّ لو يطول اقترابهما إلى ما لا نهاية، ولكن لا الزمان ولا المكان يسمحان له بذلك.
لم يُمهلها الوقت للتفكير أو الاعتراض، بل اقترب من أذنها قائلًا بصوت أجش:
المرة الجاية اللي هعمل فيها كده هتكوني مراتي، وده هيكون قريب أوي إن شاء الله.
أنهى كلماته ثم اختفى كالحلم، ليتركها وحيدة تواجه كبرياءها الذي حتمًا سيعاقبها، وبشدة، على استسلامها المخزي له...
---
ما إن وصلت كاميليا رسالة مازن حتى هرولت للأسفل لترى ما الأمر، فوجدته ينتظرها في الرواق، فتوجهت إليه لتسأله بلهفة:
خير يا مازن، في إيه؟ رسالتك قلقتني.
تحمحم مازن، فهو لا يدري مدى معرفتها بالأمر، لكنه كان يجب أن يساعد صديقه، وقرر أن يُقحمها في مخططاته، فهي الوحيدة التي تستطيع إخماد نيران الوحش عند اندلاعها.
بصراحة يا كاميليا، أنا عايزك تعطّلي يوسف شوية.
رفعت كاميليا إحدى حاجبيها ونظرت إليه قائلة بعدم فهم:
تعطّليه؟ يعني إيه تعطّليه؟
تحدث مازن بنفاد صبر:
يعني تعطّليه يا كاميليا! تقعدي معاه شوية تنسيه فيها الناس كلها... أنا اللي هقولك يعني.
أيوه، ليه عايزني أعمل كده؟
أمممم، ليه؟ بصي، الموضوع معقد شوية... أقولك، يوسف متضايق شوية وعايزك تفرفشيه.
شعرت كاميليا بأن هناك خطبًا ما، فمظهر مازن المرتبك وكلماته غير المرتبة أشعراها بالقلق، لتقرر أن تعرف ما هناك، فهتفت بغضب:
في إيه يا مازن بالضبط؟ عشان أنا مش مرتاحة لك.
زفر مازن حانقًا وقال بملل:
ما تسمعي الكلام وانتي ساكتة، وتبطّلي أسئلة ملهاش لازمة.
أجابته كاميليا بمكر:
ما هو لو ما قلتليش في إيه، هروح أقول ليوسف إنك جايبني مخصوص من فوق عشان أنزل أُعطّله! يعني أكيد في مصيبة وانت مش عايز يعرف، وهو بقى هيعرف يقرّرك إزاي بطريقته.
قال مازن بتهكم:
طبعًا هستنى إيه من تربية يوسف الحسيني؟! لا ومراته كمان... أنا كان إيه رماني على العيلة دي يا ربي بس؟!
أنجز وقول، في إيه؟
تحدث مازن بنفاد صبر:
من الآخر، كدت أدهم كان عايز يتطمن على غرام، ويوسف أصلًا مش طايقه، وحالف لو قربلها هيكسر دماغه.
تعاظم الغضب بداخلها وقالت بحدة:
والحيوان ده عايز إيه من غرام؟
لحظة، استدركت الأمر فهتفت وقد تبدلت لهجتها إلى القلق:
لحظة، هو يوسف عرف بعملته المهببة دي؟
أجابها مازن بصدمة:
إيه ده؟ هو إنتِ كمان عارفة؟! الله يخرب بيته يا أدهم، دي مصر كلها عارفة.
أنا لسه عارفة من شوية، غرام هي اللي حكتلي... والزفت ده عايز منها إيه بقى؟
تأفف مازن وقال بملل:
ملناش فيه يا كاميليا، هما حرّين سوا.
أوشكت كاميليا على الرد فتفاجأت بدخول يوسف، الذي كان ينهي بعض المكالمات المتعلقة بالعمل، ليجدها تتحدث مع مازن، فقال بفظاظة:
"إنتِ إيه اللي موقفك هنا؟"
تلعثمت كاميليا قليلًا، فهو يبدو عليه الغضب فعلًا، وهذا أرعبها.
آآآه... عادي، أنا كنت نازلة أدور عليك!
لم يرتَح يوسف لتلعثمها، فوجه نظراته إلى مازن الذي كان ينظر أمامه غير قادر على النظر إليه، ومن ثم وجّه أنظاره إليها مرة أخرى قائلًا بفظاظة:
وبتدوري عليا ليه؟ هو أنا تايه ولا حاجة؟!
كانت لهجته غاضبة وملامحه لا تبشر بالخير، فحاولت إيجاد مبرر مقنع وهي تشعر بالخوف من جفائه الغريب، فقالت بصوت خافت:
لأ أبدًا، أنا كنت عايزة أسألك إحنا هنسافر إمتى، فنزلت أدور عليك.
شعر يوسف بتغيّر ملامحها وخفوت نبرة صوتها، فعلم أنه أحزنها، ولكنه الآن في أقصى مراحل غضبه، فآثر الصمت حتى لا يُحزنها أكثر، واكتفى بإيماءة بسيطة من رأسه.
لكن مظهر مازن أثار شكوكه، فنظر إليه قائلًا:
وانت بتعمل إيه هنا؟
أجابه مازن سريعًا لتزداد شكوكه أكثر:
كنت بشم شوية هوا.
وأدهم فين؟
تلعثم مازن ولم يجد ما يقوله، فهو لا يحب الكذب ولا يريد المشاكل، وأيضًا يرى أن أدهم يحتاج إلى فرصة، وأن يوسف كان ظالمًا معه، فاضطر آسفًا إلى الكذب قائلًا:
أدهم مشي.
وهنا تدخلت كاميليا عندما نظر إليها يوسف، وقد بهتت معالمها، فقالت باندفاع:
آه، مشي... قال يروح يرتاح وكده.
كان الكذب يطلّ من عينيها إلى الحد الذي جعل الغضب يتعاظم بداخله، فقال بهسيسٍ خشن:
مشي؟! على كده عليّ وكارما فين هما كمان؟
كاميليا بعفوية:
عليّ وكارما في الجنينه برّه...
هنا تأكدت شكوك يوسف فازداد غضبه وتضاعف كثيرًا لاشتراكها بالكذب عليه، فقال بجفاء:
عليّ وكارما قاعدين في الجنينه، وإنتِ بتدوري عليا، وإنت بتشم هوا، وأدهم راح! ده ما يبقاش ابن الحسيني لو عملها! بتشتغلوني إنتوا الاتنين؟!
قال الأخيرة بصراخ جعل كاميليا تنتفض من مكانها، ليجيبه مازن محاولًا تهدئته:
اهدَى يا يوسف، محدش بيشتغلك.
قال يوسف بقسوة:
بتكذبوا عليا عيني عينك كده عادي! شايفيني عيل صغير قدامكوا؟
التفت إلى كاميليا التي أخفضت رأسها بحزن، وقد غلفت عينيها طبقة كريستالية رقيقة من الدموع التي تهدد بالهطول، فقال بنفس نبرته:
والهانم بتكذب وعينيها في عيني عادي؟!
هنا تدخل مازن الذي شاهد حالة كاميليا، فحاول تهدئة الوضع قائلًا:
يوسف، لو سمحت، اهدى ووطي صوتك... كاميليا ملهاش ذنب، أنا اللي طلبت منها تعمل كده.
تدخلت كاميليا التي شعرت بإهانة كبيرة من حديثه معها قائلة:
ثواني يا مازن... أنا ماقصدتش أكذب عليك، أنا كنت هقولك بس تهدى شوية، عشان إنت ما بتشوفش شكلك وانت متضايق بيكون عامل إزاي!
تأثر يوسف بمظهرها وحديثها، لكن فكرة أن تكذب عليه أغضبته كثيرًا، فأكّد مازن على كلماتها:
إحنا فعلًا كنا هنقولك، بس بعد ما تهدى ونقدر نتكلم معاك وتفهمنا.
استنكر يوسف حديثهم فقال ساخرًا:
تفهموني! هو أنا في حاجة تانية لسه مفهمتهاش؟
اندفعت كاميليا بغضب قائلة:
أه، فيه! محدش له الحق يمنع أدهم عن غرام غير غرام نفسها. حتى لو هو غلط في حقها، عمره ما يوقفه عند حده غيرها. هي بس اللي في إيدها القرار: تسامحه أو تقوله إنها مش عايزاه في حياتها. لكن لو مين وقف، مش هيقدر يمنعه، وإنت عارف كده كويس.
ده قرارهم هما الاتنين، إحنا ملناش دخل فيه.
علت نبرة صوتها من فرط الغضب والحزن الذي يأكل قلبها من الداخل، فرأت في عينيه نظرات التحذير، لتقرر الهرب في تلك اللحظة خوفًا من عدم سيطرتها على عَبَراتها التي لم تعد جفونها قادرة على حملها أكثر من ذلك، فقالت بجمود:
أنا هطلع أشوف كارما وعلي.
وما إن خطت خطوتين حتى أوقفتها لهجته الآمرة:
استني عندك.
وما إن التفتت إليه، فاجأتها نظراته الغاضبة وكلماته التي أحزنتها أكثر:
ما تطلعيش لوحدِك، روح معاها يا مازن، واعملي حسابك، ساعة وهنسافر.
هزت رأسها بالإيجاب، والتفتت للجهة الأخرى تجاهد منع دموعها، ليلحق بها مازن الذي لعن بداخله جميع عائلة الحسيني، فقد شعر بالذنب لإقحام كاميليا في هذا الوضع.
---
كانت كارما تحاول أن تعرف ماذا حدث بين علي وغرام، لكن الأخير لم يُعطِها أي إجابة، بل ظل صامتًا طوال الوقت ناظرًا أمامه، فآثرت كارما الصمت هي الأخرى، والذي قطعه ظهور مازن بجانبه كاميليا، التي كانت ملامح وجهها توحي بالحزن الكبير، فتوجهت إليها كارما لتسألها بلهفة:
في إيه يا كاميليا؟ مالِك؟ إنتِ معَيِّطة ولا إيه؟
لا أبدًا، مفيش حاجة.
هكذا أجابتها كاميليا، ليتدخل علي قائلًا باهتمام:
أمال مالِك كده؟
زعلانة عشان يوسف قال هيمشوا كمان شوية.
تولى مازن الإجابة بدلًا عنها لينقذها من نظرات علي النافذة، لتومئ برأسها بالإيجاب، فاحتضنتها كارما بحب قائلة:
"كده يا كامي، هتمشي تاني؟ ده إحنا ما صدقنا جيتي!"
بادلتها كاميليا الاحتضان وقد سمحت لبعض العَبَرات بالهطول، وقالت بحزن كبير:
غصب عني يا كارما، أنا لو كان عليّ، مش عايزة أسيبكوا أبدًا وامشي.
صاح مازن بامتعاض:
آه، إنتوا هتقلبوها نكد بقى؟ لا والنبي كفاية اللي شفناه التلت أيام اللي فاتوا، ارحمونا شوية.
وافقه علي الرأي قائلًا:
أول مرة تقول حاجة صح في حياتك. بالله عليك، إنتِ وهي خُدوا بعض واقعدوا على جنب، عيّطوا براحتكوا، إحنا دماغنا خِربِت.
نظرت إليهم كارما شذرًا ثم قالت بسخرية:
عالم متبلدة المشاعر، منعدمين الإحساس.
قاطعها مازن قائلًا بهيام:
طب وِربنا، أنا كلي إحساس، إنتِ اللي مش واخدة بالك.
باغته علي بلكمة في كتفه قائلًا بغضب:
ولا إنت هتِسبِّلها قدامي؟! بقولك إيه، أنا أساسًا على آخري، متخليهاش تيجي فيك.
قال مازن بحنق:
إنت طالع لي من أنهي داهية معرفش! ياخي ارحمني، سيبني أقول كلمتين من نفسي.
لا، ما تقولش. اسكت خالص أحسن.
وجَّه علي أنظاره إلى كاميليا وقال باهتمام:
أخبار غرام إيه؟
حاولت كاميليا أن تُخفي ارتباكها قدر الإمكان، فقالت بخفوت:
كويسة.
وصلت رسالة نصية على هاتف مازن، الذي تنفس الصعداء إثرها، فقد كان يحبس أنفاسه عند سماع سؤال علي، ليقول بنبرة مرحة أثارت دهشتهم:
ما تيجوا نطلع كلنا نطمن عليها؟
التفتت إليه كاميليا بحدة، لكن نظراته طمأنتها فارتاحت هي الأخرى، وأيّدت اقتراحه، ليتوجهوا جميعًا إلى غرام، التي كانت لا تزال تحت تأثير قربه الذي أطاح بكيانها. فتارة تلوم نفسها وتُعنّفها، وتارة تتلمس شفتيها وتتخيل ما حدث لتزداد جنون دقات قلبها؛ فكيف تستطيع مقاومة هذا الرجل؟! فقد حطمها سابقًا، والآن يأتي ليخبرها أنها تنتمي إليه! والغريب أن جزءًا كبيرًا منها يؤيده ويشعر بالانتماء إليه، فكيف تستطيع التغلب على معاناتها معه؟
فاقت من شرودها على اقتحام كارما غرفتها، والتي هرولت لترتمي في أحضانها، لتبادلها غرام الحضن مع نزول أنهار من الدموع من كليهما، فقد خاضت الاثنتان تجربة قاسية، لكن لطف الله تدخّل في الوقت المناسب لينقذهما، وهما أكثر من شاكرَتَيْن.
ما خلاص بقى، إنتوا مصرين تخلوني أعيط ليه؟
هكذا تحدثت كاميليا التي هطلت دموعها هي الأخرى تأثرًا بهذا المشهد، فامتدت يد كارما تقرّبها منهما قائلة من بين دموعها:
تعالي، عيّطي معانا، تعالي.
اقترب مازن من علي قائلًا باستنكار:
"هو إيه الأوفر ده؟"
أجابه علي بيأس:
أمال أنا أعمل إيه يا ابني؟! عايش مع الأوفر ده طول حياتي.
الله يكون في عونك يا عم.
نظر له علي بطرف عينه، وقرر إغاظته قليلًا، فقال بنبرة عالية:
قصدك إيه الله يكون في عونك دي يا مازن؟ مش تحاسب على كلامك! كارما عمرها ما كانت نكدية.
التفتت كارما إثر حديث علي، ونظرت إلى مازن بطرف عينيها وقد تبدلت ملامحها من الحزن إلى الغضب:
إيه يا مازن؟ مين دي اللي نكدية؟
صُدم مازن من تبدل حالها بتلك السرعة، وقال بلهفة:
والله ما قولت كده!
أومال إيه يعني؟ علي هيكذب؟
أجابها مازن وقد غضب من ذلك الماكر، فنظر إليه وقال بحدة:
ودي محتاجة سؤال؟ طبعًا بيكذب!
تصنّع علي الحزن قائلًا:
أخص عليك يا مازن! أنا هكذب؟!
اندفعت كارما وقالت صائحة:
"مازن، أنا بحذّرك! أوعى تقول على علي كذاب مرة تانية!"
اغتاظ مازن من لهجتها وانحيازها الواضح لأخيها، فقال بانفعال:
ما تيجي تاخدي لك قلمين أحسن!
إيه يا ابني؟ إنت اتجننت؟ هتزعق لأختي وأنا واقف؟!
هكذا تحدث علي بغضب زائف، ثم وجّه أنظاره إلى كارما وقال بحنوٍّ مفتعل أثار حنق مازن بشدة:
مش قولتلك يا كارما يا حبيبتي؟ ده ما ينفعناش، ده بيعلي صوته عليكِ من دلوقتي، ولسه ملبسش دِبلة حتى! أمال هيعمل إيه لما يكتب كتابه؟!
اندفعت كارما بغضب:
تصدق عندك حق يا علي، ده مالوش أمان.
تعاظم غضب مازن وحنقه على ذلك الماكر علي، الذي يريد الإيقاع بينهما فحسب، وتلك البلهاء التي تنساق خلف مخططه دون أن تدري، فقال بجفاء:
تصدقي إن أنا عايز ضرب الجزمة؟ ممرمط نفسي عشان سيادتك، وفي الآخر طلعت ماليش أمان!
لم يتسنَّ لها الرد عليه، فقد قاطعهم عدة طرقات على باب الغرفة ارتجف لها قلب كاميليا، فقد شعرت بأنه هو من يقف خلف الباب، وصدق حدسها حين انفتح الباب وأطلّ عليهم بهيبته الطاغية، فتَصنّعت اللامبالاة وآثرت عدم الالتفات نحوه، لكن جميع حواسها كانت معه.
حمد الله على سلامتك، عاملة إيه دلوقتي؟
هكذا تحدث موجهًا كلماته إلى غرام التي أجابته بامتنان:
الحمد لله يا يوسف، ميرسي على كل اللي عملته عشاني أنا وكارما.
أجابها بخشونة:
أنا معملتش حاجة، حمد الله على سلامتك مرة تانية.
تحدثت كارما هي الأخرى قائلة بعرفان:
بجد يا يوسف، إحنا مش عارفين نشكرك إزاي؟ حقيقي ميرسي أوي.
كانت كلماتها كالبنزين الذي سُكِب على نار مازن، فاندفع يُقلدها بطريقة مضحكة:
ميرسي أوي يا يوسف، مش عارفين نشكرك إزاي؟ على أساس إني كنت رايح أسوق لهم العربية! ما أنا طلع عيني أنا كمان، واللي ما حد قالي كلمة عدلة! توحِّدوا الله! فالحه بس عماله تطبّلي لأخوكي على قفايا!
أجابه علي بشماتة:
يا ابني بطل حقد، وبعدين ما لازم تطبّلي، إنت مين أصلًا؟ هو إحنا نعرفك؟
تعالت ضحكاتهم جميعًا، بما فيهم يوسف الذي كان ينظر إلى تلك التي تتحاشى بكل الطرق التقاء أعينهم، فهو يعلم أنه أحزنها كثيرًا، وقد لام نفسه على جفائه وحدّته معها بهذا الشكل، ولكن لا مجال للندم الآن، فما حدث قد حدث، فقرّر إنهاء هذا الحديث الدائر والمغادرة، فهو يريد الانفراد بها بأي شكل، ليقول بفظاظة:
أنا مضطر آخد كاميليا وننزل عشان قدامنا سفر طويل.
التفت إليه علي قائلًا باستفهام:
بسرعة كده؟ خليكوا معانا كمان يومين.
معلش يا علي، مش هقدر. في شغل في الشركة كتير متعطّل، ولازم أرجع ضروري.
ربنا يعينك، كنت عايز أتكلم معاك شوية قبل ما تمشي.
هكذا تحدث علي، فوافق يوسف مقترحًا:
"تعالى نطلع نتكلم بره، على ما كاميليا تسلِّم على البنات."
اختتم حديثه ونظر إليها قائلًا بجفاء:
هستناكي بره.
خرج دون أن ينتظر ليسمع ردّها، وقد تضاعف حزنها أكثر، لكنها لم تُظهر ذلك، وأخذت تتبادل الحديث مع الفتيات.
أما في الخارج، فكان يوسف يتحدث مع علي الذي قال بعرفان:
بصراحة يا يوسف، مش عارف أشكرك إزاي على كل اللي عملته معانا عشان نقدر نرجّع البنات تاني.
قال يوسف بخشونة:
ما تقولش كده يا علي، إحنا أهل. المهم إنهم رجعوا بالسلامة.
أكيد طبعًا أهل، بس كان لازم أشكرك، وإن شاء الله ده دين في رقبتي، ولازم أردهولك في يوم من الأيام.
يوسف بهدوء:
مالوش لزوم الكلام ده يا علي، قولتلك إحنا أهل.
علي بامتنان:
ده شرف ليا. كان نفسي حقيقي تفضلوا معانا شوية، بس مش هقدر أعلّطك عن شغلك أكتر من كده.
تتعوّض إن شاء الله.
خرجت كاميليا يليها مازن، الذي اقترب من يوسف يحاول ممازحته:
جوووو، لسه ناوي عالرحيل؟
نظر إليه يوسف شذرًا ولم يُجبه، ثم وجّه أنظاره إلى كاميليا قائلًا باختصار:
جاهزة عشان نمشي؟
أجابته بجفاء:
جاهزة.
وجّهت كاميليا أنظارها إلى علي وقالت بخفوت:
خلي بالك من غرام، نفسيتها مش مظبوطة خالص.
فهم علي ما ترمي إليه وأجابها بهدوء قائلًا:
ما تقلقيش يا كاميليا، خلي بالك إنتِ من نفسك، ولو احتجتي أي حاجة كلّيميني.
نظرت إليه بعرفان وقد أشعرتها كلماته بشعور رائع كانت تفتقده وتتمناه منذ زمن، وهو وجود أخٍ لها، فقالت بتأثر:
حاضر، وإنت كمان خلي بالك من نفسك ومن البنات، وأنا هحاول أقابل خالتو فاطمة لما أنزل القاهرة.
كاميليا، هنتأخر!
كانت هذه كلمات يوسف الحادة، التي فهم معناها كلٌّ من مازن وعلي، فابتسم الأخير بخفة، إذ شعر بلهيب الغيرة يشتعل في الأجواء من حولهم، فلم يُطل أكثر، واستأذن منهما للاطمئنان على شقيقتيه.
وجّه يوسف أنظاره إلى مازن قائلًا بإيجاز:
هشوفك في القاهرة.
تقدّمته كاميليا بصمت دون أن تلتفت إليه، رغم أن نيران غضبه كانت تصل إليها، لكنها لم تُبالِ، فهو أغضبها، وهو أيضًا جرحها كثيرًا، فليغضب أكثر، وأكثر. فقد استطاع في ساعة واحدة أن يُثير بداخلها مختلف المشاعر المؤلمة دون أن ينظر إليها حتى.
صعد كلاهما إلى السيارة، ومرّ بعض الوقت دون أي حديث، ليقطعه يوسف قائلًا من بين أسنانه:
آخر مرة تتكلمي مع أي راجل بالطريقة اللي اتكلمتي بيها مع علي، فاهمة؟
التفتت إليه بحدة، بينما خرجت كلماتها مدهوشة تنافي حزنها الداخلي:
طريقة إيه اللي اتكلمت بيها مع علي؟
علت نبرة صوته وقد بلغ غضبه ذروته:
فاهمة؟!
ارتعبت من مظهره وآلمتها طريقته في الحديث إليها، إلى جانب مواقفه معها الليلة، إضافةً إلى كلماته التي كان وقعها قاسيًا عليها، لذا لجأت إلى الصمت قبل أن تقول بجفاء:
فاهمة.
أدارت وجهها للناحية الأخرى تخفي عَبَراتٍ لم تعد جفونها قادرة على حملها، وقد تسلّل إلى قلبه شعور مقيت بالألم، فالتفت يناظرها بندم لم يتجاوز حدود شفتيه، فقد أثارت غضبه وغيرته أيضًا، والأخيرة كانت أشد ما يُجنِّنه. فقد كان ينوي أن يُراضيها، لكن طريقتها مع علي جعلت الدماء تفور في عروقه، ورغمًا عنه جرحها.
امتدت يداه تحت ذقنها يديرها إليه، فانفطر قلبه لمظهرها الباكي، ومد إصبعه ليمسح لآلئ عَبَراتها التي تنهمر كالأمطار، وتبدلت لهجته الحادة إلى أخرى مُعاتبة:
هو كل ما يحصل بينا مشكلة هتزعلي وتِقعدي تعيّطي كده؟
لم تكن في حالة تسمح لها بالحديث، لذا أدارت وجهها إلى الطريق أمامها وهي تقول بجفاء:
مشكلة؟! أبدًا، مفيش أي مشكلة، إنت أمرتني وأنا دوري أنفّذ. ولو على دموعي، فمتقلقش، مش عشانك أنا بعيّط، عشان كارما وغرام هيوحشوني، ومش عارفة هعرف أشوفهم تاني إمتى.
كزّ على أسنانه غاضبًا، بينما توالت اللعنات بداخله، فقد أوصلها بغبائه إلى تلك الحالة من الحزن والغضب. فقام بصفّ السيارة جانبًا، ودون مقدمات اقترب منها يحتويها بقوة بين جنبات صدره، وكان احتواءً يحمل من الأعذار ما يعجز اللسان عن البوح به. فرغمًا عنها تشبّثت به وكأنه طوق نجاتها في بحر العذاب الذي كاد أن يُغرقها، تاركةً العنان لعَبَراتها لتخبره أي ألمٍ يجيش بصدرها.
بعد وقتٍ ليس بقليل، بادرت بالانسحاب بعيدًا عنه، ليأتي دوره حين تشبّث هو بها رافضًا تركها، فسكنت لثوانٍ دون حديث، ليمزّق هذا الصمت المُحيط بهما حين قال بخشونة:
ـ حقك عليا.
لم تستطع قبول اعتذاره ولا الانسلاخ عنه، لذا قالت بجفاءٍ ونبرةٍ متحشرجة:
ـ يلا عشان نمشي.
لم يُفلتها، ولن يسمح بأن يطول الأمر أكثر من ذلك، لذا قال بلهجةٍ أرق:
ـ كاميليا، عشان خاطري.
قاطعته برجاء مزق نياط قلبه
عشان خاطري إنت، أنا فعلًا مش قادرة أتكلم، خلينا نمشي.
على مضض تركها، بينما أطلق زفرةً يائسة تجاهلتها وهي تعود إلى مقعدها، فأدار السيارة وانطلق بسرعة كبيرة أفزعتها، لكنها ظلت على جمودها. وعندما وصلت إليها أنفاسه العالية علمت أن الغضب ما زال يأكله، وما إن همّ بالحديث حتى بادرت هي قائلةً بصوتٍ خفيض:
"هناَم شوية عشان تعبانة أوي."
ضغط على أسنانه بغيظ، فهي تُغلق أمامه جميع أبواب السلام وتُعلن حربًا صامتة لا يُحبذها على الإطلاق، ناهيك عن مُخططاته التي باءت جميعها بالفشل، لكن أبى كبرياؤه أن يتوسل إليها للحديث، فقال من بين أسنانه:
تمام.
التفتت إلى الجهة الأخرى ما إن خفّض مستوى المقعد قليلًا حتى تستطيع النوم براحة، ولم تستطع منع ظهور ابتسامةٍ خبيثة على ملامحها، فقد أرادت معاقبته بشدة على تعنيفه لها، ونجحت في ذلك، وهي أكثر من سعيدةٍ بغضبه الشديد هذا، وتمتمت بداخلها بانتصار:
اصبر عليّ يا ابن الحسيني، أما جننتك مبقاش أنا كاميليا.
---
عند انطلاق صوت أذان الفجر من أحد المساجد بالإسكندرية، كان علي يفتح باب منزلهما بعد إصرار غرام على مغادرة المشفى والرجوع إلى المنزل.
قام علي بالضغط على زر الإضاءة ليتفاجأ بوجود والدته التي طالعتهم بالكثير من الغضب وهي تقول:
حمد لله على السلامة.
صُدم ثلاثتهم من وجود فاطمة في المنزل، فعندما سألت غرام عن مكان والدتها، أجابتها كارما بأنها لا تعلم شيئًا، وأنها عند جدهم بالقاهرة، فماذا حدث ليجدوها في مثل هذا الوقت في المنزل؟ ومن الواضح أنها كانت تنتظرهم.
سرعان ما تغلّب علي على صدمته واقترب منها قائلًا بحبور:
ماما، حضرتك جيتِ إمتى؟
مبقاليش كتير.
اندفعت الفتاتان تجاه والدتهما، والتي سرعان ما تلقّتهما بين أحضانها لتطمئن عليهما، فقد شعرت بالرعب من مظهر غرام وتلك الضمادة فوق رأسها، فقالت بلهفة:
حصل إيه؟ وإيه اللي على دماغك دا يا غرام؟
تبادلت غرام وكارما النظرات، ثم وجهتا أنظارهما إلى علي كي ينقذهما من هذا الموقف، فهَمّ علي بالحديث، لكن يد فاطمة أوقفته قبل أن يبدأ، لتقول بلهجةٍ آمرة:
عايزة الصراحة يا علي، أي كذب مش هتهاون فيه.
زفر علي بيأس وقال بنفاد صبر:
طب اتفضّلي اقعدي وأنا هحكيلك.
جلسوا جميعًا، وقام علي بقصّ جميع الأحداث التي وقعت في غياب فاطمة، والتي صدمها ما سمعته، وسرعان ما تحوّلت صدمتها إلى ذعرٍ كبير؛ فهل كانت على وشك خسارة ابنتيها في لحظة؟
انتفضت من مكانها صارخة:
إنت بتقول إيه يا علي؟! بقى بناتي يتخطفوا ويحصل فيهم كل دا وأنا معرفش حاجة؟!
حاول علي تهدئتها قائلًا:
ماما، لو سمحتي اهدي شوية. أنا مردتش أقولك عشان خوفت عليكِ. الدكتور قال غلط تتعرضي لأي انفعال.
قاطعته مستنكرة:
خوفت عليّا! ولما كان يحصل لواحدة فيهم حاجة كنت هتعمل إيه؟ كنت هتفضل مخبّي عليّا العمر كله؟!
تدخلت كارما محاولة تهدئة الوضع قليلًا:
ماما، أرجوكِ اهدي، كدا غلط على صحتك. علي مالوش ذنب، هو خاف يقولك يحصلّك بعد الشر زي ما حصل قبل كدا.
زاد انفعال فاطمة فقالت بغضب:
مين إدّاله الحق يقرّر حاجة زي كدا؟! لا، وكمان يبعتني عند جده كأني عيلة صغيرة بيوزعها! للدرجادي شُفت نفسك كبرت عليّا يا سيادة الرائد؟!
تدخلت غرام هي الأخرى وقد شعرت بالحزن لهذا الظلم الواقع على شقيقها، فقالت بانفعال:
ماما، علي مالوش ذنب في كل اللي حصل. كان قالب الدنيا عشان يلاقينا. لو كان قالك، ولا قدر الله حصل لحضرتك حاجة، كان هيعمل إيه؟! هيسيبنا ويفضل جنبك، ولا يجري يدور علينا ويسيبك بين الحياة والموت؟
والله عال يا ست غرام! إنتِ كمان بتعلّي صوتك عليّا؟
ماما، أنا ما قصدتش.
قاطعتها فاطمة صارخة:
اسكتي خالص!
أخيرًا تحدث علي الذي ضاق ذرعًا بكل ما يدور حوله، فقرر إنهاء هذا النقاش قائلًا:
اسكتي يا غرام لو سمحتي. حقك عليّا يا ماما، أنا آسف، يمكن اتصرّفت غلط بس غصب عني. مكنتش هقدر أتحمل إنك تتعبي أو بعد الشر يحصلّك حاجة.
قالت فاطمة بجفاء:
اللي مكتوبله حاجة هيشوفها، وبعد كدا ياريت ما تاخدش قرارات من نفسك، والبنات دول مُلزَمين مني أنا، مش منك إنت. لما أبقى أموت ابقى اعمل اللي إنت عايزه.
صُدم ثلاثتهم من حديث فاطمة وتلك اللهجة التي تتحدث بها مع علي للمرة الأولى، ولم تكتفِ بذلك فقط، بل ألقت تلك القنبلة التي أفزعتهم جميعًا:
جهّزوا نفسكم إنتوا التلاتة، عشان خلال أسبوع هنمشي من هنا ونروح نعيش عند جدّكوا في القاهرة.
قطب علي جبينه وقال باستنكار:
ماما، إيه اللي بتقوليه دا؟
قالت فاطمة بصرامة:
مش عايزة نقاش، اللي قلته هيتنفذ سواء رفضتوا أو قبلتوا. كل واحد يأقلم نفسه على كدا.
اندفعت غرام بغضب قائلة:
إزاي؟! ودراستنا؟ دي الامتحانات خلاص قرّبت!
جدّك هيخلّص كل الحاجات دي في أسرع وقت، ما تشيلوش هم. ياريت تجهّزوا نفسكم، وإنت يا سيادة الرائد، ابدأ في ورق إجراءات نقلك، ولو سمعت منك أي اعتراض، يبقى اعتبر من اللحظة دي إنك مالكش أم.
ألقت فاطمة قذائف كلماتها ثم هرولت إلى غرفتها، فقد بلغ الحزن والغضب ذروته بداخلها، فهي للمرة الأولى تتحدث معه بتلك الطريقة، ولكن ما باليد حيلة، فهي لا تريد خسارته أبدًا.
أما علي، فقد أصابت كلمات والدته صميم قلبه، فأخذ مفاتيحه وخرج فورًا من باب المنزل، لا يدري إلى أين هو ذاهب، كل ما يريده هو التنفيس عن ذلك الغضب الذي كان يأكله.
---
بعد مرور أسبوعٍ حمل الكثير من الأحداث، نأتي لذلك اليوم الموعود لسفر فاطمة وأولادها إلى القاهرة، فقد جاء مازن وسيد البوّاب ومعهم علي غير الراضي تمامًا عن تلك الخطوة، لكنه رفض أن يُجادل والدته في قرارها.
وأثناء حمل سيد إحدى الصناديق التي تخص والدته، سقط منه وتناثرت محتوياته، وكانت عبارة عن صورٍ قديمة، فقام علي بلملمتها، لكن لفت انتباهه صورةٌ لامرأة جميلة في ريعان شبابها وبجانبها طفلٌ صغير. شعر علي بأنه يعرف تلك المرأة وذلك الطفل أيضًا، فأتاه صوت والدته من الخلف قائلةً:
إيه اللي موقفك كدا يا علي؟
التفت إليها قائلًا باستفهام:
"مين الست اللي في الصورة دي؟"
التقطت الصورة من بين يديه ونظرت إليها ثم قالت باختصار:
دي ناهد بنت خالي، ودا ابنها.
برقت عيناه من شدة الصدمة وقال دون وعي:
إيه؟
يتبع.....
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثاني وثلاثون 32 - بقلم نورهان العشري
متنسوش يا حلوين (فوت+كومنت+فولو ليا♥️)
الوجه الواحد و الثلاثون للعشق 🌹
استنادًا إلى مقولة "فاقد الشيء لا يُعطيه"، فإن من أصعب المهمات التي تُلقى على عاتق الإنسان أن يُجبر على بثّ الأمان في روح أحدهم، وهو يفتقده.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
منذ أن رأى علي تلك الصورة، وعقله يعمل في جميع الاتجاهات، يشعر وكأنه يعرفها أو رآها من قبل، ولكن لا يدري أين ومتى؟ وذلك الطفل أيضًا ليس بالغريب عليه، ولكن ذاكرته لم تسعفه، فآثر أن يفكر في الأمر عندما يختلي بنفسه. فها هو في طريقه إلى القاهرة مع والدته وأختيه للعيش مع جده، ذلك القرار الذي اتخذته والدته رغمًا عنه، وأصرت عليه بطريقة غريبة، حتى إنها قطعت كل طرق المناقشة فيه. فهو منذ ذلك اليوم لم يحادثها، ويشعر وكأنها أيضًا تتجاهله. فهذه المرة الأولى التي تتوتر فيها علاقتهما بهذا الشكل، وقد آلمه هذا الشيء، ولكن الأكثر ألمًا هو أن يكون قرارها هذا نابعًا من اعتقادها بأنه فشل في حماية أختيه. ذلك الهاجس الذي جعل قلبه ينشق إلى نصفين، لكنه آثر الصمت، فما زال صدى كلماتها يتردد في عقله إلى الآن.
كسر هذا الصمت الخانق في السيارة صوت فاطمة التي طلبت من الفتاتين أن تستقلا سيارة مازن لتستطيع هي الحديث براحة مع علي ومحاولة تصليح الأمور بينهما، فقالت بنبرة معتذرة:
_ علي، خليك عارف إني خدت القرار الصح إنكم لازم تروحوا تعيشوا مع جدكوا، دا أنا كمان اتأخرت أوي في الخطوة دي، كان لازم تحصل من زمان._
كان الحزن يأكله من الداخل، ولم يستطع الصمت أكثر من ذلك، فقال بمرارة آلمت فاطمة كثيرًا:
_ طبعًا بما إني مقدرتش أحمي إخواتي البنات، فلازم يروحوا للي يقدر يحميهم ويعمل اللي أنا فشلت أعمله._
استنكرت فاطمة حديثه وقالت بنبرة قاطعة:
_ أوعى تقول كده تاني يا علي، لو كان عندي شك واحد في المية إنك متقدرش تحمي إخواتك، مكنتش وافقتك لما فسخت خطوبة غرام من رامي، أنا حتى ما ناقشتكش في الموضوع، وكون إنك عملت كده يبقى دا الصح ليها._
أجابها علي بجمود:
_ غرام طفلة، وانفعالاتها بتتحكم فيها، ومكنش مفروض نوافقها على موضوع الخطوبة دا من الأول._
وافقتْه الرأي قائلة:
_ عندك حق، غرام عاطفية أوي، واخدة طبع زهرة أختي وناهد بنت خالي، الله يرحمهم._
رفع علي إحدى حاجبيه وقال باستفهام:
_ الله يرحمهم! أمال إيه قصة ناهد دي؟ ما سمعتش عنها قبل كده._
سحبت فاطمة نفسًا عميقًا وقد بدأت تستعيد ذكريات الماضي التي سلبتها الكثير من أحبائها، فبدأت بسرد مقتطفات مما مر على ذهنها:
_ ناهد دي بنت خالي عمرو، بنته الوحيدة، وكانت تعتبر التالتة بتاعتنا. بعد وفاة أبويا مكنش لينا حد هناك في روسيا، وخالي أصر على أمي إنها تجيبنا وتيجي. هو كمان كان عايش في روسيا، بس حب بنت مصرية كانت جاية في بعثة تبع الجامعة. بس أهلها مكنوش موافقين إنها تتغرب بعيد عنهم، خصوصًا إنها بنتهم الوحيدة، فقرر إنه يجازف ويسيب روسيا وينزل مصر ويتجوزها. كانت جدتي لسه عايشة ومقدرتش تمنعه عن قراره، فاضطرت توافق على وعد إنه على طول ييجي يزورها. وفعلاً كان بيعمل كده في الإجازات، يا إما هو ومراته بيروحوا لها، يا إما هي بتاخد ماما وتروح تزوره. ممتي مكنتش لسه اتجوزت، وكانت بتحب مراته دي أوي، وحبتها أكتر بعد ما خلفت ناهد، كانت وارثة الجمال بتاعنا وشبه جدتي أوي، واستمرت الحياة لحد ما ممتي اتجوزت وخلفتني أنا وزهرة..._
رفرفت رموشها تحارب عبراتٍ تهدد بالهطول قبل أن تُكمل بنبرة مشجبة:
_ ناهد كانت أكبر مننا بأربع سنين، وكنا دايمًا يا بنسافر لهم يا هما بيجوا عندنا. حتى بعد ما جدتي توفت، فضلنا على الحال دا. لحد ما بابا اتوفى، وكنت أنا لسه ستاشر سنة، وزهرة أربعتاشر. وقتها خالي أصر على ماما تجيبنا ونعيش في مصر، خصوصًا إنه مبقاش يقدر يروح وييجي عشان مراته جالها المرض الوحش، وكان لازم يفضل جنبها لأنها ملهاش غيره بعد وفاة أمها وأبوها._
ونزلنا كلنا نعيش في مصر، بس للأسف كنا شبه معدَمين، لأن بابا قبل ما يموت كان صرف كل فلوسه على الشرب والقمار بعد ما اتلم عليه شلة فاسدة ضيعوه وضيّعونا معاه.
قال علي بتعاطف:
_ مش لازم تكملي لو الموضوع مضايقك._
اختنقت بالبكاء، فرذاذ الماضي كان يحيط بها من كل اتجاه، لكنها استرسلت بالحديث كمن يتخلص من أثقال لم يعد قادرًا على حملها:
_ حالتنا المادية السيئة كانت من الأسباب اللي خلت ماما تنزل بينا على خالي هنا في مصر. بصراحة شالنا، وعمره ما حسسنا بحاجة أبدًا، ولا إننا عبء عليه، لحد ما خلصت تعليمي، وزهرة كانت في آخر سنة في كلية حقوق، وأنا كنت خدت تمريض، وناهد كانت خدت كلية تجارة. طول عمرها كان عندها طموح، ومن أول يوم خلصت فيه كانت عايزة تشتغل وتثبت نفسها. في البداية خالي عارض، بس مع ضغط المصاريف عليه، خصوصًا إنه كان خد قرض من البنك بضمان شقته عشان يقدر يصرف على علاج مراته، اضطر يوافق. اشتغلت، وحبها مديرها في الشغل، ووقف جنبهم جامد، وسدد ديونهم، وطلب منها يتجوزها. في الفترة دي مامتها اتوفت، عشان كده ما عملوش فرح ولا حاجة. وبعد ست شهور من الجواز انفصلوا، وناهد مردتش تقول لحد أسبابها. وبعد ما خلصت شهور عدتها، اتجوزت تاني، وقالت إنها هتهاجر مع جوزها كندا. ودي كانت الصدمة اللي خالي مقدرش يتحملها ومات بعد جوازها بكام شهر. للأسف مقدرتش تنزل تحضر عزاه، ومرت الشهور، كنا بنتراسل مع بعض، وحملت ناهد وخلفت، وبعتت لنا صورها مع ابنها، آخرهم كانت الصورة اللي انت شوفتها دي، وبعدها جالنا خبر وفاتها في حادثة عربية، وما نعرفش أي حاجة عن جوزها وابنها بعد كده._
انتهت فاطمة من سرد حكايتها متنهدة بألم، فقد عاد الوجع مرة ثانية، لينظر إليها علي بحزن وإشفاق على كل تلك الأحداث المؤلمة التي تعرضوا لها، فقال بتأثر:
_ ياااه، انتوا شفتوا كتير أوي في حياتكوا._
ابتسمت فاطمة ساخرة وقالت بلهجة تعج بالألم:
_ كتير؟! وإيه كتير يا علي؟ دا أنا حكتلك باختصار._
التفتت تناظره بشجن، وأضافت بأسى:
_ أنا ما حكتش الكلام دا غير لسالم الله يرحمه، وليك انت دلوقتي. حقك عليا يا علي، أنا عمري ما قصدت أزعلك. انت أول فرحتي وابني حبيبي، أنا ما عنديش أغلى منك في الدنيا._
كانت تتحدث ويرافق حديثها فيضٌ من الدموع التي انهمرت على وجنتيها، مما صدم علي، الذي أوقف السيارة على جانب الطريق وقام باحتضانها محاولًا تهدئتها، وقد آلمه قلبه كثيرًا على انهيار والدته القوية إلى هذا الحد.
_ ماما، اهدي، في إيه؟ حصل كل دا؟_
أجابته من بين دموعها، وقد كانت ترتجف بين يديه:
_ لا، حصل يا علي، أنا جرحتك أوي، بس والله يا ابني كان غصب عني، سامحني._
_ اشش، أوعي تقولي كده. أنا اللي المفروض أطلب منك تسامحيني عشان زعلتك، بس والله مكنش قصدي، أنا كنت خايف عليكِ._
أنهى كلماته وقام بتقبيل كفيها، تزامنًا مع نزول دموعه هو الآخر، لتقبل فاطمة رأسه المنحني فوق كفيها قائلة بحب:
_ عمري ما زعلت منك أبدًا يا علي، دا انت حتة من روحي، وأغلى حد عندي في الدنيا. أنا مستعدة أدفع عمري كله، ومتبعدش عني لحظة واحدة._
جملتها الأخيرة أثارت الريبة بداخله، وشعر بوجود خطبٍ ما خلف حديثها، فقال باستفهام:
_ ماما حبيبتي، في إيه؟ وليه بتقولي الكلام دا؟_
طالعته فاطمة بنظرات تبلورت بها حيرتها، فهل تصارحه بأعظم أسرارها وتتعرّض لخسارته، أم تصمت ويبقى الحال كما هو عليه؟ حسمت قرارها سريعًا وهمّت بالحديث، لكن أوقفها رنين الهاتف الخاص بعلي، الذي اعتذر منها وأجاب، ليبادره الطرف الآخر على الهاتف قائلًا:
_ الست اللي كان بيزورها رائد في المستشفى طلعت أمه يا علي._
**********
الأسوأ من غدْرِك بي، أن تعود إلي بعد أن قطعت شوطًا طويلًا في طريق الشفاء منك، لتوقظ جراحي النائمة، وتعيدني إلى نقطة الصفر مرة أخرى .
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أدار رائد المفتاح في الباب لينفتح، ثم قام بالضغط على زرِّ الإنارة، لتنير المصابيح المكان من حولهما، وتنحّى جانبًا ليسمح لوالدته بالدخول، والتي كانت تنظر حولها بخوف سرعان ما تحوّل إلى دفء أطلّ من عينيها وهي تناظره قائلة بخفوت:
_ دا بيتك؟_
أجابها رائد باختصار:
_ بيت من بيوتي._
_ يعني دا مش البيت اللي عايش فيه؟_
_ لا._
استفهمت بحيرة:
_ وليه مودّيتنيش بيتك؟ خايف مراتك تتضايق؟ مش البنت اللي كانت معاك دي برضو تبقى مراتك؟_
نظر إليها رائد، وقد بدا على ملامحه الحزن الشديد الذي شعرت هي الأخرى به، ولكنه قال باختصار:
_ لا، مش مراتي._
_ خطيبتك؟_
زفر بتعب، وجلس على الأريكة خلفه، وتبعته هي، فقام بمسح وجهه بيديه قائلًا بنفاد صبر:
_ لا برضو، دي واحدة شغّالة معايا!_
تفهمت كونه لا يريد الحديث، لكن عيناه كانتا تحكيان الكثير، فقالت بنبرة متزنة:
_ مالك؟ متضايق إني بسألك؟_
تحدث رائد غاضبًا:
_ متضايق!! لا، هتضايق ليه؟_
أجابته بهدوء:
_ تمام... عايزة أقابلها._
فقد السيطرة على غضبه، فهبّ واقفًا وهو يقول بانفعال:
_ تقابليها! بقالي أسبوع من ساعة ما فوقتي وأنا بحاول أعرف حصل إيه بينكوا عشان تنهاري وتقرّري تفوقي من غيبوبتك اللي قضيت نص عمري بتحايل عليكِ تفوقي منها وترجعيلي، ومفيش أي جديد! أسيبها معاكِ نص ساعة بس، أرجع ألاقيكِ في حالتك دي! وأجي أسألك قالتلك إيه، تقولي مفيش! ودلوقتي عايزة تقابليها؟ ليه؟_
ظلت ناهد على نفس هدوئها وقالت باتزان:
_ قالتلي إنها بتحبك._
ألجمته الصدمة من حديثها، لكنه استوعبها سريعًا وقال بأسى:
_ ولما هي بتحبني سابتني وهربت ليه؟_
_ يمكن خافت!_
ابتسم رائد ساخرًا وقال بمرارة:
_ مش يمكن... دا أكيد خافت._
اقتربت منه بتمهّل، وربّتت على كتفه قائلة بمواساة:
_ متزعلش، لو بتحبك بجد هترجع تاني._
انفلتت دمعة هاربة من عينيه، وقال ساخرًا:
_ أنا مش زعلان منها ولا بلومها، هي عندها حق. أي حد في مكانها كان هيهرب، هتفضل مع واحد زيي ليه؟_
تناثر الألم من عينيها قهرًا وحزنًا على حاله، وكوّبت وجهه بين كفيها قائلة بحنو:
_ أوعى تقول كده، انت أي حد يتمناك._
طالعها بحزن، وخرجت الكلمات دون إرادته:
_ أنا تعبان أوي._
لم تمهله الوقت ليكمل حديثه، بل احتضنته بقوة جعلته يفقد كل ذرة تماسك بداخله، ويسمح لنفسه بالانهيار داخل أحضانها. فكم اشتاقها كثيرًا، وكم مرّت عليه ليالٍ جافة قاسية كان يواجه فيها ضعفه وتعبه وحزنه وحده، يتمنى لو كانت بجانبه.
ظلّا على هذه الحالة وقتًا ليس بالقليل، قاطعه رائد بعد أن هدأ قليلًا قائلًا بضعف:
_ متعرفيش حضنك دا كان واحشني قد إيه؟ أنا لسه فاكر آخر حضن حضنتيه ليا قبل ما يحصل اللي حصل، بس أوعدك والله، هجبلك حقك من ولاد الحسيني واحد واحد، وهدفعهم التمن غالي أوي._
ارتجف جسد ناهد، وتراجعت إلى الخلف ناظرة إلى عينيه بغموض، ثم أمسكت بكلتا يديه تسحبه خلفها حتى أجلسته على الأريكة مرة ثانية، وحاولت اختيار كلماتها بصعوبة وقالت بهدوء:
_ أنا معرفش إيه اللي والدك قالهولك يا رائد عن اللي حصل، بس واثقة إنه عمره ما هيقولك الحقيقة._
صُدم رائد من حديثها وقال بدهشة:
_ إنتِ بتقولي إيه؟_
زفرت ناهد بتعب قبل أن تقول بنبرة حاسمة:
_ انت مالكش طار مع ولاد الحسيني يا رائد..._
**********
خرجت سميرة من الحمام تتغنّج وهي تلفُّ جسدها بمنشفة قصيرة تبرز ساقيها بسخاء، وكانت تنظر إلى ذلك الرجل الجالس فوق مخدّته يناظرها بشهْوَة من بين سحب دخان سجائره التي تملأ الغرفة. فأخذت تتمايل أمام المرآة وتمشط شعرها بدلال. فقال بلهجة ماكرة:
_ ما تيجي هنا؟ عايز أقولك كلمتين مهمين.
ضحكت سميرة بميوعة وقالت بغنج:
_ هو لسه في كلام تاني متقالش؟
_ ده في كلام كتير، بس للأسف مش مدياني وقت أقولُه.
أجابته سميرة حانقة:
_ هعمل إيه بس يا حبيبي؟ ما أنت شايف المرة اللي فاتت لما كنت معاك، الزفت اللي اسمه مراد ده عمل فيا إيه؟
اندفع الرجل قائلاً بغضب:
_ وحياتك عندي لهدفعه تمن اللي عملوا معاك ده غالٍ، وكل قلم ادّاهولك هديله مكانه عشرة.
تحركت سميرة من مكانها واقتربت منه قائلة بحقد:
_ مش هو بس، هو وكل عيلته اللي هانوني وبهدلوني.. الناس دي لازم تدفع تمن كل حاجة وحشة عملوها معايا.
أجابها بوعيد:
_ هيحصل يا حبيبتي، متقلقيش. بس المهم، هتعملي إيه مع نيفين؟
_ لا، نيفين دي سبها عليّ، ليها تكتيك تاني خالص. هادفعها تمن غدرها بيا، أضعاف، وبعد كده هخلص عليها — أساسًا بقت كارت محروق بالنسبالي.
نظر إليها بنظرات مقززة يملؤها الرغبة، فاقترب قائلًا بأنفاس لاهثة:
_ بس تصدقي، مراد ده راجل غبي. بقى حد يكون في إيده الجمال ده كله ويفرّط فيه؟!
آلمتها كلماته وذكّرتها برفضه المهين لها، فقالت بحقد:
_ مراد ده أغبى راجل ممكن تقابله في حياتك. باع الغالي بالرخيص. بس معلش، بكرة هبكيه، بدل الدموع دم!
ناظرها بغموض وقال باستفهام:
_ بس أنا عايز أعرف هو ليه شايل منك أوي كده؟ يعني يضربك ويتجوز عليكِ ويبهدلِك كل ده ليه؟
ناظرته بحذر ثم قالت بغل:
_ عشان غبي، وهيفضل طول عمره غبي.
_ أمممم... يعني مفيش حاجة أنا معرفهاش وإنتِ مخبياها عني؟
ارتبكت وقالت بتلعثم:
_ وأنا هخبي عنك إيه؟ وليه؟
اقترب منها وقال بتهديد:
_ سميرة، متلفّيش وتدوّري عليا. هاتي من الآخر.
نظرت إليه للحظات ثم قررت الحديث أخيرًا، فقالت إيجازًا:
_ عشان أنا اللي فرّقت بينه وبين زهرة زمان.
_ إزاي وليه؟ وأوعي تقولّي عشان كنتِ بتحبيه. لو كنتِ بتحبيه مكانكش زمانك كنتِ معايا من شويه، فبلاش تتحوري.
قالت سميرة بغل:
_ أبدًا، أنا عمري ما حبيته، ولا كنت بطِّيقه. أنا ما حَبّتش في حياتي غير أحمد الحسيني!
صفق بحماس وقال:
_ أوباااا! دي بدأت تحلو أوي. لا ده إحنا نصبّلنا كاسين بقى، ونقعد نحكي على رواقة.
لم تجادله كثيرًا، وإنما انتظرت أن يأتي لها بالمشروب الذي تناولته جرعة واحدة، علّها تبتلع معه تلك الغصة التي تشكلت في حلقها جراء جراح العلاقة في قلبها.
نظرت أمامها في شرود وبدأت تتذكر ما حدث في الماضي وقالت بلهجة مريرة:
_ من أول ما شفت أحمد، قلبي اتخطف مني. حسيت إنه هو الراجل اللي عشت أحلم بيه طول حياتي: كان وسيمًا وغنيًا وشخصية، في كل مواصفات فارس الأحلام اللي أي بنت تتمناها.
كان هو ومراد بييجوا الكافيه اللي بشتغل فيه هم والعملاء بتوعهم. حاولت ألفت انتباه أحمد بكل الطرق إلا أنه ما كانش واخد باله، لحد ما واحدة من صاحباتنا لاحظت وفكرتني — معجبة بمراد اللي كان شاف زهرة وحبّها. عشان كده قولت لزهرة تفضل جنب أمها المريضة، وأنا هعمل شغلها وأغطي على غيابها قدام المدير؛ كنت عايزة أبعدها عنه.
ولقيت بعدها إن اللي بيسأل على زهرة كان مراد مش أحمد، وفي يوم قررت لازم أقابله وأكلمه، وفعلاً حاولت أرمي نفسي قدام عربيته، وشرب الطعم واتعرفت عليه، وبدأت أرسم الدور عشان أوقعه في حبي.
صمتت لثوانٍ وهي تنتزع الكوب من يده، تتجرع المشروب مع كرامتها التي دُسست تحت أقدامه، ثم تابعت بقهر:
_ وحصلت بينا علاقة. بعدها بدأ يتهرب مني، و«أروَحه» ما يردّش يقابلني. لحد ما في يوم قدرت أوصله لما عرفت من زهرة إن في واحدة في حياته، عشان في الفترة دي مراد وزهرة كانوا حبّوا بعض واتفقوا على الجواز، بس مكنش حد يعرف لحد ما مراد يقنع أبوه.
أغمضت سميرة عينيها تسترجع مدى الذل والهوان الذي تعرّضت لهما وأكملت بأسى:
_ روحت استنيته قدام الفندق اللي نازل فيه، وأول ما خرج جريت عليه وقلتله لازم نتكلم. فعلاً خدّني وطلعنا للمكان اللي كنا بنتقابل فيه، وقلتله إننا لازم نتجوز.
وقتها قعد يضحك هستيريا وبصلي بقرف وقالي إني مجرد واحدة من الشارع، قضى معاها يومين ورماها.
تقاذفت العبرات من مقلتيها وهي تُتابع بقهر:
_ صدمني بعدها صدمة عمر. قالّي إنه بيفكر يتجوز زهرة وإنه حبّها وحاسس إنها كمان بتحبه. قعد يوصفلي قد إيه هي بنت جميلة ومحترمة ومتعلّمة، وإني نكرة بالنسبالها، وإنه ما غصبنيش على حاجة — أنا اللي فرّطت في نفسي بالساهل.
تبدّل القهر إلى غِلّ وهي تتابع:
_ وقتها عرفت إنها كانت بتلعب عالّونجين عشان تطلع بأي حد فيهم، مع إنها كانت عارفة إني بحب أحمد اللي كسرني وذلّني عشانها. ولما قولتله إن زهرة بتحب مراد ومقضية معاها، نزل فيا ضرب وقالي إني كذابة، جرجرني من شعري ورماني في الشارع.
هبطت من مكانها وهي تضيف بسموم الكراهية:
_ يومها حلفت إنّي هدفعه التمن غالي. وبعدها على طول جتلي زهرة فرحة الدنيا فيها، وهي بتقولي إن مراد خطبها من والدتها واتحدِّي عشانها عيلته كلها.
عمري ما هنسي إحساسي وقتها وأنا شايفاها بتعيش الفرحة اللي كنت رسّمتها لنفسي بعد ما دمّرني وخطَف أحمد مني وخلاه يتعلق بيها ومراد كمان كان طاير بيها. النار ولعت فيا وحلفت يمين إنّي هدمر حياتهم كلهم ولازم أدمّر سعادتهم زي ما سعادتي اتدمرت — وحصل!
تناثر الحقد من لهجتها وهي تُكمل:
_ شَكَّكت مراد فيها وخليته يتأكد إنها بتخونه، ونفْس اللي اتعمل فيا اتعمل فيها. وحلفت إنّي أخطف مراد منها، وأحرق قلبها وقلب أحمد.
وفي ليلة، مراد كانت حالته زي الزفت بعد ما سابوا بعض وكان عمال يشرب لحد ما بقى سكران طينة. كنت أنا مرقبة بعد ما اتأكدت إنه خلاص راح لِدنيا تانيه؛ خدّته عندي في البيت ولما فاق الصبح انهار، وقلتله إن في حاجة حصلت بينا، ومثّلت عليه الدور صح وحاولت أقنعه إنه يتجوزني وبعدها يطلقني عشان متفضحش. فعلاً اقتنع، بس بعد ما عرف إن زهرة اتجوزت وسافرت مع جوزها طلعت أذكى مني بكتير ولعبت على أحمد ولفّت نظره، وطبعًا هو ما خدّش في إيدها غلّة لأنه كان بيحبها.
خالطت السخرية نبرتها حين قالت:
_ مراد اتجنّن بعدها وكان عايز يطلقني، بس أنا وقتها قولتله إني حامل. اتصدم وكان عايزني أنزل الجنين لأنه عمره ما هيستمر معايا. بس أنا لعبتها صح: جريت على رحيم الحسيني وحكّيتله كل حاجة، وطبعًا لما سأله مقدرش ينكر وأجبره يتجوزني.
قاطعها الرجل ناظرًا إليها بقرف واشمئزاز تجلّى في نبرته حين قال:
_ يخربيتك! إنتِ راضعة سم تعابين. وبعدين تعالي هنا: حامل إزاي؟ هي نيفين دي بنتك؟
نظرت إليه باستياء قائلة:
_ لا طبعًا مش بنتي. أنا فعلاً كنت حملت من مراد؛ لأن اليوم اللي خدته عندي في بيتي حصل بينا حاجة، ولأول مرة القدر يقف معايا في حاجة وطلعت حامل. بس للأسف، وأنا بولد، بنتي ماتت. وقتها عرفت إنّي هخرج من المستشفى على الشارع لأن مراد عرف إنّي وقعت بينه وبين زهرة وماكنش طايقني، واللي كان حايشه عني أبوه، عشان كده فكرت بسرعة ورشّيت الدكتورة وخليتها تجيبلي بنت كانت لسه مولودة، وبدلتها ببنتي الميتة، وأدّتها لأهلها.
_ لا دماغ شغّالة بصحيح. طب وإيه بقي اللي إنتِ عملتيه عشان مراد يشك في زهرة؟ وإزاي عرف إنك ورا كل اللي حصل ده؟
أوشكت سميرة على الرد و لكن قاطعها رنين هاتفه الذي التقطه سريعًا و أجاب و ما هي الا ثوان حتى برقت عينيه و هب من مكانه قائلا بصدمه
_ انت بتقول ايه ؟ ناهد لسه عايشه ؟
★★★★★★★★★
كانت كاميليا تعاني الأمرّين طوال هذا الأسبوع بسبب تجاهل يوسف لها وانشغاله الدائم عنها، فقد كان يخرج صباحًا قبل استيقاظهم، وإن عاد، يعود بعد أن يخلدوا جميعهم إلى النوم. وما عداها، فقد كانت تنتظره للاطمئنان عليه كل ليلة دون أن تُشعره بذلك قطّ، تنتظر لتراه من النافذة وهو عائد، وتُمنّي نفسها بأنه سوف يحاول رؤيتها والاطمئنان عليها.
فبعد أن عادوا من الإسكندرية لم يُحادثها، فقط اكتفى بأن حملها إلى غرفتها ثم خرج دون أن يتفوّه بحرف، وتركها طوال هذا الأسبوع فريسة لهذيانها وحيرتها وحزنها.
تلك هي المرة الأولى التي يعاملها فيها هكذا، ولكن في قصر العجائب هذا لا شيء محال. فمنذ عودتها يخيم الصمت والهدوء على كل من في المنزل، وحتى تلك الحرباء "سميرة" لم ترها سوى مرة واحدة، ودائمًا ما تلازم غرفتها، وكذلك نيفين التي تعاني من وعكة صحية بحسب ما قالته روفان وعمها مراد الصامت، وجدها الذي لم يكن ينظر إليها من الأساس.
فقط "زين" هو من كان يُهوِّن عليها قليلًا من وحدتها، ولكن لا يوجد أحد في هذه الحياة يستطيع أن يُعوِّض غياب يوسف...!
ذلك الاسم الذي يرتجف له قلبها بين ضلوعها من مجرّد ذكره، لا تدري كيف لقلبٍ بحجم كفّ اليد يمكنه أن يحمل كل هذه المشاعر لشخص واحد! والأغرب أن هذا الشخص يمكنه بنظرة واحدة أن يقلب كيانها رأسًا على عقب.
شخص بيده هلاكها ونجاتها، قادر على إرسالها إلى الجنة أو إهلاكها في الجحيم، دون حولٍ لها ولا قوة.
هذا هو حالها معه، دائمًا ما يوجّهها حبه دون إرادتها، ودائمًا ما تتخذ قراراتها بناءً عليه دون أن تعطي لنفسها أي أهمية. وهذا ما زاد من حزنها، فكيف يمكن أن تعشقه إلى هذا الحد، بينما يتسبّب لها بكل هذا الألم؟
كانت هذه الكلمات تدور بخلدها وهي جالسة في حديقة القصر تراقب زين وهو يلعب مع روفان، فلم تلحظ اقترابه منها إلا حين أخرجها من شرودها صوتُ زين وهو يهلّل مهرولًا إليه ليرتمي في أحضانه.
وللحظة شعرت بالغيرة من زين، فهو قادر على الارتماء بين ذراعيه متى رآه، عكسها، فهي أكثر من يرغب في عناقه الآن، ولكن هذه الأمنية تُعَدّ ضربًا من ضروب المستحيل.
اقترب يوسف من مكانها يطالعها بنظراته التي دائمًا ما تعجز عن تفسيرها، فحاولت الثبات قدر الإمكان، خاصة عندما أصبح أمامها مباشرة. زادت وتيرة أنفاسها عندما نظر بعمق إلى داخل عينيها، فحاولت رسم القوة بهما وقررت أنها لن تضعف أمامه أبدًا.
ولكنه كالعادة صدمها بردود أفعاله، فما كان منه سوى أن قال بكلمات وجيزة ونبرة أشبه بالأمر:
ـ تعالي لي على المكتب، عايزك.
ولم يُضف شيئًا آخر، بل تركها وغادر المكان لتنفلت الكلمات من فمها بقهر:
ـ يا ربي على لوح التلج!
أقبلت روفان نحوها وقالت مازحة:
ـ لوح تلج بس قمر!
التفتت إليها كاميليا بغيظ وقالت بسخرية:
ـ قمر بالستر يا أختي.
قهقهت روفان وقالت بشماتة:
ـ طب وطي صوتك يا أختي أحسن يسمعك، واتفضلي شوفي عايزك في إيه بدل ما ييجي يجيبك من شعرك. أخويا غبي، أصله أنا عارفة!
نظرت إليها كاميليا بغضب وقالت مدافعة:
ـ احترمي نفسك يا بت، هو غبي في عينك! وإيه يجيبك من شعرك دي؟ شايفاه بلطجي قدامك؟
نظرت إليها روفان بذهول وقالت:
ـ بت يا كامي! انتي سخنة ولا إيه؟ انتي مش من دقيقة واحدة كنتي بتقولي عليه لوح تلج ومكنتيش طايقاه، دلوقتي بتدافعي عنه؟!
قالت بتبرير:
ـ أيوه أنا أقول اللي أنا عايزاه، انتي متقوليش! وأوعي بقى، أنا رايحة أشوفه عايز إيه.
نظرت روفان في أثرها بذهول وهي تردد:
ـ هو البيت دا ملعون يا ربي، مفيش فيه حد عاقل يوحد ربنا!
أخذت كاميليا نفسًا عميقًا ثم طرقت باب غرفة المكتب الخاصة به، وفتحت الباب لتجده يقف أمام النافذة يتحدث في الهاتف. وسرعان ما أغلق الخط بعد دخولها، لتتقدم نحوه بخطوات بطيئة ونظراتٍ مشتاقة حاولت أن تُغلّفها بالجمود. وكان هو يحتضنها بعينيه ناظرًا إليها بنظرات يملؤها الاشتياق والاشتهاء معًا، لتراه هي غامضة بينما العشق الذي يملؤها يفوق قدرتها على الاستيعاب.
قطع الصمتَ الدائر بينهما حين بادرها بالحديث بنبرة هادئة:
ـ اقعدي يا كاميليا.
أطاعته دون أن تتفوه بحرف، وجلست على الكرسي متجنّبة الجلوس على الأريكة حتى تحرمه لذّة الجلوس بجانبها، وتحمي نفسها من شوقها الذي قد يجعلها ترتمي بين ذراعيه.
ابتسم يوسف لتصرفها وقرر الخوض في الحديث دون التعليق عليه، لكنه قرر إثارتها قليلًا، فهو يعلم طبيعتها النارية التي افتقدها كثيرًا، فقال بهدوء مختصر:
ـ عرفتي غلطك فين يا كاميليا؟
نجح يوسف في مسعاه حين هبّت كاميليا من مقعدها واقفة تقول باستنكار:
ـ غلطي؟ أنا اللي غلطانة يا يوسف؟!
أمال يوسف رأسه وابتسم ساخرًا، ثم قال بنفس لهجته:
ـ تصدقي؟ مكنتش متوقع غير كده، بس كنت بكذّب نفسي... يا خسارة يا كاميليا.
زاد غضب كاميليا وتحول إلى حزن شديد، فقالت بوجع:
ـ خسارة؟! للدرجة دي أنا وحشة وأنا ماعرفش؟
غضب يوسف من حديثها فخرجت منه تنهيدة قوية محاولةً التنفيس عن غضبه، لكنها أصابت قلبها في منتصفه، إذ فهمتها على أنه قد نفد صبره منها. فآثرت الحفاظ على كبريائها وقالت بصوت مهتز ودموعٍ هددت بالهطول:
ـ تمام يا يوسف، وأنا ميرضنيش خسارتك. أنا ماشية وسيبها لك خالص، أقولك؟ اعتبرني من اللحظة دي برا حياتك!
ألقت كلماتها وفرت من أمامه، لكنها لا تدري أنها أيقظت براكين الغضب بداخله، فقال بصوت جهوري مزلزل:
ـ استني عندك!
اقترب يوسف منها وأدارها إليه، فوجد دموعها الحبيبة التي كأنها ألقت تعويذة على قلبه، حولت براكين غضبه إلى حمم من المشاعر الملتهبة، يعززها شوقه الضاري لها. استخدم كل ذرة مقاومة لديه للسيطرة على نفسه كي لا يبثّها كل ما يشعر تجاهها، لئلا تتفوه بتلك الحماقات مجددًا. أمسك بمرفقيها قائلًا بانفعال:
ـ انتِ هتعقلي إمتى بقى؟!
حاولت التملص من بين يديه قائلة بغضب:
ـ سيب إيدي، ومالكش دعوة بيا!
انفلت زمام غضبه فهزّها بعنف قائلًا بقوة:
ـ بطّلي جنانك دا، وحطي الكلام اللي هقولهولِك دا في دماغك عشان ترتاحي. مفيش حد في الدنيا له دعوة بيكِ غيري! ووجودنا في حياة بعض دا أمر واقع، ومش هسمح لأي حد في الدنيا يغيره، حتى لو كنتِ أنتِ !
هزّتها كلماته في الصميم، لكنها تحدثت من وقع جرح غائر ينزف بداخلها، وقالت من بين دموعها:
ـ مش كنت خسارة في حياتك من شوية؟
نظر إليها يوسف بعدم تصديق وقال بدهشة:
ـ أنا إمتى قلت كده؟!
أجابته باكية:
ـ آه قلت! قلت يا خسارة يا كاميليا!
ضحك يوسف بسخرية، ثم عاد يقول بغضب:
ـ وده معناه إنك خسارة بالنسبالي يا كاميليا؟!
لم تُجب شفتاها، بينما تولّت عيناها المهمة، وجاء الجواب على هيئة أنهار من الدموع المنهمرة على خديها. فرقّت نبرته قليلًا وهو يقول بصدق:
ـ وحتى لو انتِ خسارة بالنسبالي... فأنا برضو عايزك.
أصابت كلماته عمق الجرح النازف في قلبها، فكانت كالسحر الذي رسم ابتسامة راحة على شفتيها، لكنها سرعان ما انمحت وحلّ محلها الغضب، فقالت بحزن:
ـ بس انت سبتني أسبوع كامل، ما سألتش فيا! دا غير اللي عملته فيا وإحنا في إسكندرية، ومعاملتك ليا قدامهم!
انفعل يوسف ثانية وقال بغضب:
ـ شوفتي؟ اهو دا اللي بقولك عشانه يا خسارة! عشان بعد دا كله مش عارفة غلطك برضو!
انفعلت كاميليا وقالت بغضب:
ـ ممكن أكون غلطت، بس مستاهلش كل دا!
أجابها يوسف بحدّة:
ـ متستاهليش؟! كاميليا، أنتِ فاهمة معنى كلمة أنتِ مراتي دي؟ ولا لسه مش وصلالك؟!
تراجعت خطوة للخلف إثر انفعاله، وقد أشعرتها كلماته بالخجل، لكنه تجاهل انفعالات وجهها وتابع بلهجة حادة:
ـ أقولك أنا... مراتي يعني شريكة حياتي، نصي التاني، الجزء اللي بيكملني. أنتِ الإنسانة الوحيدة اللي أديها ضهري وأنا مطمن ومش خايف تغدر بيا! تبقي معايا على طول الخط، مش لما تلاقي الناس بتكذب عليا وتستغفلني، تقومي أنتِ كمان تكذبي وتصدقي كلامهم! عادي عندك إن حد يستغفلني، وبدل ما أنتِ تصارحيني، تسانديه؟!
قاطعته كاميليا مدافعة عن نفسها:
ـ والله كنت هقولك، بس مستنياك تهدى شوية!
قال مستنكرًا:
ـ عذر أقبح من ذنب يا كاميليا! لما أهدى بعيد عنك، أنتِ لازمتك إيه؟ خصوصًا إنك عارفة إنك الوحيدة اللي عمري ما أقدر أأذيها مهما كانت حالتي! ومع ذلك وقفتي عيني في عينك وكذبتِ عليا! متخيلة أنا حسيت بإيه ساعتها؟!
خفضت كاميليا رأسها وقد شعرت بمدى خطئها وغبائها، فسارع يوسف برفع رأسها مرة أخرى وقال بلهجة قوية:
ـ متوطيش راسك تاني، مهما كان السبب!
زفر يوسف بتعب وقال بلهجة هادئة قليلًا:
"ـ أنتِ مفكرة إنه سهل عليا إني أنفعل عليكِ وأزعلك بالشكل دا؟ يا كاميليا، للمرة المليون افهمي، أنتِ حتة مني، مراتي، وحبيبتي، وكل حاجة ليا. في حاجات لو حصلت من الناس كلها مش هتهز شعرة فيا، إنما منك انتِ تكسرني.
قاطعته كاميليا بلهفة، واضعة إصبعيها فوق شفتيه قائلة بأسف:
"متقولش كده أرجوك! أنا عمري ما أقدر أعمل فيك كده. أنا عارفة إني غبية وغلطت، بس دا كان رد فعل، ما قصدتوش والله! أنا خفت تحصل مشكلة لما مازن قالي إنك مانع أدهم يشوف غرام.
ابتسم يوسف ساخرًا وقال بوجع:
ـ ولا أدهم دا كمان! عارفة يا كاميليا، أدهم دا يبقى ابني مش أخويا! أنا اللي مربيه هو وروفان بإيدي من بعد ما بابا توفى. لما يعمل عملته دي، متخيلة أنا بقيت عامل إزاي؟ أو حاسس بإيه؟ أنا حسيت إني كنت بزرع السنين اللي فاتت دي في أرض بور!
صمت لثوان قبل أن يقول بحزن
ـ أدهم خذلني وخلاني لأول مرة في حياتي مش قادر أرفع عيني في عين علي. كان لازم أقف له وأفهمه غلطه، وأعاقبه، بالرغم من إني عارف إنه هيعمل المستحيل عشان يشوفها، ودا في حد ذاته عقاب! بدل ما يكون مكانه جنبها، لا، دا بيشوفها زي الحرامية.
ولأني واثق إنها هتعرف تدفعه تمن غلطه كويس... كنت لازم أعلمه إن خيب أملي فيه، وإني أنا اللي هقف له.
وعارف إن مازن معاه وهيقف في صفه، بالرغم من إني كنت أقدر أمنعه بسهولة، بس سبته...
أنا مش ظالم يا كاميليا، أنا بحاول أوصل بينا كلنا لبر الأمان، بس للأسف كلكوا ضدي، محدش بيساعدني!
شعرت كاميليا لأول مرة بالشفقة عليه، فهي تعلم أنه يحمل على كتفيه همومهم جميعًا ويحميهم منذ أن أبصرت هذه الحياة. لذا اندفعت إلى تحتوي وجعه بين ذراعيها محاولة التخفيف عنه، فقد شعرت أن ذلك الجبل الذي كانت تستند عليه طوال حياتها قد تعب هو الآخر ويحتاج من يسنده، وستكون أكثر من مرحبة بالتخفيف عنه. فقالت بأسف من بين دموعها:
ـ حقك عليا يا يوسف... حقك علينا كلنا. أنا عارفة إننا تعبناك أوي، وإن الحمل عليك تقيل. سامحني أرجوك.
ذاب بين يديها وقد سمح لنفسه بالتنفيس عن بعض معاناته معها، ولمَ لا، وهي الوحيدة القادرة على امتصاص أوجاعه؟! بل إن قربها يمنحه قوة هائلة تدفعه للمواصلة. أغمض يوسف عينيه بتعب وأخذ يتنفس أكسجين وجودها الذي يأسره. ظلا على هذه الحالة لوقت ليس بقصير، لتقطعه كاميليا قائلة برجاء:
ـ سامحني يا يوسف، أرجوك.
خرجت تنهيدة قوية من جوفه، قبل أن يترك بصمات عشقه فوق جدار عنقها، ثم رفع رأسه ناظرًا إلى عينيها بحب، قائلاً بصوت أجش:
ـ مسامحك من قبل ما تطلبي دا، بس كان لازم آخد منك موقف عشان تفهمي.
تابع يوسف حديثه وهو ينظر إليها بنظرات ذات مغزى:
ـ وبعدين، بلاش حركات الستات المفقوسة دي، عشان هتقلب معايا بنتايج عكسية، وانتي اللي هتزعلي في الآخر.
ارتبكت كاميليا وتظاهرت بعدم الفهم، وقالت بتلعثم:
ـ انت تقصد إيه؟ مش فاهمة.
ابتسم يوسف على حركاتها الطفولية وقال بمكر:
ـ أنتِ فاهمة وعارفة... لو كنت رقدتِ على جنب أخته في المستشفى، كنتِ هتبقي مبسوطة؟
طالعته كاميليا بذهول من كشفه لمخططها الأحمق، فقالت بخجل:
ـ أنا ما قصدتش على فكرة!
قال بحزمٍ ممزوج بالتحذير:
ـ بلاش كذب يا كامي، وإياكِ تفكري تثيري غيرتي تاني، عشان النتايج هتكون وحشة أوي!
هزّت كاميليا رأسها باستسلام وقالت بخفوت:
ـ آسفة.
يوسف بحنو:
ـ مش عايزك تتأسفي أبدًا، عايزك تفهمي وتعرفي غلطك وتحاولي تصلحيه.
ـ حاضر.
أحاط يوسف خصرها بيديه وقال بمكر:
ـ طب مستنية إيه؟ يلا صلّحيه.
خجلت كاميليا من نظراته ويديه القابضتين على خصرها، فقالت بخفوت:
ـ ما انت قولت سامحتني على اللي حصل!
قال ضاحكًا:
ـ أيوه سامحتك، بس محتاج إقناع بصراحة.
فهمت كاميليا ما يرمي إليه، فترددت قليلًا، ثم وقفت على أطراف أصابعها وقبّلته على خده الأيمن، وقد غزا الاحمرار وجنتيها، فقال مستنكرًا مازحًا:
ـ أنتِ كده أقنعتيني؟
قالت بتذمّر:
ـ أيوا دا اللي عندي، وبعدين إقناعك صعب كده ليه؟
أجابها متخابثًا:
ـ معلش بقى، لوح تلج، هتعملي إيه؟
برقت عيناها من الصدمة وقالت بدهشة:
ـ إنت سمعتني ولا إيه؟
ـ أيوه سمعتك... بقى في واحدة تقول على جوزها لوح تلج برضو؟
حاولت كاميليا استجماع شجاعتها وقالت بثبات:
ـ أيوه، لوح تلج!
ابتسم يوسف على مظهرها وشجاعتها الزائفة وقال بعشق:
ـ لو تعرفي لوح التلج ده بيدوب معاكِ إزاي وبيتحول لبركان نار... بخاف عليكِ منه.
أنهى كلماته واندفع يرتشف عذب الهوى من فمها، ليذيقها جزءًا بسيطًا من نيران عشقه التي تحرقه كل لحظة، ولتدرك تلك الحورية أنها وحدها من تملك القدرة على جعل الجليد ينصهر عشقًا بين ذراعيها.
بعد وقت ليس بقليل، استطاع يوسف السيطرة على براكين شوقه والابتعاد عنها، محتفظًا بها بين جنبات صدره، فقد أسكرتها خمرة عشقه إلى الحد الذي جعلها تتكئ على سياج صدره الذي كان يدق بجنون، ويشاطره قلبها الجنون ذاته.
واستمرا على هذا الوضع لدقائق، فنطق قلبها ملتمسًا الأمان والاطمئنان:
ـ يوسف، إنت سامحتني، صح؟
تنهد يوسف ونظر داخل عينيها قائلًا:
ـ مسامحك يا كاميليا، بس من حقي أعرف لو في حاجة مخبياها عني، وخليكِ فاكرة إن دي آخر مرة هسألك فيها.
نظرت كاميليا إلى عينيه تلتمس منهما القوة للإجابة عن سؤاله، فأخذت بعض الوقت لتنطق أخيرًا:
ـ في يا يوسف...
يتبع......
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثالث وثلاثون 33 - بقلم نورهان العشري
الوجه الثاني و الثلاثون للعشق 🌹
سألتني صديقتي يومًا:
كيف أعرف أن هذا الشخص يحبني حقًا؟
فابتسمت وقلت لها بهدوء:
من يحبكِ، يراكِ الأجمل مهما شحُبت ملامحك.
من يحبكِ، يسرق من الزمن لحظةً ليكون بقربك، ولو على حساب كل شيء.
من يحبكِ، يراكِ الأنسب لقلبه، حتى وإن لم تكوني كذلك في نظر الآخرين.
من يحبكِ، يرى فيكِ اتتصاره الأعظم، مهما كانت بساطتك.
من يحبكِ، يسلك كل الدروب، ويتحدى كل العواقب، ليصل إليكِ في النهاية.
ثم تنهدتُ وقلت:
باختصار. من يحبكِ، لا يغادركِ أبدًا، حتى وإن غاب جسده، يظلُّ قلبه معكِ.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ـ أوعي تفكّري تضحكي عليّ أو تقوليلي كلام يهدّيني، عشان أقسم بالله ما هسيب تاري مع ولاد الحسيني، لو مهما قولتي أو عملتي، فاهمة؟
كان هذا صوت رائد الذي فقد كل ذرة تعقّل لديه عندما سمع حديث والدته، فهبّ من مكانه صارخًا، مما جعلها ترتعب من تلك النظرات الإجرامية المُرتسمة في عينيه، ومن كل هذا الحقد الذي يقطر من بين كلماته. فقامت بمحاولة تهدئته وقالت برجاء:
_ أرجوك، اهدا.. خلاص، اقفل على الموضوع دا. مش هنتكلم فيه دلوقتي. خلينا نأجل الكلام لحدّ لما تبقى قادر تسمعني.
قاطعها رائد صارخًا:
_ مش هسمعك! لا دلوقتي ولا بعد مليون سنة! أنا ليا حق، ولازم آخده. الناس دي دمرتني، ودمرت حياتي، ودمرت عيلتي، ولازم تدفع التمن!
صرخت ناهد هي الأخرى بانفعال:
_ مين اللي قالك كده؟ الكلام دا كذب! محصلش حاجة من دي، صدّقني! أرجوك، حاول تهدى وتسمعني!
نظر إليها بتيه، وقد لمس الصدق في حديثها، فقال بريبة:
_ إنتِ عايزة تقولي إيه بالظبط؟
اقتربت منه في محاولة لتهدئته والتخفيف عنه، وقالت بحذر:
_ جاوبني الأول، مين اللي قالك الكلام دا؟ وقالك إيه بالظبط؟
ظل يُناظرها مطولًا دون أن تكون له القدرة على الكلام، فقد كان يستجمع كل ذرة شجاعة بداخله ليقوم بسرد تلك الرواية المشؤومة التي سمّمت حياته بالكامل. فشرع يحكي بنبرة مبحوحة متألمة:
_ قالولي إن عامر الحسيني كان أكبر منافس لأبويا في السوق، وكان بيكرهه كره العمى، ودايمًا كان بيستغل نفوذه ونفوذ عيلته علشان يؤذيه.
توجه وجلس على أقرب مقعد قبل أن يقول بلهجة تتضور وجعًا:
_ وفي يوم، كانت في مناقصة مهمة أوي لشركته وشركة بابا، وعامر الحسيني كان داخل فيها بكل فلوسه، والمناقصة دي رست على أبويا. عامر اتجنن، وحلف إنه لازم يخسره كل حاجة. دا اليوم اللي حصلت فيه الحادثة.
تبلور الألم في نظراته وكذلك في لهجته حين قال:
_ مش هقدر أنسى يوم ما شُفته داخل بيتنا بالسلاح وبيهدد بابا إنه هيقتله. مش بنسى بصته، ولا نظرة الإجرام اللي كانت في عينيه، لسه محفورة في قلبي وعقلي لحد دلوقتي.
تحامل على قلبه حتى لا يُطاوع تلك العبرات التي تُهدد بالانفجار في أي لحظة، وقال بلهجة موقدة:
_ وفعلاً نفّذ تهديده وضربه بالنار، بس لحسن حظي أو سوء حظه إنه ما شافنيش.
قست عيناه كثيرًا وهو يقول بنبرة يملؤها الألم:
_ شُفته بعيني وهو بيموّته من غير ما يرفّ له جفن.
صُدمت ناهد كثيرًا مما تفوّه به رائد، فقالت بجزع:
_ إنت كنت فين وقتها؟ وشُفت دا كله إزاي؟
أخفض رائد رأسه في أسى وقال بلهجة لا روح فيها:
_ بعد ما خرجتي بشوية، لقيت بابا داخل البيت وشكله مرعوب، ودخل أوضة المكتب بيطلع السلاح بتاعه. اتخضّيت وجريت عليه بقول له: في إيه؟ قالي لازم تهرب قبل ما يشوفوك، وإلا هيخلصوا عليك.
استمهل نفسه لثوانٍ يُحارب طيف الذكريات الأليمة، قبل أن يقول بجفاء:
_ اترعبت، وقعدت أعيّط وأقوله: هما مين دول؟ قالي مفيش وقت للكلام، لازم تهرب من هنا. وقبل ما يكمل كلامه، سمعنا ضرب نار برّه وحد بينادي عليه بصوت مرعب.
اتفزع، وجري خدني من إيدي ودخلني الدولاب اللي في المكتب، وقالي مهما حصل، أوعي تطلعي من هنا. وبعدها دخل عامر، وحصل اللي حصل.
أخذت تبكي، وقلبها ينزف على ما عاناه طفلها في تلك الحادثة المشؤومة التي دمّرت حياته السابقة. لكنها لا تدري، أتُخبره بأن لتلك الحادثة زاويةً أخرى؟ وتقصّ عليه الحقيقة كاملة التي قد تتسبب في تدمير حياته القادمة؟
وقفت عاجزة تنظر إليه بشفقة وكثيرٍ من الألم، لا تدري ما عليها فعله. لكنه صدمها حين قال بقسوة:
_ بعدها عرفت اللي حصلِك، واللي الكلب دا عمله فيكِ! مش كفاية أخد أبويا مني، لا، دا لوّث شرفه، وخطفِك، وبسببه دخلتي في الغيبوبة، وحرمني منك السنين دي كلها!
قطبت ناهد جبينها وقالت بصدمة:
_ إيه؟ مين اللي قالك الكلام دا؟
قال رائد بجفاء:
_ راغب.
ما إن تفوّه باسمه حتى انتابتها حالة هستيرية، وأخذت تدور حول نفسها وهي تردد بجنون:
_ راغب؟ راغب! لا... لااا... لاااا!
خرجت منها عدة صرخات متألمة، تلاها صرخة قوية كانت نهايتها سقوطها بين يديه غائبة عن الوعي، ليتلقّاها رائد في لهفة وهو يقول بلوعة:
_ ماما..!
****************
ظلّت فاطمة تنظر إلى علي بحيرة؛ فهل تخبره بذلك السرّ الذي خبأته بداخلها طوال هذه السنوات وتُعرّض نفسها لخسارته؟
أم تصمت وترضى بالوضع الذي يُهوّنه عليها وجوده بين أحضانها؟
أنقذها من تلك الحيرة رنين هاتف علي، الذي ما إن رأى اسم المتصل حتى استأذن منها، ثم قام بالرد سريعًا:
_ أيوه يا شادي، في جديد؟
_ الست اللي في المستشفى، اللي رائد بيزورها دي، تبقى أمه يا علي!
عودة لوقتٍ سابق
قبل أسبوع من الآن، كان علي يجوب الشوارع بسيارته لا يدري ما هي وجهته، كل ما يريده هو التنفيس عن ذلك الغضب الذي يتملكه جراء كلمات والدته الأكثر من مؤلمة بالنسبة له.
فها هو، منذ ثلاث ساعات، يتجول في طرقات عروس البحر الأبيض المتوسط، ولم يستطع أن يتجاوز غضبه وألمه حتى الآن.
لم يُخرجه من شروده سوى رنين هاتفه، الذي التقطه وأجاب سريعًا:
_ أيوه يا شادي.
_ إيه يا علوة، أنا لسه واصل إسكندرية دلوقتي. هريح شوية ونتقابل، تمام؟
_ لا، بقولك إيه، متريحش. أنا بلف في العربية ومش ورايا حاجة، تعالى نتقابل دلوقتي في (...) وبعدها ابقى ريّح براحتك.
وافقه شادي على مضض قائلًا:
_ طيب يا عم، ما انت مش وراك غير التعب، نص ساعة وهكون عندك.
وبالفعل تقابلا في المكان المتفق عليه، وبعد تبادل السلامات بدأ شادي في سرد تلك المعلومات التي في جُعبته:
_ عنده ٣٣ سنة، كان بيدرس في ألمانيا، وجه دخل جامعة هنا. أبوه وأمه ماتوا في حادثة بقالها تلات سنين. بيشتغل في شركة الحسيني، تقريبًا مالوش أي قرايب. تحركاته كلها عادية من البيت للشركة، وأحيانًا بيروح سهرات مشبوهة. ليه شقة في (...) كل فترة بياخد فيها بنت من إياهم. كان على علاقة بسكرتيرة يوسف الحسيني، خرج معاها كذا مرة. سفرياته كتير لألمانيا، بس الغريب في تحركاته إنه كل فترة كده بيروح مستشفى للأمراض العقلية، وممكن يقعد فيها بالساعات. كله موجود في الملف ده، وفي كمان كام صورة ليه وهو أصغر من كده.
ناول شادي الملف فوضعه علي أمامه دون أن يفتحه، وقطب جبينه قائلًا باستفسار:
_ مستشفى للأمراض العقلية؟ وده بيروح هناك يعمل إيه؟
أجابه شادي:
_ لحد كام يوم، مكنتش أعرف. بس عرفت أول امبارح إنه بيروح هناك لوَحدة ست، ومشدد حراسة حواليها، وواخد لها جناح كامل ممنوع أي حد يدخله غير مدير المستشفى وممرضة خاصة. ومن كام يوم أخد السكرتيرة دي معاه، بس الغريب إنهم قعدوا شوية جوا وبعدها طلعت البنت دي منهارة، ركبت تاكسي ومشيت، وهو طلع بعدها بفترة، وحالته مكنتش بتختلف عنها.
_ طب ومقدرتش تعرف حصل إيه جوا؟ أو الست دي تبقى مين؟ أو حتى اسمها إيه؟
نفى شادي الأمر قائلًا بأسف:
_ للأسف، لا. معرفتش غير إن اسمها أمل.
زفر علي حانقًا، فتلك المعلومات لا تفيده بشيء، بل تزيد من فضوله لمعرفة ما يُخفيه ذلك الشاب، فهو أبدًا لم يرتح له. فقال بنفاد صبر:
_ طب متعرفش حاجة عن البنت السكرتيرة دي؟
_ البنت دي ليها أخت واحدة، وعايشة معاها هي ووالدتها. ونفس اليوم اللي حصل فيه الكلام ده، خدْتهم واختفوا، ورائد قالب الدنيا عليها.
_ اختفت؟! مادام اختفت يبقى وراها مصيبة. حل اللغز مع البنت دي، بدل ما هربت منه وهو قالب الدنيا عليها، يبقى ماسكة عليه حاجة. إحنا لازم نوصلها قبله.
هكذا تحدث علي، ليجيبه شادي قائلًا بتفكير:
_ بص، هو الموضوع صعب بس مش مستحيل. أنا هحاول أوصلها بأي طريقة، ولو في جديد هبلّغك.
_ مش هي بس يا شادي، إحنا كمان عايزين نعرف إيه قصة الست دي؟
_ تمام، أنا هكثّف تحرياتي، ولو عرفت حاجة جديدة هبلغك.
عودة للوقت الحالي
صُدم علي من حديث شادي وقال بدهشة:
_ أمه؟! إزاي؟ هو مش المفروض إن أمه وأبوه ميتين؟ يبقى إزاي دي أمه؟ إنت متأكد من كلامك ده؟
أجاب شادي بتأكيد:
_ أيوه، متأكد. البنت الممرضة اللي كانت مُكلّفة برعايتها، أخوها طلع عليه قضايا إيصالات أمانة، وقبضنا عليه. وجت هي علشان تدفعها، فضغطت عليها إنها يا تقول اللي تعرفه يا مش هطلّع أخوها خالص. المهم إنها حكتلي إن الست دي جت المستشفى من حوالي أربع سنين، وكانت في غيبوبة. وقتها جه رائد ودفع فلوس كتير مقابل إنهم يقدمولها أفضل رعاية، ونبّه إن محدش خالص يتعامل معاها أو يقرب منها غير حد موثوق فيه، ومدير المستشفى اختارها هي. وكان دايمًا ييجي يزورها ويقعد معاها بالساعات، وكان مفهمهم إن اسمها أمل، لحد ما حصلها اللي حصل وفاقت. وقتها عرفت إنها أمه واسمها ناهد.
قطب علي جبينه بعدم فهم وقال:
_ ناهد؟ طب وهو ليه خبّى عنهم اسمها الحقيقي؟ وإزاي دي تبقى أمه وهو موهم الناس كلها إن أبوه وأمه ميتين؟ رائد ده وراه حكاية كبيرة أوي، ولازم أعرفها. طب البنت دي متعرفش أي حاجة تانية؟
_ لا، ده بس اللي تعرفه.
_ أنا لازم أقابل الست دي وأعرف إيه حكايتها.
أجابه شادي بأسف:
_ للأسف، رائد أخدها وسابت المستشفى النهارده الصبح، ومتعرفش أخدها وراح على فين. حتى الناس اللي مكلّفاها تراقبه قالت إنه هرب منهم في الزحمة، وكان قاصد ده. تقريبًا حَسّ إن في حد وراه.
لعن علي بداخله، فقد انغلقت أمامه جميع الطرق لمعرفة ما وراء تلك السيدة، فقال بيأس:
_ تمام يا شادي، خلي عينك عليه، وأي جديد بلغني. أنا في طريقي للقاهرة، وأساسًا أنا قدمت طلب نقل واتوافق عليه، ومن الأسبوع الجاي هستلم عندكوا، وهتابع أنا الموضوع بنفسي.
أجابه شادي بحبور:
_ أحلى خبر ده ولا إيه! دي القاهرة هتنور يا باشا. خلاص، مستنيك تظبط أمورك، ونشوف سوا، وأي جديد هبلغك.
اختتم علي المكالمة وزفر بحنق، فبادرته والدته بالسؤال قائلة:
_ مالك يا علي؟ في إيه؟
أجابها بلا مبالاة:
_ مفيش، دي قضية كده ملخبطة شوية، متشغليش بالك. كنا بنقول إيه؟
ارتبكت فاطمة قليلًا وتعمدت صرف نظره عن سؤاله السابق فقالت:
_ كنت بحكيلك على قصة ناهد بنت خالي وبس.
_ اممم، ربنا يرحمها... وانتوا معرفتوش حصل إيه لابنها بعد كده؟
تنهدت فاطمة وقالت بأسف:
_ للأسف لا، وبما إننا ما قابلناش جوزها ده ولا نعرفه، فمدورناش عليه.
شاطرها علي الأسف قائلًا:
_ معلش، هي الدنيا كده، هنعمل إيه؟ ربنا يرحمها.
_ آمين يا رب... عايزة أطلب منك طلب يا علي.
قالت فاطمة جملتها الأخيرة برجاء لفت انتباهه، فقال مستفهمًا:
_ طلب إيه يا ماما؟ أمّري.
_ عايزاك تعامل جدّك كويس، وقبل ما تقول أي حاجة، افتكر إنه من ريحة المرحوم والدك.
امتعض علي وأجابها بغير رضا:
_ الله يرحمه... حاضر يا ماما، اللي إنتِ عايزاه.
ابتهجت فاطمة لانصياع علي لمطلبها، وقالت براحة:
_ ربنا يفرح قلبك يا ابني، ويراضيك زي ما بتراضيني دايمًا.
*****************
كانت كارما تجلس بجانب مازن في سيارته، والذي كان متجهم الوجه لا يتحدث معها منذ ذلك اليوم في المشفى، فقد أراد أن يُلقّنها درسًا حتى لا تُفضّل أيَّ شخصٍ عليه مرةً أخرى، حتى لو كان أخاها.
وكانت غرام تجلس في الخلف تنظر من النافذة، شاردةً مع أفكارها وتلك الحياة الغريبة التي تقرّبها منه رغمًا عنها مرةً ثانية.
استغلّت كارما شرود غرام لتحاول أن تُراضيه، فـيكفيها أسبوع من الهجر والخصام.
نظرت إليه قائلةً بصوتٍ خفيض ذي نبرةٍ رقيقة:
_ مازن.
دقّ قلبه لندائها، لكنه لم يلتفت حتى لا يضعُف أمامها، فأجاب بنبرة جامدة:
_ نعم؟
_ هتفضل زعلان مني كتير؟
هكذا استفهمت بحزن، ليُجيبها باقتصار:
_ مش زعلان.
اغتاظت من رده البارد فقالت بانفعال:
_ دا شكل واحد مش زعلان؟
لم يُجبها، فقد كان مشغولًا بالرسائل الإلكترونية التي كان يتلقّاها على هاتفه، وكان يُنقِل بصره ما بين الطريق أمامه والهاتف في يده، مما أثارها بشدّة، فقالت بغضب:
_ هو أنا مش بكلمك؟
أجابها بلا مبالاة:
_ قولتلك مش زعلان.
_ إزاي مش زعلان؟ دا أنت من وقت ما كنا في المستشفى وإنت مخاصمني ومبتكلمنيش، ودلوقتي من ساعة ما ركبنا مقولتش ولا كلمة واحدة!
إنت شايف إن دا طبيعي؟
كان مشغولًا بالهاتف كثيرًا فلم يُجبها، مما جعل الحزن يتعاظم بقلبها، فهل لهذه الدرجة هي لا تساوي شيئًا بالنسبة إليه حتى يتجاهلها بهذا الشكل؟
والأسوأ من ذلك أن ينشغل بالهاتف عنها!
إذن فذلك الشخص الذي يُحادثه أهمّ منها...
وعند هذا الهاجس آلمها قلبها كثيرًا، وزاد على شعورها بالغضب والإهانة، فقررت أنها لن تحاول مراضاته مرةً ثانية، وستجعله يدفع ثمنًا غاليًا.
مرّت دقائق قليلة ليقف مازن بعدها أمام الاستراحة التي على جانب الطريق، وهو ينظر إلى غرام في الخلف قائلًا باهتمام:
_ غرام، الطريق لسه طويل، وأنا حاسس إنك تعبانه، لو عايزة تنزلي تشربي حاجة أو تدخلي التويلت انزلي.
وافقت غرام دون جدال، فقد ظنّت أنه يريد أن يُحادث شقيقتها على انفراد، فترجّلت من السيارة دون أي حديث.
وما إن شاهدتها كارما حتى همّت بفكّ حزام الأمان لتلحق بها، فأوقفتها يد مازن التي أطبقت على معصمها تمنعها مما تقوم به، فنظرت إليه باستفهام، فأجابها آمرًا:
_ سيبيها تروح لوحدها.
قطّبت كارما جبينها ونظرت له بشك ثم قالت باستفهام:
_ دا ليه بقى؟
_ من غير ليه، غرام محتاجة تبقى لوحدها شوية، مش كلنا لازم نبقى فوق دماغها يعني.
لم ترتح لحديثه، لكنها آثرت الصمت، فقد كانت غاضبةً منه للحدّ الذي جعلها ترجع إلى مكانها بهدوء دون النظر إليه أو فتح أيّ مجالٍ للحديث معه.
**********
ذلك الشخص الذي تعمّد تركك في منتصف الطريق، لا تَدَعْهُ يلمحك ولو صدفةً، فمن لم يُكمل الرحلة لا يستحق المشهد الأخير
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
كانت تنظر إلى هيئتها في المرآة بأسى؛ تلك الخطوط العميقة المحفورة تحت جفنيها تحكي عن مدى معاناتها وتقطّع نومها، والتي لم تفلح مساحيق التجميل في إخفائها.
وأيضًا ذلك الانطفاء الذي يُخيّم على نظراتها يحكي روايةً أخرى عن مدى العَبَرات التي ذرفتها منذ آخر حديثٍ لها معه، فـقلبها يضجّ بالألم حتى بات التنفس ثقيلًا، كما خيّم الخمول والكسل على جسدها فغدا واهنًا ضعيفًا.
فأين هي تلك الجنية المتوهجة التي كانت تملأ الحياة بهجةً ونشاطًا وفرحًا؟
كيف أطفأتها تلك اللعنة المُسمّاة بالعشق؟ وكيف حوّلت بريقها إلى بُهوت، كما تحوّل وهج عينيها إلى رمادٍ محترق؟!
فكيف تسمح لنفسها بالوصول إلى هذه الحالة المُريعة؟
نظرت إلى تلك الكعكة الفوضوية التي تجمع بها خصلات شعرها، والتي كانت تخلو كليًّا من الأناقة، بالرغم من أنها كانت جميلة، لكنها ليست هي.
فهي دائمًا ما كانت تهتمّ كثيرًا بمظهرها وأناقتها، إذن ما تلك الصورة التي أصبحت عليها؟
هل يُعقل أن تُمكّنه من رؤية أثر غيابه عليها بهذا الشكل؟
ألم يكفِها ما فعله بها حتى تأتي هي وتُدمّر ما تبقّى؟
لا، لن تسمح له أبدًا بتدميرها، وستخرج من تلك الحكاية مرفوعة الرأس، ولن تنحني أمام عشقها الملعون أبدًا، بل ستجعله هو من ينحني لها طالبًا الصفح والغفران.
قامت بغسل وجهها وتنشيفه، ثم أزالت مشابك الشعر التي تمسك بخصلاته الحريرية، لينساب كبحرٍ من الشوكولاتة الذائبة حول وجهها الذي أتقنت تزيينه، ووضعت أحمر شفاهٍ قُرمزيٍّ يلائم امتلاء شفتيها ويمنحها مظهرًا جريئًا مُغريًا أشعرها بالرضا.
فهي، ومنذ تلك اللحظة، قررت إعلان الحرب على رجلٍ امتصّ منها جميع ملامح الحياة، وسلب منها عذرية قلبها، وتركها كرمادٍ محترق.
ولا يعلم أن البناء المحترق عندما يُعاد تشييده من جديد، يصبح أكثر قوةً وصلابة.
خرجت من المرحاض متجهةً نحو البار لتطلب مشروبها، ولم تخفَ عليها نظرات الإعجاب من المحيطين بها، لكنها لم تُبالِ كثيرًا.
وما لم تدركه هو تلك النظرات التي انطلقت منها شرارات الغيرة؛ فقد كان يودّ لو يفتك بكل تلك العيون التي تُحدّق بها وكأنها تودّ التهامها.
وقد استهلك كل ذرة ثباتٍ داخله حتى لا يُحرق المكان فوق رؤوسهم، ويختطفها إلى أبعد مكانٍ يمكن أن يصل إليه أحد، كي يُرضيها ويرتوي منها على النحو المطلوب.
أخذت ترتشف من كوب القهوة الخاص بها، ولا تعلم لِمَ انتابها هاجس بأنها ستراه...
هل لأن القلب حين يُحبّ يشعر بحبيبه؟
أم لأنها كانت تتمنى ذلك كثيرًا؟
فهي، ورغمًا عنها، قد اشتاقته حدّ الوجع.
أخرجها من شرودها قدومُ طفلةٍ صغيرةٍ نحوها، تحمل باقةً رائعة من الورود، وقدّمتها لها بابتسامةٍ عذبةٍ مرسومة على شفتيها.
تناولتها منها بدهشةٍ سرعان ما تحوّلت إلى دفءٍ وحبٍّ لذلك الملاك الصغير، فلم تستطع مجادلتها.
وما إن أمسكتها حتى هرولت الطفلة إلى الداخل، لتحوّل نظراتها نحو الباقة بفضول، وتلتقط البطاقة المرفقة بها لتقرأ ما كُتب عليها، فإذا بطبول الحرب تدقّ قلبها بعنفٍ وهي تقرأ تلك الكلمات المدونة بخطٍّ تعرفه:
"لا أُجيد فنَّ الاعتذار أبدًا، ولا أعلم كيف أطلب السماح...
فقط كل ما أستطيع فعله هو أن أُحبك بجنون.
فهل يشفع لي هذا عندك؟"
سرت رعشةٌ كبيرةٌ في أوصالها، وشعرت وكأن تلك الحروف قد نُقشت على جدران قلبها الذي أخذ يدقّ بجنون.
ظلت لثوانٍ عاجزةً عن رفع رأسها خوفًا من رؤيته، فأغمضت عينيها بشدة، تستجمع ما تبقى من صلابتها وإرادتها وقوتها التي كانت تملأها منذ قليل.
فكيف لكلماتٍ بسيطةٍ أن تُبعثر كل هذا في لحظة؟!
بالأخير، استعادت أنفاسها ونبضها المبعثر، ولن تسمح له برؤية تأثيره عليها.
قامت بتجعيد الورقة بين كفيها، وأخذت تنظر حولها وهي تحبس أنفاسها؛ فقد كان القلب يتوق لرؤيته ولو من بعيد.
وما إن لمحته حتى ارتسمت على شفتيها ابتسامةٌ جانبية، ثم نهضت من مكانها ممسكةً باقة الورد، وتوجهت نحوه.
كانت تمشي بغنجٍ ودلال، وكعب حذائها يطرق على الأرضية الحجرية وكأنه يطرق على قلبه الذي رقص داخله وهو يراقبها بعشقٍ ولهفةٍ حتى أصبحت أمامه.
نظرت إليه لثوانٍ، ثم تجاوزته بخطوتين.
قطّب جبينه ونظر خلفه، فصُعق من فعلتها حين رأى باقة الورد تسقط في سلة القمامة.
ثم عاودت السير مرورًا به، مرفوعة الرأس، بشموخٍ وكبرياء أنثى أقسمت على الانتقام والإطاحة به وبعقله... وها هي تنجح في ذلك.
تبعها أدهم بحنقٍ، وقد كانت كل خليةٍ داخله تحترق بصمت.
رآها تدخل محلًّا لبيع البقالة، فوقف يراقبها، وقد لفت انتباهه كل ما كانت تشتريه، ثم ألقت نظرةً خاطفةً نحوه وأشارت بإيماءةٍ غامضةٍ، قبل أن تغادر المكان.
أثار ذلك استغرابه، وما إن همَّ باللحاق بها حتى ناداه شابٌّ قائلًا:
_ يا أستاذ... يا أستاذ!
استدار أدهم متجهًا نحوه، ليتلقى صدمةً لم يتوقعها.
قال الشاب بهدوء:
_ الهانم اللي كانت هنا قالت إن حضرتك اللي هتحاسب.
مرّت ثوانٍ وهو صامتٌ، وقد ارتسمت الدهشة على ملامحه.
وبعد أن تجاوز صدمته، خرجت منه ضحكةٌ خافتة.
مع أي نوعٍ من النساء يعبث إذًا؟
يشعر أن هلاكه حتمًا سيكون على يديها... وهو أكثر من مرحبٍ بذلك.
قام بدفع ثمن المشتريات التي تجاوزت الخمسة آلاف جنيه، فقد علم من البائع أنها اشترت من أغلى أنواع الشوكولاتة في المحل.
ابتسم ابتسامةً أوسع، وتوجّه إلى سيارته يفكر في "جنيّته الصغيرة" وكيف يمكن أن يستعيدها إليه مرةً أخرى.
*************
كانت غاضبة منه بشدة ولم ترد الالتفات تجاهه حتى، وظلت تفكر كثيرًا في كيفية استفزازه، حتى جاءها اتصال من علي الذي كان بمثابة هدية من القدر، فأجابت سريعًا قائلة بدلال:
_ لووول حبيبي، كنت لسه هرن عليك.
_ إيه يا كوكي؟ عاملين إيه؟ والطريق عامل إيه؟
تنهدت كارما وقالت بملل:
_ حلوين الحمد لله، بس الطريق ممل أوي. إحنا في الريست اهوة.
غضب علي من تأخيرهم فقال بحدة:
_ كل دا ولسه في الريست! ليه راكبين سلحفاة؟ ما تقوليش للحيوان اللي عندك دا يشد شوية، مش طالبة مرقعة.
التفتت كارما إلى مازن الذي كان يأكل أسنانه من الغضب بسبب دلالها المثير، وزاد غضبه من حديث علي، لكنه آثر الصمت مرتديًا ثوب اللامبالاة.
لكن العرق الذي ظهر في رقبته أظهر مدى غضبه، فابتسمت بخُبث وأرادت سكب النار على البنزين، فقالت ببراءة:
_ علي بيقولك شد شوية يا مازن وبطل مرقعة.
اغتاظ مازن من لهجتها وتلك البراءة المفتعلة على ملامح وجهها، فقال بغضب:
_ بقولك إيه يا دُنيتي، متشتعلنيش! انتِ وأختك مش السواق اللي وراكو أنا.
كتمت كارما ضحكتها ووجهت حديثها لعلي:
_ معلش بقى يا لول، هنعمل إيه؟ بعد كده ندوّر لنا على سواق أحسن شوية.
قهقه علي إثر حديثها، مما زاد غضب مازن، الذي زفر بقوة دلالة على نفاد صبره. فاطمأن علي بأن مازن غاضب من كارما بشدة، فقال بمزاح:
_ استمري على كده، أنا دلوقتي هقفل وأنا مطمّن عليكم.
أنهت المكالمة بعد ما وصلت لمبتغاها في إثارة غيرته، لكن دائمًا ما ينقلب السحر على الساحر، لتجد هاتف مازن يرن، معلنًا عن اتصال قد أتاه في وقته. التقطه سريعًا ليجيب بمرح قائلاً:
_ روفي حبيبتي، عاملة إيه؟
ما أن سمعت كارما كلماته حتى استشاطت غضبًا ونظرت إليه بحدة، فوجدته ينظر أمامه ولا يعطيها أي اهتمام وهو يتحدث بكل أريحية:
_ إيه يا روحي؟ إحنا جايين في الطريق اهو. وحشتك! آه، وانتِ كمان وحشتيني والله.
كانت روفان على الطرف الآخر تريد الاطمئنان على علي، فخجلت من محادثته، ففضلت أن تحادث مازن حتى تعرف إلى أين وصلوا. تفاجأت من حديثه الغريب، فقالت بدهشة:
_ وحشتني إيه يا ده يا أهبل! لا طبعًا موحشتنيش.
تجاهل مازن حديثها وهو يقول بنبرة ود مفتعلة:
_ يا حبيبتي، عايزة شيكولاتة وأنا جاي؟ بس كده من عنيا. أحلى شيكولاتة لأحلى روفي في الدنيا.
كانت كارما بجانبه تغلي من الغضب، وروفان على الطرف الآخر من المكالمة تشعر بالذهول من حديثه ورقته معها، فقالت باندهاش:
_ شيكولاتة! مازن، انت سخن ولا إيه؟
كان مازن يود لو ينفجر بالضحك على مظهر كارما التي كان وجهها يغلي من شدة الغضب، وعينيها تبرقان يتطاير منهما الشرر، وقد جعلتها الغيرة كقنبلة موقوتة على وشك الانفجار. فلم يكتف بذلك، بل أضاف باستفزاز:
_ وإيه كمان يا حبيبتي؟ لو نفسك في حاجة كمان قولي.
حاولت روفان أن تجاريه في الحديث وتستغل الموقف، فقالت بلهفة:
_ لا، لو الموضوع هيبقى فيه منفعة نستفيد... والله يا ميزو يا حبيبي، هو طلب صغنون كده، أنا كنت عايزة أغير عربيتي. آه، وكنت عايزة أطلع سفرة مع أصحابي كده يومين أغير جو، آه، وكنت عايزة أعمل شوبينج يعني شويه لبس وشوزات وشنط وكده، يعني الموضوع مش كبير حسبه تلاتين أربعين ألف جنيه، بس، آه، وكنت...
قاطعها مازن قائلاً بود مفتعل:
_ طبعًا يا روحي، دانا عنيا ليكِ. كل اللي انتِ عايزاه وأكتر كمان، وأوعدك السفرة الجاية هاخدك معايا إن شاء الله، أصلاً متعرفيش الجو ممل هنا قد إيه.
عند هذه الكلمات لم تستطع كارما الصمود أكثر، فقد فرت الدموع من عينيها رغمًا عنها، فقامت بفتح باب السيارة والخروج منها، ليقرر مازن اللحاق بها، فأنهى المكالمة قائلاً بحدة:
_ يلا يا بت، انتِ من هنا! وقتك خلص معايا.
أنهى المكالمة مع روفان، التي أخذت تنظر إلى الهاتف مصدومة من ذلك المجنون.
لحق بها على الفور، وجذبها من معصمها ثم أدارها لتلتصق بباب السيارة خلفها، واضعًا كلتا يديه حولها يمنعها من الحركة.
طالعته بدهشة، وقد شعرت بنفسها فجأة تطير من مكانها وتصبح محتجزة بينه وبين باب السيارة، وهو ينظر إليها بتلك النظرات الماكرة التي تأسرها.
كان صدرها يعلو ويهبط من شدة التأثر والانفعال والصدمة، حتى انتبهت فجأة وذكرت نفسها حديثه الذي أغضبها كثيرًا، فتحاول التملص من بين يديه قائلة بغضب:
_ أوعي كده، سيبني.
لم يسمح لها بالابتعاد عنه، بل قام بتكبيلها بيد، وبالأخرى أدار رأسها إليه، ومد إصبعه ليزيل عبراتها التي تنهمر على خديها.
حاولت هي التملص مرة ثانية، فاحكم الخناق حولها، وهو يقول بنبرة مثيرة:
_ اششش... اهدي.
هدأت بفعل نظراته وهمساته على وجهها، التي جعلتها تحبس أنفاسها، ليقول بمكر:
_ غيرتي؟
_ لا طبعًا.
قالتها بانفعال، فقد أبت عليها كرامتها أن يرى حالتها ويفهم بأنها تغار عليه بجنون.
فابتسم على مظهرها وقال يعاندها:
_ لا، غيرتي وأوي كمان، عشان بتحبيني.
أوشكت على الحديث، فوضع يديه أمام شفتيها وقال بقوة:
_ وأنا بعشقك.
هدهدتها كلماته، ودغدغت حواسها، وشعرت بأن الفراشات تحلّق في معدتها، والخجل يغزو ملامحها الفاتنة.
فأخذ يتشرب كل إنش بوجهها الذي يعشقه، وقال بتأكيد:
_ إيه يا كارما، بعشقك وبغير عليكِ من الهوى الطائر.
تفاجأت من كلماته وقالت باندهاش:
_ بتغير عليا من مين يا مجنون؟ من أخويا!
تغيرت ملامحها، وقال بحدة:
_ ماهو لو انتِ بتتمنيلي على عينك تتعاملي معاه عادي، كنت قولت مفيش مشكلة، إنما سيادتك مبتبطليش دلع ومرقعة معاه، وأنا قفص جوّافه واقف.
تعالت ضحكاتها بدلال على حديثه وغيرته، فزادتها الضحكة جمالًا، فاقترب أكثر منها، وهو يقول بهسيس خشن:
_ الدلع دا ميبقاش غير معايا أنا بس فاهمه؟
أجابته بنبرة هائمة:
_ فاهمه.
زاد من اقترابه منها، وقد أنست تلك الفاتنة كل شيء حوله، فقال بحب:
_ طب، بحبك.
ضاع ثباتها أمام إعلانه الصريح لحبها، فهمست بوله:
_ طب، بموت فيك.
فجأة صدح صوت غرام المعتاد من خلفهم، فانتزعهم من دوامة العشق التي كانت تجرفهم في تيارها:
_ دا انتوا لو حالفين تتقفشوا بفعل فاضح في الطريق العام، انتِ وهي مش هتعملوا كده.
شهقت كارما بذعر من حديث غرام، بينما استغفر مازن بداخله وقام بالعد للعشرة قبل أن يلتفت إليها بغضب قائلًا:
_ هو انتوا بتطلعولي منين هاه؟ عايز أعرف انتِ وأخوكي عملتوا زي العمل الردي دا؟
أجابته غرام باستفزاز:
_ اعمل حسابك أننا بنطلع من كل حتة ممكن تتخيلها أو مش تتخيلها. أمال نسيبك تستفرد بالبت اللي حيلتنا؟ اه، ماهو أن غاب القط العب يا فار.
نظر إليها مازن وقال بمكر:
_ اه، ماهو الفار شكله لعب صح؟ وبعد ما كنا شبه الأرامل، أحلوينا اهوة وحطينا روج.
أنهى مازن حديثه بغمزة، ارتبكت على إثرها غرام، لكنها حاولت الإخفاء، فتوجهت إلى حيث مقعدها وهي تقول بحدة:
_ أنا طول عمري حلوة يا خفيف، وقول للفار يحاسب أحسن قطة تخربشه.
نظرت كارما إليهم بعدم فهم، قائلة:
_ فار إيه وقطه إيه؟ هي غرام تقصد إيه؟ وبعدين هي عملت إيه جوا وطلعت؟
_ دخلت، حطت روج وطلعت.
ألقى مازن كلماته بمزاح، وسرعان ما قطب جبينه وقال باستفهام:
_ بس إزاي الفار لعب والروج لسه في مكانه؟
فقالت كارما بغباء:
_ وإيه علاقة الفار بالروج؟
نظر مازن إلى ضفتي التوت خاصتها وقال بتمني:
_ والله هموت وأشرحلك، بس للأسف لو عملت كده فعلًا هيبقى فعل فاضح في الطريق العام. اركبي ربنا يهون عليا ونتجوز بقى.
توجه كلاهما إلى مقعده، وانطلق مازن في طريقه إلى القاهرة، حيث ستتغير هناك حياتهم كثيرًا.
********
تقع المرأة في حب الرجل الحنون، وتعجب بالوسيم، ويأسرها القوي، لكن هناك رجل واحد يستطيع أن يجعلها تترك العالم كله لأجله، وهو ذلك الذي يُشعرها بالأمان. فما أن يطمئن قلبها حتى تخضع له جميع حواسها، معلنة استسلامها لطوفان العشق.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
أمسك يوسف بكف كاميليا وقربه منه، يَلثمه برقة قبل أن يقول بحب:
_ هسمع كل اللي عندك، بس قبل ما تقولي حاجة، عايز أقولك إني عمري ما أقدر أبعد عنك، وإنّي في ضهرك دايمًا، ولو خُفتِ من الدنيا كلها، متخافيش مني. اتفقنا؟
نظرت إليه وقلبها يملؤه الامتنان على وجود هذا الرجل في حياتها؛ فهو قادر على أن يحتوي ضعفها، حزنها، ألمها، ويبدل كل هذا إلى شعور جارف بالأمان، يجعلها تتمنى أن تظل بجانبه إلى الأبد. فأعظم ما يمكن أن يقدمه رجل لإمرأته هو شعور الأمان، فعندها فقط تشعر بأنها في المكان الصحيح.
أومأت برأسها قبل أن تقول بلهجة عاشقة:
_ اتفقنا.
ما أن همت بالحديث حتى أوقفتها تلك النقرات على باب الغرفة، تلتها دخول نيفين، التي ما إن رأت أيديهم المتشابكة حتى انهشت الغيرة أحشائها، لكنها حاولت إخفاء ذلك وقالت باعتذار زائف:
_ آسفة، دخلت كده. مكنتش أعرف إنك معاك حد.
أجابها يوسف بفظاظة:
_ ولا يهمك. تعالي، كنتي عايزة إيه؟
ضغطت على كلماتها بشدة، وهي تنظر إلى كاميليا بنظرات يملؤها التحدي، وقالت بلهجة حزينة:
_ كنت جاية أحكي معاك شويه، بما أنك قولتلي إنك أخويا الكبير، وأي حاجة مضايقاني أجيلك على طول. بس خلاص، مش مشكلة، أجيلك وقت تاني تكون لوحدك.
أشعلت كلماتها نيران الغضب في داخل كاميليا؛ فأي حديث يمكن أن يكون بين تلك الأفعى وحبيبها، فاقتربت منه على نحو خطر لتحتويها يديه التي التفتت حولها، وقالت بهدوء مفتعل:
_ لا يا نيفين، وقت تاني؟ إيه اللي تيجي فيه؟ مفيش حد غريب، ده أنا مرات أخوكي الكبير، ولا إيه يا جو؟
وجهت استفسارها إليه وهي تلقي بسهام التحدي من نظراتها، وقد فهم ما ترمي إليه فحاول قمع ضحكاته بصعوبة وقال بلهجة متزنة:
_ أكيد يا كاميليا، ونيفين عارفة ده كويس، ولا إيه؟
ابتلعت نيفين ريقها بصعوبة حين قال استفهامه الأخير وهو يناظرها؛ فقد وجه كلماته إلى منتصف قلبها المفعم بالكره والغيرة، لكنها أتقنت تمثيل دورها وقالت بخنوع ولهجة خافتة:
_ طبعًا يا أبية، يوسف عارف. بس بعد إذن مرات أخويا الكبير، هاجي في وقت تاني، أفضل الكلام يكون بيني وبينك عن إذنكوا.
ألقت كلماتها التي أصابت منتصف الهدف وخرجت، تاركة تلك التي تشتعل خلفها من الغضب والغيرة، لتلتف تريد أن تصب جام غضبها عليه، ففاجأها حين ابتلع حروفها الغاضبة وثورتها العارمة، كأنه أراد اقتلاع هلاوسها من جذورها ليطيح بكامل ثباتها، حتى جعل كل غضبها و غيرتها تتبخر في الهواء. فقد كان السحر الذي يمارسه ذلك الرجل عليها يهلك جميع حواسها ويجعلها تنسى كل شيء حولها عدا انتمائها إليه.
طال قربهما كثيرًا حتى أن قدميها لم تعد تقويان على حملها، ليكن هو السند والمتكيء، يقربها منه أكثر، وهو يمارس فنون العبث باحترافية على سائر كيانها، فتتراجع جميع أفكارها السوداء وتنمحي بفعل زخات العشق المتساقطة على شقوق قلبها.
أخيرًا فصل اقترابهما بعد أن شعر بأنها تكاد تختنق، ليقرب رأسها من موضع قلبه الذي كان يدق بجنون، وكل دقة وكأنها اعتراف مفصل بعشقه لها.
اتكأت فوق قلبه، تلهث من فرط الجنون والعشق الذي يملأ صدرها، وكل تلك المشاعر التي أثارها قربه.
قطع صمتهم حين قال بصوت أجش:
_ هديتي؟
رفعت رأسها تطالعه وقد شعرت بشرارة الغضب في طريقها للاشتعال، فقالت بتأثر:
_ انت عملت كده عشان أسكت وأنسى كلام نيفين، صح؟
كانت نظراته تضخ العشق على كامل ملامح وجهها، وجاءت لهجته شغوفة حين قال:
_ أقولك على سر؟
لم تقوَ على النطق، فقد كبلتها نظراته وأسرتها، فاكتفت بإيماء رأسها ليبتسم قائلاً ببهه مثيرة تليق كثيرًا بكلماته الرائعة:
_ بعشق ملامحك وأنتِ غيرانة أوي. بحب لمعة عنيكِ، والنار اللي بتقييد فيها لما بتكوني غيرانة عليا، ولما بتكشري بغيظ كده، بكون عايز أكلك.
كانت كلماته كفيلة بجعل قلبها ينتفض بجنون داخلها، حتى شعرت بأنه على وشك الانفجار بفعل تلك المشاعر التي اجتاحته كطوفان لم تستطع السيطرة عليه. فجف حلقها ولم تقوَ على التفوه بحرف، فبللت حلقها بطرف لسانها، تلك الحركة التلقائية التي أثارت جنونه مرة أخرى، فقال بنبرة موقدة:
_ إنتِ مُصرة تخليني أكلك فعلاً.
ما أن أوشك على نيل مأربه منها حتى قاطعه رنين هاتفه، فتنفست كاميليا الصعداء، فهي ليس لديها القدرة ولا الرغبة على مقاومة جنون عشقه، لينقذها رنين الهاتف الذي جعله يرغب ويذبد، وهو يلتقطه قائلاً بغضب:
_ إيه يا زفت؟ عايز إيه؟
تفاجأ مازن من غضبه فقال بإندهاش:
_ إيه يا ابني، انت في إيه؟ بتهب في التليفون ليه كده؟
زمجر غاضبًا:
_ عشان بتتصل في أوقات زي وشك. أنجز، عايز إيه؟
صاح مازن مذهولًا:
_ مش انت يا ابني اللي قولتلي أقولك لما نقرب نوصل عشان تخلي كاميليا تروح تقابل البنات؟
تذكر أنه بالفعل قد طلب منه ذلك، ليفاجأ بالخبر الذي سيفرحها كثيرًا، لكن تلك اللحظات السابقة التي عاشها من جنون معها أنسته كل شيء، فقال باختصار:
_ انتوا فين؟
أجابه مازن حانقًا:
_ فاضلنا ساعة و نوصل.
_ طيب روح انت دلوقتي.
أغلق الهاتف ثم وجه أنظاره إليها ليجدها تنظر في جميع الاتجاهات ماعدا تجاهه، فقام بإدارة رأسها إليه واقترب منها ناظرًا في عينيها وهو يقول بحب:
_ علي والحاجة فاطمة والبنات على وصول. جايين عشان يعيشوا هنا في القاهرة مع جدهم.
صُدمت كثيرًا من الخبر، وسرعان ما تحولت صدمتها إلى فرحة عارمة، فقالت بلهفة:
_ بجد يا يوسف؟
أجابها يوسف بحب، فقد اشتاق لرؤيتها فرحة بهذا الشكل:
_ بجد يا روح يوسف.
انطلقت تحتويه بقوة تُغبر عن فرحتها التي تجلت في نبرتها، وهي تقول:
_ دا أحلى خبر سمعته في حياتي.
لكن سرعان ما قطبت جبينها وقالت باستغراب:
_ بس إزاي؟ دانا يكلمهم كل يوم ومحدش قالي حاجة.
يوسف بمكر:
_ أنا نبهت عليهم، محدش يجبلك سيرة عشان تبقى مفاجأة.
_ أحلى مفاجأة في الدنيا.
يوسف بحبور:
_ المفاجأة الأحلى بقى أننا عازمينهم عندنا على العشا بكرة بالليل، وهخلي السواق يوصلك عشان تروحي تسلمي عليهم.
_ دا أحلى يوم في حياتي.
شدد من تطويقها قائلاً بحنو:
_ ربنا يقدرني وأقدر أسعدك دايمًا.
طالعت كاميليا إليه بحب خالط نبرتها حين قالت:
_ انت بس خليك جمبي وأنا هبقى أسعد واحدة في الدنيا.
تشابه المكر في عينيه ونبرته حين قال:
_ يعني مش لسه متغاظة ولا متضايقة؟
نظرت إليه بشغف، وقد آثرت ألا تكون أنانية ولن تكون عبئًا آخر عليه، وتركه يدير شؤون العائلة كما يحلو له، وهي على ثقة بأنها وحدها من تمتلك قلبه، فقالت بلهجة هادئة:
_ مش هقدر أبقى أنانية يا يوسف وأحتكرك لي لوحدي، كفاية أني عارفة أن قلبك معايا أنا.
رفع يوسف حاجبه باستنكار لحديثها، قائلاً بحدة:
_ لا يا كاميليا، خليكِ أنانية معايا وأنانية أوي كمان، وأنا موافق إنك تحتكريني ليكِ لوحدك، بس اللي مش موافق عليه إنك تقبلي بوجعك وتكمتيه جواكِ عشان أي حاجة أو أي حد في الدنيا.
وكانت كلماته إذنًا لدموعها أن تسيل، والتي كانت تؤجلها لحين أن تختلي بنفسها، فقد كانت تعلم أن قرارها هذا سيعذبها كثيرًا:
_ مش أنا المفروض مراتك. يبقى أنا اللي أخفف عنك، مش اللي أزود عليك همك. نيفين فرد من العيلة المفروض انت كبيرها، وهي ملزمة منك في غياب عمو مراد.
قاطعها يوسف بجفاء:
_ غلط. تفكيرك ده غلط. عمر وجعك وحزنك ما هيخفف عني أبدًا. لازم تعرفي إنك رقم واحد عندي، وبالنسبة لنيفين أنا بعتبرها زيها زي روفان، وعمري ما هعتبرها غير كده، وإن كنت قولتلها إني زي أخوها الكبير، ده عشان تقطع أي أمل من ناحيتي خالص وتبدأ تفكر في حياتها ومستقبلها.
صمت لثوانٍ قبل أن يُتابع بتصميم:
_ وعمّو مراد كفاية هروب، لازم يكون موجود جمب ولاده، هما أكتر ناس محتاجينه، وأنا هتكلم معاه في أقرب وقت.
كانت كلماته كالعادة بلسم جروحها ودواء لعلاتها، لكن فضول الأنثى العاشقة بداخلها أبى التسليم، فقالت بخفوت:
_ يعني أفهم من كده إنك مش هنتكلم مع نيفين وأنا مش موجودة؟
لاحت ابتسامة ماكرة على شفتيه من غيرتها، التي ترهقه كثيرًا، فكوب وجهها بكفوفه قائلاً بلهجة حانية:
_ لا يا كاميليا، هتكلم معاها لو جت تتكلم معايا تاني، بس انتِ عارفة وحافظة إن مفيش ست في الدنيا تقدر تهز فيا شعرة غيرك، ولو انتِ حابة تبقي موجودة، أنا معنديش مانع.
اتسعت ابتسامتها كثيرًا وقالت بحب:
_ عارفة كل لحظة بتعدي عليا معاك بتأكد إنّي اخترت صح وإنك أحسن راجل في الدنيا. دانا اختصرت فيك رجال الدنيا دي كلها.
لمست كلماتها أوتار قلبه المتيم بعشقها، لكن شوقه لها يرهقه كثيرًا، فأسنّد جبهته فوق خاصتها وأطلق تنهيدة حارقة قبل أن يقول بصوت أجش:
_ لو تعرفي بعشقك قد إيه؟
أغمضت عينيها وهي ذائبة في بحور عشقه.
_ عرفني.
يوسف بتعب:
_ هينتهي بينا الحال وانتِ مراتي فعلًا يا كاميليا، وأنا مش هقدر أعمل ده غير لما أعملك الفرح اللي يليق بيكِ والناس كلها تشهد على حبنا.
فطنت إلى المغزى المبطن خلف كلماته، مما جعل الاحمرار يغزو خديها والخجل يغمرها، لكن تدخل رنين الهاتف أنقذها للمرة الثانية، مما جعله يشكر ربه كثيرًا، فهو في تلك اللحظة كان على شفير الاستسلام لسحرها، وهذا أكثر شيء لا يريد الآن، قبل أن يتخلص من جميع العقبات التي تواجههم.
انسلت من جانبه هاربة لتخرج من باب الغرفة وتغلق الباب خلفها، وصدرها يعلو ويهبط من فرط الانفعال، لتتفاجأ بهذا الصوت الماكر وهو يقول:
_ ممكن أعرف كان بيحصل إيه جوا؟
يتبع....
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الرابع وثلاثون 34 - بقلم نورهان العشري
الوجه الثالث و الثلاثون للعشق 🌹
كتبت غادة السمان لغسان كنفاني: "أعلم أنك تفتقدني لكنك لا تبحث عني، وإنك تحبني ولا تُخبرني، وستظل كما أنت، صمتك يقتلني."
جاء رد غسان: "ولكنني متأكد من شيء واحد على الأقل، هو قيمتك عندي، كل ما بداخلي يندفع لك بشراهة، لكن مظهري ثابت."
فكتبت له غاده: "لا يعنيني شعورك العظيم الذي تكنهُ لي، إن كنت تتصرف على عكسهُ تمامًا."
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
_ ممكن أعرف إيه اللي كان بيحصل جوا؟
شهقت كاميليا بفزع إثر هذا الصوت الذي أخافها، ولكن سرعان ما تحوّل فزعها إلى غضب شديد وهي ترى روفان تنفجر في الضحك على مظهرها المرتعب لتقول من بين ضحكاتها:
_ يخربيت الضحك. نفسي أصوّرك دلوقتي وأوريكِ شكلك عامل إزاي؟
اقتربت منها كاميليا قائلة بغضب:
_ تصدّقي إنك عَيِّلة غبية؟ خوّفتيني.
تابعت روفان حديثها قائلة باستفزاز:
_ يا جبانة.
_ جبانة في عينِك! فكرتك طنط صفية.
استنكرت روفان حديثها قائلة:
_ طنط صفية برضو؟ ولا خوّفتي لا تكون الحيزابونة أو بنتها؟
أجابتها كاميليا بصدق:
_ الصراحة هما الاتنين يِرعبوا بلد، وخصوصًا إن بنتها كانت لسه جوا في المكتب، وعينيها بتطّق شرار.
قهقهت روفان على حديثها قائلة بمرح:
_ آه مانا شوفتها طالعة من المكتب جري كإن في شياطين بتجري وراها.
قطعت روفان حديثها ثم نظرت لكاميليا بنصف عين وقالت متخابثة:
_ ألا قوليلي يا كامي... هي نيفين شافت إيه جوا خلاها كانت هتموت كده؟
ارتبكت كاميليا قليلًا وقالت متلعثمة:
_ إيه هتكون شافت إيه يعني؟
أجابتها روفان بمكر:
_ اللي شافته وجننها... هو نفسه اللي خلاكِ طالعة من جوا جري مش قادرة تاخدي نفسك، يا عيني! وعمالة تحمّري وتخضّري وتصفّري كده. قوليلي قوليلي... دانا ستر وغطا عليكي برضو.
ارتبكت من حديث روفان ونظراتها، ولكنها أرادت قلب الأدوار فقالت بمكر:
_ من عنيا يا روفي طبعًا هقولّك، هو أنا ليا غيرك؟ بس معلش أنا مشغولة دلوقتي... أصل خالتو فاطمة وعلي... هاه علي، وكارما، وغرام جايين من الإسكندرية، وزمانهم على وصول، والمفروض إني أجهّز عشان أروح أسلّم عليهم. ولما أرجع بقى هبقى أقولّك حصل إيه.
قالت الأخيرة بشماتة ثم توجهت إلى الأعلى، ولكن سرعان ما تبعتها روفان مهرولة وهي تصيح باستعطاف:
_ كاااامي! قلبي وروحي! صاحبي اللي ماليش غيره!
توقفت كاميليا ما أن أمسكت بمعصمها يدُ روفان لتُديرها ناظرةً إليها باستعطاف، فبادلتها كاميليا بنظرات متعالية ونبرة تُشبهها:
_ أممممم... دلوقتي بقيتِ صاحبتي؟ مش كنتِ من شوية مِيّتة على نفسك من الضحك وشمتانة فيّ؟
أجابتها روفان باستنكار:
_ أنا يا بنتي؟ طب إن شاء الله أعدِمك لو كنت بضحك عليكِ! دانا كنت بضحك على شكل البت نيفين وهي خارجة زي القطر كده.
_ لا والله؟ وأنا الهبلة اللي صدّقتك، صح؟
اغتاظت روفان من عدم تصديق كاميليا لحديثها فقالت بغضب:
_ بِتّ! إنتِ بقولّك إيه؟ مانا هاجي معاكي يعني هاجي معاكي. ذوق عافية هاجي معاكي!
ضحكت كاميليا على حديثها وقالت بإندهاش:
_ دانِتِ واقعة بقى!
روفان بتلعثم:
_ إيه! إنتِ تقصدي إيه؟ أوعي تكوني مفكراني هموت وأروح عشان ابن خالتك القمر ده! لا طبعًا. أنا رايحة عشان أسلّم على بنات خالتك وأصاحبهم... يا حرام دول لسه جايين هنا، ومالهمش صحاب، ونتخلى عنهم يعني؟
كاميليا بسخرية:
_ آه يا عيني... وأنا اللي كنت ظالماكي!
أوشكت روفان على الحديث ليقاطعها دخول أدهم من باب القصر، الذي ما إن شاهدهما حتى اقترب قائلًا بعجالة:
_ يوسف هنا ولا في الشركة؟
أجابته روفان بسخرية:
_ الله يسلمك يا أدهم يا حبيبي! تصدّق وحشتني؟ وأنا كمان كويسة... وماما كويسة الحمد لله... وإنت إيه أخبارك؟ إن شاء الله تكون بخير؟
طالعها أدهم باستهزاء قائلًا:
_ أنجزي، يوسف فين؟
أشارت له روفان إلى غرفة المكتب، فأومأ برأسه ثم وجّه أنظارًا مترقّبة إلى كاميليا التي كانت تطالعه بغضب لم يَخفَ عليه، فقال:
_ كاميليا... عايزِك في موضوع.
أجابته بلامبالاة:
_ مش فاضية، ورايا مشوار. وبعدين وفّر على نفسك أي كلام عايز تقوله عشان مالوش لازمة.
زفر حانقًا قبل أن يقول بسخط:
_ كاميليا... ورحمة أمّك ما تشتغليني! قولتلك عايزك في موضوع.
تدخلت روفان قائلة بفضول:
_ موضوع إيه؟ هااه؟
أدهم بحَنَق:
_ مالكيش فيه! هتنجزي؟ نخلص نقول الكلمتين ولا لأ؟
طالعته كاميليا بشماتة قائلة:
_ لما أرجع من مشواري.
أنهت حديثها ثم توجهت إلى غرفتها، تاركة أدهم يشتعل غيظًا، جعله يصيح بانفعال:
_ ومشوار الست هانم ده هيخلّص إمتى؟
أجابته روفان بثرثرة:
_ لااا... انسى إنك تكلّمها النهارده! أصلها يا سيدي رايحة تقابل ولاد خالتها اللي جايين النهارده من الإسكندرية عشان يعيشوا في القاهرة.
ما إن أنهت حديثها حتى لمعت عينا أدهم بوميض الفرح، فها هو القدَر يهيّئ له فرصة ذهبية لرؤيتها دون أن يتدخل، فقال بمكر:
_ عشان كده الست كاميليا كانت عمالة تتفرد وتتنّي عليّا... ماشي يا كاميليا، أما وريّتك.
روفان بقهر:
_ أيوه! وبتتفرّد وتتنّي عليّا أنا كمان! ومش راضية تاخدني معاها!
لمعت عيناه بوميض المكر ثم نظر إلى روفان قائلًا بحماس:
_ ولا تزعلي نفسك! اطلعي البسي يالا، وأنا هودّيكوا.
روفان بلهفة:
_ بجد يا أدهم؟
_ طبعًا بجد! ما تخلّقش لسه اللي يزعّل روفان الحسيني وأنا موجود. يالا روحي البسي.
_ بصّ... هو أنا حاسة إنك مش عامل كده لله في لله، ومتاكدة إنك ليك مصلحة... الله وأعلم إيه هي! بس أنا ناوية أعمل عبيطة وأصدقك.
ما إن أوشك أدهم على الرد حتى وضعت كفها أمام شفتيه تمنعه من الحديث قائلة بمزاح:
_ والله ما انتَ شاتم ولا معكّر دمَّك... أنا أوزعة! ولساني متبرّي مني! هروح ألبس وأجيلك.
اختتمت حديثها ثم فرت إلى غرفتها، وتركته وقد عزم الأمر على التحدث مع أخيه وفضّ ذلك الخلاف بينهما، فتوجه إلى غرفة المكتب وطرق الباب ثم فتحه ليجد يوسف الذي كان يتحدث في الهاتف تلك المحادثات السرية التي كان أدهم يلاحظها كثيرًا في الفترة الماضية، ولكنه لم يسأل عنها؛ فهو يعرف طبع أخيه الكتوم، والذي حتمًا لن يخبره.
تقدم إلى الداخل، وقبل أن يبدأ الحديث بادره يوسف الذي أنهى مكالمته سريعًا وألقى ملفًا مغلقًا أمامه. تناوله أدهم وشرع في فتحه وتصفحه سريعًا ثم قال باستغراب:
_ مش المفروض الملف ده يكون معاك؟
يوسف بفظاظة:
_ لا. هتروح بُكرة إنت ورائد. أنا ورايا حاجات مهمة.
أدهم بإندهاش:
_ بس المناقصة دي تقريبًا من أهم المناقصات في تاريخ الشركة! وخصوصًا إنك شايف وضعنا بعد ما خسرنا المناقصتين اللي فاتوا.
يوسف بسخرية:
_ كويس والله إنك عارف وضعنا.
زفر أدهم بيأس ثم قال بنبرة صادقة:
_ أنا آسف يا يوسف.
يوسف بجفاء:
_ الأسف ده في المكان الغلط يا أدهم.
_ عارف إني غلطت يا يوسف، وأوعدك أصلّح غلطتي. بس أهم حاجة عندي إنك تسامحني.
يوسف بفظاظة:
_ حياتك الشخصية متهمّنيش، بس بنت الناس مش هسمحلك تأذيها تاني ولا تقرّب منها حتى.
أدهم برجاء:
_ يوسف! ورحمة أبوك ما تعمل معايا كده... أنت أكتر واحد في الدنيا عارفني. ده انت اللي مربّيني.
تنهد يائسًا قبل أن يقول بنبرة معاتِبة:
_ أنا رَبّيتك تكون راجل... تقف جنب الناس وتساعدهم. مش إنت اللي تظلمهم.
أدهم بندم:
_ والله أنا بحبها... لا ده أنا ما حبيتش غيرها أصلًا. وعارف إني غلطت غلطة كبيرة، ومستعد أعمل أي حاجة في الدنيا عشان أصلّحها.
يوسف بنفاد صبر:
_ ماشي يا أدهم... سيب الموضوع ده دلوقتي. خلينا في المهم. المناقصة دي مينفعش تضيع مننا. أنا داخل فيها بتقيل. من غيرها مش هنقدر نتمّم الصفقة مع الألمان.
أدهم بثقة:
_ متقلقش، إن شاء الله هترسي علينا. أصلًا إنت مقدّم سعر استحالة حد يتوقعه. خلاص بقى سامح أخوك.
_ إنت عارف هسامحك إمتى... ويالا من غير كلام كتير عشان معايا تليفون مهم.
أدهم بمزاح:
_ معرفش ليه قلبي بيقولّي إنك بتخون كاميليا!
لم يتجاوب يوسف معه، بل رفع أحد حاجبيه بمعنى "إلى الخارج"، فانسحب أدهم، ثم وصل إلى باب الغرفة قائلًا:
_ بقولك إيه... خلي عم عبده هنا. أنا هوصّل كاميليا وروفان لبيت السباعي بيه.
أومأ إليه بمعنى نعم، ثم أجاب على مكالمته بعد أن تأكد من خروج أدهم.
**********
كان رائد في عالم آخر ما بين والدته، التي منذ آخر حديث بينهم وانهيارها بين يديه وهي حالتها غير مستقرة. دائمًا ما تكون نائمة، وأحيانًا تدّعي النوم. لا يدري ماذا حدث لها؟ ولماذا انهارت بهذا الشكل عندما ذكر لها اسم عمه؟ وأيضًا حديثها المزعوم عن براءة تلك العائلة من كل تلك الأحداث التي تسببت في تسميم حياته...
فكيف يكون ذلك صحيحًا وهو قد رأى أباه يُقتل على يد عامر الحسيني؟ كيف يمكن أن يكون للقصة أبعاد أخرى؟
نجحت والدته في زرع بُذور الشك في عقله تجاه عمه، حتى ولو لم تكن تقصد ذلك، ولكنه يحتاج إلى أن يكتشف ماهية حقيقته، خاصةً وهو يعلم بأن راغب يخفي أكثر مما يُفصح، ويشعر بأن هناك شيئًا خفيًّا يجعله يريد الانتقام من تلك العائلة، ولأجل ذلك يسانده؛ لأن هدفهما واحد، ولهذا يحتاج ألّا يخسره في مثل هذا الوقت...
قاطع تفكيره رنين هاتفه السري.
_ أيوه يا فايز.
_ إيه يا رائد؟ انت فين؟ بحاول أوصلك بقالي كتير وانت مش هنا. انت ناسي إن عندنا مناقصة مهمة بكرة ولا إيه؟
رائد بنفاد صبر:
_ لا مش ناسي... بس كمان انت معاك نسخة من ملف المناقصة اللي يوسف هيقدّمه، وكل حاجة مترتّبة. يبقى ليه وجع الدماغ بقى؟
فايز بغضب:
_ عشان ده يوسف الحسيني يا رائد! يعني تِعلِب ومحدّش يقدر يجيب دماغه! ودي أهم مناقصة لشركته. لو خسرها يبقى راح في ستين داهية، ونبقى ضربناه في مقتل... وانت قاعد مكبّر دماغك وحاطط في بطنك بطيخة صيفي!
رائد بملل:
_ تقريبًا كل الكلام ده أنا عارفه... وضيف عليه إن كده نبقى طيّرنا منه صفقة الألمان كمان. إيه بقى اللي شاغلك؟ تكون قلقان عليه ولا حاجة؟
استشاط فايز غضبًا وصاح بانفعال:
_ يا بني آدم افهم! أنا خايف ليكون مجهّزلنا مصيبة. ما هو مش معقول يوقّع كده بسهولة!
رائد بحنق:
_ هي فين السهولة دي؟ ده أنا طلع عين أهلي عشان أجيب الورق ده! تقولي سهولة؟! وبعدين خوفك لا هيقدّم ولا هيأخّر. يا ريت تريح دماغك من الأوهام دي، وتفكّر في مناقصة بكرة... وتسبّني عشان مش رايق لك. سلام.
أغلق رائد الخط، وأخذ يفرك وجهه بيديه؛ فقد أرهقته كل هذه المؤامرات والخطط. يريد أن ينهيها واحدة تلو الأخرى، فقد سئم كل هذا الخداع. يريد أن يطفئ نيرانه كي يستعيد ما تبقّى من حياته مع والدته في سلام بعد أن يأخذ ثأر والده، حتى تطمئن روحه المعذّبة...
هكذا أقنع نفسه، ولم يستطع الاعتراف بأن الشوق للغائب كاد يفتك به وبقلبه. فقدها... تلك التي كانت بمثابة شعاع من الضوء يتسرب إلى قلبه من بين كل الظلمات المحيطة به. فقد أبى كبرياؤه الاعتراف بأن راحته لن تتحقق بدونها، وبأنها أمله الوحيد للنجاة من كل ذلك العذاب... ولكنها ذهبت دون أن ترفق بذلك القلب الذي يكاد يقتله شوقه لها...
**********
_ والله يا حبيبي مش عارفة أعمل إيه. مراد هنا، والزفت اللي اسمه رحيم ده كإنّ حد مسلّطه عليّا وممانعني أخرج غير بسين وجيم. كل الحجج اللي عندي خلصت خلاص. أقولّه هخرج إزاي؟
_ ماليش فيه يا سميرة. قولتلك عايز أشوفك النهاردة.
_ مستحيل هعرف أخرج النهاردة إلا لو حصلت معجزة. معرفش... حاسّة إن مراد شاكك فيّا، بيبصّلي بُصّات مش مريحة.
الشخص الآخر بملل:
_ خلاص يا سميرة... مش طالبة معايا أسمع سيرة الزفت ده.
_ طب اقفل دلوقتي، وهشوف هعرف أعمل إيه... وهكلّمك.
أنهت سميرة محادثتها، وأخذت تنظر إلى النافذة تفكّر في طريقة تُمكّنها من الخروج دون أن يعلم كلا من رحيم أو مراد، فقطع تفكيرها طرقات على الباب، فالتفتت قائلة:
_ مين؟
_ ممكن أدخل؟
نظرت سميرة إلى نيفين التي تقف أمام باب الغرفة مطأطِئة الرأس، تُظهر على وجهها كل ملامح الاعتذار والخجل، فطالعتها سميرة باستهزاء قائلة:
_ وده من إمتى الأدب ده كله!
تقدّمت نيفين بخطوات بطيئة إلى داخل الغرفة بعد أن أغلقت الباب خلفها، ثم نظرت إلى سميرة قائلة بنبرة خافتة:
_ عايزة أتكلم معاكِ شوية.
طالعتها سميرة بشك، ثم تقدّمت وجلست على الأريكة واضعة قدمًا فوق الأخرى، وقالت بملل:
_ قولي اللي عندِك يا نيفين، وبلاش الحركات دي معايا.
اقتربت نيفين منها بحنق، قائلة بلهجة قوية تتنافى تمامًا مع لهجتها السابقة:
_ بصّي بقى يا ماما... أنا مبقتش قادرة أتحمّل. إحنا مش هنفضل عايشين بالطريقة دي طول حياتنا.
سميرة بسخرية:
_ ومالها حياتنا يا عين أمّك؟
_ أقصد حياتك إنتِ وبابا. هتفضلوا العمر كله كده؟
_ وإيه الجديد؟ ما إنتِ من يوم ما وعيتي على الدنيا وهو كده.
نيفين بغضب:
_ وبعدين؟! هتفضل كده لآخر حياتنا يعني؟ يا ماما إنتِ صعبانة عليّا... حياتِك وشبابِك اللي بيتدفنوا وإنتِ لسه حلوة وفي عزّ شبابك.
سميرة باستهزاء:
_ صعبانة عليكِ! ومصعبِتش عليكِ لما رحتي لزقتي في ابن ضرّتي عشان تقرّبي من روفان وتصاحبيها؟ ولا لما أبوكي ضربني علقة موت بسببك؟! جاية أصعب عليكِ دلوقتي؟ بتخططي لإيه على قفايا يا نيفين؟
نيفين بمكر:
_ ما هو إنتِ اللي مفهمتينيش يا ماما... وقعدتي تزعّقي وتِبهدلي الدنيا من غير ما تسمعيني ولا تدّيني فرصة أشرحلك خطتي.
سميرة بشك:
_ خطة إيه دي إن شاء الله؟
_ إحنا لازم نخلي بابا في جيبنا... خصوصًا بعد ما طلعنا زين ده من تحت الأرض. كده تلتين ثروته هيروح له بما إنه الولد، وطبعًا إحنا مش لازم نسكت على الكلام ده.
سميرة بسخرية:
_ لا والله! لسه واخدة بالك دلوقتي؟! أمال أنا كنت هتجنّن ليه وحاولت أخلّص منه وأطلّعه بره البيت؟
_ وإنتِ بالجنان هتعرفي تطلّعيه بره البيت؟
سميرة باستفهام:
_ قصدِك إيه؟
نيفين بتخابث:
_ قصدي إننا لازم نخلّص منه... يعني ميكونش له أثر.
شهقت سميرة بفزع:
_ قصدك نقتله؟! إنتِ أكيد اتجننتي!
_ مش بالضبط... إحنا بس هنهيّئ له الظروف اللي تخلّيه يروح في داهية ويغور من حياتنا.
سميرة بسخرية:
_ وإنتِ فاكرة إن الواد ده لو جراله حاجة، مراد هيسيبنا في حالنا؟ ده إحنا أول ناس هيشك فيهم!
نيفين وقد وصلت للنقطة اللي عايزاها، قالت بمكر:
_ ما هي دي الخطة اللي أنا برسم لها... وعلشان كده لازم نتعامل معاه كويس، ونمثّل إننا بنحبّه، وإنك يا عيني تقبّلتي وجوده. بحيث لو حصل حاجة... نبقى إحنا برّه الليلة.
سميرة باقتناع:
_ طب وده هيحصل إزاي؟
_ بصّي يا ستي... أنا عايزاكِ تبدي الأول تحسّني علاقتك ببابا، وتعيشوا مع بعض زي أي زوجين.
سميرة بقهر:
_ ده عشم إبليس في الجنة... مراد مبيكرهش قدّي في الدنيا.
نيفين بإقناع:
_ بس راجل بالنهاية... واللي كان بيسيبه ويروح لها ماتت وغارت في داهية، والساحة فضيتلك. إنتِ بقى استغلي النقطة دي.
_ يعني أعمل إيه؟
_ يعني مثلًا كلمتين حلوين... على شوية نظرات انكسار وحزن بعد اللي عمله فيكِ، وشوية معاملة حلوة مع الواد ابنه ده. وأنا طبعًا مش هسكت... شوية "تعالوا نخرج سوا"، وشوية "ده ماما تعبانة يا بابا اطلع شوفها"، وكل شوية صدفة تخليكِ تستفردي بيه. ومعتقدش إنك مش عارفة هتعملي إيه لو جهولِك برجليه.
سميرة بلهفة:
_ هو ييجي بس... ومبقاش سميرة لو مخلّيتوش يندم ندم عمره على كل لحظة بَعِد عنّي فيها.
نيفين بمكر:
_ حلو قوي... نيجي للشغل العملي. بصّي بقى: إنتِ محتاجة تروحي للكوافير تزّبطي نفسك، وتشتري لك شوية حاجات كده من بتوع المتجوزين... علشان نظبط الأداء.
سميرة بحزن زائف:
_ طب وهخرج إزاي؟ ده إنتِ شايفة جدّك عامل عليّا حصار وممانعني من الخروج بسبب اللي حصل آخر مرة.
نيفين بتخابث:
_ سيبي الموضوع ده عليّا. أنا هغطي على غيابك... بس متتأخريش، بالكثير ساعتين تلاتة.
اتّسعت عينا سميرة فقد وجدت حلًّا لمعضلتها أخيرًا، وقالت بلهفة:
_ عيب عليكي يا نيفو... قبل كده هكون عندِك.
هكذا قالت سميرة، لكنها تذكرت شيئًا آخر، فقالت بغيظ:
_ طب وصفية دي؟ ما بتخبيش عن جدّك دَبّة النملة؟
_ لا... دي متقلقيش منها خالص، سيبيها عليّا. يلا... أنا هقوم أروح لجدي، وإنتِ بقى جهزي نفسك ومتتأخريش. آه... ومتنسيش تتوصّي بمراد بيه الحسيني... عايزينه ينسى اسمه.
أتبعَت نيفين حديثها بغمزة جعلت سميرة تبتسم بخبث على سذاجتها، ثم بعد خروجها قامت بإجراء مكالمة هاتفية:
_ أيوه يا حبيبي... استنّاني في الشقة اللي بنتقابل فيها. جايالك.
************
وصلت السيارات أمام ذلك القصر الكبير، وما هي إلا ثوانٍ حتى ترجلوا جميعًا إلى الخارج، كلٌّ يكتنفه شعور مختلف عن الآخر، لكنهم جميعًا أجمعوا على شعور الخوف من المستقبل. كانت الفتاتان تشعران بالغربة وأخذتا تنظران حولهما، ثم تحولت نظراتهما إلى علي الذي لم يختلف شعوره عنهما، لكنه ابتسم تجاههما ابتسامة طمأنة. وسرعان ما وجدوا الخدم يفتحون باب القصر، وذلك العجوز الذي يمشي مستندًا إلى عصاه قادمًا بلهفة تجاههم، يحاوطه الخدم من كل جهة خشية أن يسقط من فرط لهفته باستقبالهم، فها هي أمنيته الوحيدة في هذه الحياة تتحقق بجمع شمل أحفاده حوله.
اقترب منهم هاشم الرفاعي وهو يهلل بفرح:
_ أهلًا أهلًا يا ولاد الغالي. نورتوا بيتكم.
تقدم علي نحوه، تلاه شقيقتاه بعد أن تلقوا إيماءة من والدتهم بمعنى "اقتربوا". فحاوطهم هاشم وهو يسلم عليهم بترحاب شديد، وقد لمسوا مدى حبه لهم وفرحته بمجيئهم. ولم يفت عليه تحية علي المتحفظة معه ليبادر هو بعناقه، فاستجاب له علي، ليشاطره أختاه العناق المحموم بأنواع شتى من المشاعر المتضاربة: الندم والشوق والمحبة والحزن. ليقطع الحديث أخيرًا مساعد هاشم قائلًا باحترام:
_ هاشم بيه، أنا مقدّر الحالة اللي حضرتك فيها، بس الانفعال الزيادة ده غلط على صحتك.
أجابه هاشم بصوت متحشرج:
_ مش فارق... المهم إني عشت وشفت ولاد الغالي في حضني. مش مهم أي حاجة بعد كده. أنا مستعد أموت دلوقتي ومش هيهمني.
نطقوا جميعًا في آن واحد:
_ بعد الشر عنك يا جدو... ما تقولش كده يا جدو... ربنا يطوّل لنا في عمرك.
هاشم بتأثر:
_ ربنا ما يحرمني منكم يا حبايب جدو.
كان مازن يقف من بعيد يراقب ما يحدث بتأثر، دون أن يحاول الاقتراب احترامًا لخصوصية اللقاء الحار. نظر إلى فاطمة المتأثرة ثم اقترب منها قائلًا بلهجة حانية:
_ أكتر حاجة صح عملتيها إنك وافقتي إنهم ييجوا يعيشوا معاه. صدقيني فرحته دي كلها وهو في حالته دي ثوابها كبير عند ربنا. ده غير إن عمي سالم الله يرحمه لو كان عايش كان زمانه طاير من الفرحة دلوقتي.
نظرت إليه فاطمة بحنان وقد سقطت دموعها تأثرًا دون التفوّه بحرف، حتى تحدث هاشم قائلًا بصوته الواهن:
_ اتفضلي يا ست أم علي... نورتي بيتِك وبيت ولادِك.
نظر الإخوة الثلاثة إلى بعضهم في ترقب واندهاش من لهجة جدهم الحانية التي يرتسم بها الاحترام لوالدتهم. تقدمت فاطمة بعد أن أمسك مازن بيدها، فمد هاشم يده إليها وفي عينيه نظرات خاصة لم يستطع أحد تفسيرها. ظلت فاطمة لثوانٍ تبادله النظرات ثم مدت يدها إليه وسلّمت. ثم دعاهم هاشم إلى الداخل بعدما أمر الخدم بحمل أمتعتهم إلى غرفهم التي جُهزت خصيصًا لهم.
في الداخل، وما أن جلسوا جميعًا في غرفة الصالون حتى سمعوا صوت الباب يُفتح، وصوتٌ عذبٌ يقول بشقاوة:
_ جدو هاشم... يا جدو!
_ أهلًا بحبيبة جدو... أنا هنا في الصالون، تعالي.
نظروا جميعًا نحو مصدر الصوت بدهشة وترقب لرؤية تلك الفتاة التي تنادي على جدهم بكل تلك الحميمية. أمّا هو فكان قلبه يدق كالطبول... فصوت محبوبته الذي غرد كالعصفور أشعل نبضه، وتحوّل انتظاره لرؤيتها إلى لهفة تكاد تخنقه. وما إن دخلت بهيئتها الملائكية وشقاوتها المعتادة حتى شعر وكأن الأرض تدور من تحته.
تقدمت روفان، وكل خلية فيها ترتجف شوقًا وخجلًا. اندفعت مُهرولة حتى جذبتها كاميليا من معصمها هامسة:
_ اهدِي يا شيخة... أدهم جاي ورانا. لو حس بحاجة هينفخك.
روفان بذعر:
_ بالهُوِي! ده أنا نسيت أدهم خالص!
_ لأ افتكري... عشان ما نتعلّقش بسببك.
تقدمتا إلى الداخل، وما إن رأت الفتياتُ كاميليا حتى اندفعن نحوها بالعناق والترحيب، بينما وقفت روفان خلفهن، وشعرت بنظراته تحرق وجنتيها. كانت نظرة شوق صريحة جعلتها تستمد القوة لتنظر إليه... لتكتشف أنه اشتاقها بقدر ما اشتاقته. لاحظ هاشم تلك النظرات الخفية فانشرح قلبه وناداها ببهجة:
_ روفان، حبيبة جدو... إيه المفاجأة الجميلة دي؟
اقتربت منه روفان بخجل وهي تعانقه:
_ أهلًا يا جدو... حضرتك عامل إيه دلوقتي؟
_ بقيت أحسن لما شفت أحفادي... وكملت فرحتي لما إنتي جيتي.
_ ربنا يخليك لينا يا جدو.
ظلّت الفتيات يعانقن بعضهن بمحبة، ولم يخلُ ترحيبهن من مشاكسات غرام التي دفعت كارما مازحة:
_ يا بنتي اوعي... سيبيني أحضنها شويه، دي وحشاني.
وما إن احتضنت كاميليا حتى انتبهت إلى أنفاسها المتسارعة، وارتباكها الفاضح. التفتت لتجده يقف عند الباب، يداه في جيبيه، يرسم ابتسامة جعلت عظامها تذوب. لكنها تماسكت، وارتدت قناع اللامبالاة، تتفحصه بنظرة مستفزة، فأجابها بابتسامة أكثر وقاحة، تبعتها غمزة جعلتها تثور بداخلها.
ناداهم هاشم:
_ تعالوا يا بنات... أما أعرفكم على حبيبتي اللي كانت بتصبرني على غيابكم.
التفتت الفتيات، وعرّفهم على روفان:
_ دي روفان حفيدة رحيم الحسيني... صاحب عمري. ودول يا روفان كارما وغرام أحفادي.
تبادلوا التحية، ثم جلسوا، ودخل أدهم بعد مكالمة هاتفية قصيرة. سلّم على الجميع حتى وقف أمامها... وتوقف الزمن.
امتدت يده... وامتدت يدها.
ارتعشت.
نظرت إليه بصعوبة.
قسا على أناملها قليلًا... كأنه يعاتبها.
كانت لحظات قصيرة لكنها بدت دهراً.
أطلقت تنهيدة طويلة بعدما ابتعد، لم تخفَ على كاميليا التي همست:
_ يا عيني على التنهيدة... صحيح الحب بهدلة.
ضحكت كاميليا بخفوت، بينما لفت انتباههم حديث هاشم لأدهم:
_ تعرف الطريق ولا سألت حد وإنت جاي؟ أصلّك مجيتش هنا من وإنت في إعدادي.
تضاحكوا، وقال مازن بخبث:
_ بصراحة يا هاشم بيه... أدهم بيموت فيك وبيجيب سيرتك طول الوقت، خصوصًا اليومين دول.
فهم هاشم المقصود، ونظر بخبث إلى غرام المرتبكة:
_ ياااه للدرجة دي يا أدهم! ده شيء يسعدني والله. أتمنى أشوفك كتير الفترة الجاية.
_ لا ده إحنا راشقين لك الفترة الجاية... متقلّقش.
قهقهوا، ما عدا علي الذي كان منشغلًا برسائل نصية. سأله:
_ إيه اللي بيضحك كده؟
قال هاشم بخبث:
_ ما أنت مش مركز معانا يا حضرة الظابط... واللي واخد عقلك يتهنّى بيه.
تحمحم علي محرجًا:
_ لا أبدًا يا جدي... ده شُغل.
ابتسم هاشم له، بينما تابع مازن المزاح مع علي. ثم قاطعهم دخول عمرو، فاندفعت غرام نحوه بحب ولهفة:
_ عمّور! وحشتني!
عمرو بمحبة:
_ ميمو... وحشتيني.
ظلّت تتعلق بذراعه وتتمشى بجواره بدلال لم يكن بريئًا... فهي تشعر بلهيب نظرات أدهم من خلفها وتستمتع بذلك.
التفتت مصادفة فوجدت عينيه كجمر، غضب وألم واشتعال... فارتعشت لوهلة، ثم تجاهلته بابتسامة فتانة.
عندما جاء دور أدهم للسلام على عمرو بقي مُتجهمًا، وصافحه من باب الأدب فقط، وعمرو لم يكن أقل تحفظًا.
لم يحتمل أدهم. الحريق داخله اشتعل. اقترب من علي وقال بنبرة متماسكة رغم اضطرابه:
_ علي... لو سمحت، عايزك في كلمتين.
_ تمام، نطلع الجنينة.
خرج الاثنان، وتوقفا أمام الأرجوحة. كان صوت أنفاس أدهم مسموعًا من شدة الغضب. فقال له علي:
_ خير يا أدهم... سامعك.
فأجاب أدهم بلا مقدمات، وبصوت ثابت يخفي وراءه طوفانًا كاملًا من المشاعر:
_ أنا عايز أتجوز غرام... أختك.
********
_ فاضي ولا هعطّلك؟
خرج مراد من شروده والتفت للصوت القادم من الخارج، فوجد نيفين تُطلّ برأسها من باب المرسم الخاص به، فابتسم لها مرحِّبًا وقال بحب:
_ ولو مش فاضي هفضالك.
دخلت نيفين مغلقةً الباب خلفها قائلةً بمزاح:
_ سيدي يا سيدي... إيه الرضا دا كله؟
تقدّم مراد منها وقام باحتضانها وإجلاسها بجانبه على الأريكة قائلًا بصدق:
_ أنا طول عمري راضي عنك يا حبيبتي... المهم إنتِ تبقي راضية.
_ أنا راضية طبعًا... بس عندي طلب.
_ اؤمريني.
ترددت نيفين قبل أن تقول بخفوت:
_ بابا... أنا نفسي تتصالح إنت وماما ونعيش حياة سعيدة سوا.
انتفض مراد من مجلسه كمن لُدغته أفعى، قائلًا بغضب:
_ نيفين، اقفلي على الموضوع دا خالص ومتتكلميش فيه.
نيفين بصراخ:
_ أومال أتكلم في إيه يا بابا؟ هو أنا مش من حقي أعيش في جو هادئ وسط أب وأم بيحبّوا وبيحترموا بعض؟
مراد بصرامة:
_ أمّك دي آخر واحدة في الدنيا ينفع تتحب أو تستاهل الاحترام.
_ يا بابا أرجوك اسمعني... ماما فيها عيوب كتير أنا عارفة، بس والله بتحبك ومستعدة تتغير عشانك.
طالعها مراد بسخرية وقال باستهزاء:
_ وهي بقى اللي حفظتك البُوقين الحَمضانين دول؟
نيفين بنفي ولهجة مستعطفة:
_ والله أبدًا... دي ماما بتحبك، بس هي اللي أسلوبها وحش. دي حتى فاكرة إن عيد ميلادك بعد بُكرة، وقالت لي إنها هتخرج تجيب لك هدية، ووصّتني أغطّي على غيابها لحد ما تروح تجيبها وترجع ووو...
تعمدت نيفين التوقف عند تلك النقطة، وقامت بصفع مقدمة رأسها بغضبٍ مفتعل وهي تقول:
_ أوووف! فَتنت وقلت المفاجأة!
التفت مراد إليها كليًا وقد جحظت عيناه من فرط الغضب، فتقدّم منها وهو يقول بحدّة:
_ إنتِ بتقولي إيه؟
تلعثمت نيفين قائلةً بتوترٍ مفتعل:
_ أصلها كانت ناوية تعملّك حفلة عيد ميلاد وكده، وكانت عايزة تخرج بأي طريقة عشان تجيب لك هدية، فطلبت مني إني أغطّي على غيابها ساعتين لحد ما ترجع.
مراد وقد زاد غضبه من مكر تلك الحيّة، وقد تأكدت ظنونه بخداعها، فقال بصوت مرعب:
_ وخرجت إمتى بالظبط؟
نيفين بذعر، فقد هالها مظهره الغاضب:
_ وأنا جيالك كانت لسه نازلة.
تركها مراد بغتة، وقام بإخراج سلاحه من المكتب الخاص به، وأخذ هاتفه وانطلق مسرعًا، وهو ينوي كشف ألاعيب تلك المرأة والتخلّص منها نهائيًا.
********
نزلت سميرة من سيارة الأجرة وتوجّهت إلى صالون التجميل الذي كانت ترتاده دائمًا، ثم بعد لحظات دخلت إلى الحمّام وانتظرت ربع ساعة، ثم عاودت الخروج من الباب الخلفي لتصعد إلى السيارة التي كانت في انتظارها، غافلةً عن تلك العيون التي تتوعّدها بالهلاك، فلقد كان مراد يراقبها من بعيد وقد تأكّد من خيانتها؛ فهو منذ آخر حديث له مع نيفين قد تيقّن بأن تلك الأفعى تُخفي شيئًا، وها هو الآن بصدد كشفه.
انطلق مراد خلف تلك السيارة تاركًا مسافة لا بأس بها حتى لا يتم كشفه، والتي توقفت أمام بناية كبيرة في أحد الأحياء الراقية. نزلت سميرة وتوجّهت إلى الداخل، ويبدو أن حارس العقار يعرفها فلم يوقفها عندما دخلت البناء. فانطلق مراد خلفها، لكن أوقفه الحارس ما إن اقترب منه، فقال:
_ طالع فين يا حضرة؟
أخرج مراد رُزمة كبيرة من النقود وأعطاها للحارس وهو يقول:
_ بقولّك... الست اللي طلعت دلوقتي دي طالعة الدور الكام؟ وفي أنهي شقة؟
لمعت عينا الحارس عند رؤيته النقود، فأخذها ووضعها في جيبه سريعًا ثم قال:
_ طالعة الدور السادس... الشقة اللي على شمال الأسانسير.
شكره مراد واستقل الأسانسير الآخر وصعد خلفها، لكن جاءه اتصال من يوسف. رفضه، فأعاد الاتصال مرة أخرى، فردّ مراد قائلًا بعجالة:
_ أيوه يا يوسف.
_ عمي مراد... إنت فين؟
مراد باختصار:
_ أنا في مشوار مهم... في حاجة؟
يوسف بهدوء:
_ كنت عايز أتكلم معاك في موضوع مهم.
_ مش وقته يا يوسف.
كانت نبرة مراد مهزوزة، وقد لاحظ يوسف ذلك، فقال بقلق:
_ إنت كويس يا عمي؟!
_ أنا كويس... متقلقش عليّا. أنا عايز أطلب منك طلب من غير ما تسألني ليه.
_ اتفضل.
_ نيفين وزين في رقبتك... ولو جرالي حاجة خلي بالك منهم.
شعر يوسف بوجود خطب ما، فهبّ من مقعده قائلًا بجفاء:
_ عمي مراد... إنت فين؟ وليه بتقول الكلام دا؟
مراد بهدوء:
_ اسمع يا يوسف... ومتقلقش عليّا. أنا كويس، بس محدّش ضامن عمره. أنا هقفل دلوقتي وهقابلك في البيت بالليل.
لم يستطع يوسف الرد، فقد أغلق مراد الخط بعد أن عزم الأمر على مداهمة تلك الشقة ليكشف ما تفعله تلك الحمقاء. أصبح شبه متأكد من خيانتها. وما إن أوشك على ضرب الجرس، فوجئ بتوقف الأسانسير في نفس الطابق، فاختبأ في الناحية الأخرى.
فوجد السائق الذي أوصل زوجته يحمل الكثير من الحقائب البلاستيكية التي تحتوي على بعض الخمور، وكان يخرج مفتاحًا ليضعه في قفل الباب. ففاجأه مراد بضربة في مؤخرة الرأس بسلاحه أفقدته الوعي، ثم أدار المفتاح في القفل وتسلّل بهدوء إلى الداخل.
لكنّه سمع أصواتًا جعلت الدماء تفور في عروقه؛ فتلك الخائنة مع عشيـ... ليندفع تجاه الصوت ويركل الباب بقدميه ليجد زوجته مع آخر.
ولكن مهلًا... من هذا الشخص الذي ما إن رآه مراد حتى جحظت عيناه من هول الصاعقة التي رآها قائلاً بصدمة:
_ أنت!
**********
كانت كاميليا تقف أمام النافذة تنتظر عودته، فقد تأخّر كثيرًا، وقد علمت من أدهم أن هناك مناقصة مهمّة جدًا لشركتهم وأنهم سيسهرون لوقت متأخّر في الشركة، لكن أدهم قد عاد وهو لم يأتِ، فظلّت ساهرة وقد جافاها النوم دون أن تطمئن عليه. ولا تعلم لِمَ شعرت بأن شيئًا سيئًا قد حدث؛ ظلّ هذا الشعور يراودها منذ أن عادت من عند خالتها وعلمت بغيابه، وخاصة عندما أغلق هاتفه ولم تستطع التوصل إليه.
بقيت على حالتها تلك تنتظر عودته قرابة الست ساعات، فيا تُرى ماذا حدث؟ وأين اختفى؟
حاولت مرارًا مهاتفته لكن دون جدوى، فهاتفه ما زال مغلقًا. ففكّرت في محادثة مازن لعلّه يعلم أي شيء عنه، فهَمَّت بالاتصال به، لكنّها فوجئت بضوء سيارته يشقّ الظلام من حولها.
اندفعت ترتدي روبها وهرعت إلى الأسفل لتلتقي به؛ فقد اشتاقته وقلقت عليه كثيرًا. وما إن خطت خطوتها الأولى على الدرج، وجدته يدخل إلى المكتب مغلقًا الباب خلفه، ثم نزع جاكيت بدلته وارتمى على الأريكة مُرخيًا جسده بتعب، واضعًا إحدى يديه فوق رأسه مغمضًا عينيه، وهو يتمنى من أعماقه لو كان بإمكانه في تلك اللحظة أن يحتويها بين ذراعيه حتى تخفف عنه كل تلك الأعباء الملقاة على عاتقه والتي صار حملها ثقيلًا عليه.
وكأن السماء قد استمعت لدعاء قلبه، إذ شعر برائحتها العطرة تغزو أنفه، ويدها الرقيقة تتلمس ملامح وجهه، ففتح عينيه ببطء ورفع يده إليها وهو يهمس بعدم تصديق:
ـ إنتِ هنا بجد؟
طالعته كاميليا بحب يغمر نبرتها وهي تقول:
_ لو مكنتش هنا... هكون فين؟
امتدت يداه تتحسسان ملامحها الفاتنة التي يعشقها وقال بصوت أجش:
_ قبل ثواني بالضبط... كان قلبي بيدعي إني أفتح عيني ألاقيكِ جنبي.
قالت بحب تناثر من بين كلماتها:
_ وقلبي حسّ بيك... وبقلبك... وجابني لحد عندك جري.
_ سهرانة ليه لحد دلوقتي؟
_ وهيجيلي نوم إزاي وانت مش جنبي؟
مازحها قائلًا:
_ على أساس إن كل يوم بنام جنبك يعني؟
صادقته القول:
_ لا... بس ريحتك بتكون محوْطاني ومونساني. عارف؟
أنا دايمًا بسأل نفسي يا ترى النومه جنبك طعمها إيه؟
لما تكون ريحتك وإنت في أوضة وأنا في أوضة بتطمني... وبتخليني أنام وأنا مش خايفة ولا قلقانة... أمال لو نمت جنبك هكون عاملة إزاي؟
كانت كلماتها كالفتيل الذي أشعل نيران شوقه وعشقه لها في آن واحد، فأصبحت براكين مشتعلة يصعب السيطرة عليها. امتدت يداه تحتوي جيدها ثم رفعها ليضعها بجانبه على الأريكة، وتحرك هو ليصبح أمامها مباشرةً، يحاوطها من جميع الاتجاهات، ينظر إليها بنظرات ملتهبة، ويقول بلهجة مثيرة اجتمعت فيها الرغبة مع العشق:
_ هتكوني جزء مني... ولو الناس دي كلها اتجمعت... عمرها ما هتقدر تفصله عني.
اليوم دا لما ييجي... هخليكي تشوفي بعنيكي يعني إيه عشق... وتعيشي كل تفصيلة فيه... تلمسيها وتحسيها.
صمت لثوانٍ قبل أن يتابع بعينين يبلّورهما العشق:
_ وهتعرفي بعدها... إن كل السعادة اللي مرت عليكِ في حياتك... كانت ولا حاجة قصاد اللحظة اللي هنجتمع فيها... ونبقى واحد.
شعرت بتيار ملتهب يسري في جسدها كله، وكأن دماءها أصبحت شلالات من النيران الموقَدة جرّاء كلماته التي أيقظت بداخلها مشاعر قوية مختلفة؛ تسعدها وتخيفها في الوقت نفسه.
خرج صوتها متحشرجًا من شدّة المشاعر وهي تقول:
_ يوسف... متخوّفنيش.
قاطعها واضعًا إصبعه أمام شفتيها وقائلًا بهسيس خشن:
_ هششش... اوعي تخافي مني. عمري ما هأذيكي... أبدًا.
حُبّي ليكي يخوّف، أنا عارف... بس عشانك إنتِ بقدر أحتويه... وربنا يعلم إني بستنفد كل طاقتي عشان معملش حاجة تخوّفك... أو تخلّينا نندم.
راقَتها كلماته عن حبّه لها وعن تأثيرها عليه، فقالت بخفوت ودلال مثير:
_ نفسي قوي أفضل جنبك لحد ما أروح في النوم... ممكن؟
قال يوسف بصوت أجش:
_ ومين قالك إني هسيبك تقومي من جنبي؟
أنا من شوية كنت هاموت وأشوفك... تفتكري هضحي باللحظة دي دلوقتي؟
امتدت يد كاميليا تتلمس ملامح وجهه قائلة بصدق:
_ بحبك قوي.
تنهد بتعب، ثم خفض رأسه ليُلثم شريانها النابض بجنون يوازي جنون دقات قلبه، ونثر عشقه بمنتهى الرقة والحب، ثم رفع رأسه قائلًا بإرهاق:
_ نامي يا كاميليا... وربنا يعيني ويعدّي الليلة دي على خير.
ابتسمت واقتربت منه قائلة بمزاح:
_ متقلقش... أنا واثقة في حبيبي جدًا.
بادلها يوسف المزاح:
_ والله حبيبِك مش واثق في نفسه أصلًا... وممكن يقوم يفترسك دلوقتي. نامي أحسن.
ابتسمت كاميليا بحب على كلماته، ثم وضعت رأسها فوق صدره، وآخر شيء تذكرته... كانت يده الحانية وهي تُمَسّد خصلات شعرها بدلال.
*********
في صباح اليوم التالي استيقظت كاميليا من نومها بعد أن قضت ليلة هانئة بجانبه، والتي حتمًا لن تنساها طوال حياتها، ولأول مرة تشعر بمثل تلك الراحة والسلام. أخذت تتلفت حولها وهي تشعر بالاندهاش لوجودها في غرفتها نائمة على سريرها، فظنت لوهلة أن ما عاشته معه كان حلمًا. التفتت إلى الجهة الأخرى من السرير لتجد تلك الورقة بجانبها وتلك الوردة الحمراء، فتأكدت أن ما عاشته معه كان الحقيقة بعينها. امتدت يداها تمسكان بالوردة تقبّلها وتستنشق رائحتها العطرة وهي تقرأ تلك الكلمات التي جعلتها تحلّق في سماء الحب:
_ صباح الفراولة على أحلى فراولة في الدنيا. بحبك.
_ وأنا بعشقك يا قلب الفراولة.
قالت كلمتها بصوت عالٍ، فقد جعلتها تلك الرسالة تطير من السعادة. ثم نهضت من على سريرها على عُجالة لترتدي ملابسها بسرعة حتى تنزل إلى الأسفل لرؤيته، فهي قد اشتاقته كثيرًا وافتقدت دفء وجوده، وتريد أن تشبع روحها من رائحته الجميلة. ارتدت أجمل ثيابها وتزيّنت حتى أصبحت في أبهى صورة لها، ونزلت الدرج مسرعة. وفي طريقها إلى باب المكتب سمعت شجارًا حادًا، وعندما همّت بالدخول وجدت الباب يُفتح وذلك الخروج العاصف لرحيم الحسيني الذي نظر إليها ببغض قائلًا بشرّ:
_ إنتِ السبب في كل حاجة وحشة حصلت له وهتحصل له.
تراجعت كاميليا خطوة إلى الخلف، فقد هالها مظهره المرعب وتلك الكلمات التي استقرت في قلبها كالرصاص، لكن أكثر ما أفزعها هو ما يلمّح إليه. دخلت إلى غرفة المكتب تبحث عنه لتطمئن قلبها المذعور، فوجدت أدهم يجلس فوق تلك الأريكة التي شهدت ليلة من أجمل ليالي عمرها معه، وكان مطأطئ الرأس واضعًا يديه فوق جبهته. فبادرت كاميليا بالحديث بنبرة مهزوزة خائفة:
_ يوسف فين؟
رفع أدهم رأسه ببطء وقد شعر بالشفقة عليها من حديث جدّه، فقال بهدوء:
_ للأسف منعرفش.
قالت كاميليا بفزع:
_ يعني إيه ما تعرفوش؟
أدهم بأسف:
_ النهارده كان في مناقصة كبيرة للشركة، وكان عندنا أمل كبير نكسبها، بس للأسف خسرناها، ويوسف من ساعة ما عرف وهو مختفي، ومحدش يعرف راح فين.
_ طب ويوسف اختفى إزاي؟ وبعدين دي لا أول ولا آخر مناقصة تخسروها، ويوسف دايمًا يقول إن الشغل مكسب وخسارة.
زفر أدهم بحنق قائلًا:
_ للأسف يا كاميليا المرة دي الخسارة كبيرة قوي، والشركة ممكن تفلس.
سقطت على المقعد خلفها وهي تقول بأسى:
_ طب إزاي دا حصل؟ يوسف اشتغل جامد قوي على المناقصة دي. إزاي ضاعت كده؟
_ دي حقيقة... يوسف كان حاطط سعر محدش يقدر يتوقعه، وتقريبًا كنا ضامنين المكسب.
كاميليا بشك:
_ ودا معناه إيه؟
أدهم بغضب:
_ معناه إن في خاين في الشركة!
أوشكت على الحديث، لكن أوقفها تلك الصرخات التي أتت من داخل المنزل. خرج أدهم مهرولًا تتبعه كاميليا لمعرفة ما حدث، ليصدموا جميعًا بما تفوّهت به الخادمة:
_ مراد بيه لاقوه مضروب بالنار ومرمي على الطريق..!
يتبع .......
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الخامس وثلاثون 35 - بقلم نورهان العشري
الوجه الرابع و الثلاثون للعشق 🌹
الأمر مُعقّد، قليلًا، لكن ما يقتلني حقًا هو ذلك الشعور الذي ينهش صدري كلما تذكرت أنني منحت قلبي لمن لم يُكلف نفسه حتى عناء البحث عني، فهل حقًا غلو الأشياء يكمُن في العناء المبذول للوصول إليها؟ أم أن حبي له كان أكبر من مدار قلبه، وأعمق من قدرته على الفهم فانسحب مني بتلك السهولة القاسية؟
الحقيقة أنني لم أعثر بعد على إجابة تُطفئ النار المشتعلة على يساري، ولا على تفسير يخفف هذا الوجع الذي يسكنني كغريب لا يريد الرحيل. لكني و أخيرًا توصلت إلى يقينٍ واحد لا يتزعزع:
أنّ الفراق الذي سببه عزة نفسي لم يكن خسارة أبدًا، بل كان النجاة التي تشبه الانتصار.
نورهان العشري
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
وقع خبر إصابة مراد كالصاعقة على مسامع الجميع، وخاصةً على ذلك الرجل الذي تجددت في داخله أسوأ ذكرياته وكوابيسه. فها هو المشهد نفسه يتكرر بالسيناريو ذاته للمرة الثالثة؛ يأتيه خبر إصابة أحد أبنائه، فيتجدد الشعور نفسه، تلك الصدمة التي ما إن يستوعبها حتى تتحول إلى طلقة تستقر في منتصف قلبه، لا تقتله فقط بل تتركه غارقًا في ألم قاتل وجروح دامية تلازمه طوال الحياة. وها هو قد حدث أكثر ما كان يخشاه، وتلقى الرصاصة الثالثة التي أسقطته على الكرسي خلفه، عاجزًا حتى عن النطق بحرف واحد؛ حتى التنفس أصبح ثقيلاً عليه.
انطلقت الأصوات حوله: صرخات استنكار، وصيحات ألم حقيقية، وأخرى زائفة سرعان ما خمدت عندما سأل أدهم الخادمة شريفة بفزع:
ــ إنتِ بتقولي إيه؟ عمي مراد جراله إيه؟
أجابته الخادمة وسط شهقاتها:
ــ مراد بيه لقيوه مضروب بالنار ومرمي على طريق (...) وولاد الحلال ودّوه المستشفى... وحالته خطر.
تنفّس أدهم الصعداء فور سماع كلامها، فقد اطمأن قليلًا لكون مراد ما زال على قيد الحياة. وللمرة الأولى يشفق على ذلك العجوز الذي تبدلت ملامح القوة والجبروت على وجهه لمنتهى الضعف والألم. فتوجه إليه وجثا على ركبتيه، معتصرًا كفّيه بين أنامله وهو يقول بحزم:
ــ عمي مراد ممتش يا جدي... عمي مراد هيعيش إن شاء الله.
طالعَه رحيم بنظرات ضائعة، لا يدري ماذا يقول أو ماذا يفعل. كان يشعر بدوامة تجذبه نحو عالم اللاوعي، خوفًا من أن يعيش المأساة ذاتها مرة أخرى. لكن كاميليا، التي أشفقَت هي الأخرى على العجوز الذي لم يرحمها يومًا، تقدمت نحوه وأمسكت بإحدى يديه قائلة بقوة:
ــ فوق يا جدو... عمي مراد عايش، ولازم نكون حواليه مش قاعدين نعيط هنا.
وكأن صوتها جاء من بعيد لينتشله من الهوّة العميقة التي كادت تبتلعه. نهض من مكانه قائلًا بقوة:
ــ أيوه... صح، لازم نكون جمبه ومعاه.
توجّهت أنظار أدهم إلى شريفة، قائلًا باستفهام:
ــ مقالوش ودّوه مستشفى إيه؟
شريفة بلهفة:
ــ أيوه... ودّوه مستشفى (...).
كاميليا بلهفة:
ــ يلّا بينا على هناك.
كان كل هذا يحدث أمام سميرة التي ارتعبت مما سمعته؛ فمراد ما زال على قيد الحياة... وهذه هي الكارثة بعينها. أخذت ترتجف بمجرد أن تذكرت ما حدث بالأمس.
---
عودة إلى وقت سابق
اتسعت عينا مراد حين رأى زوجته في هذا الوضع مع رجل آخر، وكانت الصدمة الأعظم أن يكون ذلك الرجل هو عدوّهم اللدود: راغب نصّار.
هتف بعدم تصديق:
ــ إنت؟
صدمة امتزجت بالرعب كانت تسيطر على كِلَي راغب وسميرة، خاصةً عندما رأيا السلاح في يد مراد. حاول راغب مراوغته حتى يمنعه من القيام بأي تصرف طائش، فقال بصوت مهزوز:
ــ مراد... اهدى. متضيعش نفسك.
مراد بغضب:
ــ يا كلب! مكفّكش اللي عملته زمان في أخويا؟ جاي دلوقتي تكمل وِساختك مع الكلبة دي؟
سميرة ببكاء:
ــ محصلش والله يا مراد! انت فاهم غلط.
مراد باستنكار:
ــ فاهم غلط؟ على أساس إنّي هكذّب عنيا وأصدقك؟ ولا على أساس إني معرفش تاريخك القذر من أول ما جريتي ورا أحمد أخويا وهو رماكي زي الكلبة؟ وجيتي تلفي حواليا، وأنا زي الغبي صدقتك... وبسبب قذارتك خسرت أنضف إنسانة في الدنيا!...
ده انتِ المادة الخام للقذارة. اتفو!
بصق مراد على وجه سميرة، فاشتعل الحقد في جوفها، وكادت تتحدث، إلا أن راغب استبقها وقال بمهادنة:
ــ إديك قولت إنها واحدة قذرة... يبقى ليه توسّخ إيدك بدمها؟ اهدى، وكل حاجة تتحل بالعقل.
مراد بغضب جهنمي:
ــ إنت تخرس خالص يا حيوان! أخويا اتقتل بسببك إنت وأخوك... دخلتوا بيتنا وكلتوا من خيرنا، وعضّيتوا الإيد اللي اتمدّتلكوا! بس ملحوقة... التار اللي بقاله تلاتين سنة هيخلص النهارده.
أنهى كلامه وشد أجزاء سلاحه، عاقدًا العزم على إنهاء كل بذور الشر. لكن يد الغدر سبقته؛ إذ ضربه الحارس بمؤخرة سلاحه ضربة قوية أسقطته مغشيًا عليه. كان الحارس قد أفاق من إغماءته التي تسبب له بها مراد، وتوجه ناحية الأصوات العالية، وهناك تلقى إشارة خفية من راغب للتخلص من مراد.
تنفّس كل من راغب وسميرة الصعداء عند سقوطه، لكن سميرة بدأت تولول وتنوح:
ــ يا فضيحتي يا سميرة! خلاص... كل حاجة راحت! هعمل إيه لو مراد فاق؟ هيخلص عليا!
راغب بصراخ:
ــ بطّلي ولولة... مش ناقص قرف! كل عقدة ولها حل.
سميرة باستنكار:
ــ حل؟ ده هيولّع فيّا أول ما يفوق!
راغب بمكر:
ــ ومين قالك إنه هيفوق؟
ضربت سميرة صدرها بفزع:
ــ يالهووي! إنت ناوي تعمل فيه إيه؟
راغب بملل:
ــ هعمل فيه إيه يعني؟ هودّيه عند إخواته... أصل شكله وحّشهم.
زاد نواح سميرة:
ــ يا نهار أسود! إنت اتجننت؟ هتقتله؟
راغب بغضب:
ــ إيه؟ صعبان عليكي؟ لا، يا أختي... حددي موقفك. يا معايا... يا عليا. وساعتها متلوميش غير نفسك.
ارتعبت سميرة وقالت بتلعثم:
ــ لا... عليك إيه؟ اعمل اللي تعمله... أهم حاجة اسمي ميجيش في الموضوع.
قهقه راغب بشر، ثم قال بمكر:
ــ تعجبيني... ومتقلقيش، الموضوع ده براكي.
أنا هجهّز لرحيم الحسيني هدية حلوة كده... وأبعتهاله، زي اللي قبلها.
آخر جملة قالها بغموض أزعج سميرة، لكنها لم تُعلّق. ثم التفت إلى الحارس وقال:
ــ خده... وانت عارف هتعمل إيه. مش عايز أي غلط. الشغل يبقى على مية بيضة.
أومأ الحارس، وسحب مراد الملقى على الأرض فاقدًا للوعي. غادرت سميرة مسرعة لتعود إلى القصر، تدخل خلسة وهي ترتجف من شدة الخوف، ولم تغادر غرفتها حتى طمأنها راغب بأن مراد أصبح من الموتى. لم تنتبه إلى تلك "الأفعى" التي كانت تراقبها وتترصد ملامح الرعب عليها، ففطنت إلى أن كارثة ما قد حدثت.
وفي الصباح، حين وجدتها في المنزل بلا خدش، بينما مراد لم يعد، فهمت الحقيقة كاملة:
سميرة وراغب تخلّصا منه... لكن للقدر كلمته.
مراد لم يمت، وهكذا راحت سميرة ترتجف كورقة في مهبّ الريح.
---
فاقت نيفين من شرودها على مشهد كاميليا وهي تمسك بيد جدّها لتهدئته، فاشتعل غضبها. توجهت نحوه وهي تمثل الانهيار، وأبعدت كاميليا بعنف لترتمي في أحضان رحيم قائلة بانهيارٍ زائف:
ــ قتلوا بابا يا جدو! بابا هيموت ويسيبني!
انشق قلب رحيم حزنًا عليها، واحتضنها بقوة، وانهمرت دموعه وهو يقول مهدئًا:
ــ لا يا نيفين... أبوكي عايش، ممتش. أبوكي عمره ما هيسيبنا... ده الأمل اللي فاضلي في الدنيا دي.
تألم الجميع لكلماته، فقال أدهم بنفاد صبر:
ــ مفيش وقت للي بتعملوه ده! لازم نروح نطمن عليه ونشوف حالته إيه.
وافق الجميع، إلا سميرة التي ما تزال مشلولة من الرعب، فبادرها أدهم قائلًا:
ــ إيه يا مرات عمي... مش عايزة تطمني على جوزِك اللي بين الحياة والموت ولا إيه؟
سميرة بلهفة وقد أفاقت من صدمتها:
ــ طبعًا... طبعًا هاجي معاكم.
انطلق أدهم، يتبعه الجميع نحو السيارات المتجهة إلى المستشفى للاطمئنان على حالة مراد...
************
كان رائد ينظر إلى تلك النائمة بسلام، بفعل المنوِّم الذي أعطاها إيّاه طبيبها الخاص حتى لا تتعرض لنوبات الذعر التي تأتيها دون أن يعرف سببها حتى الآن، لكنه كان يرجّح أنها بسبب تلك الحادثة التي تعرضت لها، وكان ذلك يزيد من غضبه ورغبته في الانتقام أكثر، ولكن الانتقام بطريقته الخاصة.
أخذ يمسّد شعر والدته بحب، وهو يتمنى لو يستطيع معانقتها في تلك اللحظة احتفالًا بتحقيقه خطوة أخرى في طريق انتقامه ممن تسببوا في تسميم حياتهم، لكنه لم يُرِد أن يرهقها، حتى عندما طلبت منه الحديث تهرّب منها، واعدًا إيّاها أنه سيتحدث معها في أقرب وقت عندما تستعيد عافيتها.
ارتسمت تجعيدة على جبهتها وهي نائمة عند رنين الهاتف الذي أعلن عن اتصال انتظره كثيرًا، فأجاب بنبرة حاول أن تكون حزينة:
_ إيوا يا يوسف، انت فين؟
يوسف بجمود:
ـ مش مهم. عايزك تروح الشركة دلوقتي.
رائد باستفهام:
ـ ليه؟
_ هتلاقي فايل على مكتبي، هتاخده وتروح بيه لعاصم ممدوح مدير البنك اللي بنتعامل معاه، وهو هيتصرف.
رائد باندهاش:
_ انت ناوي تعمل إيه يا يوسف؟
يوسف بجمود:
_ هرهن القصر وباقي الممتلكات، وهحاول أجمع أكبر مبلغ ممكن.
رائد بسعادة غلّفها بالاستنكار:
_ إيه اللي انت بتقوله دا يا يوسف؟
يوسف بصراخ:
_ اللي سمعته! دا قراري ومحدش يناقشني فيه.
رائد بحزن زائف:
_ وهو المبلغ اللي هتجمعه هيكفي إيه ولا إيه؟
يوسف:
_ نجهز الفلوس بس، وبعد كدا هنحاول نتفاوض معاهم إنهم يقسّطولنا المبلغ. واعمل حسابك إنك بالكتير قدامك عشر أيام وتسافر لهم عشان تتفاوض معاهم.
رائد بحزن زائف:
_ دي مجازفة كبيرة... انت متأكد من اللي هتعمله دا؟
يوسف بنفاد صبر:
_ صفقة الألمان دي لازم تتم بأي شكل وبأي طريقة. دي أملنا الوحيد إننا ننقذ الشركة.
رائد مستسلمًا:
_ اللي تشوفه. أهم حاجة خليك انت في اللي انت فيه، وأنا هتابع شغل الشركة، متقلقش.
يوسف بتساؤل:
_ تقصد إيه؟
رائد:
_ هو انت متعرفش؟
يوسف بفظاظة:
_ أعرف إيه؟ اخلص!
رائد بحزن حقيقي:
_ عمو مراد في المستشفى بين الحياة والموت... لقيوه مضروب بالنار ومرمي على طريق (...).
***********
في المشفى كان الجميع على صفيحٍ ساخن عندما أخبروهم بأن مراد حالته خطيرة، وأنه يخضع لعملية جراحية صعبة للغاية. فأخذ الجميع يدعو له بالشفاء، إلا تلك الأفعى سميرة التي كانت تتمنى موته؛ فنجاته تعني هلاكها. فمن يراها يظنها زوجة صالحة ترتجف رعبًا من فقدان زوجها، بينما هي امرأة منحطّة مخادعة دنستها الرذيلة، فقتلت إنسانيتها إلى الحد الذي جعلها تتمنى موته.
وعلى الجانب الآخر كانت تلك النسخة الأكثر شرًا منها، والتي كان عقلها يعمل في جميع الاتجاهات بحثًا عن طريقة لاستغلال الموقف لصالحها، ومن هنا أتتها فكرة خطيرة وقررت البدء في تنفيذها. اقتربت من رحيم وأمسكت بكفه تزامنًا مع نزول عبراتها الزائفة ثم قالت بخوفٍ مصطنع:
_ اقعد ارتاح يا جدو... شكلك تعبان قوي._
حاوط رحيم كتفها وقبّل رأسها ثم قال بوهن:
_ ومين يقدر يرتاح يا بنتي؟ والغالي نايم جوا بين الحياة والموت._
أتقنت نيفين تمثيل دور الانهيار جيدًا، فأخذت تذرف الكثير من الدموع وتنتحب بقوة. وكانت كاميليا تنظر إليها بشفقة، فهي تعرف جيدًا شعور القلق من فقدان شخص عزيز على القلب. ازدحمت الذكريات السيئة بداخلها فاستندت بوهن إلى الحائط وراءها، وأغمضت عينيها بشدة تتمنى أن يأتي في تلك اللحظة، فهي بحاجة ماسّة إلى وجوده وإلى الاطمئنان عليه حتى تستطيع تجاوز أحزانها. وما إن أنهت دعاءها الخفي حتى فاجأها صوت نيفين وهي تهرول نحوه قائلة بانهيار:
يوسف! إلحقنا يا يوسف... بابا بيضيع منّا!
اختتمت نيفين جملتها ملقيةً بنفسها بين ذراعيه، فودّ لو يقذفها بعيدًا قدر المستطاع، ولكنه لم يكن يملك حيلة، فاكتفى بأن ربت على كتفها بتحفّظ قائلًا بمواساة:
اهدي يا نيفين... إن شاء الله هيقوم بالسلامة.
ثم تركها مارًا بالجميع وتوجّه إلى رحيم الذي نظر إليه وكأنه السبيل الوحيد لإنقاذه وقال بضعف:
عمّك بيموت يا يوسف... نفس المشهد بيتكرر للمرة التالتة يا ابني...
يوسف مواسيًا: اهدَ يا جدي... عمي مراد أقوى مما تتخيل، وإن شاء الله هيقوم ويبقى أحسن من الأول. قول يا رب.
نظر رحيم إليه بأمل، ونطق قلبه قبل لسانه برجاء: يا رب.
يوسف باستفهام: الدكتور قال إيه؟
أدهم بيأس: الدكاترة كلهم جوا بقالهم ساعتين... ومحدش طلع يطمنّا ولا قالنا حاجة.
زفر يوسف بتعب ثم التفت يبحث عنها، لتلتقي العيون بنظرات قادرة على سرد ألف رواية من روايات العشق. فقد بثّته نظراتها الكثير من المواساة التي نطق بها القلب للقلب من دون أن تتحرك الشفاه. وبثّها هو الأمان بوجوده الذي طغى على أحزانها وأعطاها القوة لتقاوم، وسط تلك النظرات القاتلة المليئة بالحقد والكُره التي ترمقها بها الأفعى ووالدتها، والتي ازدادت أضعافًا عندما توجّه إلى حيث كانت تقف هي ووالدته التي انهارت بين ذراعيه، فأخذ يربّت على ظهرها ويهدّئها، ثم أخيرًا فعل أول ما أراده منذ أن وطئت قدماه المشفى: ضمّها إلى صدره الممتلئ بالهموم التي تكفي جميع سكان الأرض. لتكون هي البلسم الذي يطيب جروحه ويهدّئها، خاصة عندما تخلّت عن خجلها وبادلته احتواءه بقوة، غير مبالين بكل تلك العيون التي تراقبهما... منها بحب، ومنها بغضب، ومنها بحقد كبير، وهو ما جعل الأفعى تقول لابنتها بصوت منخفض:
شفتي واقفين قريبين من بعض إزاي؟ ولا عاملين اعتبار لحد!
أجابتها نيفين بحقد: شفتي مقربها منه؟ وكأن مفيش في الدنيا غيرها! بس أنا... فالح يطبطب عليّا كأني اللي مرمي جوا دا مش أبويا! زي ما يكونوا قاصدين يقهروني... بس وحياة حرقة قلبي دي لأحرّق قلوبهم كلهم!
نظر أدهم إلى نيفين التي كانت تنظر إلى أخيه وزوجته بعينين تقطران حقدًا، فاقترب منهم وربت على كتف يوسف، الذي استفاق من جنّة ذراعيها بعد أن أخذ جرعة من السلام كافية ليواجه كل الكوارث من حوله، فقال له أدهم:
عامل إيه دلوقتي؟
يوسف باختصار: الحمد لله.
نظر له أدهم نظرة ذات مغزى، فترك يوسف يدها على مضض، وابتعد معه خطوتين، فقال أدهم:
"معرفتش مين اللي عمل كدا؟"
زفر أدهم يائسًا: "للأسف لسه... إحنا لسه عارفين من ساعة. سيبتهم وجيت هنا أطمن عليه الأول، وبعد كدا هقلب الدنيا ورا الكلاب اللي عملوا كدا..."
نظر يوسف أمامه بشرود قائلًا بغموض: "متقلقش... كل واحد هياخد جزاءه."
لم يستطع أدهم الاستفسار أكثر، فقد فاجأتهم الممرضة وهي تهرول قائلة:
"إحنا محتاجين دم بسرعة... فصيلة (...) وهي فصيلة نادرة ومش متوفّرة في المستشفى."
اندفعت كاميليا من بين الجموع وقالت بلهفة: "دي فصيلة دمي! أنا ممكن أديكي اللي تحتاجيه!"
لكن نيفين دفعتها بعنف وهي تقول: "دي فصيلة دمي أنا كمان... وأنا اللي هتبرّع!"
قالتها وهي تنظر لكاميليا شذرًا، فتنحت الأخيرة جانبًا ليتدخل صوت قوي:
"لا انتي ولا هي! أنا اللي هتبرّع بالدم."
نظر يوسف إلى الممرضة وقال بحزم: "خدي مني اللي انتي عايزاه... المهم تنقذوه."
"اتفضل معايا."
سار يوسف خلفها، لكنه جذب كاميليا معه بخفة؛ فهو لا يضمن تركها وسط تلك العيون التي تكاد تأكلها حقدًا. وصلا معًا إلى غرفة سحب الدم، وغرست الممرضة الإبرة في شريانه، بينما كانت كاميليا تجلس بجانبه في هدوء. امتدت يده الحرة وأمسك بكفها، ليرفعه إلى شفتيه ويقبّله برقة قائلًا:
"هيبقى كويس إن شاء الله."
أومأت بابتسامة باهتة لم تصل إلى عينيها. وبعد انتهاء سحب الدم، سألته بخفوت:
"انت كويس؟"
فأجاب باختصار: "الحمد لله."
لم تعقّب، فنظر إليها ورفع ذقنها بإصبعه ليلتقي بعينيها، فوجد بحر العسل الذي يعشقه وقد انطفأ بريقه، فقال بحنان:
"مالك؟"
كانت كلمته الإذن لانهيار السدود، فانهمرت دموعها وقالت بين شهقاتها:
أنا آسفة... حقك عليّا. أنا عارفة إني السبب في اللي حصل لك... والله ما قصدت.
اندهش يوسف واحتوى وجهها بين كفيه وقال بحنو: اهدَي... مين اللي قالك الكلام الغلط دا؟
توترت وقالت بحزن: مش محتاجة حد يقولي... أنا عارفة إني عبء عليك... وإن كل اللي بيحصلك سببه ارتباطك بيا.
ابتسم يوسف بسخرية ثم قال بحدّة: كاميليا... آخر مرة! مين اللي قالك الكلام دا؟ سميرة؟ ولا نيفين؟
نفت سريعًا: والله أبدًا... محدش قالّي حاجة.
يوسف بغضب: يبقى جدي... صح؟
ارتبكت: هو مكنش يقصد... كان متعصب لما عرف إنكم خسرتوا المناقصة.
تنهد يوسف بأسف ثم قال بخشونة: وإنتِ صدقتيه؟
نزلت دمعة وقالت: كلامه صح يا يوسف...
قربها منه حتى صار رأسه فوق صدرها وقال بصوت أجش: عارفة؟ أكتر حاجة بتصبرني على التعب والضغط دا... وجودك. انتي اللي مهوّنة عليّا كل حاجة.
همست بوهن: يوسف...
فأجابها بحب: قلب يوسف مابيدقّش غير ليكي.
"تفتكري يا كاميليا... لو مكنتيش موجودة في حياتي... كنت هعرف أواجه اللي أنا فيه دا؟"
طالعته بعشق ممزوج بالحزن، فتابع: أنا بحارب في الدنيا دي عشان آخد جنتي في الآخر... وجنتي هي انتي.
انهارت بين يديه: مقدرتش... والله ما قدرت. حسيت إن الموت أهون من لحظة أعيشها بعيد عنك. مش هبعد تاني يا يوسف. مش هكرر غلطي أبدًا مهما حصل. انا بحبك اوي .
ولأول مرة منذ أن طوقها عشقه، خلعت ثوب الخجل جانبًا لتضع ضفتي التوت خاصتها فوق خاصته، تعبر له عن عشقٍ يجري في دمائها وقد بلغ ذروته، فلم تعد قادرة على التحمل. فليذهب كل شيء إلى الجحيم، فهو بمثابة الهواء الذي تتنفسه، ولا قدرة لها على الاستغناء عنه. فأخذ هو يبادلها ولعها بشغفٍ أقوى، وقد تولى زمام الأمور بعد أن تغلب على صدمته من فعلها غير المتوقّع، والذي جاء كقطرات مطر على أرضٍ جفت من شدة العناء، ليعيد إليها الحياة من جديد. فأخذ الثنائي يتبادلان العشق بقوة، وكأن قلوبهما تتنافس في مَن يعشق الآخر أكثر.
كان الأمر أشبه بملحمة تُغذيها نيران العشق التي لا يقدر على إخمادها انهار العالم أجمع، ولكن لا قدرة لأجسادهم الفانية على احتمال نوبات العشق الجنونية تلك؛ فصارت رئتاهما تصرخ طلبًا لبعض الهواء. وعندها تركها مرغمًا، وهو يود لو يحتجزها بين قضبانه إلى الأبد، فلا طاقة له على البعد، وقد كانت هي الأخرى تشاطره نفس الشعور. فظلت دوّامات العشق تتقاذفهما إلى أن جاء ذلك الهاتف الذي جعل يوسف يتركها مرغمًا وهو يجيب باختصار:
ـ عملت اللي قلتلك عليه؟ طب استنّى مني تليفون.
أرادت كاميليا الاستفسار عمّا يحدث، لكنه لم يمهلها الوقت، بل بادرها بالحديث قائلًا بحزم:
ـ أول وآخر مرة تفكّري تبعدي يا كاميليا.
تشتت انتباهها بالكامل إلى جملته التي نفتها بلهجة قاطعة وهي تقول بلهفة:
ـ والله أبدًا يا يوسف! أنا لغيت الفكرة في لحظتها. أنا قلتلك عشان أكون صريحة معاك.
يوسف بجمود:
ـ خلاص يا كاميليا، اقفلي عالموضوع دا. وسيبك من الفكرة العبيطة بتاعت إنك السبب في كل اللي بيحصلي دا، عشان الكلام دا مش صح. إنتِ مالكيش ذنب في أي حاجة. الموضوع بره عنك خالص.
كاميليا بقلق:
ـ طب طمني... هتعمل إيه بعد موضوع المناقصة؟
زفر متعبًا قبل أن يجيب:
ـ هتتحل إن شاء الله.
ـ إن شاء الله.
أردفت بخفوت:
ـ أدهم قالي إنّهم شاكين في خاين في الشركة؟
أجابها بأسف:
ـ دي حقيقة.
ـ ولسه ماعرفتوش مين؟
يوسف نافيًا:
ـ لأ لسه. أنا ورائد وأدهم بندور عليه، وأكيد هنعرفه في أقرب وقت.
شحبت ملامح وجهها عندما نطق باسم رائد، وبدأ تأنيب الضمير ينخر عظامها. هل تُخبره أن هذا الصديق الذي يراه أوفى الناس هو الخائن؟ لكن لو أخبرته، سينكشف سرها أمامه، وقد يحدث أسوأ كوابيسها... ماذا عليها أن تفعل؟
لم تستطع التفوّه بحرفٍ واحد، نظرًا لدخول الممرضة مسرعة وهي تقول:
ـ للأسف محتاجين دم تاني، ومنقدرش ناخد من حضرتك. ممكن ناخد من الآنسة؟ لأن للأسف البنت التانية حالتها ماتسمحش ناخد منها.
قطّب يوسف جبينه وقال باستفهام:
ـ بنت مين؟
الممرضة:
ـ اللي هي تقريبًا بنت المريض اللي في العمليات.
ـ يعني إيه حالتها ما تسمحش؟
الممرضة بعجالة:
ـ حالتها الدكتور هيشرحها لك. بس أنا دلوقتي محتاجة دم للمريض، ومقدرش آخد الكمية دي كلها من حضرتك، فهضطر آخد من الآنسة.
أوشك على الاعتراض، فتدخلت كاميليا برجاء:
ـ عشان خاطري يا يوسف... سيبني أتبرع بالدم. وماتخافش عليا... أرجوك.
لم يستطع مقاومة رجائها، فوافق على مضض، وتمت المهمة بنجاح. وأخذها يوسف متوجّهًا حيث الجميع ينتظر على أحر من الجمر. وفي طريقهما، أوقفته ممرضة أخرى تخبره بأن الطبيب يريده لأمرٍ هام، فاختارت كاميليا أن تسبقه ليعرف ما يريد الطبيب منه، وذهبت إلى حيث وجدت الجميع مثلما تركتهم.
ومر بعض الوقت، ثم التفتوا جميعًا إلى ذلك الصوت القادم من خلفهم:
ـ طمنّوني... عمو مراد عامل إيه؟
كان صوت روفان، التي استطاعت تهدئة زين بعد نوبة الذعر التي شهدها عند سماع صراخهم، وتركتْه مع الخادمة وجاءت مهرولة للاطمئنان على مراد. وما إن همّت كاميليا بإجابتها حتى خرج الطبيب وقال بتعب:
ـ للأسف العملية كانت صعبة، والرصاصة كانت جنب شريان رئيسي. قدرنا نخرجها بصعوبة... بس الحالة لسه غير مستقرة.
أدهم باستفهام:
ـ يعني إيه يا دكتور؟ لسه في خطر على حياته؟
ـ للأسف أه. دا غير إننا لسه ما نعرفش حالة المخ هتبقى عاملة إزاي؛ لأنه واخد خبطة جامدة في مكان حساس في دماغه.
رحيم بقلق:
ـ تقصد إيه يا دكتور؟
ـ أقصد إنه للأسف ممكن يدخل في غيبوبة... ومش هنقدر نجزم هيفوق منها إمتى.
أدهم بيأس:
ـ وهنعرف دا إمتى؟
الطبيب بعملية:
ـ في خلال ٤٨ ساعة هنقدر نحدد الحالة. ألف سلامة عليه.
غادر الطبيب، تاركًا إياهم فريسة للقلق واليأس، ليأتي صوت علي القادم من الخلف، تتبعه والدته وأختاه؛ فقد جاءوا بعد سماع الخبر للاطمئنان على حالته، والاطمئنان على روفان وكاميليا التي اندفعت إلى أحضان خالتها تبكي وهي تقول بأسى:
ـ حالته خطرة يا خالتو.
اقترب علي من أدهم، الذي تحركت كل خلية في جسده تطالبه باحتوائها بقوة بين جنبات صدره، طالبًا السلام وسط تلك الظروف الخانقة. فطالعته غرام بنظرات اخترقت قلبه؛ كانت تواسيه عيناها، قبل أن تجبره كلمات علي على الالتفات نحوه وهو يقول:
ـ ألف سلامة عليه يا أدهم... إن شاء الله هيقوم بالسلامة.
أدهم بحزن:
ـ إن شاء الله يا علي.
ربّت علي على كتفه مواسيًا، بينما التفت البنات حول كاميليا وروفان يهدئنهن، غافلين عن تلك النظرات القاتلة التي تبادلها نظرات أخرى بين فاطمة ورحيم، الذي انتفض من مكانه وقال بلهجة حادة:
ـ إنتِ... إيه اللي جابِك هنا؟
لم تستطع فاطمة الإجابة، فغضب رحيم أكثر وقال وسط ذهول الحاضرين:
ـ جاية تشمتي فيا... مش كدا؟ جاية تتأكدي إنه مات... زي اللي خلصتوا عليهم قبل كدا، صح؟
عند هذه الكلمات الجارحة، انتفض علي وقال بقوة ولهجة مماثلة:
ـ شماتة إيه يا رحيم بيه؟ خليك فاكر كلامك! أمي جاية تعمل الواجب.
رحيم بسخرية:
ـ واجب! لا. وهي طول عمرها صاحبة واجب! دي جاية تشمت فيا وتشوفني مكسور. وابني بين الحياة والموت... أنا عارف. بس مش هنولها لك يا فاطمة، وابني هيقوم بالسلامة. ودلوقتي اتفضلي. مش عايز أشوف وشك هنا تاني.
قال الأخيرة بقهر، فجعل ذلك الغضب يتمكن من علي الذي قال بغضب:
ـ أنا ما اسمحلكش تتكلم مع أمي بالطريقة دي! أمي طول عمرها ست محترمة، وعمرها ما فكرت بالطريقة القذرة دي... أبدًا!
رحيم وقد فقد آخر ذرة تعقّل:
ـ و الست المحترمة دي. ما قالتلكش إنها خطفت أبوك من أمك الحقيقية وكانت السبب في موتها؟
صمت كالصاعقة خيم على الجميع، تلاه شهقات متفاجئة وأخرى مستنكرة. لكن الصدمة الأكبر جاءت مما قاله علي بعدها، وهو ما ألجم رحيم وجعله غير قادر على التنفس:
ـ اُخرس! أمي دي أشرف إنسانة في الوجود، وعمرها ما أذت حد أبدًا.
كانت الصدمة الكبرى من نصيب فاطمة التي انفجرت عبراتها كالشلال، وزادت صدمتها عندما اقترب منها علي وطوقها بذراعيه وهو ينظر إليها بحب وفخر قائلًا:
ـ مالك مستغربة كدا؟ مستغربة إني عارف الحقيقة، صح؟ أيوه. أنا عارف كل حاجة، ومن زمان. من يوم ما كنت بقدم في الداخلية. وقتها بابا حكالي على كل حاجة، ووراني شهادة ميلادي الحقيقية. بس تعرف؟ أنا وقتها حبيتها واحترمتها أكتر من الأول ألف مرة.
تبلورت الصدمة والترقّب على ملامح الجميع، فتابع علي بعزة:
ـ لما تبقى بنت في عز شبابها، وتقبل تربي طفل يتيم، وتشيله في عينيها، وتحبه. وتعامله أحسن من ولادها... تبقى تستاهل أشيل جزمتها على راسي العمر كله.
التفت إلى فاطمة بحب وهو يتابع:
ـ اللي ما حسستنيش لحظة واحدة إني مش ابنها، واللي تفهمني من نظرة عيني، واللي تشيل همي العمر كله. تبقى أعظم أم في الدنيا، وما اسمحش لأي حد يجيب سيرتها على لسانه.
ثم نظر إلى رحيم شذرًا وقال بقسوة:
ـ وبالمناسبة. أنا دلوقتي فاهم كلام بابا لما سألته: ليه قلتلي؟ كان ممكن معرفش. قالي: يا ابني، إحنا عايشين في غابة، وأنا مش هسمح لحد ينهش في فاطمة بعد ما أموت. لأنها أعظم إنسانة في الدنيا، وعشان كدا أمك الله يرحمها... وصتها عليك قبل ما تموت، ووصتني إن محدش يربيك غيرها. وكان عنده حق في كل كلمة قالها.
كان الجميع في حالة صدمة سرعان ما تحولت إلى تأثّر من حديث علي ونبرة الفخر في صوته، لكن الغضب يشوّش على القلوب التي احترقت بنار الفقد، فقال رحيم بغضب ممزوج بالحسرة:
ضحكت عليك زي ما ضحكت على اللي قبلك! كلهم... كلهم ضيعوا مني ولادي! عمري ما هقدر أسامحهم. وإن كان جدك ضعف وسامح، فأنا لأ. هفضل أكرهها هي وأختها العمر كله.
اندفعت كاميليا بعد أن فاض بها الكيل من تحمل تلك الإهانات قائلة بغضبٍ ممزوج بالألم:
ـ أنت إيه؟ إزاي قادر تكون كدا؟ بتظلم وبتهين الحي والميت من غير ما يأنّبك ضميرك! انت... معندكش قلب؟!
قالت الأخيرة بصراخ امتزج بشهقاتها، ليصل غضب رحيم إلى ذروته، فارتفع كفّه في الهواء ليصفعها بقوة... لكن تلك الصفعة العنيفة لم تسقط على وجهها، بل سقطت على وجهه هو. يوسف!
خيم الصمت والذهول على ملامح الموجودين جميعًا، الذين تفاجؤوا حين امتدت يد يوسف ساحبةً إياها خلفه، ليتلقى هو الصفعة بدلًا عنها. وعلى رأسهم كان رحيم الذي ارتجفت يداه وفقد النطق للحظات مما اقترفه بغباء بسبب غضبه الأعمى، ليتدخل علي قائلًا بشماتة وغضب:
_ شفت إنك انت اللي وحش! كل اللي حصل لولادك ماغيركش، وحتى حالة ابنك اللي بين الحياة والموت ماخلتكش تفكر لحظة قبل ما تمد إيدك على بنت يتيمة ملهاش حد في الدنيا. بس يشاء ربنا إن القلم يترد لك ويروح لأعز حد عندك. هتفوق إمتى بقى؟
_ كفاية يا علي.
اندفعت صرخة غاضبة من يوسف وقد بلغ غضبه الذروة، فاسودت عيناه بشكل أوحى للجميع بأن الهلاك قادم لا محالة، فتراجع علي فورًا قائلًا بأسف:
_ آسف يا يوسف... يظهر إننا غلطنا فعلًا لما جينا هنا. ألف سلامة على عمك، عن إذنكم.
ألقى علي كلمته ثم أخذ والدته وأختيه اللتين لم تنطق أي منهما بحرف من هول الصدمات التي شاهدنها ذلك اليوم.
نظرت روفان إلى علي بألم ممزوج باللوم، فأهداها هو نظرة أسف منزوع الندم؛ فهو آسف لما سيؤول إليه مصيرهما، لكنه غير نادم على ما فعله، فوالدته بالنسبة إليه منطقة محظورة لا يُسمح بالمساس بها. لذلك أعطاها ظهره، دافنًا في صدره جمرات مشتعلة من نيران العشق والخيبة معًا. أما هي فلم تستطع منع عبراتها من الانحدار، لكن ما هالها حقًا هو مظهر جدها الذي لم يحتمل قلبه تلك النظرات المملوءة بالعتاب واللوم والغضب من حفيده، فأعلن استسلامه بعد كل تلك المعاناة وسقط مغشيًّا عليه.
تلقفه يوسف قبل أن يرتطم جسده بالأرض، وشعر بأن روحه تكاد تفارقه في لحظة سقوط جده، لتندلع الشهقات والصرخات من حولهم. حضر الأطباء على الفور لحمل رحيم والقيام بالإجراءات اللازمة لعلاجه، ورفضوا السماح بانضمام أي منهم إليه، حتى يوسف الذي شعر وكأن الأرض بكل اتساعها تضيق به.
ظل على هذا الحال قرابة نصف ساعة، حتى خرج الطبيب المختص بحالته، وأخبر يوسف بنجاته من تلك الأزمة القلبية التي داهمته.
قال الطبيب بهدوء:
_ الحمد لله قدِرنا ننقذه، لكن لازم يفضل في العناية المركزة فترة لحد ما نطمن على حالة القلب.
تنفس يوسف الصعداء أخيرًا، وقال بلهفة:
_ ممكن أشوفه يا دكتور؟
تمهّل الطبيب قليلًا قبل أن يجيبه:
_ المفروض إن الزيارة ممنوعة، بس أنا شايف حالتك... عشان كده هسمح لك بخمس دقايق بس. مش أكتر. إحنا عايزينه يرتاح.
يوسف بامتنان ولهفة:
_ خمس دقايق بس. مش عايز غيرهم.
ارتدى يوسف الزي المخصص لتلك الأماكن واقترب من جده بخطوات مترددة، وقلبه يسبقه شوقًا وقلقًا. فعلى الرغم من كل أخطائه، كان جده سنده ودرعه القوي في الحياة، من علمه كل شيء وشاركه كل شيء، الأب والجد والصديق، ولم يختلفا قط إلا عندما تمرد قلبه عليه واختارها شريكةً له.
ما إن اقترب منه حتى أمسك بكفه الموصول بالمغذي، ينظر إلى ذلك الجبروت الذي انهار في لحظة ليصبح بهذا الضعف. تفاجأ برحيم ينزع جهاز الأكسجين عن أنفه قائلًا بتعب:
_ سامحني يا يوسف...
يوسف بحنان:
_ سامحني انت يا جدي... حقك عليّا.
رحيم بوهن:
_ انت الوحيد اللي مقدرش أزعل منه يا ابني. اجمد يا يوسف، مش عايز أشوفك ضعيف ولا مهزوز. انت اللي هتشيل الشيلة من بعدي، وأنا واثق فيك وعارف إنك قدها.
كان رحيم يتحدث ببطء وتلعثم ناتج عن ألمه، فقال يوسف بقوة:
_ هنشيلها سوا يا جدي... انت وعدتني تفضل في ضهري العمر كله.
رحيم بابتسامة واهنة:
_ هفضل في قلبك يا يوسف. بس عايزك تريح قلبي قبل ما أموت.
يوسف بلهفة:
_ بعد الشر عنك. ما تقولش كده.
رحيم بانفعال ضعيف:
_ مفيش وقت للكلام دا اسمعني. أنا عايزك تتجوز نيفين بنت عمك.
نزلت الكلمات عليه كالصاعقة، وكاد يقاطعه وقد انتفض كل شيء داخله رفضًا، ليقول رحيم بكل ما تبقى فيه من قوة:
_ متقاطعنيش... وخليني أموت مرتاح. أنا مش هطمن عليها غير معاك يا ابني. ريح قلبي، وأوعدني إنك هتتجوز بنت عمك ومش هتسيبها للغريب أبدًا.
ذلك الرجاء المكسور في صوته، وذلك الضعف الذي كان يتآكل جسده، أجبر يوسف على الانحناء لرغبته قائلًا بيأس:
_ أوعدك يا جدي.
يتبع ......
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل السادس وثلاثون 36 - بقلم نورهان العشري
الوجه الخامس والثلاثون للعشق 🌹
لم يكُن حُبًا مُستحيلًا، ولكنه أيضًا لم يكُن مُمكنًا. لم تُفَرِّقْنا الأقدار، بل اخترنا الفُراق بأنفسنا؛ اخترته أنت، ولم أقاومه أنا. احتملتُ من الألم والعذاب والحزن ما لم يتحمله أحد، وكنتُ كل ليلة أُخبر نفسي بأن مكانِي في قلبك لا يزال شاغرًا، إلى أن أتتني صدمةُ انتمائك لغيري!
في البداية لم أستوعبها، ورفضها قلبي إلى الحد الذي جاء بي جَرًّا إليك، لنضحك سويًا على تلك المزحة السخيفة؛ لأراك تُعلِنها بكامل إرادتك، دون أن تنظر إلى قلبي الذي تمزّق أشلاءً أمام سهام غدرك، والذي لا أعلم هل كُتِبَت له الحياة بعدك مرةً ثانية أم لا؟
وبرغم كلّ هذا، لم أندم على عشقك يومًا؛ لم يكُن عشقًا مُرًّا أو قاسيًا، لكنه كان عشقًا قتلني بقدر ما أحياني
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
يُعاتبونك على أصغر أخطائك، أمّا عن أخطائهم فلا عينٌ تُبصر ولا أذنٌ تسمع.
هكذا كان الحال في المشفى، تحديدًا أمام غرفة رحيم، مع تلك التي كانت كل خلية فيها ترتجف رعبًا وندمًا على ما حدث، وما بدر منها تجاه رجلٍ لم يضيع ولو فرصةً واحدة إلا وآذاها بها. وعلى الرغم من ذلك، فقد أخذ الندم يقرضها من الداخل لكونها تسببت في تدهور حالته إلى هذه الدرجة، فصارت عبراتها تتدحرج فوق خديها بصمت؛ فقد كانت خائفة، بل مذعورة من تلك النظرات المسمومة التي كانت تطالعها بها تلك الحية سميرة وابنتها، التي اقتربت منها قائلةً بكرهٍ شديد:
ـ وليكِ عين تعيطي بعد ما كنتِ عايزة تموتيه!
قالت نيفين كلماتها بصراخٍ هز أرجاء المشفى، لتندفع صفية بغضب وشفقة على تلك المسكينة التي ترتجف من شدة الخوف فقالت باستهجان:
ـ نيفين! إيه اللي انتِ بتقوليه دا؟
سميرة بحقد:
ـ بتقول اللي حصل يا صفية. كاميليا هي السبب في اللي حصل لعمي بسبب قلة أدبها وطولة لسانها دي.
زمجر أدهم غاضبًا:
ـ الكلام دا مالوش لزوم. اللي حصل حصل. المهم دلوقتي نطمن على جدي.
همست كاميليا بأسف:
ـ مكنش قصدي والله.
قاطعتها نيفين بعنف:
ـ أمال لو تقصدي كنتِ عملتي إيه؟ كنتِ موتيه بإيدك؟!
روفان بغضب:
ـ كاميليا مكنتش تقصد، دي كانت محموقة وبتدافع عن خالتها بعد ما جدي هانها قدامنا كلنا، وأي حد كان في مكانها كان هيقول نفس الكلام.
سميرة بمكر:
ـ خالتها! أممم.. طب كاميليا كانت محموقة على خالتها. انتِ بقى محموقة دلوقتي ليه؟ تكون خالتك أنتِ كمان وإحنا منعرفش!
نيفين بتخابُث:
ـ معلش يا ماما، أصل روفان بتحب كاميليا وخالة كاميليا وأي حد من ريحة كاميليا.
ارتبكت روفان لثوانٍ قبل أن تنطق صفية التي لمحت علامات استفهام في نظرات أدهم من حديث نيفين المليء بالمكر، فقالت صفية بحدة:
ـ لسانك جوا بقّك يا سميرة، أنتِ وبنتك! وعيب قوي الكلام اللي عمالين تقولوه دا. بدل ما تدعوا لعمي يقوم بالسلامة قاعدين تبهدلوا في الغلبانة دي!
نيفين بحقد:
ـ الغلبانة دي اللي كانت هتسبب في موته! واتسببت إنه لأول مرة إيده تتمد على يوسف. هي دي الغلبانة اللي بتدافعوا عنها؟
كاميليا بصراخ وقد تمكن منها الغضب واليأس والحزن معًا:
ـ والله ما كنت أقصد!
أمسكت نيفين بمعصمها بقوة قاصدة إيلامها وقالت بصراخ:
ـ كذابة! انتِ كنتِ عايزة تموتيه عشان ما بيحبكيش!
كاميليا بتلعثم سببه البكاء الهستيري الذي جعل جسدها يرتجف بشدة، وقالت من بين شهقاتها:
ـ والله... والله... أبدًا... أ... أنا عمري ما قصدت أأذيه... حتى لو هو ما بيحبنيش... أنا بحبه... دا جدي.
نيفين بصراخ وقد تمكن الحقد والشر منها:
ـ جَدك في عينِك! دور الطاهرة الشريفة دا تلعبيه على حد تاني. انتِ أحقر إنسانة شفتها في حياتي، ويوسف لما يخرج هو بنفسه اللي هيقولك كدا!
ارتجاف جسدها وبكاؤها وضعفها بهذا الشكل أشعلوا جنون يوسف الذي خرج لتوه ليستمع إلى ذلك الحديث وتلك الاتهامات، فأفقدته كل ذرة تعقل لديه، فتقدم بمنتهى الغضب، ونزع معصمها من يد نيفين وقال بغضبٍ جحيمي:
ـ لما تتكلمي مع مرات يوسف الحسيني تتكلمي معاها بأدب!
ثم ختم كلامه بصفعة قوية تحمل من الغضب والقهر والندم أقصى ما يمكن تحمله، فسقطت على خد نيفين حتى أنها من شدتها سقطت أرضًا وسط ذهول الجميع. فقد كانوا يتوقعون ثورته عليها وأن يلومها بسبب ما حدث لجده، ولكن رؤيتها بهذا الشكل وتلك الإهانات التي وُجِّهت لها غيّبت عقله، وانتفض قلبه ألمًا عليها، ضاربًا بعرض الحائط كل الوعود والالتزامات التي تطوق عنقه نحوهم جميعًا، ولم يعُد يرى في الحياة سواها. حتى تلك الملقاة أرضًا، والتي كانت تتوقع أن تسدد هدفًا في مرمى غريمتها، لم تتوقع حتى في أحلامها أن يعاقبها بهذا الشكل، فقد جحظت عيناها وتحجر الدمع فيهما وهي تطالع ذلك الذي تشتعل زرقاوتاه غضبًا وكرهًا، ممسكًا بيد كاميليا وهي ملقاة تحت أقدامهم.
استفاقوا جميعًا على صوت سميرة الغاضب، وكانت أول من استعاد وعيه بعد تلك الصدمة، فقالت بصراخٍ عنيف:
ـ انت اتجننت؟! بتمد إيدك على بنتي؟ وعشان مين؟ بنت زه....
لم تستطع أن تُنهي حديثها إثر تلك الصرخة الغاضبة التي خرجت منه فأرعدتها وأفقدتها النطق:
ـ اخرسي ! اسمها كاميليا يوسف الحسيني، واللي هيفكر مجرد تفكير يقلّ منها همحيه من على وش الأرض!
أنهى يوسف جملته ونظر إلى أدهم الذي كان يطالع سميرة ونيفين بشماتة، قائلًا بحدة:
ـ روحوهم كلهم عالبيت، مش عايز أشوف حد هنا.
وافقه أدهم الحديث ثم نظر إلى كاميليا قائلًا باستفهام:
ـ طب... وكاميليا؟
يوسف باختصار:
ـ عم عبده هيوصلها.
وبالفعل توجهوا جميعًا إلى الخارج. وكانت حالة نيفين لا تبشر بالخير؛ فقد كانت في حالة لا تُحسد عليها، تكاد تكون مغيبة عن الواقع جراء ما حدث. فقد رأت الجحيم في عينيه. فأي عشق هذا يحمله لتلك المرأة؟ بل السؤال الأهم: ماذا لدى تلك المرأة لتحظى بكل هذا العشق من رجل مثل يوسف؟
عند هذه النقطة ثار الغضب والكره والحقد بداخلها، لتقسم بصوتٍ يكاد يكون مسموعًا:
ـ وحياة كسرتي قدّام الكل دي... لتبقى بتاعي يا يوسف! ولَـهخليك تتحسر على حبيبة القلب!
ثم ركبت السيارة مع الآخرين، وانطلقوا في طريقهم، كل يحمل بداخله شعورًا مختلفًا، تاركين خلفهم هذا الثنائي الذي كُتِب على عشقهم العذاب الأبدي.
نظرت كاميليا إلى ذلك الذي يقف بجانبها وقد هاتف السائق ليأتي ويأخذها إلى القصر، وبعدها لم ينطق بحرف واحد. فحاولت استجماع شجاعتها واسترداد صوتها الضائع، قائلة بصوتٍ مبحوح من فرط البكاء:
ـ يوسف!
وإن قلنا بأن تلك النبرة الحزينة المبحوحة التي خرج بها صوتها قد أحزنته، فلن نكون منصفين؛ فهي قد قتلته. ألا يكفيه ذلك الغضب العظيم الذي يخفيه داخل قلبه حتى يأتي انهيارها بهذا الشكل ليجعل حياته جحيمًا؟ ماذا عليه أن يفعل مع عشقٍ قد امتلك كل ذرة فيه؟ هل يضحي من أجل وعدٍ أجبر على قطعه؟ هل يمكن أن يلقي بها وبنفسه إلى قاع الجحيم نتيجة التمسك بمبادئه؟
لم يجب على ندائها، فقد كانت تلك التساؤلات تنهش عقله وتدمي قلبه، ولم يخرجه منها سوى لمسة حانية من كفها المرتجف فوق كفه الخشن، وصوتها الذي زاد ارتجافه وهي تقول بضعف وألم:
ـ أنا آسفة.
نظر إليها بعينين يملؤهما الألم والندم، وود لو يخبرها بأنه هو من عليه الاعتذار آلاف المرات، ولن يكفيه ما تبقى من عمره أسفًا لها عما اقترفه من جرم بحق عشقهما. لكن الكلام لم يسعفه، فاكتفى بإيماءة من رأسه، ثم قال بجمود:
ـ يالا عشان تروحي.
قال جملته تلك عندما رأى السائق قد وصل، ليقوم بفتح باب السيارة لها، راسمًا الجمود والقوة على ملامحه. فقابلت جموده بسوط فعلتها التي كأنها جلدت قلبه من الداخل، عندما اقتربت منه واضعةً رأسها فوق صدره، تحتويه بقوة زلزلت كيانه؛ فقد كان آخر ما يتوقعه هو أن تفعل ذلك. اشتعلت براكين العشق داخله، لكن أصفاد الندم طوّقته، فظل على حاله دون أن يملك القدرة على الاستجابة لقلبه واحتجازها بين ذراعيه، وقد أتقن رسم البرود فوق ملامحه. وبروده هذا وصل إلى قلبها، فبادرت بالانسحاب، وتراجعت خطوة للخلف، ثم استدارت تجاه الباب تحمل بداخلها جميع خيبات العالم.
لكن يده التي عاندته امتدت وأمسكت بمعصمها، قائلًا بلهفة ممزوجة بالألم:
ـ كاميليا...
بكل ما يعتمل بداخلها من وجع، التفتت إليه، مانحةً إياه نظرة ضائعة كانت كالسهم صوب منتصف قلبه، فجعله ينزف ألمًا وألجمت لسانه عن الحديث. نزعت يدها من يده بمنتهى الهدوء والألم، ثم صعدت إلى السيارة وقد تركت العنان لدموعها أن تنزل بصمت دون القدرة على إيقافها، غير مدركة شيئًا عن ذلك القلب الذي تركته خلفها يكاد يُقتَل بالألم والندم معًا...
************
فتح علي باب القصر ثم دخل، تتبعه والدته وأختاه، دون أن يتفوه أحد منهم بحرف؛ فقد كان الصمت والصدمة سَيِّدَي الموقف. ما حدث في المشفى لم يكن هيّنًا، بل قلب حياتهم رأسًا على عقب. هذا ما كانت تفكر فيه كارما، التي كانت أول من تكلّم قائلة:
ـ مش المفروض نتكلم يا ماما؟ ولا هتفضّلي ساكتة كده كتير؟
وافقتها غرام الرأي، والتي لم يختلف حالها كثيرًا عن أختها، فقالت بتأييد:
ـ أيوه يا ماما، إحنا لازم نعرف كل حاجة.
قاطعهنّ عليّ بقوة:
ـ ماما تعبانة، سيبوها ترتاح دلوقتي، وبُكرة تبقوا تعرفوا اللي انتوا عايزينه.
كارما باعتراض:
ـ بس يا علي...
قاطعها بغضب:
ـ مفيش "بس"، قولت بُكرة نتكلم!
تدخّلت الأم بصوت منهك:
ـ سيبها يا علي. من حقهم يعرفوا الحقيقة، ومن حقي أنا كمان أسمع منك اللي معرفوش.
طالعها عليّ بشفقة على حالتها، وقد تأكد أن والده كان محقًّا حين خاف عليها من هؤلاء البشر الذين كانت تنتمي إليهم، فوافقها الرأي. أسندها، وتوجّهوا جميعًا إلى الصالون، وأجلسها على الأريكة ثم جلس بجوارها صامتًا حتى شرعت هي بالحديث.
ـ أول ما بدأت شغلي في المستشفى مكنش ليا أصحاب، وكنت شخصية منطوية، ومكنش ليا اختلاط بحد... لحد ما قابلت أمل. كانت بنت هادية ورقيقة قوي، وكان دايمًا باين على ملامحها الحزن. هي كمان مكنش ليها اختلاط بحد، فبدأنا نتعرف على بعض واحدة واحدة، ووقتها حكت لي عن حياتها، وأنا حكيت لها عن حياتي. قالتلي إنها متجوزة بقالها سنة، وربنا ما أرادش تُخلّف. وشوية شوية بقت أمل بالنسبة لي زي زهرة... زي أختي.
صمتت لحظات تسترجع ملامح الراحلة، ثم تابعت بأسى:
ـ كانت طيبة وحنينة... وكانت دايمًا تحكيلي قد إيه بتحب جوزها، وإنه عِوَض ربنا ليها بعد التعب اللي شافته. وقالتلي إنه دكتور معانا في المستشفى، وإنها هتعرفني عليه.
أطلقت تنهيدة مختنقة قبل أن تُكمل بصوت مملوء بالشجن:
ـ وفي يوم قالتلي إن سالم نفسه عايز يشوفني ويتعرف عليّا من كتر كلامها عني، وإنه مستنّينا نتغدى سوا. ولما اليوم خلص، خرجت من باب المستشفى لقيتها واقفة... وهو معاها.
أغمضت عينيها، وانسابت دمعة شوق وهي تستعيد تلك اللحظة. تابعت بصوت متكسّر:
ـ وشُفته!... مقدرتش أنسى إحساسي وقتها... ولا إزاي قلبي دَقّ له؟
نظرت إلى علي بحنو:
ـ انت شبهه قوي يا علي... نسخة منه. أول مرة سلمت عليه، شعور غريب سيطر عليّا، ولقيت نفسي بتحجّج عشان أمشي ومروحش أتغدى معاهم. وخصوصًا إن أمل لحّت عليّا كتير... بس غصب عني كنت عايزة أهرب من الإحساس اللي حسّيته... اللي مهما كان اسمه فهو غلط، غلط في حقي وفي حق إنسانة كنت بعتبرها زي أختي.
سعلت قليلًا تكتم غصتها، ثم تابعت:
ـ حاولت أتجاوز عن اللي حصل، وبدأت أتجنب أي لقاء يجمعني بيه في المستشفى. وحتى بدأت أتهرب من أمل نفسها... لحد ما في يوم جتلي تجري، وفرحة الدنيا كلها فيها، وقالتلي إنها حامل.
انخفض صوتها وهي تقول من بين دموعها:
ـ فرحت لها والله... وفرحت من قلبي. ودست على أي شعور جوايا مكنش من حقي أصلًا. واتفقنا إنها تعمل لسالم مفاجأة بالخبر. لأنه كان مسافر عند والده في القاهرة عشان تعبان. بس للأسف سالم اضطر يسافر مؤتمر بعدها. ولما رجع كانت هي في المستشفى. خدت إجازة وروّحت جاري عشان تفرّحه. وبالليل لقيتها جاية عندي منهارة... بتقول إن سالم اتجنن لما عرف، وقال لها لازم تنزّل الولد.
تنفست بعمق لتكمل بصوت موجوع:
ـ يوميها بس حكتلي عن ظروف جوازهم... وإن أبوه مكنش موافق عليها، عشان كانت ممرضة عنده في القاهرة. وسالم لأنه عنيد جدًا... اتجوزها غصب عنه. وجابها إسكندرية عشان يعيشوا بعيد.
ـ زعلت منه جدًا. وفكرت إنه مش عايز أي حاجة تربطه بيها. وقلت لها تفضل عندي كام يوم. وفعلاً خدت لها إجازة. وتاني يوم لقيت سالم جاي... وعايز يتكلم معايا. وكانت صدمتي لما قالّي إن أمل عندها مرض خطير في القلب يمنعها من الحمل. وإنه مُصر إنها تنزل الطفل. وورّالي كل ورق حالتها... وطلب مني أقنعها. طبعًا كان مستحيل. وحتى لما عرفتها بخطورة حالتها، قالت إنها مستعدة تفدي ابنها بحياتها.
ساد الصمت ثوانٍ قبل أن تقول الأم بصوت منكسر:
ـ كانت حاسة إنك ولد يا علي. وفضلت طول فترة الحمل تحت الملاحظة. وفي آخر شهرين حالتها اتدهورت جدًا. ولما الدكاترة قرروا يولدوها... كان لسه في أول التاسع. للأسف... قلبها مستحملش. وتوفت.
ارتجف عليّ، وسالت دموعه مع دموع الفتاتين. وواصلت الأم:
ـ قبل ما تدخل العمليات... طلبت تكلّمني لوحدنا. وقالتلي إنها مش هتثق في حد غيري يربي ابنها. كانت بتحب اسم "علي"... وهي اللي اختارتهولك. وطلبت مني... أتجوز سالم.
رفعت نظرها، تغالب ألمها:
ـ رفضت. وقلت لها: مستحيل. سالم بيحبك، ومش هيبقى لحد تاني. ضحكت... وقالتلي إن سالم عمره ما حبّها... وإنها كانت مجرد وسيلة يعاند بيها أبوه. وقالتلي إن سالم مش هيكون مرتاح غير معايا. طمّنتها... وقلت لها هتخرجي بالسلامة. بس للأسف... ماتت قبل ما تشوفك، أو تشيلك في حضنها.
مسحت دموعها بيد مرتجفة:
ـ من يومها... سالم رفض ياخدك عند أهله في القاهرة. وأصرّ إنك تفضل معايا. وكان بييجي يشوفك دايمًا. وبعد فترة... لقيته عايز يتجوزني. وقال إن دي وصية أمل. وبعد رفض كبير عندنا في البيت... وافقوا. واتجوزته بعد ما اشترطت عليه إن الجواز دا عشانك انت بس. وإنه ما يعتبرنيش زوجة حقيقية. وهو... كرامته منعته يناقشني. وفعلاً اتجوزنا. وقعدنا سنة كاملة... مفيش بينا أي كلام إلا اللي يخصك.
أخذت نفسًا مكسورًا وأكملت:
ـ وفي يوم جاب دفتر. وقال لي: دي مذكرات أمل... فيها حاجة تخصك. ولما قريتها... اكتشفت إنها حاسّة من أول يوم شفنا بعض... إني أنا وسالم في بينّا مشاعر. وإنها كانت عارفة بمرضها حتى قبل الحمل. وكل اللي كانت عاوزاه... إنها تسعد سالم بطفل... حتى لو على حساب حياتها.
عمّ الصمت قبل أن تُنهي حديثها بصوت خافت:
ـ والله... كانت أغلى عندي من روحي. وعمري ما اتمنيت لها حاجة وحشة. وحبيتك يا علي أكتر من بناتي... عشان انت من ريحتها. ربنا يعلم.
نهض عليّ واحتضنها بقوة، وهو يبكي:
ـ عارف... ومش محتاجة تقولي. انتِ أمي... اللي معرفتش غيرها... واللي مش عايز غيرها.
انفجرت الأختان بالبكاء، والتفّوا حولهما. قالت كارما بتأثر:
ـ انتِ أعظم أم في الدنيا يا ماما... وإحنا كلنا مصدقينك.
وأضافت غرام من بين دموعها:
ـ مفيش حد زيك في الدنيا. وإحنا عمرنا ما هنصدق عليكِ كلمة وحشة. وانت يا علي... أحسن أخ في الدنيا. وإحنا بنحبك قوي.
لف علي ذراعيه حولهم جميعًا، وقال من بين دموعه:
ـ ربنا ما يحرمني منكم أبدًا.
*************
مر أسبوع على تلك الليلة المشؤومة بأحداثها الكثيرة دون أي أحداثٍ تُذكَر، فالجميع كان هادئًا على غير العادة يحاولون استيعاب تلك الأحداث الأخيرة، ولم يحدث شيء جديد؛ فحالة مراد كما هي دون أي تحسُّن، وبالمقابل تحسَّنت حالة رحيم إلى حد ما، ليسمح له بعددٍ محدود من الزيارات، فأخذ الجميع يتردَّد عليه للاطمئنان على صحته. ومع انتهاء آخر زيارةٍ له واستعداده للراحة قليلًا، وجد نقرًا على باب الغرفة تلاه ظهور آخر شخصٍ في العالم قد يتوقَّع حضوره.
تقدمت كاميليا بخطواتٍ سُلحفائية حتى وصلت إلى منتصف الغرفة وقالت بصوتٍ ضعيف:
_ الحمد لله على سلامتك.
ظل رحيم يطالعها بنظراتٍ غامضة غير مفسرة، ولم يُكلّف نفسه عناء الرد عليها، فأصابها الحرج، لكنها لم تتراجع عمّا نَوَتْه في تصليح خطئها، فرسمت ابتسامةً واهنة على شفتيها قائلةً بنبرةٍ أشبه بالتوسل:
ـ حضرتك عامل إيه دلوقتي؟ يا رب تكون بقيت أحسن.
رحيم بجمود: _ عايزة تقنعيني إن سلامتي تهمك؟!
عند هذه الكلمات انفجرت كاميليا في البكاء، وأتبعته بكلماتٍ صادقة: _ أنا آسفة... والله ما كنت أقصد يحصل لك كل دا بسببي.
اهتز رحيم داخليًا وقد لمس الصدق في حديثها، فقال لهجةً هادئة: _ تعالي اقعدي يا كاميليا... إحنا محتاجين نتكلم مع بعض شوية.
كلماته ألقت في داخلها قليلًا من الأمل في تحسُّن علاقتهما، فأسرعت بالجلوس على الكرسي بجانبه، فبادرها رحيم بالحديث:
ـ أنا عارف إنك مكنتيش تقصدي كل اللي حصل دا، وعارف إنك عمرك ما اتمنّتِ لي حاجة وحشة، وعشان كدا عايزِك تعرفي إن مشكلتي مش معاكي. إنتِ مالكيش ذنب في اللي حصل... وأعتقد إنك عارفة قصدي كويس قوي.
تغيّرت كل ملامح كاميليا من معاني كلماته المبطنة، ولم تستطع التفوّه بحرف، فواصل هو الحديث قائلًا:
_ أنا عارف إنك زعلتي واتحمّقتي على الناس اللي منك، ودا من حقِّك طبعًا، وأعتقد إن من حقي أنا كمان أخاف على الناس اللي مني!
قال الأخيرة بمكرٍ لم يصل إلى براءتها، فقالت باندفاع:
_ حقك والله... أنا عارفة. بس أنا عمري في حياتي ما هفكّر أأذي يوسف... دا هو أغلى إنسان عندي في الدنيا دي.
رحيم بمهادنة:
ـ عارف... بس عايز أتأكد!
كاميليا بلهفة:
_ أنا ممكن أعمل أي حاجة عشان تتأكد إني بحبه أكتر من أي حد في الدنيا.
رحيم بتخابث:
_ أي حاجة يا كاميليا؟!
كاميليا بأملٍ لنيل رضاه ولهفةٍ في إثبات صدق حبها:
_ أي حاجة... كل اللي تقول عليه هعمله.
رحيم بهدوء:
_ توافقي إنه يتجوز نيفين!
************
كانت روفان جالسةً في الحديقة تنظر إلى الفراغ حولها، تفكِّر في قصة حبها التي انتهت قبل أن تبدأ، وفي حلمها الذي قُتِل في مهده دون أن تكون لها القدرة على الدفاع عنه؛ كيف وكل شيء يقف ضدها؟ حتى هو... بالرغم من أن هناك جانبًا من قلبها يعطيه العذر فيما فعله، فإن جزءًا آخر يرفضه بشدة؛ ففعلته تلك تسببت في فراقهما للأبد وقطعت كل الطرق التي قد تجمعهما. وبالنهاية هي لن تستطيع لومه، فهو لم يقل شيئًا صريحًا يمكن أن تلزمه به، فكل شيء كان عبارة عن مشاعر بريئة وكلمات لطيفة متبادلة بينهما، أي أن الأمر لم يصل لمرحلة الارتباط. فلِمَ تحمِّله ذنب علاقة لم تبدأ بعد سوى في أحلامها؟! فهي من بَنَت الكثير من الآمال والأحلام وعاشت بها، والتي تحطمت في لمح البصر أمام عينيها...
دمعةٌ هاربة فرت من طرف عينيها تُحكي مقدار حزنها، فمسحتها بطرف إصبعها، وتناولت بيدها الأخرى الهاتف الذي أعلن عن وصول رسالة نصية؛ كانت كلماتها البسيطة كافية لجعلها تنتفض من مكانها:
_ عايز أشوفِك.
أخذت تنظر إلى الهاتف بعدم تصديق... فهل فعلاً راسلها أم أنها تتوهم؟ لم يُعطِها الوقت للتفكير، فرنَّ الهاتف بيدها مُعلِنًا عن اتصال كان قلبها يتمناه كثيرًا، لكنها كانت تتخبط بين حديث العقل الذي يخبرها بأن تتجاهله عقابًا له على ما فعله وتركه لها كل هذا الوقت، وحديث القلب الذي يرتجف شوقًا لسماع صوته ومحادثته، لعلها تجد عنده ما يريحها من هذا العذاب. ضاع أملها عند انقطاع الاتصال، فجلست في مكانها بيأس وحزن، ليتجدد أملها مرة أخرى عند تكرار الاتصال، فقررت الاستماع إلى صوت قلبها والرد. نظفت حلقها، ثم ردت بصوت حاولت أن يكون هادئًا:
_ ألو.
أتاها صوته من الهاتف هادئًا، يتناقض تمامًا مع ضوضاء قلبه الذي كان يدق بعنف جراء شوقه إليها:
_ كنت واثق إنك مش هتردي من أول مرة.
روفان بلهجة حاولت أن تكون باردة:
_ ليه؟
تنهد علي قائلًا بحزن:
_ على ما تحسمي الصراع اللي داير بين قلبِك وعقلِك.
روفان، وقد آلمتها كلماته وافتضاح أمرها أمامه، قالت بكبرياء:
_ لا أبدًا، مفيش أي صراع... كل حاجة محسومة. أنا بس ما شُفتش الفون.
علي بغضب:
_ يعني إيه كل حاجة محسومة؟
روفان بحزن حاولت قدر الإمكان ألّا يظهر في صوتها: _ قصدي... انت عارف كويس.
علي بنفاد صبر:
_ عايز أشوفِك؟
_ ليه؟
_ محتاجين نتكلم.
_ مفيش كلام بينا... الكلام انت خلصته خلاص، ولا نسيت؟
علي وقد وصل غضبه للذروة:
_ روفان... لآخر مرة بقولِّك: عايز أشوفك؟
ودَّ قلبها لو يجيبه قائلًا: "ارتجف شوقًا لرؤيتك"، ولكن ألجمه عقلها مطوقًا إياه بأصفادٍ من حديد، قاطعًا كل الأمل في غدٍ يكون برفقته، فقالت بلهجة قاطعة:
ـ وأنا لآخر مرة هقولك: مفيش بينا كلام يا سيادة الرائد.
ـ تمام... زي ما تحبي.
قال علي كلمته الأخيرة، ثم أغلق الخط بعدما تملك الغضب كل خلية منه، فقام بإلقاء الهاتف بكل قوته، فاصطدم بالحائط ليتفتت إلى أشلاء تُشبه تمامًا أشلاء قلبه الذي فتتته برودة كلماتها.
*************
أحيانًا تكون أعظم صفاتك هي سبب هلاكك...
منذ أن عادت كاميليا من تلك الزيارة المشؤومة وهي تلزم غرفتها. حتى عندما أتت الخادمة لتخبرها بموعد العشاء، أخبرتها بأنها ستنام، لكن الحقيقة أن النوم كان أمنية صعبة، بل مستحيلة في مثل حالتها تلك. فقد ظلت تتلوّى بنيران البعد مدة أسبوع، تحاول بكل الطرق الوصول إليه، ولكن دون جدوى؛ لا يرد على الهاتف، ونادرًا ما يكون في المنزل. حتى ذلك اليوم الذي استطاعت فيه التحدّث معه، فكان تجاهله لها كاملًا؛ أخبرها بانشغاله ثم تركها وغادر المنزل، ولم تره إلا في اليوم التالي وهو يغادر إلى الشركة. كانت تعتقد أن انشغاله حقيقي، ورفضت كل الخواطر التي تبادرت إلى ذهنها بأنه قد يتجاهلها أو ما زال غاضبًا منها. ولكن اليوم، بعد ذلك الحديث المسموم مع جدها، أصبحت على شفير الجنون. فهل يمكن أن يفعل ذلك؟ خاصةً عندما تذكرت تأكيد جدها على حديثه...
عودة لوقتٍ سابق
صدمة قوية اهتزّ لها جسدها، فهبت من مكانها تطالعه بنظرات مصدومة غير قادرة على تصديق ما سمعته أذناها، فقالت بدهشة:
_ لا... إنت أكيد بتهزر! مش معقول تكون بتطلب مني طلب زي دا؟!
رحيم بهدوء:
"إنتِ شايفة إن دي حاجة ينفع أهزر فيها؟"
كاميليا برجاء لم يلن له قلبه:
_ ياريت تكون بتهزر...
رحيم برزانة:
_ لا يا كاميليا، أنا بتكلم جد.
أشعل ذلك الهدوء نار غضبها، فقالت بصراخ:
_ تبقى مجنون لو فكّرت إني ممكن أسيبه لواحدة غيري!
رحيم بغضب:
_ اخرسي واحفظي أدبك! ومادام انتي كدا، فاعرفي إن دا هيحصل برضاكِ أو غصب عنك!
كاميليا باندهاش:
_ تقصد إيه؟
رحيم بتشفٍّ:
_ أقصد إن يوسف وعدني... وإنتِ عارفة لما يوسف بيوعد لازم ينفّذ.
عودة للوقت الحالي
أخذت تبكي كما لم تبكِ من قبل. ألهذا السبب كان يتجاهلها طوال هذا الأسبوع؟ ألهذا لم يتنازل حتى عن السؤال عنها؟ هل يمكن أن يتخلى قلبه عنها بهذه السهولة؟ هل يمكن أن يصبح زوجًا لغيرها؟
عند هذه النقطة هبّت من مكانها، وقلبها يسبق لسانها:
_ لا... لا! يوسف عمره ما هيتجوز غيري ولا هيحب غيري! أكيد في حاجة غلط... أنا لازم أتكلم معاه.
نظرت إلى الساعة فوجدتها قد تجاوزت منتصف الليل، لكن لفت انتباهها صوت سيارة قادمة. اندفعت إلى النافذة فوجدته قد وصل إلى الأسفل. دق قلبها لرؤيته وغلبها الشوق، فاندفعت نحو الباب لملاقاته، لكن مظهرها المبعثر في المرآة أوقفها. هرولت إلى خزانة ملابسها، واختارت أجمل ثيابها، ثم دخلت إلى الحمّام لتحظى بحمام مُنعش، وخرجت تجفف شعرها ثم تركته ينسدل بحرية خلفها كما يحب. أتقنت وضع مساحيق التجميل لتُخفي آثار حزنها، ثم نزلت إلى الأسفل في طريقها إليه.
لكنها وقفت فجأة عندما وجدت باب غرفة المكتب مفتوحًا قليلًا. وما إن همّت بفتحه حتى جمدتها كلماته في مكانها:
_ عمو مراد قبل ما يتضرب بالنار كلمني ووصاني لو جراله حاجة، أخلي بالي من نيفين وزين.
أدهم بذهول:
_ إنت بتقول إيه يا يوسف؟
يوسف بيأس:
_ اللي سمعته يا أدهم.
أدهم:
_ عشان كدا وعدت جدك إنك تتجوزها؟
زفر يوسف بحنق قائلًا بنبرة جافة:
_ مكنش قدامي حل غير كدا!
أدهم بشفقة على حال أخيه:
_ طب وهتعمل إيه في الموضوع دا؟
يوسف بغموض ونبرة قاطعة:
_ هنفذ وعدي. مش يوسف الحسيني اللي يوعد وما يوفّيش!
*************
دخل رائد إلى هذا القصر البغيض البارد الذي يكره مجرد الاقتراب منه، ولكن تلك المكالمة العاجلة التي أتته من عمه أجبرته على الذهاب إليه. وما إن دلف إلى هناك حتى باغته صوت إطلاق رصاص قادم من غرفة المكتب الخاصة بعمه، فتوجه فورًا إليها فوجد أحد الحرس قد تلقّى رصاصة في منتصف رأسه فخرّ صريعًا في الحال...
اهتزّ داخليًا عند رؤيته هوية هذا الحارس، لكنه رسم ملامح الجمود وارتدى قناع اللامبالاة، ثم زفر بملل وتقدّم إلى البار ليسكب كأسًا من النبيذ. اقترب من أحد الكراسي وجلس عليه بكسل، وارتشف عدة قطرات من كأسه قبل أن يقول بلا مبالاة:
_ ليه؟
ازدادت حدّة غضب راغب من لامبالاته، وقال بقسوة:
_ عشان خاين!
رفع رائد إحدى حاجبيه وقال بسخرية:
_ خاين! اممممم... أوعي تقولي قفشته مع سميرة في شقة المقطم؟
راغب بغضب حاول إخفاءه:
_ لا... كان بينقل أخباري اللي بتحصل جوه الشقة.
رائد بتفكير:
_ لا... تصدّق يستاهل. ها... قولي كنت عايزني في إيه؟
راغب وقد وصل غضبه للحد الذي لا يستطيع السيطرة عليه:
_ أنقذت حياة مراد الحسيني ليه؟
رائد بلا مبالاة:
_ جاتلي فرصة أنقذ حياة إنسان... أضيّعها؟!
ابتسم راغب بشرّ ثم قال باستنكار:
_ والإنسانية دي جتلك من إمتى؟!
رائد بتهكم:
_ جتلي على كِبَر.
راغب بغضب:
_ ولا حد سمّم أفكارك من ناحيتي ووهمك إن ولاد الحسيني ملهومش ذنب في اللي حصل زمان؟!
تنبهت كل حواس رائد لحديث عمه، والذي بالفعل قد سمعه من والدته، لكنه أتقن إخفاء الأمر قائلًا باستفهام:
_ حد زي مين؟
راغب بنفاد صبر:
_ زي ناهد هانم مثلاً! أوعى تكون مفكرني نايم على وداني. أنا عارف إنها لسه عايشة... ومن زمان كمان. وسايبها بمزاجي، لكن تيجي تبوّظلي كل خططي؟ يبقى لا... مش هسكت.
هبّ رائد من مكانه بطريقة أفزعت راغب الذي تراجع خطوتين إلى الخلف ما إن رأى نظرات رائد الشيطانية وحديثه المسموم.
_ هتعمل إيه؟ — قالها راغب بتلعثم.
رائد بسخرية:
_ هو في حقيقة أبشع من اللي قولتهالي؟!
راغب بشماتة:
_ طبعًا فيه!
استجمع أنفاسه قبل أن يُفجّر سمّه رغم حقده أمام رائد حين قال بجهامة:
_ الهانم أمك كانت بتخون أبوك مع عامر الحسيني.
لكمة قوية أطاحت بأنفه، سددها له رائد بكل عنف، فتساقطت الدماء بغزارة. ثم أمسكه من تلابيبه قائلًا بغضب جحيمي:
_ كلمة واحدة على أمي... وهقطعلك لسانك، فاهم؟
واصل راغب حديثه المسموم الذي يحمل شيئًا من الحقيقة في طياته:
_ أنا مقدّر حالتك دي، ومش هلومك على اللي عملته دلوقتي. بس أنا مبقولش كلام من فراغ... أنا عندي الدليل على كلامي.
************
كانت ناهد تتناول حبة دوائها من يد الممرضة عندما دخل رائد إلى الغرفة ومظهره يوحي بأنه قادم من الجحيم؛ فعيناه كانتا مشتعلة من شدة الغضب، وعروقه بارزة، وثيابه مبعثرة، ولكن كل هذا الهلاك لا شيء أمام ذلك الهلاك الداخلي الذي يشعر به.
صُدمت ناهد من مظهره المزري فقالت بلهفة:
_ رائد، مالك؟ إيه اللي عمل فيك كده؟
نظر رائد إلى الممرضة شزرًا قبل أن يزمجر بغضب:
_ برا!
هربت الممرضة إلى الخارج عند رؤية مظهره هذا، ثم توجه إلى والدته قائلًا بألم يغلفه الغضب:
_ انتِ كنتِ على علاقة بعامر الحسيني؟
صُدمت ناهد من حديثه وبهتت ملامحها، لتخرج الكلمات من فمها دون وعي:
_ بتقول إيه؟
رائد بعنف:
_ اللي سمعتيه! جاوبيني على سؤالي. انتِ كنتِ على علاقة بعامر الحسيني وإنتِ على ذمة أبويا؟
حاولت ناهد استيعاب صدمتها قبل أن تقول بألم:
_ قصدك كنت بخون أبوك مع صاحب عمره يا رائد! وضّح كلامك عشان أقدر أجاوبك.
رائد بألم:
_ أيا كانت طريقة السؤال، المهم إنك تجاوبيني.
ناهد بنبرة قاطعة:
_ لا.
أخرج رائد من جيبه عدة صور فوتوغرافية، وقام بوضعها أمام عينيها قائلًا بألم ولوعة:
_ كدابة! أمال إيه الصور دي؟
جحظت عينا ناهد عند رؤيتها لتلك الصور، وفرّت الدموع من عينيها وهي تنظر إليه ولم تستطع أن تتفوه بحرف واحد. فطالعها رائد بخيبة أمل كبيرة وقد تبدّل غضبه إلى حزن وضعف، وقال بلهجة حزينة مكسورة:
_ يا خسارة... كنت بكذّب نفسي لآخر لحظة، بس اللي شفته في عينيك كسرني!
قعدت سنين أعيط جنبك وأتمنى تفوقي عشان تاخديني في حضنك... والنهاردة خلّيتيني أقول ياريتك ما كنتِ فوقتي.
أنا عمري ما هسامحِك أبدًا!
ناهد برجاء وتوسّل:
_ أرجوك اسمعني... هفهمك.
لم يستمع رائد إلى توسلاتها، فما إن أنهى حديثه حتى خرج مهرولًا من الشقة، يودّ لو يهرب من هذا العالم الذي لم يرحم طفولته ولا شبابه، وسمّم حياته دون أن يقترف أي ذنب...
سقطت ناهد على الأرض منهارة في البكاء، وقد شعرت بأنها خسرت ابنها هذه المرة إلى الأبد. فظلّت تبكي سنين عمرها الضائعة وشبابها الذي دفنته بسبب أخطاء غيرها ومؤامرات حيكت خصيصًا لتدميرها...
أوقف نحيبها رنين جرس الباب، فهرولت إلى الخارج علّه يكون فلذة كبدها قد أشفق على حالها وعاد أدراجه، وما إن فتحت الباب حتى صُدمت من رؤية هذا الشخص، وقالت بذهول:
_ سالم!
يتبع.......
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل السابع وثلاثون 37 - بقلم نورهان العشري
الوجه السادس و الثلاثون للعشق 🌹
منذ اللحظة الأولى التي وقعتُ فيها في حُبّك، وأنا اشتهب نومة طويلة بجوارك، تتعانق فيها أنفاسي مع أنفاسك العطرة، ويلتف حولي دفء قربك ورائحتك الشهية. وحينها فقط سأُعلن اعتزالي للعالم أجمع.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
نظرت ناهد إلى هذا الشخص الذي ظنّته لوهلة شخصًا آخر تعرفه، فقالت بذهول:
_ سالم!
طالعها علي بصدمة؛ فهل يمكن أن تحدث تلك الصُّدف على أرض الواقع؟!
فتلك السيدة هي قريبة والدته، والتي ظن أنها ماتت منذ سنوات، منذ أن رأى ذلك الإهداء على تلك الصورة، وهو لا يصدق ما يحدث.
عودة لوقتٍ سابق
كانت كلماتها مؤلمة بقدر ما كانت مُهينة، لا لكرامته بل لقلبه الذي كان يتلهف للاجتماع بها حتى يُخبرها عما يحمله لها بين طيّاته من مشاعر عميقة وقديمة، قبل أن يُسلِّم راية عشقه لها. وفي المقابل نال منها صفعة تجاهل قاسية لمشاعره ومشاعرها في آنٍ واحد، دون أن تعطيه أي حق فيما فعله؛ فمن أُهينت أمامه كانت والدته، وهو غير نادم أبدًا على دفاعه عنها، وإن عاد الزمن لكرّر فعلته بشكل أكثر قسوة، هكذا أخبره عقله... وانصاع له قلبه الذي طعنته قساوة كلماتها في الصميم.
لكن كبرياءه أبى عليه أن يظهر ضعفه تجاهها، حتى أمام نفسه؛ فهب من مكانه وأخذ يبحث عن هاتفٍ آخر كان يحتفظ به للطوارئ، فلم يجده. فتمكّن منه الغضب مرةً ثانية، وقام بإفراغ محتويات الدرج بعصبية، ثم حمله ورماه على الأرض، وجلس على السرير خلفه بيأس.
أخفض رأسه واضعًا إيّاه بين يديه، ناظرًا إلى الأرض مغمضًا عينيه، محاولًا إعادة تنظيم أنفاسه لثوانٍ ثم فتح عينيه التي وقعتا على تلك الصورة لقريبتهم هي وطفلها. فأمسك علي الصورة ونظر إلى ملامح ذلك الطفل لثوانٍ، ثم قلبها بلا مبالاة ليجد ذلك الإهداء:
_ أُهدي هذه الصورة لأختي وصديقتي الغالية فاطمة، وهي أغلى ما أملك، فبها صغيري وحبيبي وطفلي الغالي... رائد.
كرّر قراءة الإهداء، ثم لمع وميض الذكرى في عقله، فهبّ واقفًا من مكانه ولسان حاله يردد:
_ أيعقل أن يحدث هذا؟!
أخذ علي يبحث في أوراقه ليجد ذلك الملف الذي أعطاه إيّاه صديقه شادي، والذي يحتوي على معلومات عن ذلك المدعو رائد. فبدأ ينظر إلى صور فوتوغرافية له قبل سنوات، ويقارنها بصورة ذلك الطفل... هناك شبه كبير بينهما، لكن عليه أن يتأكد بنفسه.
بحث علي عن الهاتف البديل فوجده أخيرًا، ووضع شريحته فيه، وما إن فتحه حتى وجد اتصالًا هاتفيًا؛ فأجاب بلهفة ليجده شادي، الذي قال سريعًا:
_ فينك يا ابني؟! عمال أرن عليك... تليفونك مقفول!
علي بلهفة:
_ شادي، في حاجة مهمة عايزك تعملها لي.
شادي باستفهام:
_ حاجة إيه؟
_ أنا لازم أقابل الست اللي اسمها ناهد دي في أقرب وقت.
_ أنا أساسًا كنت متصل عليك علشان كده. رائد من شوية صغيرين جه بيته وطلع يجري زي المجنون، دا حتى نسي يقفل باب العربية وراه. والمراقبة بتقول إنهم سامعين صوت زعيق وخناق فوق.
كان علي يتحدث إلى شادي وهو يرتدي ثيابه بسرعة، فقال لاهثًا:
_ ابعتلي العنوان أنا رايح على هناك.
شادي باستنكار:
_ تروح تعمل إيه هناك يا علي؟! انت مجنون؟
علي بحدة:
_ الموضوع ده لازم يخلص النهارده، وأنا لازم أقابل الست دي. إنجز ابعتلي اللوكيشن.
أنهى علي المكالمة، ثم توجه إلى الخارج، وأدار سيارته وانطلق سريعًا إلى ذلك العنوان الذي أرسله له شادي، لينتهز فرصة عدم وجود رائد، ويصعد إلى تلك الشقة لكشف الحقيقة بنفسه.
عودة للوقت الحالي
أجابها علي بهدوء وقد حاول السيطرة على انفعالاته:
_ أنا محمود صاحب رائد. هو مش موجود ولا إيه؟
طالعته ناهد بنظرات تائهة؛ فقد كان يشبه سالم كثيرًا، فهي لا تزال تتذكره عندما تقدّم لخطبة فاطمة. ولكن ذلك الشاب محق... فـسالم الآن في عمر الستين أو أكثر، لذا لا يمكن أن يكون هو. لكنها، رغم خوفها من الغرباء، ارتاحت لذلك الشاب.
كانت ناهد شاردة تنظر إليه، فقام هو بفرقعة أصابعه أمامها. خرجت من شرودها قائلة بارتباك:
_ آسفة. فكرتك حد أعرفه. في الحقيقة رائد خرج من شوية.
علي محاولًا خلق أحاديث معها:
_ حضرتِك والدته مش كده؟
ناهد بارتباك:
_ آه... لا لا... أنا واحدة قريبتُه.
علي بهدوء:
_ طب ممكن كباية ميه؟ أصلّي جاي من طريق طويل، وكنت عايز رائد في موضوع مهم بس ماليش نصيب أقابله بقى.
نظرت ناهد إليه بحيرة، ثم رأت في عينيه الاطمئنان، فهزت رأسها ودخلت إلى المطبخ. رن هاتف علي، فأجاب بصوت خفيض:
_ إيه يا شادي؟ في إيه؟
شادي بلهفة:
_ انزل من عندك بسرعة يا علي! في عربية دفع رباعي وقفت قدام البيت، وفيها ناس شكلهم ميطمنش... طالعين على فوق. وأنا واثق إنهم طالعين عند الست دي!
علي بعملية:
_ أأمن طريق للهروب إيه؟
_ الشقة دي ليها باب في المطبخ. اطلع منه وانزل عالسلم... هتلاقيني مستنيك بالعربية عند الباب اللي في ضهر العمارة.
تحرك علي، وأغلق الباب بالمفتاح الذي بداخل الشقة، وأخرج سلاحه المخفي بين طيات ملابسه. وجد ناهد تسكب الماء في الكوب، فضربها بمؤخرة سلاحه فوق رأسها وهو يقول:
_ سامحيني يا خالتي... للضرورة أحكام.
سقطت بين ذراعيه فاقدة الوعي، فحملها وفتح ذلك الباب ونزل السلالم بسرعة كبيرة، ووصل إلى ذلك الباب لحظة سماع صوت إطلاق رصاص في الأعلى. قابله شادي الذي صُدم عندما رأى علي يحمل السيدة، وقال بدهشة:
_ الله يخرب بيتك! انت عملت فيها إيه؟!
علي بلامبالاة:
_ ضربتها بالمسدس على دماغها.
شادي بذهول:
_ نهار أبوك اسود! انت اتهبّلت يا ابني؟!
علي بملل:
_ هتتنيل تركب ولا مستني لما ييجوا يخلّصوا على أهلك هنا؟
استوعب شادي الأمر مع صوت الطلقات، فهرول إلى جانب علي، الذي جلس في مقعد السائق بعدما وضع ناهد في الخلف. وما إن جلس شادي حتى انطلق علي بالسيارة بسرعة كبيرة، فلم يستطع أحد من الرجال اللحاق بهم.
زفر قائدهم بغضب، وردّ على هاتفه الذي كان يرن قائلًا بأسف:
_ للأسف يا بوص... وصلنا متأخر. في حد هربها.
*****************
كانت كاميليا تلزم غرفتها منذ أن سمعت ذلك الحديث المسموم في غرفة المكتب بين يوسف وأدهم، وقد أيقنت أن كل ما أخبرها جدّها به كان حقيقة. فيوسف قد أعطى له وعدًا بالزواج من نيفين... تلك الخاطرة التي كلما مرّت على ذهنها جلدتها، وكأنها سوط خُلق خصيصًا ليجعلها تنزف من شدّة الألم الذي لا يُعادل وجعه شيء في هذه الحياة.
وأيضًا في اليوم التالي عندما طلب يوسف الاجتماع بروفان ووالدتها سرًّا دون أن يُخبراها، فقد سمعت روفان وهي تتهامس مع صفية بصوت منخفض عن ذلك الاجتماع الذي كان يقتصر عليهما فقط، والذي رجّحت كاميليا سببه بأنه يريد أن يُخبرهما قراره بالزواج من نيفين!
للمرة الأولى لم تُسعفها دموعها لتسقط علّها تريحها قليلًا، بل عاندتها أكثر مثل تلك الحياة التي كلّما رأتْها تفرح ولو قليلًا منحتها من العذاب ما يجعلها تحزن دهرًا، ولم تُرأف بحالها ولا مرة. ولكن هذه المرة كان العذاب أكبر من قدرتها على التحمّل.
فهي لا تذكر تلك الليلة كيف صعدت مرة ثانية إلى غرفتها وارتمت على سريرها تحتضن نفسها بذراعيها لعلّها تخفّف قليلًا من تلك البرودة التي لفّت جسدها فجعلته صلبًا كالفولاذ. وحُجبت العبرات في عينيها، حتى عندما شعرت به يدخل غرفتها ويقترب منها، لم تستطع سوى التظاهر بالنوم، ولم تستجب خلية واحدة بجسدها حين لثم جبينها، ثم نظر إليها لثوانٍ يائسًا من التفاتها إليه وخرج مغلقًا الباب خلفه بهدوء.
لامت نفسها كثيرًا كيف لم تصرخ في وجهه وتقول له:
لماذا؟ لماذا أتيتَ إن كنتَ تنوي الابتعاد؟ لماذا تقترب مني وفي داخلك تنوي الزواج بأخرى؟ بأي ذنب تقتلني لتحييها؟
عند هذه الخاطرة ارتجفت شفتاها، وفرّت دمعة يتيمة، تبعتها دموع غزيرة أشفقَت على ذلك القلب الذي لم يعد قادرًا على التحمّل.
ازدادت شهقاتها شيئًا فشيئًا، وظلّت تبكي طويلًا لا تعلم كم مضى من الوقت، إلى أن هدأت تدريجيًا. ثم قامت من مكانها واتجهت إلى أحد الأدراج، فأخرجت كتابًا كبيرًا وأخذت تبحث بين أوراقه حتى وجدت ضالتها. تلك الرسالة الوحيدة المتبقية لها من والدتها، فشرعت في قراءتها بشفاه ترتجف ألمًا ووجعًا وفقدًا:
بنتي حبيبتي كاميليا...
لما تقري الجواب دا هكون أنا أكيد فارقت الحياة، بس عمري ما هفارقك أبدًا، لأني هفضل عايشة في قلبك.
عايزاكِ تعرفي إني بحبّك قوي، وإنك أغلى حاجة عندي في الدنيا، ولو طولت أفديكِ بروحي هفديكِ.
بس للأسف في حاجات كتير مبقاش بإيدينا، وقدرنا إننا نعيشها.
عارفة إنك هتتعبي قوي مع الناس اللي إنتِ عايشة معاهم، وعارفة إنك هتحاربي كتير عشان تقدري تعيشي وسطهم بسلام.
بس أنا واثقة في بنتي إنها قوية وعمرها ما تتهزم.
خليكِ قوية يا كاميليا، وأوعي تبيني ضعفك لحد أبدًا حتى لو كان مين، هييجي يوم ويستغلّه ضدك.
وخلي عندك إيمان بربنا كبير، واعرفي إن الشر عمره ما هينتصر، ومهما قوي هييجي يوم ويتكسر.
وقتها هتعرفي قيمة طيبتك وإنسانيتك، وهتعرفي إن ربنا عادل قوي. متتعشميش في حد، أصل العشم أكتر حاجة وجعها صعب... اتعشمي في ربنا، ربنا كبير وما بيخذلكيش.
وفي آخر الجواب هسيبلك عنوان فاطمة أختي... انتِ عمرك ما شفتيها، بس هي هتكون لك زيي وأكتر.
لما الدنيا تضيق بيكي، متتردديش تروحي لها، ولما تروحي قولي لها: زهرة بتقولك حافظي على ضناها قوي.
خليها تحضنك بالنيابة عني... وتسلمك بإيديها لعريسك اللي يصونك ويحافظ عليكِ.
وأوعي تصدقي أي كلمة وحشة تتقال لك عني يا بنتي.
اعرفي إن أمِك أشرف ست في الدنيا.
خلي بالك من نفسك يا بنت قلبي وروحي، وكوني قوية... أوعي تضعفي مهما الدنيا جت عليك.
بحبك قوي...
ماما زهرة.
قرأت كاميليا الخطاب للمرة التي لا تعرف عددها... في كل مرة كانت عبراتها تتساقط بغزارة، لكن هذه المرة كانت مختلفة.
فقد هبّت واقفة، ومسحت بقايا دموعها، ثم طوت الخطاب ووضعته في مكانه. دخلت إلى المرحاض لتأخذ حمامًا دافئًا، ثم ارتدت أجمل ثيابها وجهّزت بعضًا من أغراضها في حقيبة، وخرجت متجهة إلى الأسفل.
ذهبت إلى المطبخ فوجدت صفية تقف مع الخدم، فاتجهت إليها وقالت بهدوء:
_ ماما صفية.
التفتت صفية نحوها تنظر لها بحب قائلة:
ـ نعم يا حبيبتي؟
كاميليا بابتسامة بسيطة ولهجة حاولت أن تكون ثابتة:
_ ممكن أروح أزور خالتو فاطمة؟ البنات وحشوني قوي ونفسي أشوفهم.
ترددت صفية... فهي تشفق على حال تلك المسكينة، خاصة بعد انشغال يوسف الدائم عنها، وحزنها الذي بدأ واضحًا على ملامحها منذ ذلك اليوم في المشفى، خصوصًا بعد معرفتها بأن رحيم ينوي تزويج يوسف من نيفين.
فقالت بتردد:
_ طب قولتي ليوسف؟
انمحت ابتسامتها وحلّ محلّها أسىً كبير، وقالت بنبرة مهزوزة قليلًا:
_ يوسف مشغول... ربنا يعينه. أنا قولت أستأذن حضرتك لو مفيش مانع؟
ذلك الرجاء في صوتها، والحزن المسيطر على ملامحها، جعلا صفية تحسم أمرها فقالت بحزم حانٍ:
_ روّحي يا حبيبتي... غيرّي جو وانبسطي. ومتقلقيش، أنا هقول ليوسف.
اكتفت كاميليا بهز رأسها وهمست بامتنان:
_ شكرًا.
كانت صفية تود احتضانها، لكنها تراجعت... فهي تعلم أنها على شفير الانهيار، وأي لمسة حنان قد تجعلها تنهار باكية، وهذا آخر ما تريده الآن.
قبل أن تتحدث كاميليا، قاطعها صوت أدهم القادم من الخارج، فهتفت صفية بارتياح:
_ كويس... أدهم جه يودّيك، عشان الخناقة متبقاش خناقتين. مانتِ هتسبيني في وش المدفع وتمشي!
خرجتا إليها فوجداه أسفل السلم ينظر إلى ساعته. وقبل أن تتحدث صفية، لمحت يوسف بالأعلى يتحدث عبر الهاتف. شعرت كاميليا بانقباض حاد في قلبها، وحاولت إظهار اللامبالاة فقالت لأدهم بمرح:
_ عمال تبص في الساعة! عامل فيها مهم حضرتك؟
أدهم باستفزاز:
_ طبعًا مهم... أنا راجل ورايا شغل، مش عوّاطلي زي حضرتِك!
كاميليا بمكر:
_ هتندم على المعاملة دي.
أدهم بتكبر:
_ عمري ما ندمت على حاجة عملتها!
كاميليا بخبث:
_ أبدًا أبدًا؟ مفيش كده ولا كده؟
نظر لها بنصف عين ثم قال متخاذلًا:
_ لأ... مش أبدًا قوي يعني... في شوية حاجات، أولها معرفتك.
كاميليا باستفزاز:
_ معرفتي؟! طيب يا رب نفضل على موقفك ده لما تعرف أنا رايحة فين!
وقبل أن يجيب، التقطت أذنه ضحكتها التي عزفت على أوتار قلب يوسف، الذي كان يقف بالأعلى، يراقبهم...
اقترب بخطوات أثارت كل اضطراب مكبوت في صدرها، لكنها تماسكت.
وعندما مدّت يدها تداعب ياقة أدهم، علا صوت صفية:
_ واد! انت وهي... هو في إيه؟ انتِ ماسكة على الواد ده ذلّة ولا إيه يا كاميليا؟ قولّيلي!
أدهم بغيظ:
_ اركني يا حاجّة بالله عليكِ! أنا حاسس إنك لاقياني قدّام باب الجامع!
ثم التفت إلى كاميليا وقال برجاء ساخر:
_ طب أحلف لك بإيه إنك أكتر حد غالي عليّا في البيت ده؟
قهقهت بدلال، فبلغ الجنون ذروته في قلب يوسف الذي تفجّر صوته أخيرًا:
_ أدهم!
التفت أدهم بسرعة:
_ نعم يا يوسف؟
نزل يوسف آخر درجات السلم، وعيناه لا تحيدان عن كاميليا.ذلك الثوب، تلك الملامح الجميلة كل شيء بها يجذبه رغم كل غضبه.
لكن تجاهلها له أشعل ما تبقى من هدوئه.
و لكنه شاء أن يُخفي اضطرابه، ليلتفت إلى أخيه قائلًا:
_ روح خلّص اللي قلت لك عليه... وقابلني على الشركة.
_ حاضر.
ثم وجه حديثه إلى نيفين القادمة من خلفهم بنبرة جافة:
_ نيفين.
أجابته الأخيرة بلهفة مصطنعة، ليشتعل قلب كاميليا ألمًا.
قال يوسف ببرود:
_ تعالي معايا المكتب عايزك، وياريت محدّش يقاطعنا.
سقطت كلماته على قلبها كالرصاص.
ورأت نيفين تتبعه وهي ترسل لها نظرة شماتة...
فكتمت أنين روحها، بينما كلمات والدتها تتردد في ذهنها:
"خليكِ قوية يا بنتي... أوعي تضعفي."
ناداها أدهم بهدوء:
_ كاميليا...
رفعت رأسها تحاول التماسك:
_ نعم؟
_ تحبّي نقعد نتكلّم شوية؟
قالت بمرح لا يصل لعينيها:
_ إحنا هنتكلم فعلًا... بس في الطريق. انت هتوصّلني عند خالتو فاطمة.
أدهم بتعقّل:
_ كاميليا... مش ده الحل.
تدخلت صفية:
_ من حقها تروح تزور خالتها وقت ما تحب.
_ تستأذن من جوزها يا ماما.
_ لما يبقى فاضي لها! وبعدين هي استأذنت مني... وأنا وافقت. خلاص!
تنفّس أدهم بغيظ وقال:
_ اتفضلي قدّامي... مانتوا مش وراكوا غير التعب.
اما ان خطت خارج باب القصر حتى اقترب أدهم منها هامسًا:
_ زعلانة منه؟
خرجت منها تنهيدة موجوعة:
_ زعلانة كلمة قليلة قوي على اللي أنا حاسّاه.
أدهم بخبث:
_ طب إيه رأيك؟ مش نولّع الفرن ونحطّه تحت الشواية شوية؟
قالت باستغراب:
_ يعني إيه؟
_ يعني... جرعة حرقة الدم اللي من شوية؟ هنزود لها شوية بهارات... ونخلّي صاحبك يتكلم مع نفسه اليوم كله!
قطبت كاميليا جبينها بعدم فهم وقالت:
_ يعني نعمل إيه؟
_ ولا أي حاجة... الضحكة الحلوة اللي هبدتيها جوا وخلّتيه يقفل في وش الناس، عايزك تهبّديها أول ما نوصل عند العربية.
كاميليا بسخرية:
_ وهو هيشوفني إزاي يا خفيف؟
أدهم بمزاح:
_ أقطع دراعي من هِنهوه لو مكنش يوسف أخويا راشق قدّام الشباك يشوفني هخرج إمتى.
كاميليا بنفاد صبر:
_ ولو إني مش معشمة... بس يالا يمكن كلامك يطلع صح.
تقدّم أدهم من كاميليا ما إن وصلا إلى السيارة، وقام بفتح بابها في حركة درامية بعد أن انحنى أمامها. أمّا كاميليا فوضعت إحدى يديها في خصلات شعرها تُبعدها إلى الجهة الأخرى بدلال، ثم تقدّمت في حركة مسرحية وكأنها أميرة مدلّلة تسير بغنج تجاه الباب الذي يقف أمامه أدهم. وما إن وصلت أمامه حتى انفجرا في الضحك سويًا، ثم ركبت السيارة.
والتفت أدهم إلى الجهة الأخرى بعدما التقطت عيناه يوسف الذي يقف خلف النافذة ينظر إليهما بعينين كأنهما قادمتان من الجحيم؛ فقد اشتعل داخله براكين الغضب الممزوج بالغيرة. فأطفأ سيجارته بعنف قبل أن يتوجّه للخارج في غضب؛ فكيف تخرج بدون أن تخبره؟
لتلحق به نيفين عند باب الغرفة قائلة باستفهام:
_ يوسف... إنت رايح فين؟
يوسف بغضب ونظرات نارية جمدتها في مكانها:
_ مالكيش فيه... استنّيني هنا لحد ما أرجع.
تجمّدت نيفين في مكانها، وعلى الرغم من أن الفضول كان يأكلها لمعرفة ما ينوي فعله؛ إلا أن نظراته كانت لا تبشّر بالخير إطلاقًا، ففضّلت ألّا تُثير غضبه أكثر فهذا ليس في صالحها.
وعلى الجانب الآخر كان يوسف يغلي من شدّة الغضب، فأخذ يبحث عن والدته وهو يصرخ بصوت جهوري يرنّ في أرجاء المنزل:
_ ماما! يا ماما!
خرجت صفية مُهرولة من المطبخ إثر ندائه بهذه الطريقة، فقالت باضطراب:
_ إيه يا يوسف؟ في إيه؟
يوسف بغضب:
_ الست هانم رايحة فين من غير ما تقولي؟
حاولت صفية رسم الهدوء على ملامحها وهي تقول ببرود:
_ رايحة تزور خالتها فاطمة.
يوسف بحنق:
_ من غير ما أعرف؟!
صفية بتهكم:
_ وهو انت كنت فاضي لها؟! دخلت أوضة المكتب وقلت محدّش يقاطعني، المفروض هي تعمل إيه؟! تتحبس في البيت لحد ما تطقّ وتموّت على ما حضرتك تفضالها!
تراجع غضب يوسف قليلًا، وشعر بوخزات الألم تنغرز في قلبه، لكنه آثر عدم الإفصاح عمّا يدور بداخله، وقال بحدّة:
_ لما ترجع... خليها تيجي لي على المكتب.
ألقى كلماته ثم انصرف إلى غرفة المكتب، صافقًا الباب خلفه. كان قلبه يخبره بأن يذهب إليها ويعاتبها ويوبّخها على أفعالها الحمقاء، وبعد كل هذا يحتويها بين جنبات عشقه ليرمّم كل تلك الكسور والجروح التي مهما حاولت أن تُخفيها عنه لن تفلح؛ فهو يرى داخلها كما لو كانت كتابًا مفتوحًا أمامه. لكنه لا يقدر على التغافل عن أخطائها أكثر من ذلك.
_ يوسف!
كان هذا صوت نيفين الذي أخرجه من شروده، فزفر بتعب نافضًا من تفكيره كل الأفكار المتعلقة بكاميليا، ووجّه تركيزه إليها؛ إلى تلك الجالسة أمامه تطالعه بعينين يملؤهما الحب والألم، مما دفعها لتقول:
_ طبعًا مش محتاجة أعرف إنت بتفكر في إيه عشان باين قوي على وشّك. بس أنا هريحك يا يوسف وهقولك اللي إنت عايز تعرفه.
رفع يوسف إحدى حاجبيه وقال باستفهام:
_ اللي هو؟
نيفين بثبات:
_ هقولك كاميليا هربت منك ليه.
طالَعها يوسف بشك، وحاول الثبات قدر الإمكان وهو يقول بصوت أجش ونبرة هادئة ومثيرة:
_ وأنا هصدّقك في كل اللي هتقولي يا نيفين.
نيفين بشك:
_ اشمعنى؟
زفر يوسف بتعب، ثم قام من مقعده ودار حول مكتبه واقترب منها كثيرًا، ناظرًا في عينيها، وقال بصوت أجش:
_ عشان مش هتعرفي تكذبي عليّ وإنتِ عينيكِ في عيني كده.
سقطت نيفين تحت تأثير تلك اللحظة التي تمنّتها كثيرًا ن يقترب منها بكامل إرادته فأخذت نفسًا طويلًا وقالت بنبرة يملؤها التوسل:
_ قبل ما أقولك أي حاجة... عايزة أعرف... إنت جايبني هنا عشان تسألني السؤال ده، صح؟
يوسف بنفس نبرته المثيرة:
_ لا. ولو مش عايزة تقولي... أنا مش عايز أعرف. أنا جايبك هنا عشان موضوع تاني خالص.
قطبت نيفين جبينها عندما تراجع يوسف وجلس على كرسيه مرة ثانية وقد خيّم الحزن على ملامحه، فقالت باهتمام:
_ مالك يا يوسف؟
يوسف بهدوء:
_ اللي هقولهولِك ده محدّش يعرفه غير أنا وإنتِ وجدي... وأتمنى تسمعيني للآخر.
نيفين باهتمام:
_ سمعاك.
يوسف:
_ قبل ما عمي مراد يحصلّه اللي حصل... كلّمني في التليفون وطلب مني لو جراله حاجة... أخلي بالي منك إنتِ وزين. وأنا وعدته بكده.
وجدي لما تعب وأنا دخلت له... طلب مني إني أتجوزِك!
هبت نيفين من مقعدها من شدّة المفاجأة الرائعة التي لم يستوعبها عقلها، ليأتي هو بمفاجأة أكبر حين قال بتأكيد:
_ وأنا وعدته!
داهمها الدوار مرة أخرى، ولكن كان ذلك في الوقت الخطأ، فسقطت على الكرسي خلفها. فاندفع يوسف نحوها قائلًا باهتمام:
_ إنتِ كويسة؟
نيفين بتوَهان:
_ كويسة... متقلقش.
_ أطلب لك دكتور؟
نيفين وقد استعادت بعض تركيزها:
_ لا... متقلقش. هبقى كويسة كمان شوية. دي دوخة بتيجي لي كل فترة.
ناولها يوسف كوبًا من الماء فشربت منه عدة رشفات وأعادته إليه، فبادرها بالسؤال:
_ أحسن دلوقتي؟
فأجابته بهدوء:
_ آه... تمام.
_ طيب يا نيفين... نكمّل كلامنا وقت تاني؟
قاطعته نيفين بلهفة:
_ لا... منأجّلوش. أنا كويسة... من فضلك نكمل.
يوسف بلا مبالاة:
_ زي ما تحبي. مش هطوّل عليكِ.
أيوه... أنا وعدت جدي إني هتجوزِك... بس ده مش هيحصل غير لما أعرف مين عمل في عمي مراد كده... وآخر تارة!
نيفين بصدمة سرعان ما تحولت لارتباك:
_ إيه؟ طب وإنت هتعرف إزاي؟
يوسف بيأس:
_ للأسف... مفيش في دماغي أي حاجة. ولا طرف خيط أمشي وراه. بس أنا مش هسكت... ولازم أعرف مين عمل فيه كده... وليه خرج يجري اليوم ده كإن في مصيبة؟!
هبّت نيفين من مقعدها وسارت في أنحاء الغرفة بارتباك التقطته عين يوسف بمهارة:
_ مين قالك الكلام ده؟
يوسف بهدوء:
_ الخدم شافوه وهو جاي يجري من المرسم بتاعه وطلع بسرعة... وكأن في مصيبة حصلت.
وعشان كده أنا اتصلت عليه... وقالّي الكلام اللي قلتُهولِك.
تنفست نيفين الصعداء عندما تأكدت أن الحديث لم يشملها، وقالت بلهجة حاولت أن تكون متأثرة:
_ والله يا يوسف... أنا زيّك ويمكن أكتر هتجنن وأعرف مين اللي عمل في بابا كده؟
يوسف بقسوة:
_ هعرفه يا نيفين... ووقتها هدفعه التمن غالي قوي.
أتقنت ذرف دموع التماسيح وطعّمتها بلهجة حزينة مفتعلة:
_ وأنا واثقة فيك يا يوسف... إنك هتجيب لي حق بابا.
يوسف بتصميم:
_ ده شيء مفروغ منه. في حاجة تانية حابب أتكلم معاك فيها... بس يا ريت تبقي هادية وتحاولي تستوعبي اللي هقوله.
نيفين باهتمام:
_ حاجة إيه؟
يوسف بحزن:
_ عمو مراد... مش في غيبوبة زي ما الدكتور قال لنا. للأسف حالته متأخرة جدًا... تقريبًا هو عايش على الأجهزة بس. ولو انفصلت عنه ثانية واحدة هيموت.
الدكتور بعت لي وقالّي الكلام ده عشان أقرر هنعمل إيه... وطبعًا أنا مقدرتش أقول لجدي فخليته يقول موضوع الغيبوبة ده خوفًا على صحته.
حاولت نيفين رسم الحزن على وجهها وقالت بتأثر زائف:
_ إنت بتقول إيه يا يوسف؟ يعني بابا خلاص هيموت؟
اتبعت كلماتها بسيل من الدموع المزوّرة، فقابلها يوسف بهدوء:
_ أنا لسه قايل لك... عايزك تهدي وتستوعبي اللي داخلين عليه.
نيفين باستفهام:
_ تقصد إيه؟
يوسف بجفاء:
_ أقصد إني لازم أنفّذ وصية عمي وهو لسه عايش...
وعشان كده لازم نكتب كتابنا في أسرع وقت.
وده مش هيتم غير لما أمسك اللي عمل فيه كده
وده أنا محتاج فيه مساعدتك.
ارتبكت نيفين من كلماته ونظراته الثاقبة التي تشعر وكأنها تخترقها، لكنها تظاهرت بالثبات، وقالت باستفهام:
_ طب وأنا هساعدك إزاي؟
يوسف بهدوء:
_ إنتِ الفترة اللي فاتت كنتِ قريبة قوي من عمو مراد
مقالكيش إن في عداوة بينه وبين أي حد؟
حد بيضايقه بيعمله مشاكل؟
تنفست نيفين الصعداء عندما فهمت اتجاه تفكيره، وقالت بحزن زائف:
_ للأسف لا... عمره ما قالي حاجة زي دي.
يوسف بشك:
_ افتكري يا نيفين... يمكن في حاجة حصلت وإنتِ نسياها ؟
نيفين بتوتر:
_ لا مفيش، وعموماً هدور في دماغي ولو في حاجة هقولك.
تنهد يوسف ثم قال:
_ تمام. يا ريت الكلام اللي اتقال بينا ده... ميطلعش بره.
ده أول سر يكون بينا... وأنا واثق إنه مش هيكون الأخير.
اتبع جملته الأخيرة بنظرة خاصة جعلت جسدها يرتجف، فاقتربت منه للحد غير المسموح به وقالت بنبرة مثيرة:
_ وأنا كمان واثقة من ده... بس عندي سؤال. ممكن؟
يوسف بهدوء دون أن يُظهر أي رد فعل لمحاولتها إثارته:
_ ممكن.
نيفين بمكر يغلفه الحزن:
_ كاميليا!
اضطربت دقات قلبه عندما سمع اسمها، لكنه أخفى ذلك باللامبالاة وقال:
_ مالها؟
_ هتوافق على جوازنا بالسهولة دي؟
التفت يوسف نحو مكتبه وجلس على مقعده، وللحظة تخيل ردّة فعل كاميليا على هذا القرار، لكن قلبه أبى التخيل، فقال بفظاظة:
_ ده شيء يرجع لها يا نيفين. قبلت أو لأ... أنا مش هتدخل في قرارها. اللي عايزاك تكوني متأكدة منه إني عمري ما وعدت وعد وما وفّتش بيه.
كانت الأرض لا تتّسع لفرحتها عند سماع تلك الكلمات تخرج من فمه، فقالت بحب:
_ وأنا واثقة فيك يا يوسف.
هز يوسف رأسه كعلامة شكر، ثم قال بهدوء:
_ تقدري تخرجي دلوقتي... عندي شغل كتير.
هزّت نيفين رأسها وتوجّهت إلى الباب، لكنها توقفت قبل أن تغادر، ثم التفتت إليه قائلة:
_ يوسف... كاميليا هربت عشان عرفت إنك مضيتها على ورق تنازل عن حقها في الميراث يوم كتب كتابكوا!
★★★★★★★★
وصلت كاميليا عند بوّابة قصر السباعي، ونظرت إلى أدهم الجالس بجوارها قائلة بهدوء:
_ مش هتدخل معايا؟
نظر إليها أدهم بحيرة ثم قال بحزن:
_ مش هينفع يا كاميليا.
كاميليا باستفهام:
_ ليه يا أدهم؟
أدهم بحزن:
_ بعد اللي حصل دا، ماليّش عين أواجه حد منهم.
كاميليا بأسى:
_ بس انت مالكش ذنب في اللي حصل.
أدهم بندم:
_ بس كان ليا يد في حاجات كتير قبل كدا.
كاميليا بحزن على ملامحه:
_ هتستسلم يا أدهم؟
أدهم بخشونة:
_ مقدرش أقولك آه... بس أقدر أقولك إني لازم أكون متأكد من كل خطوة بعملها، عشان الموضوع بعد ما كان صعب... بقى دلوقتي مستحيل، وخصوصًا بعد اللي حصل في المستشفى. أي خطوة غلط هتضيعها مني للأبد... ودا أنا مقدرش عليه.
كاميليا بحزن:
_ بس غلط إنك تبعد عنها في الوقت دا بالذات.
أدهم بألم:
_ أنا أكتر واحد بيتعذب بسبب البعد دا، خاصة بعد ما طلبتها من علي وهي رفضتني. أنا بس بديها فرصة تستوعب اللي حصل... مش أكتر.
كاميليا بيأس:
_ اللي تشوفه يا أدهم.
أدهم:
_ عايز أطلب منك طلب؟
_ طلب إيه؟
قال أدهم بشوق بلغ ذروته، فظهر جليًا في نبرة صوته:
_ عايز أشوفها... ولو من بعيد.
لمست كاميليا الألم في صوته فأشفقت عليه، فهي أكثر من ذاق لوعة الفراق. ترقرقت العبرات في عينيها وقالت بصوت يملؤه الحزن:
_ حاضر. خليك هنا وأنا هحاول أجيبها عشان تشوفها.
وما إن أنهت كلامها حتى تحولت عينا أدهم فجأة إلى كتلة من النار المشتعلة، عندما رأى غرام تخرج من بوّابة القصر وهي تمسك بالهاتف. رن هاتف كاميليا فوجدت اسم "غرام"، فالتفتت تلك الأخيرة إليهما لتتعالى دقات قلبها جنونًا عند رؤية السيارة.
كانت كاميليا قد ترجلت من السيارة لتعانق غرام بشوق ثم قالت بصوت خافت:
_ اديله و ادي لنفسك فرصة... اسمعيه.
لم تُجب غرام، وتوجهت للداخل، لكن خطواتها توقفت حين رأت أدهم يترجل بسرعة ويمد يده ممسكًا بمعصمها قبل دخولها. ارتفعت دقات قلبها وتأثر تنفسها، وظلت تعطيه ظهرها لثوانٍ، قبل أن تسمعه يقول:
_ غرام... أرجوكِ اسمعيني.
التفتت إليه بعد أن استعادت بعضًا من هدوئها، ورسمت الجمود على ملامحها قائلة بفظاظة:
_ مالوش لزوم أسمعك... كلامك مش هيغير حاجة جوايا.
أدهم بنبرة حانية محاولًا استغلال الفرصة الذهبية:
_ لا هيغير حاجات كتير يا غرام، وبعدين بلاش تمثلي إنك مش عايزة تسمعيني أو إنك مبقتيش تحبيني. مش هصدقك، وإلا ماكنش قلبك هيدق بالشكل دا أول ما قربت منك.
اشتعل غضبها وقالت بانفعال:
_ أيوه... حتى لو قلبي بيدقلك كدا، مش عايزة أشوفك ولا أسمعك. عارف ليه؟ عشان عمر كلامك ما هيداوي الجرح اللي جرحتهولي، ولا هيهد السد اللي اتبنى بينا، خصوصًا بعد اللي حصل في المستشفى.
انفلت زمام غضبه، فأمسك بمرفقيها وقربها منه حتى اختلطت أنفاسهما وقال بيأس:
_ اللي حصل في المستشفى أنا ماليش يد فيه، وانتِ عارفة دا. ليه مُصرة ترمي كل حاجة عليّا؟ ليه مش عايزة تدي لقلبك وقلبي فرصة يعيشوا مرتاحين سوا؟ ليه كل العند دا؟
غرام بقهر:
_ العند دا أنا اتعلمته منك. يوم ما كنت مرمية قدامك وبموت، وما رحمتنيش من اتهاماتك وكلامك اللي كان زي السم. ولسه بيتردد في وداني لحد دلوقتي. تحب أقولك قولتلي إيه؟ ولا لسه فاكر؟
أدهم بألم يائس:
_ غرام... أرجوكِ سامحيني وكفاية بقى.
صرخت من وسط دموعها بعنف:
_ كويس إنك فاكر... عشان دا بالظبط اللي قولتهولك! إني في يوم هقف قدامك وهشوفك بتترجاني أسامحك، و وقتها عمري ما هسامحك! وأظن واضح إن دا ردي على كلامك قبل ما تقوله. وياريت بلاش جو "تتجوزيني" دا... أنا مش عيلة صغيرة هفرح بالكلمتين دول. أنا النجمة اللي هتفضل طول عمرك تتمناها، ومش هتوصلها. عارف ليه؟
عشان أنا عمري ما كنت رخيصة زي ما وصفتني يومها.
أنا غالية، وغالية أوي لدرجة إنك عمرك ما هتعرف توصل لي.
أنهت كلماتها، وانتزعت نفسها من بين ذراعيه، تجمع ما استطاعت من قوة لتفارقه رغم أن قلبها لم يكن يريد سوى عناقه، عناق واحد قد يعيد ترميم كل شيء.
★★★★★★★★
توجهت كاميليا للداخل لتجد كارما وفاطمة تنتظرانها. هرولت فاطمة إليها واحتضنتها بحنان كانت كاميليا بأمسّ الحاجة إليه، وقالت الأخيرة وسط دموعها:
_ آسفه... آسفه قوي يا خالتو.
قاطعتها فاطمة وهي تمسح دموعها برفق وبلهفة:
_ أوعي تعتذري يا قلب خالتك إنتِ مغلطتيش.
كاميليا بألم:
_ مكنتش أتمنى يحصل اللي حصل.
فاطمة بتعقّل:
_ هو إيه حصل يا حبيبتي؟ اللي قاله جدك لازم كان يُعرف في يوم من الأيام. وبعدين عليّ مسكتش، وخدلي حقي تالت ومتلت. وانتِ كمان مقصرتيش يا كاميليا.
أنا زعلت منك!
كاميليا بأسف:
_ آسفه اني انفعلت، بس مقدرتش أسكت وأنا شايفاه بيهينك كدا قدامهم.
فاطمة بحنان:
_ ولو يا كاميليا... مهما كان دا جدك، ومكنش يصح تعلي صوتك عليه بالشكل دا.
قبل أن ترد، رن هاتف فاطمة:
_ أيوه يا علي.
_ إنتوا فين يا ماما؟
_ في البيت يا ابني.
_ أيوه يعني فين في البيت؟
_ في الجنينة... أنا والبنات ومعانا كاميليا. ليه؟
قال علي بنفاد صبر:
_ اسمعي بس اللي هقولهولِك... من غير أسئلة. خدي البنات وادخلي أي أوضة من أوضهم... ومحدش يخرج. وإنتِ استنيني في أوضتي.
_ ليه؟
_ يا ماما بلاش أسئلة! لما أجي هفهمك.
_ طيب... قدامك قد إيه وتوصل؟
_ ربع ساعة.
_ طيب ما تتأخرش... وهعمل اللي انت عايزه.
أغلقت الهاتف، فرأت غرام تدخل مسرعة، ملامحها توحي بالحزن.
سألت فاطمة كاميليا باستفسار:
_ مين اللي وصلك لحد هنا؟
كاميليا بخفوت:
_ أدهم يا خالتو.
هزت فاطمة رأسها وقد استوعبت الموقف:
_ عشان كدا... طيب قومي يالا انتي وهي.
نظرت إليها كاميليا وكارما باستفهام، فقالت بعجلة:
_ مش وقت أسئلة... البت اللي جوا هتشلّني. لازم نعقلها. قومي يالا.
وصلوا لغرفة غرام، فقالت فاطمة:
_ ادخلوا جوّا... وقعدوا معاها. ومحدش يخرج غير لما دماغها تتعدل.
دفعتهم للداخل وأغلقت الباب بالمفتاح، ثم اتصلت بعلي:
_ نفذت اللي قولته يا آخره صبري... هتفهمني ولا لأ؟
_ بصي... أنا قدام القصر. افتحي لي الطريق.
فاطمة بنفاد صبر:
_ واد انت! هو في إيه؟ فاكرني عسكري عندك؟!
علي بمسايسة:
_ يا ماما... اهدِي. لما أجي هتعرفي كل حاجة. اتكي عالصبر شويه.
فاطمة بحنق:
_ اللهم طولِك يا روح. اتفضل ادخل، الخدم في المطبخ وجدّك نايم.
وبالفعل قام عليّ بحمل ناهد والدخول إلى البوابة ومنها إلى داخل القصر، ليجد فاطمة التي ضربت على مقدمة صدرها وقالت بصدمة:
_ يا لهوي! مين دي يا واد؟
عليّ لاهثًا:
_ تعالي ورايا بس وبطّلي رغي أحسن ما نتقفّش.
طاوعته فاطمة وصعدت خلفه حتى دخل غرفته، وقام بوضع ناهد على السرير، لينكشف وجهها الذي ما إن رأته فاطمة حتى جحظت عيناها من شدة الذهول وقالت بصدمة:
_ ناهد!
تابع الجزء الثاني من الوجه السادس و الثلاثون للعشق 🌹
_ تفتكري يا ماما كلام نيفين اللي قالته ليوسف صح؟
صفية بحيرة:
_ والله يا روفان أنا معرفش. بس إزاي نيفين هتفتن على سميرة كدا؟ دي أمها برضه!
روفان بعدم تصديق:
_ والله يا ماما أنا حاسة إنها خطة عشان تضايق بيها مامتها. نيفين دي صعبة ومحدش يتوقعها.
صفية بتعب:
_ والله يا بنتي أنا احتارت في الناس دي وتعبت من مشاكلهم، ومبقتش عارفة أقول إيه؟ بس اللي هيجنّني إن سميرة تكون السبب في هروب كاميليا؟
روفان بشماتة:
_ لا واللي يفضحها مين؟ بنتها! فعلاً يمهل ولا يهمل.
كان هذا الحديث يدور بين روفان وصفية في الصالون، ليقع على مسامع سميرة التي ارتعبت وجُنّ جنونها مما سمعته، فعادت إدراجها متوعدةً نيفين بشتى أنواع العقاب. اندفعت تجاه غرفة نيفين التي كانت ترتدي ثيابها حتى تذهب لرؤية رحيم، والذي حدثها البارحة يخبرها بأن تأتي لرؤيته، ووعدها بأن هناك مفاجأة بانتظارها، ولكنها كانت تعرفها مسبقًا من يوسف، لذا لم ترد أن تفصح عنها.
فما إن انتهت من تزيين وجهها حتى فاجأها ذلك الهجوم العاصف من سميرة التي اقتحمت غرفتها بوجه لا يُبشّر بالخير، وأغلقت الباب خلفها تناظرها بعينين يملؤهما الشر. فحاولت نيفين الثبات قدر الإمكان ورفعت إحدى حاجبيها كأنها تسأل: ماذا؟ لتقوم سميرة بصفعها صفعة قوية أدارت وجهها للجهة الأخرى، ثم صرخت بغضب قائلة:
_ واطية وخسيسة!
لم تفق نيفين من صفعتها حتى أمسكتها سميرة من خصلات شعرها وهي تقول بغل:
_ بقى أنا يا كلبة؟ بتبيعيني وتروحي تقولي ليوسف إني السبب في هروب كاميليا؟ بتكسبيه على قفايا يا سافلة؟
نفضت نيفين شعرها من يد سميرة وهي تقول بغضب:
_ ابعدي عني! أنا مقولتش حاجة لحد. إنتِ اتجننتي؟
سميرة بحقد وغضب:
_ اتجننت عشان حاويت حيّة زيّك في بيتي. بس لا، أنا مش هقع لوحدي، دا أنا هخسف بيكِ الأرض قبل ما تفكري توقّعيني.
نيفين بغضب:
_ إنتِ بتهدديني؟
سميرة بسخرية:
_ لا يا عيني، أنا مش بهدد... أنا بنفّذ على طول. ومادام إنتِ فاردة جناحاتِك قوي كدا، أنا بقى هقصقصهملك.
قهقهت نيفين ساخرة وقالت بتخابث:
_ ولا هتقدري تعمليلي أي حاجة. كلمة واحدة مني لرحيم الحسيني، هخليه يطيرك على طول. ويا سلام بقى لو عرف إنك إنتِ اللي عملتِ في ابنه الوحيد كدا... إنتِ وعشيقك طبعًا.
جحظت عينا سميرة من حديث نيفين، وللحظة استرجعت كل الأحداث السابقة، لتشهق قائلة بذهول:
_ إنتِ اللي قولتي لمراد على مكاني؟
نيفين بشماتة:
_ مش بالضبط. أنا رميت الطُعم وهو بلعه يعني تقدري تقولي إديته طرف الخيط!
استعادت سميرة وعيها وأوشكت على الهجوم مرة ثانية على نيفين وهي تصرخ بغضب:
_ آه يا كلبة يا واطية! والله لهتقِّلك ولَأشرب من دمك!
أمسكت نيفين بيدها وهي تقول بسخرية:
_ اهدي اهدي الانفعال وحش عليكّ. إنتِ دلوقتي المفروض تقعدي تفكري هتتقولي إيه لمراد الحسيني لما يفوق ويقرر يقتلك على خيانتك له. ما هو مش معقول يعني هيسيب واحدة خاينة زيّك على ذمته!
سميرة بشماتة وقد استعادت بعضًا من هدوئها:
_ لا دا أنا هفكر في حاجة أحسن وأحسن. تفتكري إيه رد فعله لما يعرف إنك أصلاً مش بنته؟
لم تتغير ملامح نيفين وكأنها كانت تتوقع حديثها، بل زادت ابتسامتها حتى وصلت لقهقهات متتالية، مما أدى إلى ذهول سميرة، وخاصةً عندما تحدثت نيفين قائلة:
_ إيه؟ اتفاجئتي إني عارفة؟ لا يا حبيبتي اتعودي لأني عارفة حاجات كتير قوي. وأولهم سر كاميليا اللي خلاها تهرب وتسيب البيت وتمشي!
كان الذهول يخيم على ملامح سميرة التي قالت بعدم تصديق:
_ إيه؟
نيفين بملل:
_ إنتِ سمعيني كويس، ومش دا موضوعنا. أنا هعرض عليكِ ديل حلو. إنتِ تسكتي عن حقيقة إني مش بنت مراد الحسيني وأنا هسكت عن موضوع خيانتك له وإنك السبب في اللي حصل له.
أخذت سميرة وقتًا للتفكير واستيعاب ما تفوهت به نيفين، ثم قالت بقلق:
_ طب وافرَضي مراد فاق؟ ما هو هيقول على كل حاجة؟
نيفين بسخرية:
_ لا من الناحية دي اطمني مراد خلاص في عداد الأموات. مجرد ما تتفصل عنه الأجهزة هيبقى "بح". ومعتقدش دي حاجة صعبة يعني.
قالت نيفين جملتها الأخيرة بمكر، فأجابتها سميرة مستفهمة:
_ وإنتِ عرفتي الكلام دا منين؟
نيفين بخبث:
_ يوسف اللي قالي.
قطبت سميرة جبينها قائلة:
_ ومن إمتى يوسف بيحكيلِك أو بيتكلم معاكي؟
نيفين بغرور:
_ آه... ما إنتِ معرفتيش؟ مش جدي العزيز وصّاه وهو في العناية المركزة إنه يتجوزني... ويوسف وعده بكدا. فمن دلوقتي تقدري تعتبريني "مادام يوسف الحسيني".
سميرة بانبهار:
_ إنتِ بتتكلمي بجد؟ طب وكاميليا؟
نيفين بملل:
_ متجبليش سيرة الزفتة دي. وعمومًا الحوار دا ميخصنيش، ويوسف هيتصرف فيه. المهم دلوقتي روحي شوفي إنتِ رايحة فين عشان متأخرش على مشواري... وخليكٌ فاكرة إن مصلحتِك معايا أنا. وإني ممكن أرفعِك سابع سما... وأقدر برضه أخسف بيكِ سابع أرض.
طالعتها سميرة بمكر وهي تقول:
_ طبعًا يا نيفو... هو أنا ليا غير بنتي حبيبتي؟
*************
مرَّ قرابةُ السبعِ ساعاتٍ ويوسف جالس في مكانه ينظر إلى ساعته للمرة التي لا يعرف عددها، ينتظر وصولها على أحرّ من الجمر المشتعل في صدره، والذي أوشك على الانفجار في أي لحظة جراء غيابها الذي كان أكثر من قاسٍ على قلبه الذي عانده ككل مرة ويشتاقها حدّ الجنون، والذي أيضًا للمرة الألف يتجاوز عن أخطائها ويغلبه شوقه إليها. ولهذا السبب كان يتجنبها الفترة الماضية، ولكن قد حانت لحظة المواجهة، فهو لن يستطيع العيش بهذا الذنب وكل هذا الغضب. فظل ينتظرها كثيرًا لكنها لم تأتِ، ولم يعد يستطيع الانتظار لحظةً واحدة، فهبَّ من مكانه متوجهًا إلى والدته التي كانت تتابع طعام العشاء في المطبخ وسألها بلهجة مباشرة:
_ كاميليا مجتش لحد دلوقتي؟
صفية ببرودٍ أتقنت رسمه:
_ كاميليا اتصلت وقالت إنها هتقعد يومين عند خالتها عشان واحشاها.
صاح مستنكرًا:
_ نَعَم!
صفية بلا مبالاة:
_ اللي سمعته يا يوسف!
اجتمع الغضب والكبرياء داخله فقال بحدة:
_ يوسف! هو يوسف بقى له لازمة أصلًا؟!
صفية بهدوء:
_ إنت شايف كده؟
_ إنتِ شايفة إيه يا صفية هانم؟ لما واحدة تخرج من غير إذن جوزها وتبات برا من غير ما حتى تفكر تعرفه دا يبقى صح؟!
صفية بغضب:
_ لا يا يوسف، ميبقاش صح يبقى غلط وغلط كبير. بس أنا لأول مرة هوافق على الغلط وأسقف له كمان، عارف ليه؟ عشان دا ردّ فعل لغلط أكبر هي ملهاش ذنب فيه.
انفلت زمام غضبه حتى صار لا يدري مع مَن يتحدث، فقد تجمعت أمام عينيه كلُّ ذنوبها، فقال بصراخ هز أرجاء المنزل:
_ هي دايمًا مش ذنبها! تعمل كل عملة والتانية وأقول حرام مش ذنبها! كل غلطة تغلطها أكبر من اللي قبلها و أسامح وأقول برضو مش ذنبها! تدوس عليّا وعلينا كلنا وأقول مش ذنبها! بس لاااا لحد هنا وكفاية! هي مش طفلة صغيرة، ومن النهاردة كل غلطة غلطتها هتتحاسب عليها!
أنهى كلماته ثم التفت وسار إلى باب القصر وكأن شياطين الجحيم تلاحقه. هرولت صفية خلفه قائلة بخوف:
_ رايح فين؟
_ رايح أجيب الست هانم وأعرفها إن ليها راجل مفروض تستأذن منه قبل ما تروح أي مكان مش سايبة هي!
انطلق بسيارته بأقصى سرعة وقد تجمعت بداخله كلّ مشاعر الغضب في هذا الكون. فقد كان يتجاوز عن الكثير والكثير لأجلها، ثم تأتي هي وتتجاوزه مرة ثانية، أو لنقل ثالثة لا لن يسمح لها، فإن كان قلبه الغبي غارقًا في عشقها حتى أذنيه، فعقله الذي طالما جنّبه في أي شيء يخصها قادرٌ الآن وبقوة على بتر تلك العلاقة من جذورها إن نالت من كرامته هذه المرة، وليذهب قلبه إلى الجحيم؛ فلن يعيش أقسى مما عاشه في غيابها عنه والذي اختارته بملء إرادتها.
هكذا كان تفكيره قبل أن يتوقف أمام باب قصر السباعي، ليستمع إلى قهقهاتها قادمة من الحديقة، فتوجه إلى حيث أخذه قلبه، فوجدها جالسة بين كارما وغرام، غافلة عن عيونٍ بلون السماء التي تجمعت بها سحُب الغضب عندما وجد ذلك الشاب يجلس قبالتها. لم يتذكره في الوهلة الأولى، لكنه عرف هويته حين دقّق النظر؛ فهو عمرو ابن عمّ علي. اقترب بخطوات حاول أن تكون هادئة رغم هذا الكم الهائل من الغضب. وكانت كارما أوّل من رأته فقالت بلهفة:
_ الحَقي... يوسف جه!
لم تستوعب كاميليا صدمتها حتى أتاها صوته البارد كالصقيع:
_ كاميليا.
التفتت غير مصدقة، وللحظات نسي قلبها كل شيء سوى أنه أتى لرؤيتها، وودّت لو تهرول لترتمي بين ذراعيه، لكن لهجته الباردة أعادتها إلى أرض الواقع حين قال:
_ تعالي... عايزِك.
اقتربت بخطوات سلحفائية، كأنها تجر خلفها آلاف الخيبات التي تثقل كاهلها، وزادت حدّة كلماته حين قال:
_ يلا... عشان نروح.
كاميليا بهدوء قوي:
_ بس أنا قلت لطنط صفية إني هبات مع البنات.
يوسف بجفاء:
_ لما تبقي متجوزة طنط صفية ابقي استأذني منها. اتفضلي قدّامي.
كانت على وشك أن تجادله، لكنها جمدت تحت نظراته القاتلة، فاكتفت بهزّ رأسها باستسلام وقالت للفتيات بنبرة مهتزة وقد سالت دموعها:
_ أنا هروح دلوقتي... وهبقى أكلمكوا لما أوصل.
ركبت السيارة، وانطلق يوسف بسرعة جنونية. ومع تزايد السرعة شعرت بالرعب:
_ هَدّي السرعة شوية.
فقال بحدة:
_ ممكن أعرف إيه اللي انتِ بتعمليه دا؟
نظرت إليه ببرود ينافي ضجيج قلبها:
_ أنا عايزة أشتغل.
وقع حديثها عليه كالمزحة الثقيلة، فقهقه ساخرًا:
_ تشتغلي!
كاميليا ببرود:
_ آه أشتغل. إيه الغريب؟
يوسف بسخرية:
_ غريب؟! أبدًا! وياترى بقى هتشتغلي فين؟ ولا هتعمليها مفاجأة؟
_ لا... ولا مفاجأة ولا حاجة. أنا عايزاك انت اللي تجيبلي الشغل.
أوقف السيارة أمام القصر، ونظر إليها بقسوة:
_ عايزاني أنا اللي أجيبلك الشغل؟! عارفة يا كاميليا انتِ أكتر حدّ غير مسئول قابلته في حياتي، وأكتر حد غير جدير بالثقة. انتِ أول حدّ حسّسني إني غبي في الحكم على الناس.
صدمت من حديثه لتهتف بنبرة مُرتجفة:
_ أنا يا يوسف؟!
لم يجب، بل نزل من السيارة متجهًا إلى الداخل. لتلحق به به وأمسكت ذراعه قائلة بانفعال:
_ يوسف... أنا بكلمك!
نفض يدها بقسوة:
_ كلامنا خلص. اعملي اللي يريحك. عايزة تشتغلي اتفضلي. عايزة تمشي وتسيبي البيت اتفضلي. واتأكدي عمري ما هدور عليكِ تاني.
دخل المكتب وصفق الباب بعنف. أما هي فكانت ترتجف، تتساقط دموعها كالمطر من فرط الألم الذي اجتاح قلبها في هذه اللحظة فصعدت الدرج ببطء لتجد نيفين تنظر بشماتة، وهي تقول:
_ يا حرام... والله صعبتي عليّا! هي بهدلتِك دي بالساهل؟!
تجاوزتها كاميليا ودخلت غرفتها لتلحق بها نيفين قائلة بنبرة مسمومة :
_ وأخيرًا... جه اليوم اللي أشوفك فيه مزلولة يا كاميليا! دا أسعد يوم في حياتي!
التفتت كاميليا باحتقار:
_ دا عشان أنتِ مريضة بتفرحي في وجع الناس. إنسانة معدومة القلب.
قهقهت نيفين قائلة بتهكم:
_ ما تقوليلي إيه كان إحساسك وهو بيقولك إنه زهق منك ومش هيدور عليك؟
كاميليا بقوة:
_ ولا حاجة. عارفة ليه؟ عشان كل دا من ورا قلبه. ومهما بعد... مسيره يرجعلي.
نيفين بمكر:
_ كان زمان... أنتِ متعرفيش الأخبار الجديدة ولا أية ؟
_ مش عايزة أعرف حاجة... خصوصًا منك. عشان أنا عارفة أن كل كلامك كذب
قهقهت نيفين بشماته ثم أخرجت هاتفها و قامت بفتح إحدى المحادثات ثم رفعت الهاتف لتضعه أمام كاميليا و قالت بتشفي
_ طب وايه رأيك في كدا ؟
_ اجهزي هنخرج كمان شويه ، و هنتعشي بره !
كانت كلماتٌ بسيطة، ولكن وقعها كان كوقع السوط على جلدٍ مُبتلٍّ بمياه الغدر الذي تلقّته على يدَيه في تلك اللحظة، عندما سمعت صوته الذي لطالما كان يبعث في قلبها الأمان، لكنه الآن قد سلبه منها بمنتهى القسوة، وألقى بها في قاع الجحيم بحياةٍ خاليةٍ تمامًا منه. فها هو قد وعد وبدأ بتنفيذ وعده دون النظر إليها أو حتى التفكير في إخبارها، وهذا يعني أنها منذ تلك اللحظة أصبحت خارج حياته؛ فهي وإن كانت تذوب فيه عشقًا، لن تقبل بهذا الوضع أبدًا.
لا تعرف كيف أتتها الجرأة والشجاعة والثبات لتردد تلك الكلمات على مسامع نيفين التي ذُهلت من ثباتها:
_ تمام. مبروك عليكِ يا نيفين، انتي اللي فوزتي، وأنا بعترف إني خسرت. بس خسرت واحد ما محافظش عليّا، وقُصاد خسارته كسبت نفسي، ودا بالنسبة لي أعظم انتصار. ماهو أنا مش زيّك، هجري ورا واحد بايعني. اتفضّلي اشبعي بيه.
صُدِمت نيفين من حديثها، ولكنها سرعان ما تجاوزت ذلك وقالت بحقد:
_ طب ابقَي خلي نفسك تنفعِك بقى، وإنتِ شايفاني مراته وجنبه، وإنتِ مش مسموح لك حتى تسلّمي عليه. ابقَي خليها تنفعك، وأنا بخليه يطردِك من البيت دا زي الكلبة ويرميكِ في الشارع... مكانك الطبيعي. تصدّقي؟ أنا متشوّقة قوي أشوفِك في الموقف دا. ياااه، دي الفرحة مش هتبقى سيعاني يومها، وأنا باذِلّك زي ما أمي ذلّت أمّك زمان.
_ اخرسي واطلعي برا، مش عايزة أشوف وشّك هنا تاني.
انهارت كاميليا لدى سماعها هذا الكم من الكلمات السامة التي خرجت من فم تلك الحيّة، فلم تملك سوى أن تطردها من غرفتها؛ فهي لم تعد قادرة على تحمّل حقدها وكرهها. وبالفعل أخرجتها من الغرفة، ثم سقطت على الأرض منهارةً في نوبة بكاءٍ حارّةٍ استغرقت قرابة الساعة حتى هدأت تدريجيًا. ثم، ببطء، اتكأت على الحائط خلفها تستند عليه حتى وصلت إلى المرحاض، ووقفت تحت المياه الباردة علّها تُطفئ نيران قلبها المشتعلة. فظلت على هذه الحالة مدة لا بأس بها، ثم خرجت وقامت بارتداء منامتها الحريرية، وكانت عبارة عن ثوب نوم قصير وضعت فوقه شالًا من الحرير، واتجهت إلى الشرفة تستنشق بعض الهواء البارد كبرودة قلبه الذي قتلها قبل أن يحييها.
أخذت تنظر إلى البعيد إلى أن وصل لمسامعها صوتُ قفلِ الباب يدور، وسرعان ما غزت أنفَها رائحتُه التي كانت كافية لجعل قلبها ينتفض عشقًا لذلك الذي كان يمرّ من أمام غرفتها المظلمة، وقد أمره عقلُه بتجاوزها والمضيّ قدمًا بخطته، ولكن قلبه لم يطاوعه أبدًا على تجاوزها، فقادته قدماه إلى حيث ترك قلبه وروحه معها، اعتقادًا منه بأنها نائمة، أو هكذا كان يتمنى حتى يستطيع احتواءها واستنشاق عبيرها الفاتن الذي أصبح مُحرّمًا عليه الآن بفرمانٍ من كبريائه الجريح. فقام بإدارة قفل الباب ليجد الغرفة تغوص في الظلام الحالك، فاقترب خطوتين فوجد سريرها خاليًا، فهبط قلبه في قدميه من فكرة أن تكون قد هربت مرة أخرى، ولكن عادت له أنفاسُه الهاربة عندما وجدها تقف عند باب الشرفة تستند عليه، ونسمات الهواء البارد تتلاعب بخصلات شعرها التي التفّ حول قلبه الذي كان يودّ لو يدخلها بين ذراعيه معاتبًا تارةً وعاشقًا تارةً أخرى.
كان مظهرها من الخلف لا يوحي بأنها قد شعرت به، ولكن كان هذا على النقيض تمامًا، فهي كانت تشعر بكل خطوة منه وكأنها ترسو فوق قلبها الخائن الذي، برغم كل شيء، انتفض بداخلها لدى سماعه صوته يناديها بهدوء قائلًا:
_ كاميليا.
لم تلتفت إليه خوفًا من أن تضعف أمام عشقه الذي أهلكها وقلبَها معًا، فظلت على حالها قائلةً بنبرة جامدة:
_ نعم.
وبنبرةٍ جافة تخفي خوفًا تسلّل إلى قلبه عليها قال:
_ واقفة عندك ليه؟ هتاخدي برد.
كاميليا بجمود:
_ الجو حلو.
كانت لهجتها الجامدة ومظهرها الساكن يبعثان القلق في قلبه، فودّ لو يديرها إليه صارخًا بها أن تكفّ عن تعذيبه هكذا، ولكنه آثر تأجيل الحديث لوقت آخر. ومع هذا، قلبه العاشق لها حتى النخاع قال باهتمام:
_ ماما وروفان عرفوا إنك جيتي وقاعدين تحت، انزلي اقعدي معاهم، متقعديش لوحدك.
كاميليا باختصار:
_ هشوف.
زادت حدّة الهواء من حولها فبعثرت خصلات شعرها أكثر، فانتشر رذاذُه في الهواء الذي حمل رائحتها الشهية إلى أنفه، فأيقظ نيران الشوق الخامدة داخل قلبه. حاول تجاهلها واقترب من السرير وحمل غطاءً خفيفًا ووضعه حول كتفيها، تاركًا يديه حولها لثوانٍ، مقربًا رأسه من خصلاتها قائلًا بصوت أجش:
_ ياريت تفكّري يا كاميليا في كل اللي وصلناله دا وتعرفي الغلط فين. وأنا هخرج دلوقتي، وبكرة إن شاء الله نتكلم.
لم تستطع التفوّه بحرف واحد، فلأول مرة لا تذيبها لمساته ولا يزلزلها اقترابه منها، وإنما قتلها إقراره بواقع كانت قبل لحظات تكذّبه وترفضه بقوة. فلم تتمكن من الحديث إلا بإيماءة بسيطة من رأسها جعلته يتراجع قسرًا. ثم توجه إلى باب الغرفة، وما إن وصل إليه حتى أوقفته كلماتها ونبرتها المهددة بالانفجار وهي تقول:
_ مشوارك مهم، مينفعش تتأخر عليه طبعًا.
التفت يوسف إليها قائلًا بشَكّ:
_ تقصدِي إيه؟
التفتت إليه ليُصعق من مظهرها الذي وقع عليه ضوء القمر، وارتجافة جسدها التي تشبه الانتفاض، تزامنًا مع دموعها التي انهمرت فوق وجهها بغزارة وهي تهرول تجاهه قائلة بهستيريا:
_ متروحلهاش يا يوسف! متعملش فيّ كدا! موتني قبل ما تسيبني وتروحلها!
التقطها يوسف قبل أن تقع وقال بصدمة وذهول:
_ «كاميليا! إنتِ بتقولي إيه؟ أروح لمين وأسيبِك؟»
كاميليا بصوت متقطع من البكاء:
_ نيفـــين! أ... أ... أنا عارفة إنك رايح لها... وعارفة كمان إنك وعدت جدو تتجوزها... هي جت وقالتلي إنك بتحبها... وإنك خلاص مبقتش عايزني... وإنّي هموت كل يوم وأنا شايفاها جنبك... قالتلي إنها هي اللي فازت بيك في الآخر... وإنك هتكون ليها...
مزقت نهنهاتُ الوجع جوفَها وهي تتابع:
_ بس... بس أنا مش هقدر أستحمل دا يحصل قدّامي... هموت قبلها... والله هموت.
احتواها بقوة إلى صدره الذي انشق نصفين لرؤيتها بهذا الحال وقال بلهفة ممزوجة بالألم:
_ إششش... اهدي...
قاطعته كاميليا بألم من بين شهقاتها:
_ متقوليش اهدي! عمري ما ههدى أبدًا وأنا عارفة إنك رايح لوحدة تانية غيري!
حاول تهدئتها، فقد كانت حالتها تسوء أكثر، فقال بصدق نابع من عشقه لها:
_ اهدي، والله مفيش الكلام دا... الموضوع مش زي ما إنتِ فاهمة.
قاطعته بصراخ آلم حنجرتها:
_ متكذبش عليا! أنا سمعتك وإنت بتقول لأدهم إنك وعدت جِدّي تتجوزها، وإن يوسف الحسيني لما بيوعد بيوفي، بس وعدك دا هيكون نهايتي! عارف يعني إيه نهايتي؟!
اشتعل فتيل غضبه من كلامها الذي يثبت أنها لم تتعلم من كل ما مرت به، فقال بحدة:
_ «وطبعًا سمعتي الكلمتين دول مني وطلعتي تجري تعيّطي زي العيال الصغيرة، صح؟! مفكرتيش تقفي ثانية تسمعي باقي كلامي، ولا حتى فكرتي تدخليلي وتقوليلي ليه؟ بالرغم إنك ليكِ كل الحق! قررتي تهربي تاني من مواجهتي وتختاري تعذّبي نفسك، وتعذبيني معاكِ! متعلمتيش أبدًا من غلطك، وغلّطتي نفس الغلطة تاني وتالت!
صدمتها حدّة كلماته وقالت بعدم فهم:
_ تقصد إيه؟
يوسف بغضب ممزوج باليأس من تسرّعها:
_ «أقصد إنك غبية يا كاميليا... وهتفضلي طول عمرك غبية! عملت المستحيل عشان تثقي فيّا وتعرفي قد إيه أنا بعشقِك... وإنتِ مفيش فايدة! أسهل حاجة عندك الهروب!»
أوشكت على الحديث، فاستطرد بجفاء:
_ جربت كل الطرق عشان أثبتلك إني بحبك لكن بردو مفهمتيش. بس فاضل طريقة واحدة بس هي اللي ممكن تثبتلك أنا بعشقك قد إيه...
قال كلماته الأخيرة بيأس قاتل تسرب إلى قلبه. وعلى الرغم من أنها لم تفهم مقصده، إلا أنها رأت تبدّل نظراته إلى درجة أفزعتها فقالت بخوف:
_ إيه هي؟
يوسف بيأس وقد اختلط عشقه بغضبه ليشكلا بركانًا هائلًا، غذّته نيران شوقه الطاغية، فلم يعد يرى أمامه سوى جنة وجودها تلك الجنة التي أسرته قبل أن يأسرها بقوة ضارية. ولأول مرة في حياته لم يستطع السيطرة على نفسه؛ فقد امتزج الغضب والعشق، الشوق واليأس معًا، فشكّلوا شعورًا لا يستطيع رجل في العالم السيطرة عليه، حتى رجلٌ ببرودته التي تذوب أمامها... فصار يغترف من جنتها، يقتطف ثمار فتنتها، مطلقًا العنان لمشاعر كبتها لسنوات حتى صارت كفيضان يجرّ كل شيء في طريقه، ولا يستطيع شيء إيقافه. وحتى انتفاضتها القوية لم توقفه، فقد كادت تهلك تحت ضغيان عشقه لولا توقفه في اللحظة المناسبة، لاهثًا من فرط المشاعر التي أفقدته كل ذرة عقل، فنطق بأسف على حالها:
_ آسف... مقدرتش أسيطر على نفسي.
لكن ما لم يتوقعه هو أن يجد يدها تحتويه أكثر، تقرّب رأسه من رأسها الملقى فوق الوسادة، وهي تقول بألم ممزوج بالعشق:
_ أنا راضية أموت جنبك، ولا إني أشوف غيري مكاني.
يوسف بلهفة يملؤها الحب:
_ عمر ما هيكون حد غيرِك جنبي يا كاميليا.
كاميليا بألم:
_ بس إنت وعدت جدي.
يوسف بتخابث:
_ وعدته بإيه؟
كانت الكلمات ثقيلة على لسانها وهي تقول بوجع:
_ وعدته إنك تتجوز نيفين.
يوسف بصوت أجش من فرط الرغبة الممزوجة بالعشق:
_ لا... وعدته إني أتجوز بنت عمي.
قطّبت كاميليا جبينها قائلة بعدم فهم:
_ تقصد إيه؟
يوسف بعشق:
_ حبك سيف محطوط على رقبتي. لو فكرت في واحدة غيرك تبقى نهايتي.
كاميليا بحب:
_ يوسف
_ تقبلي تكوني مراتي قولًا و فعلًا يا كاميليا ؟
فتحت أبواب الجنة أمامها على مصراعيها... فهل يمكنها الرفض؟ فقالت بجرأة:
_ كإنك بتسألني... تقبّلي تدخلي الجنة يا كاميليا؟
ارتسمت ابتسامة نصر على قلبه قبل شفتيه فقال بعشق صادق لم يُخلق لغيرها:
_ والجنة بالنسبالي وجودك جنبي.
_ بحبك يا يوسف.
وكأن كلماتها فرمان أطلقته ليعطيه الضوء الأخضر لامتلاكها روحًا وجسدًا، فأشعلت الفتيل الذي حرّك النيران في قلبه، فصار يبثها من الحب والعشق أطنانًا، حتى شعرت وكأنها خُلقت لها جناحان تحلّق بهما في سماء العشق الممزوج بالحنان. فقد كان يرعى عُذرية مشاعرها في كل شيء يقوم به، وصارت شفتاه تهمسان على مسامعها بعبارات الغزل والهوى، وأكدتها أفعاله العابثة التي كانت تجعلها تضحك تارة وتتألم تارة أخرى، لكن حتى الألم معه كان له مذاق آخر راقها كثيرًا، فقد كان ممزوجًا بنكهة عشقه الذي تلاه صرخة قوية خرجت من جوفها فاختصته، فابتلع آلامها داخله، لتتحول بعدها إلى سيمفونية عاشقة يخالطها ألم لذيذ يعجز اللسان عن وصفه.
وهكذا مرّت ليلة من أجمل ليالي الحب التي لا يمكن نسيانها أبدًا؛ ليلة بدأت بألمٍ قاتل وانتهت بألم لذيذ حتى ساعات الصباح الأولى، فقد أُنهكت الأجساد من فرط العشق الذي كان يغلف قلوبهما التي لا تتعب أبدًا مهما مارسته طوال الحياة.
ولأن اللحظات الجميلة تنتهي سريعًا، فقد أتى الصباح على بطلتنا الجميلة التي قضت ليلة من النعيم ظنّت أنه سيدوم إلى الأبد، ولكن تأتي الرياح دائمًا بما لا تشتهي السفن. استيقظت بعد نوم طويل منهكة القوى، تشعر وكأن شاحنة مرّت فوق جسدها الذي يلتفّ بشرشف أبيض. بدأت تتململ بألم، ثم التفتت حولها فلم تجده بجانبها، فشعرت بالخوف، والذي سرعان ما انمحى عندما سمعت صوت الماء القادم من الحمام، فعلمت بوجوده هناك. كانت تتمنى لو أن الأرض تنشق وتبتلعها من شدة الخجل عندما رأت مظهر الغرفة وثيابهما المبعثرة في كل مكان، ومرّ على ذاكرتها كل أحداث ليلتهم الهوجاء التي لم تكن تتخيلها في أحلامها، فاحمرّ وجهها حتى صار يناقض بياض الشرشف حولها.
زادت أنفاسُها حدة عندما سمعت باب الحمّام يُفتح، فسارعت بتمثيل النوم. شعرت بخطواته تقترب منها وتتوقف أمامها مباشرة، تلاها لمسة حانية من يديه اللتين فعلتا الأعاجيب بها ليلة البارحة، وهو يعيد خصلة من شعرها خلف أذنها، ثم اقتربت أنفاسه وهو يقول بمزاح:
_ جبانة.
نعم، فقد شعر باستيقاظها وبادعائها النوم، وتفهّم خجلها المحبّب إلى قلبه؛ فما حدث البارحة لم يكن قليلًا بعد كل العذاب الذي عاشه قبل أن ينال قربها ويُريها مدى عشقه الضاري لها. ولكن كل هذا صار من الماضي، فعليه الآن إنهاء مخططاته حتى ينعم بجنتها إلى الأبد.
ارتدى يوسف ثيابه التي جلبها صباحًا من غرفته ثم اقترب منها قائلًا بصوت مسموع ولهجة يكسوها المزاح:
_ مفقوسة قوي على فكرة الفراولة اللي في خدودك دي فضحاكِ.
زاد خجل كاميليا إلى الحد الذي جعلها تضع الغطاء فوق وجهها وهي تقول بصوت باكٍ من فرط الإحراج:
_ بطل بقى. والله هعيّط.
قهقه يوسف بسعادة على خجلها، وقرر ألا يحرجها أكثر، فتحرك من مكانه متوجهًا إلى باب الغرفة قائلًا بجدية:
_ مستنيكي تحت... متتأخريش عليا.
وما إن شعرت بخروجه حتى هبّت من نومها وهي تمسك يدًا بخدها واليد الأخرى على قلبها الذي يدق بجنون، قائلة بسعادة وبلا تصديق:
_ معقول؟! أنا بقيت مراته؟! لا. لا مش مصدقة نفسي.
أخذت تضحك ودموعها تتساقط لأول مرة من شدة الفرح، وصارت تقفز على السرير بسعادة بالغة حتى سقطت منهكة القوى، ولكن ذلك كان أكثر من محبب بالنسبة لها. فقامت من مكانها متلهفة لرؤيته، فقد اشتاقته كثيرًا، فتوجهت إلى المرحاض لتأخذ الحمام الخاص بها، الذي شهد البارحة على أصعب لحظات حياتها، والآن يشهد على أسعد لحظاتها على الإطلاق. فقد شعرت عندما كانت معه وكأنها في الجنة، ولكن لكل جنة شيطان، وكان هذا الشيطان متجسدًا في نيفين، التي ظلت طوال الليل تنتظره وتهاتفه دون جدوى، فقد أغلق الهاتف بوجهها، وظلت طوال الليل تأكلها الظنون. حتى أتى الصباح، قررت الذهاب إلى غرفته، فوجدتها كما هي، لم تُمس، كأنه لم يقضِ ليلته بها، لينهش القلق قلبها الذي انشطر إلى نصفين عندما رأته يخرج من غرفة غريمتها، وخصلات شعره تتساقط منها قطرات المياه، لتستوعب عقلها تلك الصدمة التي أفقدته كل ذرة تعقل لديها. فتوجهت إلى غرفة كاميليا ودخلت بدون أي استئذان، لتصعق من تلك الصدمة وهي ترى حال الغرفة وتلك الدماء على شرشف السرير، مما جعل شيطان الغيرة يتلبسها. فنظرت إلى تلك التي كانت تتغنج أمام المرآة تصفف خصلات شعرها بعدما ارتدت أجمل فساتينها، لتتفاجأ بتلك المجنونة تقتحم غرفتها بتلك الطريقة. فاقتربت منها بغضب قائلة:
_ إيه قلة الذوق دي؟ مش تخبطي؟ في حد يدخل على حد كدا؟!
كانت كاميليا تتحدث إلى تلك التي أصابها الحنون، فلم تكن تستمع إلى كلماتها، فقط شيء واحد ترتسم أمامها: صورتها مع يوسف، تلك الصورة التي جعلتها كالممسوسة. فاقتربت من كاميليا، تمسكها من خصلات شعرها، وهي تقول بهستيريا:
_ خدتيه مني يا حقيرة. والله ما هخليكِ تتهني بيه أبدًا. على جثتي تاخديه مني.
ثم قامت بجر كاميليا، التي كانت كالمذعورة بين يديها، تبكي ألم خصلاتها التي تمسكها تلك المجنونة، وتجرها خلفها بعنف حتى هبطت درجات السلم، وهي تقول بشر:
_ والله لهعرفهم حقيقتك القذرة.
كاميليا بألم:
_ سبيني يا مجنونة، إنتِ عايزة مني إيه؟
قامت نيفين بدفع كاميليا بقوة، فسقطت على الأرض تزامنًا مع صراخها المليء بالشر والقهر:
_ هسيبك بس قدام حبيب القلب اللي لازم يعرف حقيقتك.
تنبهت كاميليا لكلمات نيفين التي تابعت بشراسة:
_ إنك مش بنت عمو أحمد، إنتِ بنت حرام.
سقطت كاميليا بعنف على الأرض أمام أقدامها، التي تجمدت من فرط الذهول لما سمعته، خاصةً عندما قالت نيفين بشماتة وكره:
_ عمي أحمد مكنش بيخلف، واتجوز أمها عشان يستر عليها بعد ما كانت حامل فيها في الحرام!
يتبع....
الى اللقاء في الجزء الثاني
"عشق بين حنايا الروح " 🌹💗
يتبع....
الى اللقاء في الجزء الثاني
"عشق بين حنايا الروح " 🌹💗
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الثامن وثلاثون 38 - بقلم نورهان العشري
طية الروح الأولى
كثيرًا ما نضيع بين صوت العقل وخفقات القلب، بين ما كان وما يجب أن يكون، تتشابه علينا ملامح الإعجاب والحب. وحينها يقف الإنسان عاجزًا، مُثقَلًا بأصفاد لا يراها سواه، يخبره قلبه أنه يحمل مفتاح خلاصه، ويُلِح عليه عقله بأن يكسر تلك القيود ويمضي بلا التفات. وبين هذا الصراع المرهق تقف ذاته متمنية لو ترجح كفة واحدة؛ ليعرف أخيرًا طعم الراحة التي طال انتظاره لها.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
رفعت كاميليا عينيها لتراه يُحدِّق بها بنظرات يملؤها الذهول، فعلمت أن هلاكها قادم لا محالة، فها هو أسوأ كوابيسها قد تحقق الآن بانكشاف ذلك السر الذي خبأته طوال هذه المدة واحتملت فكرة فراقه القاتلة لكي لا يحدث ما حدث للتو. عند هذا الحد أشفق عليها جسدها الذي سحبته هوةٌ سحيقة إلى أعماق الظلام، لتُغمِض عينيها مُغشيًا عليها، دون أن تدري أن هناك قلبًا قد أوشك على الانخلاع عند رؤيتها بتلك الحالة، فامتدت يداه تُربِّت على خدها برفق ولهفة قائلًا بصوت مُرتعب من فقدها:
_ كاميليا... ردي عليّ. كاميليا فوقي.
كان الذهول والصمت يخيمان على كل الحضور، فما وقع على مسامعهم الآن أقصى ما قد يمر بخيال بشر.
لم يُوقظهم من ذهولهم سوى صراخ يوسف وهو يحملها ناظرًا إلى نيفين بكرهٍ بلغ ذروته، وتجلى بنبرة صوته التي اقشعرت لها أبدانهم حين قال صارخًا:
_ ورحمة أبويا لو جرالها حاجة لهكون دافنك حيّة.
كان أول المهرولين تجاهه أدهم، الذي اقترب منه قائلًا بلهفة:
_ مش وقت الكلام دا يا يوسف، تعالى نوديها المستشفى نطمن عليها.
انصاع يوسف لحديث أدهم دون التفوّه بحرف، فقد كانت كل حواسه مع تلك التي ترقد بين يديه دون حراك، وقد كان هذا أكثر من مرعب لقلبه الذي لم ينسَ تلك النظرة المُنكسِرة التي رآها في عينيها، والتي مزقته من الداخل وحولته إلى أشلاء. فصار يضمها إلى حنايا قلبه يود لو يُدخلها إليه حتى يحميها من بشاعة هذا العالم الذي لم يرحم قلبًا بريئًا مثلها، لا يستحق سوى السعادة والفرح.
سقطت دمعة من طرف عينيه تحكي مقدار الألم والعجز اللذين شعر بهما عندما سقطت بين يديه جراء تلك الكلمات الحقيرة التي تشبه كثيرًا قائلها، ولكنه أقسم داخله بأن يذيق الويلات لكل من تسبب في ألمها.
استفاق يوسف من شروده على صوت أدهم الذي أخبره بوصولهم إلى المشفى، فحملها مهرولًا إلى الداخل، فاستقبله الأطباء وقاموا بوضعها على السرير المتحرك وأدخلوها إلى غرفة الطوارئ لفحصها. ليظل يوسف كطيرٍ ذبيح ينتفض من شدة الغضب والألم معًا، فحاول أدهم تهدئته قائلًا بمواساة:
_ اهدى يا يوسف، إن شاء الله هتبقى كويسة... متقلقش.
يوسف بغضب جحيمي:
_ أقسم بالله ما هرحمها، وهخليها تبكي بدل الدموع دم.
أدهم، الذي كان الفضول يأكله من الداخل، تحمحم قائلًا باستفهام:
_ يوسف... الكلام اللي قالته نيفين هناك...
قاطعه يوسف بحدة:
_ مش وقته يا أدهم. كل حاجة هتتعرف في وقتها.
رقت نبرته كثيرًا عندما استطرد قائلًا:
_ المهم عندي دلوقتي تقوم بالسلامة وأطمن عليها.
أخذ الأطباء وقتًا ليس بالقليل حتى خرج أحدهم، فبادره يوسف قائلًا بلهفة:
_ طمني يا دكتور... عاملة إيه دلوقتي؟
الطبيب بهدوء:
_ من الواضح إنها اتعرضت لصدمة كبيرة فقدت بسببها الوعي. إن شاء الله كلها ساعة وتفوق... اطمن.
يوسف بلهفة:
_ أنا ممكن أشوفها؟
الطبيب بتفكير:
_ هو ممكن... بس أنا مش حابب أتعبها أكتر. من الواضح إن عليها ضغوطات نفسية كتير، ودي مش أول مرة يُغمى عليها يا يوسف بيه.
يوسف بنفاد صبر:
_ مش هتعبها نهائي... أنا بس هطمن عليها.
_ تمام... اتفضل.
ما إن أتمّ رامي جملته حتى اندفع يوسف بلهفة إلى غرفتها حاملًا بقلبه جميع اعتذارات العالم التي لن تكفيها أبدًا. وكان قلبه يرتجف لرؤيتها شاحبة الوجه حزينة الملامح، وقد تناقض ذلك مع جمالها المُشِع صباحًا قبل أن يتركها فريسة لهؤلاء الملاعين.
اقترب منها ببطء حتى وصل إلى المقعد بجانبها، وامتدت يداه تمسك بيدها المغروز بها ذلك المغذي، وقام بنثر اعتذاره فوق راحة كفها وكأن اللسان يعجز عن وصف كل هذا الأسف بقلبه. ثم اقترب من وجهها وفعل بالمثل مع مقدمة رأسها، قبل أن يُسند جبينه فوق جبينها مُغمضًا عينيه يستنشق أنفاسها التي تجعله على قيد الحياة.
لم يستطع التفوّه بحرف واحد، ف لأول مرة في حياته لم يجد ما يقوله. فقلبه كان مزيجًا من الألم والندم والعشق الذي جعل الدمع يقطر من عينيه دون أن يستطيع إيقافه وهو يتذكر ما حدث، وما جعل بركان غضبه يشتعل من جديد، فقال بلهجة مبحوحة:
_ وحياة كل دمعة نزلت من دموعك... لهدفعهم التمن غالي أوي.
***********
كان الأمر أشبه بنمور برّية تنظر إلى بعضها البعض وكأنها على وشك الهجوم وشن معركة دامية لا تنتهي سوى بنهاية أحدهم؛ فقد كان كلًا من رامي وأدهم ينظران إلى بعضهما بغضب وحنق، وكلاهما ينفث النيران من أنفه، إلى أن تَحدّث رامي باستفزاز قائلًا:
_ إيه يا أدهم بيه، عنيك بتطقّ شرار ليه كدا؟ تكونش لسه ما نولتِش الرضا!
كان أدهم يغلي من شدّة الغضب من هذا الكائن اللزج كما يسمّيه، ولكنه حاول التحكّم في أعصابه حين قال بجفاء:
_ متقلقش الرضا جاي جاي. إنت بقى هتموت ليه، هاه؟ يمكن عشان اترميت في أقرب مقلب زبالة!
تصاعد غضب رامي الذي قال بحقد:
_ زبالة! الزبالة دي أنا سبتهالك ما هو أصل أنا ما أقبلش أكون صف تاني.
وما إن أنهى كلماته البذيئة حتى نال أنفه لكمة قويّة من أدهم الذي أمسك به من تلابيبه حتى أوشك على الاختناق، وصاح غاضبًا:
_ اخرس يا كلب! غرام دي خط أحمر. إياك تفكر تجيب سيرتها بحرف واحد همحيك من على وش الدنيا فااااهم؟
كان رامي على وشك الاختناق، فجاء صوت فاطمة التي كانت تنظر إليهم بصدمة مما تراه:
_ إيه اللي بيحصل هنا؟
التفت لها أدهم الذي تفاجأ بوجود فاطمة وخلفها حبيبته ومعذّبة قلبه التي كانت تنظر إلى ما يحدث بذهول، فتعلّقت عيناه بعينيها للحظات نسي فيها الزمن، وكانت عيناه ترسل إليها مئات الأعذار التي يحملها بقلبه وتُثقل كاهله. وغفل عن ذلك الذي كان يختنق بين يديه إلى أن تدخلت كارما وهي تحدثه بحدّة:
_ أدهم... سيبه، هيموت في إيدك!
تنبه أدهم إلى رامي الذي كان على وشك لفظ أنفاسه الأخيرة بين يديه، فقام بدفعه بعيدًا وكأنه شيء قذر يُدنّس يديه، ليبدأ رامي بالسعال بقوة وهو يردد:
_ إنت مجنون... والله لهندمك ندم عمرك على اللي عملته دا!
زادت كلماته من جنون أدهم، فاقترب منه يقول بغضب:
_ وحياة أمك لهوريك الجنان على أصله!
حالت كارما بينهما، بينما ارتعب رامي من هذا المجنون. لكنه انتبه لكلمات فاطمة التي قالت بحدة:
_ بس انت وهو! إيه؟ مش عاملين احترام لحد؟
أدهم بحدة:
_ إنتِ ما سمعتيهوش بيقول إيه؟
فاطمة بنبرة صارمة:
_ أدهم خلاص، كفاية كدا.
ثم التفتت إلى ذلك الطبيب، وأعطته نظرة محتقرة كلهجتها تمامًا وهي تقول:
_ دخلت بيتنا، وكلت معانا عيش وملح، وعاملناك أحسن معاملة وما قدرتش دا كله، وطلعت تتكلم عن بنتي بالباطل؟ قد كدا إنت إنسان زبالة وأنا ما كنتش واخدة بالي؟
رامي بإحراج:
_ حضرتك فاهمة غلط.
قاطعته فاطمة بحدّة:
_ ولا كلمة! ومن اللحظة دي مش عايزة أشوفك في أي مكان إحنا موجودين فيه. ولو فتحت بقّك بحرف على بنتي أنا هيكون ليّ معاك تصرّف مش هيعجبك! أظن كلامي واضح!
نظر رامي إليها بحرج، ثم هز رأسه دون أن يتفوّه بحرف، وغادر المكان، تاركًا فاطمة تشتعل غضبًا. فالتفتت إلى أدهم قائلة بغضب:
_ عجبك اللي حصل دا؟
أدهم بدهشة:
_ إنتِ بتقولي لي أنا كدا؟!
فاطمة بحدّة:
_ أيوه بقولك إنت! شاف منكم إيه عشان يتكلم عنها كدا؟
كانت صفية قد وصلت إلى المشفى هي وروفان وشهدا على ما حدث، فقالت صفية بذهول:
_ في إيه يا إدهم؟ ومين دا؟
أدهم وقد بلغ غضبه الذروة فأصبح لا يُبصر أمامه، فقال بغضب:
_ دا واحد حيوان! وقال كدا عشان أنا كسرت دماغه أول ما لقيته حاطط عينه عليها!
قال جملته الأخيرة وهو ينظر إلى فاطمة التي قالت بانفعال:
_ وليه عملت كدا؟!
أدهم بصراخ هز أرجاء المشفى:
_ عشااان بحبهاااا!
تراجعت فاطمة بذهول من تصريحه الذي لم يخجل منه، ونظرت إليه كارما فاغرة فمها من جنونه. بينما يوجد قلب... كانت الصدمة شعوره في البداية، وسرعان ما تحوّلت لفرحة عارمة... وأصبح وكأنه خُلق له جناحان ليحلق في السماء من شدّة سعادته بهذا التصريح غير المتوقّع منه وأمامهم جميعًا دون خجل، لتزداد سعادتها أضعافًا حين قال بتأكيد:
_ أيوه بحبها ومقدرش أعيش من غيرها لحظة واحدة! ومش هسمح لأي حد في الدنيا ياخدها مني والزفت دا لو فكّر بس يقربلها همحيه من على وشّ الأرض!
لم تُتَح لهم الفرصة لاستيعاب الأمر ليشتّت انتباههم هذا الخروج العاصف ليوسف، والذي كانت عيناه تُطلقان أعيرة نارية، ومن يراه يظنّ أنه على وشك ارتكاب جريمة. فاندفع الجميع نحوه يتهافتون لمعرفة حالة كاميليا، فما كان منه سوى أن نظر لأدهم قائلًا بلهجة آمرة:
_ خليك هنا جنب مرات أخوك، أوعى تسمح لحد يقرب منها... فاهم؟
أمسك أدهم بذراعه قبل أن يقول بغضب:
_ اهدى يا يوسف... وفهّمني ناوي تعمل إيه؟
يوسف بغموض وبلهجة تحمل الشراسة والغضب:
_ في حساب طال أوي... ولازم أصفّيه.
حاول أدهم ثنيه عن المضي فيما انتواه، خاصةً وهو يعلم عواقبه، ولكن يوسف صرخ به قائلًا:
_ قولتلك خليك هنا... لحد ما أرجع!
تركه أدهم بعدما أدرك بأنه وصل إلى نقطة اللا تراجع، وأن صبره قد نفد بالفعل، فهو اليوم قرر، ولأول مرة في حياته، أن يعاقب المجرم الحقيقي الذي تسبب في كل هذا العناء لعائلته؛ بدايةً من والديه إلى حبيبته الصغيرة التي كانت ترتجف قبل لحظات بين يديه كطير ذبيح دون أن يكون له القدرة على حمايتها أو التخفيف عنها... وهذا أقسى ما قد يتحمله رجل: الشعور بالعجز عن حماية امرأة حياته.
وصل يوسف إلى مبتغاه، وقام بفتح باب الغرفة بعنف، لينتفض بذعر ذلك الذي كان يجلس مسترخيًا في مكانه وهو ينظر إلى هيئته التي لا تُبشّر بالخير إطلاقًا، فقال بلهفة:
_ إيه يا يوسف؟ حصل إيه؟
يوسف بصراخ:
_ أنا مش اتفقت معاك إن سرّ كاميليا دا يندفن معاك تحت التراب؟ نقضت العهد اللي بيني وبينك لييييه؟
صُدم رحيم من كلمات يوسف التي نزلت عليه كالصاعقة، فقد كان يتناسى ذلك الجرم الكبير الذي اقترفه في حق حفيده الغالي، وظنّ أن كاميليا أضعف من أن تفشيه. ولكن الآن... انكشفت الأمور للحد الذي جعله غير قادر على التنفّس، وماتت الكلمات فوق شفتيه، ليعيد يوسف سؤاله بحدة أكبر:
_ رد عليّ! نيفين عرفت إزاي إن كاميليا مش بنت عمي أحمد؟
رحيم بذهول:
_ نيفين؟!
يوسف بحزن مُغلّف بالغضب:
_ ارتحت لما كسرتها؟ فكرت إني ممكن أتخلى عنها؟ فكرت إني عامر الحسيني... وهبيع حب عمري عشان شوية حاجات هبلة في دماغك؟
لأ... أنا عمري ما خوفت منك، ولا هخاف. طول عمري شايف كل أخطائك وبَداري عليها وبسكت. كسرة أمي... وموت أبويا اللي أنت كنت السبب فيهم، ومع ذلك ما اتعظتش... وفضلت تدوس عالناس حواليك!
_ يوسف...
قاطع رحيم بنبرة جريحة غاضبة:
_ ربنا بعتلك مصيبة أكبر... خدت عمّي أحمد ومراته اللي أنت ما رحمتهاش لحظة واحدة، وبرضه ما اتعظتش! فضلت تربي في التعابين حواليك وفي حِضنك... وسكت!
لكن تيجي على كاميليا؟... مش هسكتلك أبدًا. فاااهم؟ مش هسكتلك!
أنهى يوسف حديثه وخرج صافقًا الباب خلفه، وقد شعر بأنه ولأول مرة في حياته على وشك الانهيار. فلم يعُد يتحمل كل هذا الشر من حوله، وخاصة عندما يأتي من أولئك الذين كان يفضّلهم على نفسه... هم من طعنوه غدرًا وقتلوا فرحته التي كان يتمناها من هذه الحياة.
فها هو اليوم الذي كان يحلم به مع حبيبته، ويظن أنه سيكون أسعد أيام حياتهما، انقلب إلى أقسى ما قد يمران به. والأسوأ من ذلك... أنه يقف وحده الآن يعاني العذاب دون أن يستطيع لمرة واحدة الاستناد على كتف أحدهم والبكاء.
نعم... يشعر بأنه طفل صغير حُطّمت أغلى ألعابه أمام عينيه دون أن يستطيع فعل شيء، لذلك يودّ لو يصرخ حتى يسمع هذا العالم كله صراخه... علَّ ذلك يريحه قليلًا.
في الجانب الآخر، نجد الجميع مجتمعين عند غرفة كاميليا التي لازالت غائبة عن الوعي، لا تدري شيئًا عما يدور حولها. وكانت فاطمة تنظر إليها بحزن شديد وشفقة على حالها، فبعد أن علمت ما حدث من غرام التي كانت تهاتف كاميليا على هاتفها المحمول، لترد عليها الخادمة وتخبرها بأنها قد أُغمي عليها وتم نقلها إلى المشفى، لتهرول الفتاتان ومعهما فاطمة للاطمئنان عليها.
كسرت فاطمة هذا الصمت قائلة بصوت خافت:
_ حصل إيه لكاميليا يا صفية؟
صفية، التي كانت تشعر بالغضب والألم معًا، لم تجد ما تقوله في مثل هذا الموقف، فنظرت إلى أدهم الذي قال بهدوء يتنافى مع ضجيج عقله:
_ خلينا نأجل الكلام لبعدين يا حاجة فاطمة لما كاميليا تقوم بالسلامة.
نظرت إليه فاطمة، وأوشكت على الحديث، لتوقفها نظرات أدهم المحذّرة، فابتلعت كلماتها مؤجلة الحديث لحين الاطمئنان على ابنة أختها التي كانت شاحبة كالأموات، والتي آلم مظهرها قلب يوسف كثيرًا عندما دخل إلى الغرفة، فوجد جميع العيون تناظره بلهفة لمعرفة ما حدث، فتجاهلهم جميعًا واقترب منها ممسكًا بيدها، ناظرًا إليها بحب. ليأتي الطبيب بعد فترة قليلة لفحصها:
_ ممكن تتفضلوا بره يا جماعة عشان أطمن عليها؟
نظر الجميع إلى يوسف الذي ظل واقفًا في مكانه وكأن الحديث غير موجّه إليه، فانسحبوا جميعًا ما عدا الطبيب والممرضة ويوسف الممسك بيدها. فاقترب منه الطبيب قائلًا بلهجة مهذّبة:
_ لو سمحت يا يوسف بيه... عايز أفحصها؟
ابتعد يوسف عنها قليلًا ووقف على الجهة المقابلة للطبيب الذي شرع في أداء عمله. وبعد دقائق، نظر إلى يوسف نظرة ذات مغزى فهمها يوسف فورًا، فخطا بضع خطوات حتى وصل إلى باب الغرفة، ولحق به الطبيب، فبادره يوسف قائلًا بخفوت:
_ فاقت صح؟
وافقه الطبيب قائلًا:
_ فعلًا هي فايقة وحاسة بكل حاجة.
زفر يوسف بغضب ثم قال بنبرة متعبة:
_ طب وإنت شايف نتعامل إزاي؟
الطبيب بعملية:
_ والله أنا شايف إننا نسيبها براحتها عشان شكلها نفسيًا تعبانة جدًا، ومش قادرة تواجه حد أو تتعامل مع حد. فبلاش نضغط عليها زيادة، عشان دا ممكن يعمل مضاعفات سلبية وإحنا في غنى عنها.
يوسف بخشونة:
_ تمام يا دكتور. عايزك تقول للناس اللي بره إنها لسه ما فاقتْش وتمنع عنها الزيارة. مش عايز حد يدخل لها خالص حتى لو كان مين. أنا بس اللي أقدر أدخل لحد ما تقرر هي. وقتها اللي يريحها نعمله.
الطبيب بموافقة:
_ تمام. وأنا أول ما تقرر تفوق هبعتلها دكتور نفسي كويس أوي يتابع معاها عشان ما يحصلش مضاعفات.
يوسف بنبرة قاطعة:
_ دكتورة. مش دكتور.
الطبيب بتفهم:
_ اللي تشوفه عن إذنك.
خرج الطبيب وتبعته الممرضة، بينما اقترب يوسف من حبيبته الراقدة على السرير، تتمنى لو أنها تظلّ تدّعي النوم هكذا لآخر عمرها.
فما حدث لم يكن بالهين عليها؛ فقد هُدِمت حياتها، وقُتِل حلمها في مهده، وانطفأت شعلة سعادتها قبل أن يُتاح لها أن تستمتع بها ولو قليلًا. وكُشِف سرها الذي لم تكن لها يد فيه فأصبحت الآن، في نظر حبيبها وزوجها، ابنة جاءت من الحرام.
ما أقسى تلك الكلمات التي مرّت ببالها عندما استيقظت من غفوتها القصيرة فوجدت الجميع حولها، فلم تكن لديها الشجاعة لمواجهتهم، ففضّلت الهروب كما تفعل دائمًا
ولكن تلك المرة، أشفق قلبه عليها كثيرًا، فهو يعلم مدى عذابها؛ فقد فعل المستحيل حتى لا تعلم شيئًا عن تلك الحقيقة ولكن للقدر رأي آخر. فأخذ يتذكر هول صدمته عندما علم
عودة لوقتٍ سابق
_ و كده نبقى ضمنا المناقصة دي في جيبنا و قضينا على فايز المحلاوي للأبد.
هكذا قال رحيم بفرحة و ضحكة قلما تظهر على وجهه، فنظر له يوسف نظرات مُستغرِبة ثم قال بغموض:
_ إلا قولي يا جدي هو انت ليه عايز تقضي على فايز ده ؟ هو كان عملك إيه ؟
ارتبك رحيم للحظات ثم قال باختصار:
_ أبدًا. هو اللي ابتدى و فكر نفسه إنه ممكن يتحدانا.
يوسف بعدم تصديق:
_ هاعتبر إني مصدّقك و إن مفيش حاجه تانية ورا كلامك ده.
حاول رحيم تغيير الموضوع فقال بمكر:
_ سيبك انت من الكلام ده كله، خلينا في المهم. أنا عايز أعمل حفلة كبيرة بعد ما نفوز بالمناقصة دي.
يوسف باستغراب:
_ حفلة كبيرة عشان مناقصة؟!
رحيم بتخابث:
_ مش عشان المناقصة بس.. إحنا في الحفلة دي هنعلن فيها خبر خطوبتك.
دب القلق داخل قلبه و قد علم أن ميعاد خوض معركته قد أزف، فقال بهدوء ينافي ما يشعر به:
_ كويس إنك فتحت الموضوع ده أنا كنت ناوي أفتحه معاك و أطلب منك إيد كاميليا بعد ما نكسب المناقصة دي.
جن جنون رحيم عندما سمع حديث يوسف، فهب من مكانه صارخًا:
_ تطلب إيد مين ؟! انت أكيد اتجننت يا يوسف!
يوسف بثبات:
_ إيه الجنان في كده ؟
رحيم بغضب:
_ لما تيجي تقعد قدامي و تطلب إيد بنت زهرة مني يبقى ده منتهى الجنَان!
يوسف وقد بدأ غضبه يتصاعد:
_ أنا عارف و انت عارف من زمان إني مش هاطلب إيد حد غير بنت زهرة، فليه كل العصبية دي؟
رحيم بحدّة:
_ عشان فكرتك عقلت و عرفت مصلحتك!
يوسف بهدوء:
_ و عشان أنا عارف مصلحتي، بطلب منك إيد الإنسانة الوحيدة اللي حبتها.
رحيم ساخرًا:
_ حب! أنا سمعت الكلمة دي قبل كده؟ و أنا و إنت عارفين كانت نهايتها إيه. ولا محتاج أفكرك؟
وثب يوسف قائمًا وقد بلغ غضبه الذروة:
_ و أنا مش زي حد، ولا هقبل يكون لحياتي مع كاميليا نهاية. أنا لآخر مرة بقولك: مش هتجوز حد غيرها، و لو على موتي! عاوز تقتنع و تبارك الموضوع هكون ممنون ليك. مش عايز تقتنع يبقى انت اللي اخترت النهاية مش أنا.
كانت المرة الأولى التي يقف فيها أمام جده، و لكن كان هذا آخر خياراته؛ فلم يترك له خيارًا آخر. لكنه نسي أن جده لا يقبل الخسارة أبدًا، فما إن أعطاه يوسف ظهره متوجهًا إلى باب الغرفة، حتى فاجأه رحيم قائلًا:
_ هتقبل على نفسك إن أم ولادك تبقى بنت حرام؟!
تسمّر يوسف في مكانه من هول الصدمة، وظل لثوانٍ قبل أن يلتفت إليه ينظر إليه بذُهول، ففاجأه الأخير بأن ألقى بعض الأوراق على المكتب قائلًا بصرامة:
_ اتفضل تعال شوف بعينك الحقيقة، لا تقول إني بكذّب عليك.
اقترب من المكتب بخطوات سُلحفائية، فقد كان بداخله يرفض تصديق هذا الادعاء، إلى أن قرأ تلك الأوراق التي تُثبت أن عمه أحمد قد وقعت له حادثة تجعل احتمال أن يُنجب مستحيلًا، فسقط على الكرسي خلفه ينظر إلى جده الذي شعر بالانتصار، وقال بلهجة جامدة:
_ أول ما جالي و قالي إنه بيحب بنت و عايز يتجوزها فرحت، حتى بعد ما عرفت إنها فقيرة مكنش مهم عندي، كان المهم عندي إني أشوفه مبسوط و خلاص، خصوصًا إنه مكنش يعرف بحالته دي، و فجأة قالي إنه صرف نظر عن الموضوع و كان حزن الدنيا كلها ماليه.
و بعدها طلب مني إنه يدير فرع الشركة اللي في لندن، وأنا وافقت. و فعلًا سافر.
صمت لثوان قبل أن يقول بقسوة
ـ بعد ما سافر بعتلي يقولي إنه اتجوز البنت اللي بيحبها، و طلب مني مقفّش قدام سعادته و قبلت و سكت. لكن اتفاجأت بعدها بشهر إنه بيكلمني و بيقولي إن مراته حامل!
طبعًا أنا اتجننت و سافرتله، و أول ما وصلت رُحت على البيت عشان كنت عايز أشوف البنت الحقيرة اللي ضحكت عليه، و رُحت و شوفتها كانت وقتها حامل في الرابع أو أكتر.
بهدلتها و واجهتها بحقيقة إن أحمد مابيخلّفش و للأسف أحمد كان جه و سمعني و أنا بقولها كده فاتصدم صدمة عمره.
لكنه اتخانق معايا عشان اتهمتها إنها حامل من الحرام، و قالي إنها كانت متجوزة و اتطلقت و مكنتش تعرف إنها حامل، و لما طلبت منها توريني ورقة طلاقها رفضت. و من هنا اتأكدت إنها بتكذب، و إن اللي في بطنها ده فعلا ابن حرام. بس هي كانت زي الحية لفت حوالين رقبته و بَخت سمها في ودانه، خلّته ميسمعش غيرها. و ده كل الورق اللي يثبت إن كاميليا اتولدت بعد جوازهم بأقل من سبع شهور. أنا قبلت أخليها في بيتي عشان دي وصيته بس مش لدرجة أجوزها حفيدي اللي هيشيل اسم العيلة بعدي.
كان قلبه يرتجف ألمًا و شفقة على حال حبيبته التي لا يعرف ما قد يحدث لها إن علمت تلك الحقائق المؤلمة و التي لم يكن لها ذنب بها أبدًا. أخذ ينظر إلى تلك الأوراق بيده يود لو يحرقها في الجحيم قبل أن تصل إليها و تؤلم قلبها البريء الذي لا يعرف شيئًا عن دناءة هذا العالم.
لم يُخرجه من شروده سوى صوت جده الخشن المتحجر وهو يقول بغطرسة:
_ فوق يا يوسف و انسى الأوهام اللي في دماغك دي! و اعرف مين اللي تستاهلك و تستاهل تشيل ولاد الحسيني.
و كاميليا دي بكرة ييجي نصيبها اللي ياخدها من هنا و يريحنا من وجودها زي ما ارتاحنا من وجود أمها.
عندما تفوه رحيم بتلك الكلمات، جن جنون يوسف الذي هب من مكانه و قام برمي الأوراق التي تبعثرت حوله قائلًا بغضب جحيمي و غيرة قاتلة:
_ كاميليا دي بتاعتي أنا، و محدش هيقدر يقرب منها!
كل اللي انت قولته ده ميهمّنيش، و لا هيخلّيني أفكر لحظة واحدة أبعد عنها!
رحيم بصراخ:
_ تبقى مجنون لو فاكرني هسكتلك و أسيبك تعمل اللي في دماغك . خد وقتك و فكر و احسبها صح... بلاش تمشي زي الأعمى ورا قلبك عشان ميضيعكش زي ما ضَيع اللي قبلك!
نظر إليه يوسف بغضب، لكنه قال بنبرة جليدية:
_ تمام أوي. ردي هيوصلك في خلال ساعتين.
أنهى يوسف حديثه ثم توجه إلى باب الغرفة قبل أن توقفه كلمات رحيم الذي قال بغضب:
_ خليك فاكر إنك لو خدت القرار الغلط هتبقى خسرت كل حاجة و انت عارف أنا أقصد إيه بكل حاجة.
التفت إليه يوسف قائلًا بغموض:
_ و أنا موافق!
قام بالخروج من غرفة المكتب صافقًا الباب خلفه، متوجهًا إلى غرفة الصالون حيث وصلت إلى مسامعه أصوات حديثهم ليجد والدته وبجانبها روفان، وأمامهم نيفين وسميرة، وأخيرًا وقعت عيناه على تلك التي تجلس وحيدة في الزاوية، وكانت تنظر إليه وكأنه منقذها، فقد وصل إلى قلبه تنهيدة الاطمئنان التي أطلقتها عقب رؤيته لها مع ابتسامة جميلة ارتسمت على ثغرها الشهي. ليتقدم تجاهها غير مُبالٍ بنظراتهم المستفهِمة ونداء والدته، لينحني أمامها واضعًا يده خلف ظهرها والأخرى أسفل ركبتيها حاملًا إياها متوجهًا إلى الخارج، لتتوالى خلفه الكثير من شهقات التعجب والاستنكار التي صدرت من سميرة تلاها قولها الغاضب:
_ يالهوي هو ابنك اتجنن يا صفية! إزاي يدخل يشيلها بالطريقة دي من وسطنا كدا؟ إيه! معدش فيه أدب؟
التفت يوسف إليها قائلا بحدة:
_ معلش بقى، أصلي بحبها وبموت فيها دا لو مكنش عندك مانع يعني!
جحظت عيناها من الذهول وقالت بخجل غمرها كليًا:
_ يوسف، انت بتعمل إيه؟ نزلني.
يوسف بتهديد:
_ اسكتي أحسن ما إنتِ عارفة هسكتك إزاي!
أتبع كلماته بالنظر إلى ضفّتي التوت خاصتها، فشهقت كاميليا وبحركة عفوية قامت بقرصهما، فاشتعلت نيران الرغبة الممزوجة بالعشق داخله وقال بوعيد:
_ هربيك على الحركة دي بس اصبري.
توالت النداءات خلفه من والدته وسميرة ونيفين التي كانت الغيرة تفترسها من مظهره وهو يحملها بمثل هذا التملك والحب، فأخذت تنادي عليه لكن دون جدوى إلى أن وصل إلى باب القصر فوجد أدهم الذي كان آتيًا من الخارج، فنظر بذهول إلى يوسف الذي يحمل كاميليا وجميع من في البيت خلفهم فقال بصدمة:
_ يخرب بيتك! انت واخدها ورايح فين؟
يوسف بلهجة آمرة:
_ مش وقت رغي، اركب عربيتك وتعالى ورايا.
أدهم الذي ما زال تحت صدمته:
_ ما تفهمني في إيه؟
يوسف بفظاظة:
_ ما قولنا مش وقت رغيك يالا تعالى ورايا.
امتثل أدهم لأوامر أخيه الذي يبدو وكأنه تخطى أقصى مراحل الجنون، فأخذ سيارته وانطلق خلفه بعدما قام بوضع كاميليا في الكرسي المجاور لكرسي السائق وهو ينظر إلى مظهرها الخاطف للأنظار، والذي زاد من روعته تلك الحُمرة التي لوّنت خديها خجلًا من أفعاله، فابتسم ابتسامة ماكرة لم تفهمها فقالت ببراءة ما إن انطلق بالسيارة:
_ يوسف، في إيه؟ فهمني.
يوسف بغموض وهو يعبث بهاتفه:
_ هتفهمي كل حاجة دلوقتي.
ما إن همت بالحديث مرة أخرى حتى أوقفها بإشارة من إصبعه بمعنى أن تلتزم الصمت، ليقوم هو بالاتصال بمازن قائلًا باختصار:
_ هبعتلك عنوان تيجي عليه دلوقتي حالًا.
لم يمهله يوسف فرصة للحديث وإنما أغلق الخط وأجرى اتصالًا آخر قائلًا بغموض:
_ هبعتلك عنوان تيجي عليه دلوقتي مسألة حياة أو موت.
لم تعرف مع من كان يتحدث، فسرعان ما أغلق الهاتف وواصل القيادة، وبعد أقل من نصف ساعة كانوا قد وصلوا إلى وجهتهم. فنظرت إليه كاميليا عندما توقفت السيارة وقالت برجاء:
_ يوسف، قولي في إيه أنا مش فاهمة حاجة.
نظر إليها يوسف بعشق؛ فقد كانت بريئة، نقية، لدرجة أنه ودّ لو يضعها بجوار قلبه كي يحميها من هذا العالم القاسي الذي لا يرحم أحدًا. اقترب منها كثيرًا للحد الذي تشابكت فيه أنفاسهم، وقام بفك حزام الأمان من حول خصرها لتحل يداه مكانه وقال بنبرة شغوفة:
_ بتحبيني؟
أسرتها نظراته للحد الذي سلبها أنفاسها، فتحدث قلبها قائلًا بصدق:
_ ما بحبش حد في الدنيا غيرك أصلًا.
_ تتجوزيني؟
اتسعت حدقتا عينيها عندما نطق بتلك الحروف البسيطة، فأخذت تنظر إليه غير مصدقة حتى أن الكلمات لم تسعفها للرد، فابتسم على تعبيراتها الطفولية وقد أحكم يده حولها قائلًا ببهجة مثيرة:
_ تتجوزيني؟
كانت كالمُنومة مغناطيسيًا؛ فقد خدرها قربه بهذا الشكل وتلك البحة الجذابة في صوته التي أسرت حواسها فقالت دون وعي:
_ أدفع عمري كله وأكون مراتك ولو لحظة واحدة.
أخذ يتنفس أنفاسها العطرة، وعيناه تجوبان ملامح وجهها الجميل وهو يجاهد نفسه كثيرًا حتى لا يجرفه تيار رغبته بها المخلوط بعشق جارف قد يجعله غير قادر على الثبات أمام سحرها، فقال بصوت أجش:
_ تقولي الكلمتين دول قدام المأذون فوق... وتقفلي بقك الحلو دا لحد ما أفضاله.
كاميليا بصدمة:
_ يوسف!
يوسف بلهجة مبحوحة:
_ ومن هنا لحد ما نكتب الكتاب ما اسمعش صوتك عشان أنا أساسًا مش ضامن نفسي.
خجلت من تلميحاته وقالت بخفوت:
_ حاضر.
نبرتها الرقيقة أثارته بشكل كبير، فكان على وشك ريّ قلبه المتعطش لها، لولا ذلك الطرق المزعج على زجاج السيارة الذي جعل يوسف يطلق سُبة نابية أخجلتها أكثر، فالتفت إلى مازن الذي كان مُشعَث الشعر مبعثر الهيئة؛ فقد كان نائمًا عندما هاتفه يوسف فهب مذعورًا ليرى ماذا هناك، ليجد أدهم الذي كان يقف مستندًا على مقدمة سيارته واضعًا يده فوق خده بملل، فاقترب منه مازن قائلًا بلهفة:
_ في إيه يا أدهم؟ ويوسف فين؟
أشار إليه أدهم باتجاه سيارة يوسف قائلًا بامتعاض:
_ الأستاذ براد بيت بيحب في الست أنجلينا جولي ولاطعنا في الشمس ومش عارفين في إيه!
غضب مازن بشدة واتجه إلى حيث تقف سيارة يوسف، وقام بالطرق بعنف فوق زجاج النافذة، فما إن فتح يوسف حتى قال مازن بحنق:
_ سيادتك ممرمطنا وراك ومجرجرنا على ملا وشنا وقاعد تحب هنا! تصدق إنك ما عندكش...
لم يستطع مازن إكمال جملته حين أتته لكمة من يوسف الذي فتح زجاج السيارة وقام بلكمه في أنفه، فاندفع الدم منها، ثم التفت ناظرًا إليها قائلًا بوعيد:
_ هربي الكلب دا وهجيلك.
نزل يوسف من سيارته تزامنًا مع وصول مراد الذي قال بلهفة:
_ في إيه يا يوسف؟ قلقتني.
مازن بغضب:
_ يوسف باينه اتجنن خلاص.
وافقه أدهم قائلًا بحنق:
_ والله عندك حق يا مازن.
مراد بقلق:
_ ما تفهمنا يا ابني في إيه؟
نظر يوسف إلى ثلاثتهم بلا مبالاة ثم قال بهدوء:
_ خلصتوا كلامكم؟ اتفضلوا معايا فوق عشان هكتب كتابي على كاميليا!
نطق ثلاثتهم في آن واحد:
_ إيه؟!
يوسف بنفاد صبر:
_ أظن كلامي واضح مش محتاج تفسير!
أدهم بسخرية بعدما تجاوز صدمته:
_ لا مش واضح بصراحة. محتاج توضحلنا أكتر يعني إيه تكتب كتابك على كاميليا؟
يوسف بوقاحة:
_ يعني هتجوزها تحب أشرحلك بالتفصيل هتجوزها إزاي؟ ولا نقطم على كدا؟
تحمحم أدهم بإحراج ولم يرد، فتحدث مازن المتألم بغضب:
_ واللي عايز يتجوز يبهدل الناس معاه كدا ويجرجرهم على ملا وشهم بالطريقة دي!
يوسف بفظاظة:
_ ما انت قارفني طول عمرك لما أرخم عليك مرة تستحملني! وبعدين المفروض إنك صاحبي يعني لما أحتاجك ألاقيك!
شعر مازن بالإحراج هو الآخر ولم يجب، ليقول مراد ساخرًا:
_ أظن أنا الوحيد اللي مالكش عليا جمايل.
يوسف بحنق:
_ لا انت بالذات تسكت خالص عشان أنا نفسي أخلص على أي حد من ريحة الحسيني واحمد ربنا إن الحد دا مش هيكون انت.
مراد بمزاح:
_ أصيل يا ابن أخويا.
يوسف بنفاد صبر:
_ إيه؟ هتنجزوا ولا أدور على حد غيركم؟
أدهم بعدم تصديق:
_ يوسف، انت بتتكلم بجد؟ دا كدا هتولع البيت حريقة!
يوسف بنبرة قاطعة:
_ بالعكس كدا هطفي الحرايق اللي شغالة ليل نهار. أنا مش هسمح لرحيم الحسيني يدمر حياتي ويحرمني من الإنسانة الوحيدة اللي حبيتها. ودا قراري النهائي كاميليا هتبقى مراتي النهاردة حتى لو كانت دي آخر حاجة هعملها في حياتي.
مراد وقد آلمه حديث يوسف، وأعاد إليه ذكريات تنخر بقلبه كل يوم، فقال مؤيدًا:
_ انت صح عيش حياتك زي ما انت عايز مع الإنسانة اللي حبيتها وارمي ورا ضهرك أي حاجة تانية. يلا بينا.
انصاع مازن وأدهم لقرار يوسف، فكانا شاهدين على عقد القران، وكان مراد هو وكيل كاميليا التي كانت تنظر إلى ما يحدث غير مصدقة، حتى عندما أتى يوسف إليها لتوقّع الأوراق أخذت تنظر إليه بشرود، فاقترب منها ممسكًا بيدها قائلًا بلهجة حانية:
_ خليكِ واثقة فيا وما تقلقيش من حاجة.
أعطته ابتسامة جميلة مطمئنة وقامت بالتوقيع ومن ثم أعطته الأوراق، فتناولها منها قبل أن يعطيها غمزة من عينيه جعلت الحمرة تلوّن خديها والابتسامة ترتسم على شفتيها، وتم عقد القران ثم توجهوا جميعهم إلى المنزل ليشهدوا على تلك المعركة التي حتمًا ستنشب عندما يلقي يوسف بقنبلته، وبالفعل ما إن دخل إلى القصر وهو ممسك بيد حبيبته وزوجته، تلك الكلمة التي كان لها مذاق خاص على شفتيه، حتى نظر إلى كل العيون التي تجمعت لمعرفة ماذا حدث، فتقدم يوسف إلى منتصف البهو يتبعه كلٌّ من مراد وأدهم ومازن ثم قال بفخر وتحدٍّ
_ باركولي أنا و كاميليا كتبنا كتابنا النهاردة.
شهقات مستنكرة وأخرى مصدومة خرجت من أفواه الجميع، تلاها هجوم عاصف من نيفين التي كانت أول من استعاد وعيه، قائلة بغضب:
ـ انت بتقول إيه؟ مش ممكن الكلام دا يكون صحيح!
_ نيفين!
التفتت نيفين لمراد الذي صرخ بها، فصرخت قائلة:
ـ نيفين إيه وزفت إيه! انت موافق عالكلام دا؟
مراد بحدة:
ـ أيوه موافق، وأنا اللي كنت وكيل كاميليا كمان، والموضوع ميخصكيش عشان تتكلمي فيه.
نيفين بحقد:
ـ عندك حق ميخصنيش أنا... بس يخص ناس تانية.
قالت كلماتها وهي تنظر بتحدٍ تجاه يوسف الذي قابل حديثها بسخرية ولا مبالاة، لتتوجه إلى غرفة المكتب دون الالتفات لنداءات والدها وهي تقول بغضب صارخ:
ـ يا جدي! يا جدي! تعالى شوف المصيبة اللي حصلت!
هب رحيم من مكانه وهرول تجاهها وهو يقول بقلق:
ـ في إيه يا نيفين؟ حصل إيه؟
ـ تعالى شوف الكارثة اللي إحنا فيها.
خرج رحيم مندفعًا إلى الخارج ليتسمّر في مكانه عندما رأى يوسف الذي كان ممسكًا بيد كاميليا التي كانت ترتعب مما يحدث، فاشتدت يد يوسف حول كفها يطمئنها وهو يقول بثبات:
ـ باركلنا يا جدي... أنا و كاميليا اتجوزنا النهاردة.
جحظت عيون رحيم من هول الصدمة التي وقعت على رأسه، حتى إنه أخذ ثوانٍ كي يستعيد وعيه، ثم بدأ يدرك ما سمعه عندما وضع يوسف أمامه ورقة تثبت صدق حديثه، فثار غضبه وبرزت عروق رقبته وهو يقول بصراخ:
ـ عملتها يا يوسف! عملتها وكسرت كلامي! ماشي اشرب بقى.
قال الأخيرة بوعيد، ثم وجه أنظاره لكاميليا التي كانت ترتعب من نظرته، وما إن خطا خطوة تجاهها حتى في لحظة واحدة قام يوسف بجذبها خلفه ووقف لأول مرة في حياته أمام جده كندٍّ له. العين بالعين، وكأنه يقول: احذر، فأنا من سيواجهك إن اقتربت منها.
تراجع رحيم بغضب متوجهًا إلى غرفة المكتب صافقًا الباب خلفه، وسرعان ما اندفعت نيفين قائلة بغضب:
ـ وقفت قدام جدي راس براس عشان خاطرها؟
نظر إليها يوسف بغضب، وما إن أوشك على الحديث حتى اندفع مراد وصفع نيفين على وجهها صفعة مدوية قائلاً بغضب:
ـ اخرسي بقى... وكفاية اللي عملتيه.
نظرت نيفين مصدومة من فعلته، فلم يمهلها الوقت للحديث حتى قال بحدة:
ـ اتفضلي اطلعي على أوضتك... مش عايز أشوف وشك قدامي. يالا.
تحركت سميرة تجاهها وقامت بجرها إلى الأعلى بخوف من مظهر مراد، الذي توجه إلى يوسف وتمتم بعبارات أسف مقتضبة قبل أن يخرج متوجهًا إلى مرسمه.
فنظر يوسف إلى والدته وشقيقته قائلاً باستفهام:
ـ إيه يا ماما انتِ و روفان مش هتباركولنا؟
توجهت روفان إلى كاميليا تعانقها بفرح:
ـ مبروووك يا كامي. مليون مبروك يا قلبي.
بادلتها كاميليا العناق ثم توجهت تجاه يوسف، فعانقته، فوضع قبلة فوق رأسها وعينه لا تفارق والدته التي كانت تنظر إليه بعتاب. فقال بهدوء:
ـ مش هتباركيلنا يا ماما؟
تقدمت صفية في صمت تجاه كاميليا التي كانت تطالعها بحرج، فقامت باحتضانها وقبلتها على جبينها قائلة:
ـ مبروك يا حبيبتي.
ترقرقت العبرات في مقلتيها وهي تقول:
ـ انتِ زعلانة من اللي حصل صح؟
زفر يوسف بحنق ونظر إلى والدته معاتبًا، فبادلته اللامبالاة، قبل أن تحتوي وجه كاميليا بين كفيها وتقول بحنان:
ـ أنا ما تمنّتش غيرك للواد دا، وانتِ عارفة كدا. ومش زعلانة من اللي حصل عشان دا كان حلم حياتي. أنا بس زعلانة إنه حصل بالطريقة دي.
كاميليا باعتذار من بين عبراتها:
ـ أنا أسفة
اندفع يوسف الذي غضب بشدة حين رأى حزنها فقال حانقًا:
ـ كاميليا متتأسفيش لحد، و لو في حد مفروض يتوجهله لوم، فهو أنا يا ماما. هي مالهاش ذنب في حاجة.
نظرت إليه صفية قائلة بتقريع:
ـ هو انت إن شاء الله هتعرفني أتعامل مع بنتي إزاي؟ كاميليا دي بنتي قبل ما تكون مراتك وأول وآخر مرة تدخل بينا.
يوسف بتذمّر:
ـ ما أنا مش هشوفك بتلوميها وهسكت!
صفية مدعية الغضب:
ـ شكلك كدا عايزني أبتدي شغل الحموات بدري. روح يا حبيبي كمل اللي انت بدأته، ربنا يعينك وماتقلقش على كاميليا معايا.
قالت صفية جملتها الأخيرة ناظرة إلى غرفة المكتب، فزفر يوسف بتعب ثم قال بتحذير:
خلي بالك منها يا ماما أوعي تخلي حد يضايقها، وأنا مش هتأخر عليكم.
نظر يوسف إلى كاميليا بابتسامة مطمئنة ثم أرسل لها غمزة على الهواء جعلت الخجل يسيطر عليها، خصوصًا عندما تحدثت صفية باستنكار:
ـ شوف الواد وقلة أدبه! مش عامل احترام لحد وبيعاكسها قدامي إزاي!
ثم نظرت إلى كاميليا وقامت بتسديد لكمة خفيفة لكتفها قائلة بغضب:
ـ وانتِ يا مسهوكة... إزاي تسمحيله يعمل كدا؟
كاميليا باندهاش:
ـ الله! وأنا مالي؟ أنا عملت إيه؟
صفية بسخرية:
ـ أبدًا... انتِ بتعملي حاجة! انتِ يدوب جننتيلي الواد العاقل اللي حيلتي. كان عندي واحد متخلف وواحد عاقل دلوقتي بقى واحد مجنون وواحد متخلف. عليه العوض في خلفتي يارب.
أدهم بتهكم:
ـ حبيبة قلبي يا ست الكل... تسلمي والله.
تدخل مازن في الحوار قائلًا بحسد:
ـ الواد أخوك دا بيضاله في القفص يا عم يا أدهم خطف المزة وكتب الكتاب وعلا الجواب، وهيهيص بقى! وإحنا قاعدين زي خيبتها هنا!
أدهم بسخرية:
ـ متقلقش هيدخل يجيب البيضة من القفص، هيلاقي ديناصور جوا يبلعه هو والبيضة.
مازن بذعر:
ـ واد يا أدهم! لا الديناصور يعرف إني أنا وانت اللي شهدنا على عقد الجواز!
أدهم وقد ذعر هو الآخر:
ـ يا نهار مش فايت! دا هيعمل مننا بوفتيك! إحنا هنعمل إيه في المصيبة دي؟
مازن بتفكير:
ـ بص بقولك إيه، إحنا لازم نخلع منرجعش غير لما يكون نسي الموضوع.
أدهم باقتناع:
ـ والله فكرة! هو أساسًا مش طايقني إحنا نروح نقعد عندك لينا يومين يكون الجو هدي.
مازن بتردد:
ـ بس كدا هنغدر عالواد يوسف ونسيبه لوحده في وش المدفع!
أدهم محاولًا إقناعه:
ـ ولا هنغدر ولا حاجة هو يعني يوسف وهو بيقضي شهر العسل هياخدنا معاه؟! وبعدين الصاحب له عند صاحبه إيه؟
مازن بلا مبالاة:
ـ مالوش حاجة أبو دي صحوبية! هتودينا ورا الشمس. يالا بينا يا عم من هنا.
وبالفعل خرج الاثنان مهرولين إلى الخارج، ما إن سمعا صراخ رحيم الذي، عندما وجد يوسف قادمًا إليه وعلى وجهه إمارات الرضا، أصيب بالجنون:
ـ إيه؟! عندك مصيبة تانية جاي تقولها لي؟
يوسف بجمود:
ـ لا أبدًا ولا مصيبة ولا حاجة. أنا جاي أكمل اتفاقي معاك.
رحيم باستفهام:
ـ اتفاق إيه دا؟
أخرج يوسف ورقتين من جيبه وأعطاهما له قائلًا بخشونة:
ـ دا تنازل مني عن حقي في ميراث الحسيني أنا مش عايز حاجة منك.
زاد غضب رحيم وهو ينظر إلى الورقة، فقال بغضب:
ـ بتتنازل عن كل حاجة عشان خاطر بنت زهرة! ماشي يا يوسف انت اللي ابتديت.
يوسف بجمود:
ـ أنا مبتهددش يا جدي، وياريت متخلينيش عدو ليك، عشان انت فاكر إني برده حفيد عاصم الجمال، واللي طول عمره نفسه يستلم ورث أمي ويدير شركته.
صُدم رحيم من مغزى حديثه وقال باستنكار:
ـ انت بتهددني يا يوسف؟
يوسف بنفي:
ـ أنا مش بهددك... أنا هعمل معاك ديل انت الكسبان فيه.
رحيم بتهكم:
ـ ديل إيه دا إن شاء الله؟!
يوسف بهدوء:
ـ أنا هفضل اشتغل في الشركة، وهاخد مرتب زيي زي أي موظف عادي، ومش هبيعك ولا هروح أمسك شغل جدي وبالمقابل سر كاميليا دا يندفن معانا تحت التراب.
عودة للوقت الحالي
ظل يوسف ينظر إليها لوقت طويل حتى تأكد أنها غفت بفعل المنوم الذي طلب من الطبيب إعطاؤه لها، فقرر أن يقوم بالخطوة التالية التي توجب عليه فعلها. فتوجه إلى الباب وفتحه قبل أن يلقي عليها نظرة أخيرة، ولحسن حظه كان الجميع في الكافيتريا الخاصة بالمشفى، فتوجه مباشرة إلى سيارته، قادها بسرعة كبيرة وقد كان الغضب تمكن منه بصورة كبيرة وظهر ذلك في الصوت القوي الذي صدره احتكاك إطارات السيارة بالأرض الحجرية أمام باب القصر. فدب الزعر في قلب نيفين التي كانت ترتجف من مظهره الغاضب عندما ألقت بقنبلتها، وذلك التهديد المُرعب الذي تفوه به، وقد كانت سميرة تلطم خديها من الرعب، والذي وصل إلى الذروة عندما سمعوا صوت يوسف الغاضب وهو ينادي بأعلى صوت قائلاً:
ـ نيفييين!
صار جسدها يرتعش بفعل الخوف، غير قادرة على الرد، لتنظر سميرة من الأعلى فتجده ينظر إليها بغضب واحتقار تجلى في نبرة صوته عندما قال:
ـ بنتك فين؟
هنا خرجت نيفين تقنع نفسها بأنها لم ترتكب أي خطأ، وإنما فعلت الصواب، وأنه غير قادر على أذيتها، فقامت بالنزول أسفل الدرج وهي تقول بصوت مهزوز بفعل الخوف:
ـ أنا أهوه.
يوسف بوعيد:
ـ تعالي ورايا عالمكتب.
أطاعته نيفين وقد كانت أسنانها تصطك من فرط الرعب، وتوسعت حدقتاها عندما دخلت إلى المكتب فوجدته جالسًا على الكرسي، واضعًا أمامه سلاحه الناري، وقال بلهجة آمرة:
ـ ادخلي واقفلي الباب وراكِ.
فعلت نيفين ما طلبه منها، فوجدت أنظار سميرة التي كانت تقف أمام الباب تطالعها بشفقة لأول مرة في حياتها، فقد كانت تخشى عليها من غضبه، ولكن ذلك لا يعني أنها لم تكن غاضبة منها بسبب تهورها واندفاعها، والذي قد يكلفها الكثير. فظلت تدعو ربها ألا تخطئ نيفين أمامه بشيء، فهي تعلم مقدار ذكاءه وغبائها. فظلت تزرع المكان ذهابًا وإيابًا، وفجأة تسمرت في مكانها عندما سمعت صوت ذلك الطلق الناري، الذي جعلها تضرب بصدمة فوق صدرها قائلة:
ـ خلص عليها!
يتبع ......
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل التاسع وثلاثون 39 - بقلم نورهان العشري
طية الروح الثانية ❤️🩹 " عشق بين حنايا الروح "
يُحكى أن إمرأة عٓجوز تٓضع السُم للطيور، و تستلِذ بقتلِها و عندما سألوها عن السبب " قالت بأنها تكرههم بسبب خيانة حبيبها قبل ثلاثين عاماً مع بائعه طيور !
مُرعِب هو كُره بعض النساء.
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
ما إن دخلت نيفين إلى الغرفة وشاهدت مظهر يوسف وهو جالس على الكرسي يطالعها بنظرات قاتلة واضعًا سلاحه فوق الطاولة أمامه حتى تضاعف رعبها أكثر، فهي في حياتها لم تره بمثل هذه الحالة من الغضب، فقد كان ينفث النيران من أنفه، إضافةً إلى نبرته المُرعبة عندما أمرها قائلًا:
_ اقفلي الباب وراكِ.
أطاعته دون أن تتفوّه بحرف واحد، فقد كانت كل خلية بها ترتجف رعبًا عندما أشار لها بإصبعيه بمعنى اقتربي، فأخذت تُجبر قدميها على التحرك حتى صارت على بُعد خطوتين منه، وقد كان الذعر جليًا على ملامح وجهها الذي ظهرت عليه بعض حبات العرق، وسرعان ما توسعت عيناها عندما هبّ واقفًا من مكانه، قاطعًا الخطوات الفاصلة بينهما بغضب يحمل في طياته الكثير من الاحتقار تجلّى في نبرته حين قال:
_ أنا كام مرة حذّرتك تقربي منها؟
زاد ارتجاف جسدها، وأخذت العبرات تقطر من عينيها، خاصةً مع اقترابه منها بهذا الشكل، وقد كانت أنفاسه الغاضبة تحرقها بلهيب الحقد الأعمى الذي يغلف قلبه تجاهها، وتجلى في نبرته الصارخة التي جعلتها تنتفض في مكانها:
_ ردي عليّا. عملتي كده ليه؟
_ عشان بحبك.
هكذا صرخت بقهر، ليطالعها بسخرية قائلًا بعدم تصديق:
_ بتحبيني! هو اللي زيك يعرف يحب؟!
قالت نيفين بانفعال:
_ آه بحبك، ومستعدة أعمل أي حاجة في الدنيا عشان تكون ليا. اللي زيّي دي حاربت عشانك الدنيا كلها، مش أول ما حد قالها كلمتين هربت وسابتك الكل يشمت فيك، ومع ذلك سامحتها!
كان حديثها يقطر لوعة وحقدًا، ليناظرها يوسف بسخط، فقد لامست بحديثها جرحًا عميقًا بمنتصف قلبه، لكنه تجاهل ألمَه قائلًا بقسوة:
_ بالرغم من كل اللي قولتيه ده... بس عمر قلبي ما قدر يكرهها ولا يحقد عليها لحظة واحدة. عارفة ليه؟
لوّن الغضب ملامحها، ليُتابع وكأنه يقصد إحراقها:
_ عشان لما دورت جوايا ملقتش حاجة واحدة وحشة أفتكرها لها... ملقتش غلطة واحدة غلطتها معايا تخليني أكرهها.
كانت كلماته كعجلات مشتعلة تدهس قلبها ومشاعرها، ليُتابع بجفاء:
_ كل اللي قولتيه إمبارح ليها ما خلانيش أكرهها، ده خلاني أكره نفسي إني فشلت في حمايتها منكم ومن شركم.
قست ملامحه ونظراته أكثر وهو يقول:
_ أنا السبب في هروب كاميليا. لو كنت قدرت أحميها ما كانتش هربت... ولا كنتوا قدرتوا تبخوا سمّكوا في ودنها. عرفتي ليه بقى سامحتها؟
جنّ جنونها من حديثه الذي فَتّت قلبها وحوّله إلى أشلاء، وانفجر بركان الحقد بداخلها لتقول بصراخ:
_ ولما أنت بتحبها قوي كده، كنت هتتجوزني ليه؟
يوسف بتخبّث:
_ كنت هدوس على قلبي عشان أنفّذ وصية عمي، وقلت يمكن تقدري تعملي لنفسك مكان في قلبي... بس للأسف، عملتك دي فوقّتني في الوقت المناسب.
سقطت كلماته كالمطرقة فوق قلبها، لتلعن غباءها في تلك اللحظة، وتقترب منه قائلة بلهجة يملؤها التوسّل:
_ سامحني يا يوسف... والله غصب عني، ما قدرتش أتخيّل إنك كنت بايت في حضنها. الغيرة عَمّتني... فكرت إن لما أكشفلك حقيقتها هتكرهها. أرجوك سامحني!
ناظرها باشمئزاز من مدى حقارتها، لكنه قال بهدوء:
_ عايزاني أسامحك؟!
هتفت بلهفة:
_ طبعًا.
يوسف بغموض:
_ يبقى توريني إنك تستاهلي إني أسامحك.
هتفت بعدم فهم:
_ يعني إيه؟
اشتدت زرقة عينيه، ولونت القسوة معالمه ولهجته حين قال:
_ عاقبي نفسك على غلطك في حقها... في حق مراتي. مراتي اللي يمسّها يمسّني، يعني إنتِ غلطك فيّ قبلها.
استنكرت حديثه وهتفت بغضب:
_ وإن قلتلك إني مش غلطانة، وأبدًا مش هعاقب نفسي عشان بيّنت حقيقتها للناس كلها وفضحتها؟
جحظت عيناه وتبلور الوعيد فيهما وفي نبرته حين قال:
_ يبقى هعاقبك أنا... وأول حاجة هعملها هقطعلك لسانك اللي غلط فيها، وهكسرلك إيدك اللي اتمدّت عليها، وآخر حاجة هطلع قلبك من مكانه بإيدي عشان شايلها كل الكره والحقد ده.
تفشى الرعب بصدرها من مظهره وذلك التهديد الذي يغلف نبرته، فارتدت خطوة إلى الخلف قائلة بنبرة مهتزّة:
_ والمفروض أعمل إيه عشان أكفّر عن غلطي في حق الست هانم؟
طالعها بسخرية لوّنت لهجته حين قال:
_ من حسن حظك إنك واحدة ست... ويوسف الحسيني ما بيمدّش إيده على الستات. بس عندي ألف طريقة وطريقة أبشع من دول عشان أجيب حقها منك. لكن أنا هعمل معاكي اللي ما عملتوش مع حد... ما إنتِ برضو بنت عمي!
نيفين بتلعثم:
_ يعني إيه؟
_ أنا عايزك تختاري إنتِ طريقة من دول تعاقبي بيها نفسك.
ارتد جسدها للخلف رعبًا قبل أن تقول بحروف متقطعة:
_ إنت... بتقول إيه يا يوسف؟
صرخة غاضبة خرجت منه عندما قال بنفاد صبر:
_ اللي سمعتيه!
أخذت العبرات تتقاذف من مقلتيها وهي ترى ذلك الجحيم المرتسم بعينيه، وخاصةً عندما أمسك سلاحه يشد أجزائه، واضعًا إياه في كفها الذي انتزعه من جانبها بعنف قائلًا بنبرة أشبه بالفحيح:
_ اختاري... هتعاقبي نفسك إزاي؟
قالت نيفين وهي تحاول التمسك بآخر أمل لها معه:
_ طب ولو جرالي حاجة... هتقول ل بابا وجدي إيه؟
يوسف بسخرية:
_ أبوكي الله يرحمه... وجدي راح منه اللي أغلى منك، فمتقلقيش عليه. فكّري في نفسك.
أدركت أنها هالكة لا محالة، فقد كان التصميم ممزوجًا بالغضب والكره يغلف نظراته التي لو كانت رصاصًا لخرّت صريعة في الحال. ارتجفت يداها وهي تمسك بالسلاح ناظرة إليه برعب، وصار بكاؤها نحيبًا، فقامت بتوجيهه إلى كف يدها اليسرى، وصارت ترتجف مغمضة عينيها لثوانٍ... وقبل أن تضغط على الزناد لتنطلق الرصاصة، تفاجأت به يرفع يدها الممسكة بالسلاح لتنطلق الرصاصة وتصيب الحائط، لينتفض جسدها أسفل قبضته القوية، ونبرته المُرعبة حين قال:
_ المكان ده ما ينفعش يتلوّث بدم واحدة زيّك... لكن الإيد اللي اتمدّت على مراتي لازم تتكسر.
أنهى جملته وهو يضغط بقوة على معصم يدها حتى سُمِع صوت طقطقة وكأنها انتزعت قلبها من مكانه من شدة الألم، فتعالت صرخاتها حتى اهتزت الجدران. فما كان منه سوى أن أمسك سلاحه ليضعه حول خصره في مكانه المعتاد وهو ينظر إلى ألمها وصرخاتها بسخرية قبل أن يقول:
_ الفرق اللي ما بينك وبينها كبير... كاميليا إنسانة عندها كرامة وكِبْرِياء. لو في يوم قلت لها مش عاوزِك... عمرها ما كانت هتفكر تقرب مني بعدها ولو خطوة واحدة... حتى لو هتموت من بعدي.
كانت ترتجف من فرط الألم والقهر معًا، ليُتابع دهس ما تبقى من كرامتها قائلًا:
_ إنما إنتِ للأسف موضوع الكرامة ده ما عداش عليكِ... برغم كل الكره اللي في قلبي ليكِ واللي شفتيه بعينك، فضلتي برضو تجري ورايا.
لم تستطع الصمت وتحمّل كل هذا الألم، فصرخت بقهر:
_ عشان كنت غبية!
يوسف بتهكّم:
_ شاطرة... غبية ومقرفة. وعمري في حياتي ما مشاعري اتحركت تجاهك سنتي واحد. كنت زمان أستغرب من مشاعري ليكِ... بس مع الوقت عرفت ليه. ماهو القلب اللي يحب واحدة نقية زي كاميليا... لازم ينفر من واحدة مقرفة زيّك.
علت ثورة انفجارها لتهتف بصراخ:
_ بكرهك!
لم يهتم لصراخها بل تابع باحتقار:
_ وعلى فكرة... أنا عمري ما فكرت أتجوزِك... ولا كنت هعملها. أنا عندي الموت أهون من إن اسمي يرتبط بواحدة زيّك.
طالعها بقرف قبل أن يلتفت متوجهًا إلى باب الغرفة بلا مبالاة، وكأن شيئًا لم يحدث، ولم يُبالِ حتى تلك الصرخة التي خرجت من قلبها قبل جوفها فمزقته، فقد فاق ألم القلب ذلك الكسر في يدها، فقد بتر جميع أحلامها المتمثلة به بتلك الكلمات القاسية المحتقرة، والتي كانت أصعب ما مرّ عليها في حياتها.
خرج يوسف فوجد سميرة التي كانت تولول في الخارج وقد تجمع الخدم حولها وهي تنوح قائلة:
_ قتلها... قتل نيفين! الحقوني يا ناس!
طالعها يوسف بهدوء ثم توجه إليها بخطوات بطيئة بثّت الذعر في قلبها، وخاصة حين هتف بوعيد:
_ متقلقيش... لسه ما ماتتش. في حساب لازم يتصفّى الأول... وإنتِ كمان حسابك جاي. وشرف أمي لهندمِك على اليوم الأسود اللي دخلتي فيه القصر ده. بس إنتِ اصبري.
أنهى حديثه المفعم بالوعيد والتهديد، ثم نظر إلى أحد الخدم قائلًا بأمر:
_ تجيبولها دكتور يعالجها هنا... واللي هيفتح بقه بحرف يبقى فتح على نفسه أبواب جهنم.
ما إن انصرف يوسف حتى هرولت سميرة إلى نيفين، والتي تفترش الأرض تنظر إلى الفراغ بنظرات ضائعة وكأنها فقدت كل ذرة إحساس داخلها، فقط كلماته المحتقرة تتردد في أذنها، تعزلها عن هذا العالم... لا تشعر سوى بطلقات تستقر في قلبها الذي قد مات فعليًا في تلك اللحظة. فلم تستجب لنداءات سميرة التي أخذت تهزّها بعنف وهي تقول صارخة:
_ نيفين! فوقي! إنتِ كده هتموتي نفسك... زي ما هو بيتمنى!
تنبهت نيفين لتلك الكلمات، فالتفتت إليها قائلة بلهجة تحمل من الكره والوعيد أطنانًا:
_ مش هموت... غير لما أموتهم كلهم بحسرتهم.
★★★★★★★★★
دخل علي إلى القصر وأخذ يبحث عن والدته وأختيه فلم يجد أحدًا، فوقف عند درجات السلّم وصار ينادي بصوت جهوري:
_ يا ماما... يا غرام... كارما!
لم يتلقَّ إجابة، فنظر في ساعته؛ الوقت يشير إلى الثانية عشر ظهرًا، فأين ذهبوا في مثل هذا الوقت؟ يفترض أن يكونوا في الصالون مع جدّه الذي يكون في هذا الوقت جالسًا معهم قبل أن يأخذ قيلولته، ولكنه بحث عنهم في كل مكان ولم يجد أحدًا.
_ علي بيه.
التفت علي إلى مصدر الصوت فوجده ذلك الممرض الخاص بجده يقف خلفه يخاطبه بأدب قبل أن يتابع:
_ هاشم بيه مستني حضرتك في أوضه المكتب.
أومأ برأسه ثم توجه إلى حيث أشار له بالتقدّم، ليتبعه إلى غرفة جدّه الذي تحسنت حالته كثيرًا منذ قدومهم إلى القصر وقد فرح علي كثيرًا، ولكنه لم يُفصح عن ذلك.
أغلق الممرض الباب خلفه، فتوجه علي ليجلس فوق الكرسي أمام المكتب بعد أن ألقى التحيّة على جدّه الذي تحدّث بهدوء ووقار قائلًا:
_ صوتك عالي ليه؟
علي بلا مبالاة:
_ أبدًا، كنت بنادي على ماما والبنات بس محدّش رد. هما فين؟
الجد بنبرة ذات مغزى:
_ لو كان الخدم هنا كانوا قالولك إنهم خرجوا. ألا صحيح يا علي... إنت أدّيت الخدم إجازة ليه؟
ارتبك علي داخليًا، ولكنه غلّف ملامحه باللامبالاة وهو يقول:
_ أبدًا، لقيتهم كتير، وأنا بطبعي مابحبّش الدوشة، وبما إني قررت أعيش هنا فأظن من حقي يبقى ليا شوية خصوصية... ولا إيه؟
هاشم بتأييد:
_ حقك طبعًا، دا بيتك وليك فيه حرية التصرّف... وتأكد إني واثق فيك. بس قولي، حاسس إنك اليومين دول متغيّر... في حاجة مضايقاك ولا إيه؟
علي بلا مبالاة:
_ لا عادي، مانا زي الفل قدامك أهو.
الجد بتخابث:
_ زي الفل من برّه... بس يا ترى من جوّه زي الفل برضه؟ ولا في حاجة تانية؟
تذكّر معاناته وجرحه النازف من هجر وقع عليه ظلمًا، فظهرت ومضة من الحزن على ملامحه، ولكنه أخفاها ببراعة وقام بتعديل ياقة قميصه تزامنًا مع اعتداله في جلسته قائلًا بجمود:
_ من جوّه زي من برّه، مفيش أي حاجة.
هاشم بدهاء:
_ نبرة صوتك اللي اتغيّرت، وعينك اللي لونها بهت، وحركة إيدك اللي مبتحصلش غير وإنت متوتر... مع صدمتك من سؤالي اللي خلاك تتعدل وإنت قاعد... بيقولوا غير كدا يا علي!
في البداية صُدِم علي من دهاء ذلك العجوز وقوة ملاحظته، وسرعان ما تحولت صدمته إلى غضب عندما قال:
_ عايز توصل لإيه من كلامك دا؟
هاشم بهدوء:
_ عايز أوصل معاك لحل يريح قلبك.
علي بعناد:
_ أنا قلبي مرتاح... متقلقش عليه.
هاشم محاولًا استفزازه:
_ مش قلقان طبعًا... عشان عارف إنت مين وابن مين وحفيد مين؟
تصاعد غضب علي من حديثه فقال مستنكرًا:
_ وإيه دخل أنا مين وابن مين... بالحب يا هاشم بيه؟
هاشم بتخابث:
_ ومين جاب سيرة الحب دلوقتي؟
علي بنفاد صبر:
_ بلاش تلعب معايا اللعبة دي. انت عايز توصل لإيه من كلامك دا؟
هاشم بهدوء:
_ عايز أفتح عينيك على شوية حاجات مهمة... أولهم إن في حاجات في الدنيا مبتتكررش غير مرة واحدة... وأولهم الحب.
علي بسخرية:
_ هاشم بيه الرفاعي بنفسه هو اللي بيقول الكلام دا؟! وكان فين الكلام دا من أكتر من تلاتين سنة؟ ولا عشان ما كانتش مناسبة ليك ولعيلتك بتقول كدا؟!
هاشم بهدوء:
_ لا... عشان مناسبة ليك إنت. قلبك دق لها من غير أي ضغط ولا عند ولا تحدي. من زمان أوي... من حوالي خمسطاشر سنة. كنت لسه شاب مراهق جاي تزورني إنت وسلم الله يرحمه... ويشاء القدر إنها تكون موجودة وتخطف قلبك. فاكر لما سبْتنا في الصالون وطلعت تجري تبص عليها من أوضة المكتب عشان تشوفها وهي مروّحة؟ يومها جيت وراك وشفت نظرتك ليها... واتأكدت إنها أخدت قلبك معاها.
ارتجف قلب علي لتلك الذكرى البعيدة عندما أتى مع والده يزور جده وقد رأى تلك الفتاة الجميلة صاحبة العيون الناعسة والخصلات البُنْدُقِيّة وهي تتدلل وتلعب بجوار جده القاسي، الذي كانت تلك المرة الأولى التي يراه فيها حنونًا مع أحد، لكن تلك الفتاة برقتها قادرة على إذابة الحديد، فدقّ قلبه للمرة الأولى معلنًا عن استسلامه لرقتها وجمالها. وكعادته لم تُفصح ملامحه عن أي شيء مما يختلج داخل صدره، لكن تلك العينان الماهرتان اقتنصتا وميض الحب الذي ظهر داخل عينيه، وقد اختلق تلك الحجة لرؤيتها قبل أن تغادر، فاعتذر منهم وتوجه إلى غرفة مكتب جده ملبّيًا نداءً صامتًا بداخله يتلهف لرؤيتها قبل أن تغادر، سالبةً منه جزءًا من روحه التي رُدَّت إليه يوم أن رآها وهي تهبط من الدرج تتدلل كالأميرات، ليدق قلبه بعنف، وقد غزت عقله تلك الذكرى التي رافقته لسنوات طويلة...
أعطى هاشم لعلي الوقت لاستعادة تلك الذكرى في عقله ليتحدث بعد أن تأكد من أن ما يريده قد تحقق، قائلًا بهدوء:
_ اتأكدت من كلامي؟
لم يجبه علي، وإنما نظر إليه وكان هناك مزيج من مشاعر الغضب من افتضاح سره الصغير، والصدمة من ذكاء ذلك العجوز، وأخيرًا الاشتياق لها الذي كان يؤلمه كثيرًا. قاطع تفكيره حديث هاشم:
_ في حاجة مهمة لازم تعرفها يا علي. أنا عمري ما كنت ضد الحب أبدًا، لأني أكتر واحد جربه. أنا على فكرة اتجوزت جدتك بعد قصة حب طويلة. متستغربش من كلامي، بس دي الحقيقة. أنا لما وقفت ضد أبوك في جوازه من أمك مش عشان ما كانتش مناسبة لينا ولا حاجة. لا. رفضت عشان ملقتش في عينيه نظرة الحب اللي تخليني أتغاضى عن أي حاجة وأوافق على جوازه منها. لقيت نظرة تحدي وعند ممكن يودّوا صاحبهم في ستين داهية. وكان عندي حق... سالم عمره ما حب أمل.
ألمت كلمات هاشم قلب علي وهو يتخيل أن تكون والدته شعرت بهذا الألم، وبأنها كانت وسيلة لحرب والده مع جده، لكنه تجاهل ذلك قائلًا:
_ وموافقتش ليه على جوازه من ماما فاطمة بالرغم من إنك أكيد اتأكدت إنه بيحبها؟
زفر هاشم بتعب وقد عادت إليه ذكرياته المؤلمة فقال بحزن:
_ عشان كانت هتبعده عني! أمل عمرها ما كانت سبب إن سالم يبعد عني أبدًا. كان في عز خناقنا وحروبنا مع بعض، لكنه كان جنبي دايمًا حتى من غير ما أطلبه. لكن فاطمة قدرت تبعده... عشان حبها من كل قلبه باع الدنيا عشان خاطرها، ودا خلاني غصب عني أغير من حبه ليها. سالم كان أعز أولادي عندي، وبالرغم من كل قوتي وجبروتي إلا إن الكلمة الصغيرة منه كانت بتخلي قلبي يطير من الفرح. لكن لما ظهرت فاطمة في حياته واتجوزها خدته بكل حبه وحنانه دا... وفعلاً بعد عني. بعترف إني غلطت، بس كان غلطي بدافع الحب... ودا مش مبرر أبدًا، أنا عارف. بس والله حاولت أصلّح الغلط دا، والدليل إني سيبتك تعيش معاها بعد موت سالم الله يرحمه، ومقدرتش أحرمها منك، ولا أحرمك منها بالرغم من إني كنت أقدر وكان ليا كل الحق في دا. بس جيت على نفسي وعلى قلبي اللي كان بتوحشه أنت وإخواتك، وسيبتك معاها. يمكن دا يشفع لي عندك أو عند سالم.
ترقرقت دموع الندم والضعف في عيني هاشم والتي لامست قلب علي شفقةً عليه، لكن سرعان ما مسح هاشم عينيه وحاول استعادة قوته وكبرياءه قائلًا بجمود:
_ سيبنا من اللي فات... خلينا فيك إنت. هتسمع كلامها وتضيعها من إيدك؟
صُدم علي من تصريحه فقال بذهول:
_ وإنت عرفت كلامها منين؟ إنت كلمتها؟
هاشم بهدوء:
_ كلمتها.
انفجرت براكين الغضب داخل علي فهبّ من مقعده قائلًا بحدّة:
_ وحكتلك على الهبل اللي في دماغها؟ الهانم قالت إيه؟ بتقول مفيش بينا كلام يتقال، ومكانش في بينا حاجة أصلًا!
هاشم بمكر:
_ حكتلي... وأنا اتضايقت منها طبعًا. بس قولي يا علي... هو كان في إيه بينكوا؟ أصل أنا معرفش بصراحة. إنتوا كنتوا مرتبطين مثلًا؟
ارتبك علي من حديثه وأدرك ما يرمي إليه، ومن هنا بدأ يرى الأشياء بوضوح، فقال بارتباك:
_ لا مش بالظبط... يعني كنا مستلطفين بعض..
هاشم بتعقّل:
_ لا يا علي... تبقى البنت ما غلطتش. أنت واحد اتخانقت مع جدها وكان هيموت بسببك، وإنتوا يادوبك مستلطفين بعض. كنت عايزها تعملك إيه يعني؟ دا أقل واجب الكلام اللي قالتهولك دا.
تعاظم غضبه من نفسه أولًا ثم من حديث جده، لكنه قال بعناد:
_ بردو مكنش ينفع تقولي الكلام دا. كان ممكن توصّلي اللي هي عايزاه بأي طريقة تانية، وهي عارفة إني كنت في موقف زفت، ومكنتش هقدر أستحمل يهين أمي قدامي وأسكت.
هاشم بعتاب:
_ روفان ما قالتلكش الكلام دا عشان الموقف اللي انت عملته، ولا عشان هي كانت مستنية منك حاجة. روفان قالت الكلام دا لأنها عارفة رحيم الحسيني كويس... وعارفة إن كدا كل الخيوط اللي بينكوا انقطعت، واتبنّى بينكوا ألف سد وسد.
ألمه قلبه على موقفها وخوفها، فقال بغضب وتحدٍ:
_ إن كان هو رحيم الحسيني... فأنا علي هاشم الرفاعي! ومحدّش يقدر ياخد مني حاجة أنا عايزها. أنا عمري ما حطيت قدامي هدف وما وصلتش لهوش... ولا هو ولا ألف غيره يقدروا يمنعوني عنها.
هاشم بارتياح وقد وصل إلى مبتغاه:
_ عارف إنك تقدر تهدّ الدنيا وتاخدها غصب عن الكل... بس مش غصب عنها يا علي. هي الوحيدة اللي ممكن تقفلك، ووقتها مش هتقدر تعمل حاجة.
ارتعب قلبه من مغزى حديث جده فقال بتوتر:
_ تقصد إيه بكلامك دا؟
هاشم بقوة:
_ راضي قلبها يا علي... وصلّها كل اللي جواك دا. عشان لما تقوم حرب عشانها تكون هي ذخيرتك. لكن مش تروح تعلن حرب على الناس وإنت مش ضامن وجودها جنبك... وقتها تبقى غبي وبتِرمي نفسك في النار.
أعلن هاتف علي عن قدوم مكالمة، فنظر علي إلى هاشم الذي تحرّك واقفًا في مكانه ثم قال بنصح:
_ أنا حطّيتلك الكورة قدّام الجون... وإنت عليك تسدّد. فكّر كويس وبُص حواليك... واعرف هتلعبها إزاي. وأوعى الغرور ياخدك... عشان ممكن يعميك عن المكان الصح ويخليك تجيبها في العارضة. واعرف إن الفرصة ما بتتكررش مرتين. شوف تليفونك... وأنا هروح أحط النقط عالحروف وأثبت الأرض تحت رجليك من تاني.
أنهى هاشم حديثه وهو يربّت على كتف علي، الذي لم يكن يعلم ماذا عليه أن يفعل أو يقول في تلك اللحظة؛ فقد كان تائهًا حائرًا يأكله الغضب والشوق معًا في صمت. ليأتي آخر من كان يتوقع مساعدته ليضع قدمه على الطريق الصحيح... فجأة وجد نفسه يتحدث بعرفان قائلًا:
_ شكرًا يا جدو.
نظر إلى هاشم الذي كان قد وصل عند باب الغرفة، وقد دقّ قلبه عند سماع كلمات الشكر البسيطة تلك، والتي كانت أول الطريق لقلب حفيده الأغلى على قلبه. فهزّ رأسه مع ابتسامة صادقة خرجت من قلبه، ثم توجه إلى الخارج، تاركًا علي الذي قام بإجراء اتصال هاتفي قائلًا بلهفة:
_ إيه يا ماما؟ فينكوا؟ وإزاي تخرجوا من البيت كلكوا كدا من غير ما أعرف؟
ابتعدت فاطمة بالهاتف عنهم وهي تقول بصوت خفيض:
_ معلش يا علي... كاميليا تعبت شوية وكان لازم أجي أشوفها. المهم... طمّني، فاقت ولا لسه؟
علي بملل:
_ معتقدش... لو كانت فاقت كانت الممرضة اللي فوق دي بلّغتني. طمنيني على كاميليا... مالها؟
احتارت فاطمة ماذا تخبره، فهي لا تعلم ما حدث بعد، فقالت باختصار:
_ لسه معرفش... أغمي عليها وجابوها على المستشفى.
علي بتعب:
_ طب أنا هريح شوية عشان تعبان أوي... ما نمتش من امبارح. لو احتجتي حاجة كلّميني... أجيلكوا.
فاطمة بحنو:
_ لا... خليك. مادام تعبان ارتاح شوية، عشان لما أجيلك هنتكلم... مش هتهرب مني زي المرة اللي فاتت. وبعدين... إحنا كلنا هنا.
تجاوز علي تلميح والدته، والتي كانت تعني أن يحضر ناهد الغائبة عن الوعي إلى القصر ليهرب من أسئلتها إلى أن تسترد وعيها ويفهم منها ما يحدث. وسرعان ما لمعت عيناه عند جملتها الأخيرة، فسأل باهتمام:
_ كلكوا مين يعني؟
فاطمة بعفوية:
_ أنا وإخواتك... وأدهم ومامته... وروفان أخته... ويوسف كان هنا بس تقريبًا راح مشوار.
هبّ علي من مكانه عند سماع اسمها وقال بلهفة:
_ إيه يا ماما الكلام اللي بتقوليه دا؟ إزاي كاميليا تبقى في المستشفى وأنا مجيش أشوفها؟ دا حتى يبقى عيب! خمس دقايق وهتلاقيني عندك.
لم يُعطِ فاطمة الفرصة للرد، فقد أغلق الهاتف وتوجه حيث يقوده قلبه الذي يتلهف لرؤيتها... ليروي شوقه وغضبه منها.
************
_ عايزة أتكلم معاك ضروري.
كانت تلك الرسالة النصية التي أرسلتها غرام لأدهم بعد أن كتبتها وقامت بحذفها للمرة الألف. لا تعلم لماذا تريد الحديث معه؟ نعم، تعشقه... لكنها كانت قد قررت بأنها أبدًا لن تعود إليه، فقد كسرت فعلته كل الجسور بينهما. هكذا كانت تُقنع قلبها عندما يأكله الشوق كل ليلة، ليأتي تصريحه الجريء هذا الذي قلب تفكيرها رأسًا على عقب، بل إنه سدد هدفًا عظيمًا في شباك قلبها عندما أرضى غرورها كأنثى بكلماته تلك، وجعل قلبها ينتفض بداخلها كطفل صغير لا يهدأ إلا عند الحصول على ما يريد. وقد ضعفت أمام طوفان اشتياقها له، وأرسلت تلك الرسالة التي وصلته وهو يجري عدة اتصالات هامة من أجل العمل الكثير الذي وقع فوق عاتقه مع اختفاء رائد، الذي هاتفه يعلن سفره المفاجئ نظرًا لمرض إحدى أقاربه، ومنذ ذلك اليوم وهاتفه مغلق، فوقعت جميع أعماله فوق عاتق أدهم. وما أن شاهد اسمها على الهاتف مقرونًا برسالة نصية حتى رقص قلبه بين ضلوعه فرحًا عند قراءة تلك الكلمات البسيطة التي تحويها الرسالة، غير مصدق بأنها هي التي تريد التحدث إليه. فأخذ ينظر حوله لتقع عيناه عليها وهي تعبث بهاتفها بتوتر وكأنها نادمة على تلك الرسالة التي جاءته كشعاع نور في طريقه المظلم إلى كسب ودها، فسرعان ما أرسل لها الرد قائلًا:
_ مستنيكي في الباركينج.
وصلتها رسالته فصار قلبها يدق بعنف، وابتلعت ريقها بصعوبة، وأخذت تبحث عن أختها التي كانت تتحدث على الهاتف فتوجهت إليها قائلة بلهجة مهتزة بعض الشيء:
_ كارما... أنا هطلع خمس دقايق وارجع، لو ماما سألتك قوليلها في الحمّام.
طالعتها كارما باستنكار، فسارعت غرام بالحديث:
_ مش هتأخر... هاجي على طول.
أنهت غرام كلماتها ثم توجهت إلى حيث ينتظرها، وقد كانت كل خلية بها ترتجف لهفة لرؤيته وخوفًا من ضعفها أمامه وترقبًا لما هو آت. كانت تقدم خطوة وتؤخر الثانية... إلى أن وصلت، فوجدته يجلس بكسل على مقدمة سيارته واضعًا يديه في جيوب بنطاله ينتظرها، وعلى شفتيه ترتسم ابتسامة عاشقة زادت من توترها، خاصةً عندما انتصب واقفًا لدى اقترابها منه، فتوتّرت للحظة وقد نسيت كل ما أعدّته من أحاديث، فظلت تطالعه، وقد آسرته عيناها كما آثرتها عيناه اللتان كان العشق يتبلور فيهما. ظلّا يتبادلان النظرات لثوانٍ حتى أخيرًا قررت انتشال نفسها من بحر عينيه اللتين أغرقتاها سابقًا، وعدم الانسياق خلف سحر وسامته، لتقول بنبرة حاولت جعلها ثابتة:
_ حصل إيه لكاميليا؟
خابت آماله للحظات عند سؤالها عن حالة كاميليا، لقد كان يمني نفسه بأنها قد قررت إعطاءه فرصة لتصحيح خطئه والتحدث معه بشأن علاقتهما، خاصةً بعدما حدث داخل المشفى مع ذلك الطبيب. لكنه تدارك الأمر وقرر أن يجاريها حتى يصل إلى ما يريده فقال بمزاح:
_ طب قوليلي إزيّك؟ عامل إيه؟ يعني من باب المجاملة حتى!
غرام بسخرية:
_ إزيّك... عامل إيه؟
أدهم بمداعبة:
_ قبل ما أشوفِك ولا بعد ما شوفتِك؟
ذلك اللعين يجعل قلبها يدق ألف مرة في الثانية الواحدة من تلك النظرات التي وكأنها تعانقها، وتلك الكلمات التي تداعبها... لكنها ظلت على ثباتها قائلة بسخرية:
_ بصراحة مش عايزة أعرف... أنا جاية عشان أطمن على كاميليا وبس.
مازحها قائلًا:
_ ده انتي بتستغلّيني بقى!
غرام بتهكّم:
_ اعتبرها خدمة إنسانية.
انتَصَب واقفًا ليقترب منها بخطٍ سلحفائي... فما كان يتقدّم خطوة حتى تتراجع هي أخرى، ثم هتف قائلًا بحب وعينان بدا وكأنهما تطوّقانها:
_ بس كده؟ ده عنيا ليها. ده أنا مستعد أفديها بروحي... بس هي ترضى!
كانت تتراجع للخلف لدى اقترابه منها وعيناه اللتان كانتا تزيدان من توترها، فقالت بارتباك:
_ هي إيه دي؟
أدهم بتخابث:
_ الإنسانية طبعًا!
غرام بغضب مفتعل:
_ خليك مكانك... وإلا هسيبك وِأمشي.
أنهت كلماتها تزامنًا مع تعثرها بحجر خلفها، لتقوم يد أدهم بالتقاطها قبل أن تسقط، وتطويقها من كل الجهات لتقع بلحظة بين أحضانه. فرفعت عينيها لتلتقي بعينيه اللتين كانتا تحويان من العشق أطنانًا، فجعلتا قلبها يدق كالطبول، خاصةً وهو يقول بنبرة خشنة:
_ تمشي فين؟ هو دخول الحمّام زي خروجه ولا إيه؟
زاد ارتباكها وتسارعت أنفاسها من كلماته، ويداه اللتان كانتا تلتفّان حول خصرها بتملك كبير، مما جعل الكلمات تخرج من فمها بصعوبة وهي تقول:
_ يعني إيه؟
أجابها بصدق وبلهجة مبحوحة من فرط التأثر بقربها:
_ وحشتيني.
كانت على وشك أن تستسلم لسحر عينيه وعذوبة كلماته وتخبره بأن شوقها إليه أيضًا قد فاق الحدود، بل وأنها كانت تغفو وتستيقظ كل يوم على صورته... ولكن جاء رنين الهاتف الذي أنقذها، فجعلها تنتفض من بين ذراعيه، وتقوم بإخراجه من الجيب الخلفي لبنطالها وهي تجيب بعفوية:
_ آلووو... إيه يا موري؟ انت فين يا روحي؟
غضب أدهم من ذلك الاتصال اللعين الذي جاء في غير وقته، وقد كانت على وشك إعلان راية الاستسلام. ليتحوّل غضبه إلى غيرة جنونية وهو يسمعها تتحدث بتلك النبرة التحببية إلى ذلك الشاب، وأيضًا تدلّله بتلك الطريقة، فقام بانتزاع الهاتف من بين يديها وإغلاقه وهو ينفث النيران من أنفه. فتجاهلت مظهره الغاضب والذي أسعدها كثيرًا، فهي تتحدث هكذا حتى تثير جنونه... وقد حدث ما أرادت، لكنها تظاهرت بالغضب حين قالت:
_ إيه اللي انت عملته ده؟! انت مجنون!
بالكاد تحكم في غضبه ليقول بحدة:
_ لا... ده أنا لحد دلوقتي كده عاقل.
غرام بحدّة:
_ يعني إيه بقى؟
أجابها بنبرة حاول أن تكون هادئة بعض الشيء:
_ اسمعيني كويس... أنا ساكت على كل عمايلك وصابر عليكي وعلى عندك، وعندي استعداد أصبر مليون سنة كمان... واستنّاكِ لحد ما تسامحيني. لكن من هنا لحد عقلك ما يرجع لراسِك... وتعرفي إنك مش لحد غيري... أوعي تفكّري إنك تستفزّيني أو تثيري غيرتي.
غرام بسخرية:
_ والله؟ هتعمل إيه بقى؟
هتف بانفعال:
_ وقتها هتشوفي جنان عمرك ما كنتِ تتخيّليه. وخليكي فاكرة كلامي ده كويس... عشان مش هقوله تاني. أنا غيرتي وحشة يا بنت الناس... اتجنّبيها أحسن لك!
داخليًا كانت تود لو تصرخ من فرط السعادة، لكن كبرياء الأنثى بداخلها قيّد القلب وأشعل روح التحدي مرة ثانية بجوفها، وقد راق لها تعذيبه كثيرًا حتى يعلم مع من قام بالعبث. فاقتربت منه للحد الذي جعل جميع حواسه تتنبه لاقترابها، وقالت بنبرة خفيضة مغرية:
_ دي مشكلتك... حلّها لوحدك. أنا ولا كأني سمعت حاجة.
أنهت كلماتها وارتدّت للخلف تنوي المغادرة... ولكن هيهات أن تذهب هكذا بعد ما أشعلت بجوفه نيرانًا لم ولن تهدأ إلا بها. فقام بإمساكها بقوة من رسغها جاذبًا إياها لتصطدم بسياج صدره، ناظرًا إلى شفتيها تارة وإلى عينيها تارة أخرى... لتستقر نظراته أخيرًا على عينيها قائلًا بوعيد:
_ متلعبيش بالنار يا غرام... وخصوصًا معايا. أنا ناري بتحرق... ومبتسميش.
غرام باستنكار بعدما استردت جزءًا من ثباتها الذي بعثره اقترابه منها بهذا الشكل:
_ بتهددني؟
أجابها بخشونة:
_ لا... أنا بس بعرّفِك إن ناري محوّطاكي... وهتحرق أي حد يفكّر يقرب منك... حتى لو كان مين. بس برضه ما يمنعش إن في نار تانية... دي هنجرّبها وندوب فيها سوا.
قال كلماته الأخيرة بوقاحة أخجلتها كثيرًا، فنفضت يدها من يده، لكن الأخيرة لم تتركها، فقالت بغضب:
_ على فكرة بقى... انت قليل الأدب. وأنا حرة أعمل اللي أعمله... وأكلم اللي أكلمه... انت ملكش دعوة بيا.
أدهم بتحدٍ وبنبرة قاطعة:
_ محدش في الدنيا له دعوة بيكي غيري... ده أولًا. ثانيًا... لو مش خايفة على الأمور بتاعك ده... خليني أشوفِك واقفة معاه ولا بتدلعي عليه كده تاني! وأنا... وشرف أمي... لهكسّرلك عضمة. وأظن انتي شفتي بعينيكي فوق... أنا مستعد أعمل إيه.
أوشكت على الحديث فقاطعها بحدّة:
_ اتفضلي دلوقتي روّحي لهم... عشان ما يقلقوش عليكي. واعرفي إن عيني عليكي... وشايفاكي في كل مكان... حتى أوضتك.
اشتعلت نيران الغضب بداخلها من كلماته، وأوشكت على أن تخبره بأن يذهب إلى الجحيم، ليبادرها هو قائلًا:
_ أي كلمة هتقوليها دلوقتي... هاعتبرها دعوة صريحة إني أقرب منك... وأنا بصراحة... هموت وأعمل كده.
قال الأخيرة بوقاحة نابعة من فرط اشتياقه لها، وقد تمنى لو أنها ألقت إحدى كلماتها اللاذعة حتى يرتوي من شهدها الذي يشتهيه كثيرًا. لتفاجئه هي بابتلاعها الحديث بصعوبة كبيرة... فقد كانت تود تلقينه درسًا لا يُنسى، ليشتعل المكر بعينها وهي تقترب منه ببطء ناظرة إلى عينيه، ورفعت يدها تضم إبهامها مع السبابة، تمررها على شفتيها من البداية للنهاية بمعنى: لقد أغلقت فمي. ثم ارتدّت إلى الخلف وهي على يقين بأنها تركت به نارًا مشتعلة سوف تحرقه مثلما أحرقتها كلماته. وبالفعل... كانت حركتها هذه قد أثارته كثيرًا وزادت من شوقه إليها الممزوج بعشق لم يخطر بباله يومًا أن يشعر به تجاه أحد. فزفر بتعب وقد قرر بأنه عليه وضع حد لمعاناته تلك... فهو لم يعد يستطيع الابتعاد عنها أبدًا.
تابع طية الروح الثانية " عشق بين حنايا الروح"
كانت هند عائدة من عملها الممل في ذلك المكتب والذي كانت قد قبلت به بسبب خوفها من أن يجدها كلٌّ من يوسف أو رائد... ذلك الاسم الذي كلما مرَّ على بالها تزداد ضربات قلبها تلقائيًا؛ تارة مُشتاقة وتارة خائفة، لا تعلم ماذا تفعل مع قلبها الذي يظل طوال الليل يؤنّبها على رحيلها بهذا الشكل عنه. فبالرغم من كل أخطائه إلا أنها تشعر بمدى معاناته وبأن هناك مشاعر صادقة خلف جدار الانتقام والغضب والحقد هذا، ولكن لم يكن بيدها حيلة أخرى، فلو كان الأمر بيدها لظلت بجانبه إلى أن يأخذ ثأره الذي كان يسبب له كل هذا العذاب، ولكن خوفها من أن يطال طوفان الانتقام هذا والدتها وأختها الصغيرة جعلها تختار نيران البعد عنه، وترضى بالعذاب لقلبها الذي غفر له جميع أخطائه بحقها. لتمر على بالها تلك الذكرى المؤلمة.
عودة إلى وقت سابق
استيقظت هند من غفوة طويلة أخذتها على حين غرّة لتجد نفسها نائمة في غرفة غريبة عنها. ظلّت ترمش بعينيها لثوانٍ لمعرفة أين هي؟ وأخذت تنظر حولها لتتبيّن المكان، وفجأة تذكرت ما حدث البارحة عندما كانت معه تُلَبِّي دعوته للاحتفال بعيد ميلاده، وآخر شيء تذكرته هو إصراره عليها لشرب كأس نبيذ واحد، فطاوَعَتْه... وبعدها لا تتذكر شيئًا.
هبت مفزوعة من مكانها فصُعِقَت من تلك الشراشف التي تخفي جسدها العاري... تلك الكلمة التي جعلتها ترتجف رعبًا من هذه الخاطرة التي مرّت على بالها.
لا، لا، لا يمكن أن يكون قد فعل بها تلك الجريمة البشعة! فهي كانت تشعر بصدقه في كل كلمة كان يتفوّه بها، وأيضًا نظراته كانت تحكي لها مقدار حبه... ولكن ماذا حدث؟
أخرجها ذلك الصوت الساخِر من شرودها لتصدم مما رأته.
كان رائد عاري الصدر يجلس على أريكة في آخر الغرفة يطالعها بنظرات غامضة قائلًا بسخرية:
_ صباحية مباركة يا عروسة!
نزلت كلماته كالصاعقة على مسامعها فقالت بعدم تصديق:
_ أنت بتهزر صح؟ أكيد مش قاصد اللي أنت بتقوله ده!
ابتسم بسخرية وألقى نظرة ذات مغزى على شيء ما بجانبها، فالتفتت إليه حتى تجمدت في مكانها من رؤية تلك الدماء التي كانت على شرشف السرير، فجحظت عيناها ألمًا ورعبًا. ليطالعها بنظرات يملؤها الندم والحزن سرعان ما تحولت إلى اللامبالاة، تجلّت كثيرًا في نبرته حين قال:
_ معنديش وقت أستناكي لما تتصدّمي وتقعدي تعيّطي وتوَلْوِلي. أنا راجل عملي وعايزِك إنتِ كمان تبقي كده. أنا هعرض عليكي ديل كويس، وإنتِ كمان اللي هتطلعي فيه كسبانة.
لم تسعفها الكلمات للحديث؛ فقد غلبت صدمتها على كل شيء. فقد كانت تراه وكأنه الشيطان بعينه بعدما كان ذلك الملاك الذي كانت تظن أنه هبط من السماء لأجلها، ولكنه كان النقيض تمامًا... سلبها أعز ما تملك، وأصبحت بسببه مُلوَّثة، حتى تلك الأمطار الغزيرة التي كانت تتساقط من مقلتيها لن تفلح أبدًا في تطهيرها.
كان ينظر إليها بقلب يقطر ألمًا، ولكنه تجاهل ذلك الألم الشديد، فقد وضع خطة بداخله وعزم على تنفيذها، وأقسم بأنه لن يوقفه شيء في هذه الحياة عن انتقامه... حتى قلبه الذي كان ينزف ألمًا على حالتها. ولكنه لم يشفق عليه ولا عليها، فيئس من ردّها وتابع بمنتهى الهدوء والثبات:
_ أنا مستعدّ أتجوزِك دلوقتي وأستر عليكي. بس ده هيكون له مقابل.
كان صوتها مبحوحًا من فرط الألم والحزن والخيبة:
_ عايز مقابل علشان تتجوزني وتستر عليا؟ للدرجة دي أنا بقيت رخيصة؟
استقرت خناجر كلماتها في قلبه محدثة آلامًا صعب احتمالها، ولكن رجلًا مثله اعتاد الألم فأصبح يستلذ به. فنظر إليها ساخرًا ثم قال:
_ متكبّريش الموضوع. قولتلك هتجوزِك وأرحمِك من الفضيحة... بس عندي شرط واحد.
تحدثت بصوت لا روح فيه قائلة:
_ شرط إيه؟
هتف بغل:
_ تساعديني أجيب رقبة يوسف الحسيني الأرض.
صدمة ثانية أطاحت بثباتها أرضًا، فقالت باستنكار:
_ أنت اتجننت صح! أنت عايزني أعضّ الإيد اللي اتمدّت لي؟!
رائد بغضب:
_ اخرسي واعرفي إنتِ بتتكلمي مع مين! إنتِ روحك في إيدي يا حلوة. كل اللي حصل بينا أنا مصوّره، وممكن أروح أوريه للست والدتك اللي أكيد هتقعد ساكتة... ووقتها يوسف بيه هينفعك!
علا صوت بكائها وهي تقول بألم:
_ حرام عليك... أنت أكيد مش بني آدم، أنت شيطان. أنا عملت فيك إيه علشان تعمل فيا كده؟
رائد بمرارة:
"مش لازم تكوني عملتي. كتير أوي الدنيا بتظلمك من غير ما يكون ليكِ ذنب في أي حاجة... ومش لوحدِك اللي اتاخدتي في الرجلين! قولتي إيه... هتساعديني ولا لأ؟"
كان التيار أقوى منها، فهذه هي والدتها وأغلى ما تملك في تلك الحياة البائسة، لن تستطيع أن تعرضها لتلك الحقيقة البشعة أبدًا. لهذا اتخذت قرارها قائلة بإذعان:
_ عايزني أساعدك إزاي؟
تجاهل ذلك الألم والعجز في صوتها قائلًا بثبات:
_ عايزِك تجيبي لي كل أخباره خطوة بخطوة، ونسخة من كل الملفات السرية والمهمة في الشركة.
هند بإذعان:
_ حاضر.
رائد بلوعة، فقد ودّ لو يحتضنها مكررًا أسفه مرارًا وتكرارًا لما أقحمها فيه بدون أي ذنب:
_ وأنا هبعت أجيب المأذون علشان يكتب الكتاب.
التفتت هند بالشرشف حولها وتقدمت منه ناظرة إليه بكره واحتقار ثم قالت باشمئزاز:
_ أنا عمري ما هكون مراتك أبدًا. بعد ما توصل للي إنت عايزه... مش عايزة أشوف وشّك تاني.
عودة للوقت الحالي
تلك الدموع التي أحرقتها ذلك اليوم أحرقتها الآن، كما لو أن ما حدث قد حدث البارحة. وما زاد من ألمها هو ذلك القلب الذي غفر له وسامحه على جميع أخطائه، ضاربًا عرض الحائط كرامتها وكبرياءها اللذين تجردت منهما تلك الليلة مثلما تجردت من عفّتها وطهارتها.
وصلت إلى باب الشقة وقامت بوضع المفتاح في قفل الباب وإدارته ثم دخلت وهي تكفكف دموعها حتى لا تراها أيٌّ من والدتها أو أختها. وقامت بإشعال الضوء لتتفاجأ بذلك الذي يجلس على الكرسي ناظرًا إليها بسخرية وهو يقول:
_ حمد الله على السلامة.
كانت سميرة تنظر إلى نيفين التي كانت وكأنها في عالم آخر غير عالمهم، وقد كانت كلماته المحتقرة تتردد بأذنها وكأنها سوط يجلدها بعنف. حتى تلك الإبر التي كان الطبيب يغرزها بكفّها الذي تضرر كثيرًا، فقد كانت تتمنى لو أنهى حياتها... أرحم عليها من هذا العذاب الآن.
نظر إليها الطبيب ليجدها في عالم آخر، فأنهى دوره بمهارة فائقة، واستقام ناظرًا إلى سميرة قائلًا بعملية:
_ أنا جبّست الكسر وإن شاء الله يِلِمّ. بس طبعًا هيكون في ألم كبير الفترة الجاية، وعشان كده أنا كتبتلها على شوية مسكنات هتهدي الدنيا شوية.
سميرة بملل:
_ ميرسي يا دكتور، تعبناك معانا.
تناولت سميرة الورقة وأشارت للخادمة بأن توصل الطبيب، ثم نظرت إلى نيفين التي كانت حالتها لا تبشر بالخير وقالت بترقب:
_ هتفضلي ساكتة كده كتير؟
لم تجبها، بل بدا لها وكأنها لم تسمعها من الأساس. فنظرت إليها سميرة بامتعاض وقالت بحنق:
_ براحتك... ماترديش. أنا كلمت الخدم هيجبولِك الأكل، وهبعت حد من الجارد اللي برّه يجيبلك الدوا... ونامي، ولما تصحي نبقى نتكلم.
لم تجبها أيضًا، وهنا رن هاتف سميرة التي نظرت إليه بتوتر واتجهت إلى الباب مهرولة لتدخل غرفتها ليتسنى لها التحدث بحرية. فما إن ضغطت على زر الإجابة حتى وصلتها قهقهات شريرة يتبعها صوت الشيطان قائلًا:
_ عايزِك تجهزي أجمل طقم أسود عندِك... عشان عندِك عزا يا حرمة المرحوم.
صُدِمَت سميرة من حديث راغب وقالت بعدم تصديق:
_ راغب! إنت بتتكلم بجد؟
راغب بتأكيد:
_ ودي حاجة ينفع أهزر فيها برضو؟ مراد... الله يرحمه. وزمان الدكتور بيقولهم الخبر دلوقتي. يلا روحي جهّزي اللي هتلبسيه... عايزِك قمر النهارده.
أتبع حديثه بقهقهات مقززة وأغلق الهاتف لتجلس هي على أقرب أريكة ناظرة إلى الفراغ، وقد شعرت بألم يغزو قلبها مع نزول دمعة صادقة من عينيها، وألقت نظرة إلى صورة له معلّقة في غرفتها قائلة بألم:
_ إنت اللي اخترت النهاية يا مراد.
**************
في المشفى كان التوتر يُخيّم على الجميع مما حدث، خاصةً عند سؤال فاطمة المتكرر والذي وجّهته تلك المرة لصفية قائلة بنفاد صبر:
_ مش هتقولي حصل إيه لبنت أختي بردو يا صفية؟
صفية بارتباك:
_ قولتلك محصلش حاجة يا فاطمة. كاميليا تعبت شوية وجبناها على المستشفى على طول.
فاطمة بغضب:
_ وإيه اللي تعبها؟ كاميليا مش هتتعب كده من غير سبب.
صفية بتوتر:
_ قولتلك معرفش يا فاطمة... معرفش. احنا لقيناها فجأة أُغمِي عليها.
فاطمة بحدّة:
_ لما إنتِ عايشة معاها في نفس البيت ومش عارفة... أمال مين اللي يعرف؟
تدخل أدهم لإنقاذ والدته من عبء الإجابة قائلًا بنبرة قاطعة:
_ طنط فاطمة، محدش فينا له ذنب في تعب كاميليا... خليكِ متأكدة من ده.
توترت فاطمة من لهجة أدهم، وأدركت أنها تمادت في أسلوبها قليلًا، وهي تعرف جيدًا أن صفية أكثر من كان يحنو على ابنة أختها، فقالت برفق:
_ أنا عارفة الكلام ده يا أدهم ومتاكدة منه... بس أنا قلبي واكلني على كاميليا. دي مش أول مرة تقع وتتعب كده.
أجابتها صفية بحزن وشفقة:
_ والله قلبنا كلنا واكلنا عليها. دي كاميليا دي بنتي... ربنا عالم.
فاطمة باعتذار:
_ عارفة والله يا صفية، وحقك عليّا لو كلامي كان فيه حدة شوية... بس غصب عني، دي الحاجة الوحيدة اللي باقيالي من ريحة زهرة... الله يرحمها.
صفية برفق:
_ الله يرحمها. أعذارك مقبولة يا فاطمة. إن شاء الله هتقوم بالسلامة وهتبقى زي الفل.
قاطع حديثهم قدوم إحدى الممرضات، والتي وجّهت حديثها لأدهم قائلة بنبرة مهتزّة بعض الشيء:
_ أدهم بيه... الدكتور فؤاد عايز حضرتك ضروري.
انتفض الجميع، ومنهم فاطمة التي قالت بذعر:
_ كاميليا جرالها حاجة؟
أدهم بهدوء:
_ اهدي يا طنط فاطمة... ده الدكتور بتاع عمي مراد.
نظر أدهم إلى الممرضة التي كان وجهها لا يُفسَّر، وقال باستفهام:
_ في حاجة؟
_ الدكتور عايز حضرتك... أو يوسف بيه ضروري.
صفية بقلق:
_ أنا هاجي معاك يا أدهم.
نظر أدهم إلى والدته قائلًا بلهجة قاطعة:
_ استني هنا يا ماما... وأنا لو في حاجة هبلّغك.
تدخلت روفان قائلة:
_ وأنا هروح معاك أطمن على جدو... زمانه صحي.
وافقها أدهم واعتذر منهم جميعًا، ثم قام بالانصراف والقلق يأكله من الداخل.
****************
بعد أسبوع
دخل يوسف إلى تلك الغرفة التي تحوي بداخلها العالم أجمع بالنسبة إليه، وقد كانت صدمته عندما وجدها جالسة على السرير ناظرة تجاه النافذة التي كان يدخل منها شعاعٌ من الشمس ينعكس بريقه على خصلات شعرها الذهبية التي كانت تلمع كثيرًا على عكس انطفاء صاحبتها، والتي شعرت بانفتاح باب الغرفة، وقد جاءت اللحظة التي كانت تؤجلها كثيرًا طوال هذا الأسبوع، فقد كانت تشعر به في كل مرة يأتي ليراها وتتظاهر بالنوم عندما يضع هو تلك القبلة الرقيقة فوق جبينها ويجلس معها بصمت ولا تدري متى يذهب، فقد كانت تذهب بعدها في ثباتٍ عميق فتجده بطلًا لأحلامها التي كانت تارة تزعجها وتارة تسعدها، ولكنها سئمت من النوم وقررت لأول مرة بحياتها المواجهة، فعندما جاء في الموعد المعتاد ككل يوم وجدها جالسة على سريرها وقد أخذت وقتًا طويلًا حتى استطاعت النظر تجاهه، فكانت نظراتها كقطرات ماء سُكبت على أرضٍ قد تشققت بفعل الجفاف لتحييها، هكذا هو حال قلبه الذي كان يموت شوقًا لعينيها التي حرمته منها لأسبوعٍ كامل قد حمل الكثير والكثير من الأحداث المؤلمة والتي لا أحد يعلم كيف تجاوزها.
اقترب يوسف من سريرها ناظرًا إلى عينيها التي كان الألم والانكسار يخيم عليها، وقد كان هذا أكثر الأشياء ألمًا لقلبه، ولكنه حاول إضفاء الهدوء على صوته وهو يقول:
_ عاملة إيه النهارده؟
أجابته بصوت خفيض وهي تنظر أمامها غير قادرة على مواجهته:
_ الحمد لله أحسن.
عاتبها بحنو:
_ أخيرًا قررتي تفوقي؟
أخفضت كاميليا عينيها وهي تشعر بالخزي من افتضاح أمرها أمامه، فقد كان قلبها يخبرها بأنه على علم بتظاهرها ولكنها كانت تكذبه، والآن علمت بأنه كان طوال هذا الوقت يعلم بهروبها، وهو الأمر المخزي بالنسبة لها، فلم تستطع الإجابة سوى بدمعة يتيمة نزلت من طرف عينها، هبطت على قلبه كجمرة من النيران المشتعلة، ليتحرك من مكانه جالسًا على السرير أمامها وقام برفع رأسها بيد وباليد الأخرى مسح دمعتها قائلا بلهجة حانية:
_ لما أكلمِك تبصيلي. أوعي توطي راسك أبدًا.
وكانت كلماته كالإذن بانفجار عينيها بأنهارٍ من دموع القهر والألم والخزي، فامتدت ذراعاه تحتضنها بقوة ورفق، فصارت تنتفض بين ذراعيه تبكي عارًا أُلصِق بها عنوة ولم يكن لها أي يدٍ به. تبكي حلمًا لم تتمنَّ سواه ولكنه انتهى لحظة بدايته. تبكي مصيرًا أسوأ من الموت بدونه وهي عاجزة لا تملك من أمرها شيئًا سوى البكاء والنحيب الذي كان يفتت قلبه من الداخل، وصوت شهقاتها يعلو ويعلو وكأنها كانت تحتفظ بتلك الدموع لسنوات حتى أتى الوقت للإفصاح عنها.
ظلت على هذه الحالة لوقتٍ ليس بقصير تبكي وتشهق وتنتفض، ويداه الحانيتان تحتويانها وتهدهدانها كالطفل الصغير حتى هدأت تمامًا، فقام بتقبيل أعلى رأسها ثم قال بحنان:
_ هخلي الدكتور ييجي يديكي حاجة مهدئة عشان تعرفي تنامي.
قاطعته كاميليا بنفي:
_ لا. مش عايزة أنام... أنا نمت كتير وهربت كتير، كفاية أوي لحد كده.
طالعها يوسف بقلق، فهو خائف من تدهور حالتها أكثر، فقال بحنان:
_ إنتِ تعبانة... خلينا نأجل الكلام لما تبقي كويسة.
كاميليا بألم:
_ مش هتفرق، أنا هفضل تعبانة، وكده كده لازم نتكلم. دلوقتي أحسن من بعدين.
يوسف بمهادنة:
_ طب اتكلمي... خرّجي كل اللي جواكي.
نظرت إليه كاميليا بألم، وداهمتها بعض الذكريات السابقة، فحوّلت نظراتها إلى البعيد وهي تسرد ما حدث منذ ثمانية أشهر.
عودة لوقت سابق
كانت تنام بعمق إلى أن شعرت بيدٍ قوية تجذبها من فوق مخدعها بعنف، فهبت مذعورة من نومها على صوت نيفين البغيض وهي تقول بغضب:
_ طبعًا نايمة في العسل بعد ما عملتي عملتك السودة!
كاميليا برعب:
_ ابعدي عني! عايزة مني إيه؟
نيفين بحقد:
_ أنا كان عليا نفسي آخد روحك بإيدي... بس للأسف مش هضيع نفسي عشان واحدة زيك. بس واديني لهطردك زي الكلبة من البيت ده.
ارتعبت كاميليا من مدى الحقد الذي يقطر من كلماتها، ولكنها ارتدت ثوب القوة التي استمدتها من كونها تنتمي إليه، ونفضت يدها الممسكة برسغها قائلة بحدة:
_ ابعدي إيدك دي عني. متقدريش تعمليلي أي حاجة. أنا مرات يوسف الحسيني اللي ممكن يهد الدنيا فوق دماغك لو فكرتي بس تقربيلي، فاهمة؟
_ أخس عليكِ يا نيفين... إحنا بنبارك للعروسة كده برضو؟!
كان هذا الصوت المليء بالشر لسميرة التي دخلت من باب الغرفة وسمعت حديث كاميليا، فتقدمت تنظر إليها بكُره وغضب، ثم وجهت انظارها لابنتها قائلة:
_ روحي انتِ يا نيفو، أنا ليا كلمتين مع ست الحسن والجمال.
نظرت نيفين بغضب لوالدتها وقالت بحدة:
_ ماما!
سميرة بغضب:
_ مفيش ماما! قولتلك اخرجي واقفلي الباب وراكي!
طاوعتها نيفين مرغمة بعد أن ألقت نظرة محتقرة متوعدة على كاميليا، وخرجت صافقة الباب خلفها، لتقترب سميرة من كاميليا قائلة بوعيد:
_ قولتيلي بقى إنتِ مرات مين؟!
كاميليا محاولة التحلي بالشجاعة:
_ مرات يوسف الحسيني... واللي مش هيسمح ليكي تمسي شعرة واحدة مني.
قهقهت سميرة بشر ثم قالت بمكر:
_ ويا ترى هيبقى ده موقف يوسف بيه لما يعرف إن الست هانم مراته تبقى بنت حرام!
اخترقت الجملة قلبها كخنجرٍ مسموم شطره إلى نصفين، فتراجعت إثرها خطوة للخلف وهي تقول بنبرة مستنكرة:
_ إنتِ مجنونة صح؟! وصلت بيكي الوقاحة إنك تقولي عني الكلام المقرف ده؟!
سميرة بشماتة من مظهر كاميليا المرتجف:
_ أنا بقول كلام مقرف؟! أمال إنتِ وأمك تبقوا إيه؟ دانتو القرف نفسه... وعمومًا لو مش مصدقاني تعالي أسمعك بودانِك.
كاميليا باستنكار:
_ أنا مش هاجي معاكي في أي مكان، إنتِ ست مجنونة! ابعدي عني.
امتدت يد الشر وصفعتها على وجنتيها صفعة قاسية كقسوة كلماتها المسمومة، وقامت بإمساكها من رسغها قائلة بغضب:
_ لسانِك ده هقطعهولِك... بس بعد ما أعرّفِك حقيقتك القذرة اللي هتسمعيها وتتأكدي منها من بقّ رحيم الحسيني بنفسه، وأظن ده مش هيكذب.
سارت كاميليا خلفها كالمنومة مغناطيسيًا، وهي تتضرع إلى الله أن يكون هذا الحديث كله كذبًا وافتراءً، فهي لن تقدر على تحمل حقيقة مخزية مثل هذه لتضاف إلى حياتها البائسة.
توقفت أمام باب الغرفة كما أمرتها سميرة التي دخلت إلى الغرفة وهي تقول:
_ عمي... أنا قولت لكاميليا على كل حاجة.
هبّ رحيم من مجلسه وتوجه إليها قائلًا باستنكار:
_ إيه؟ كل حاجة إيه اللي قولتي عليها؟
تراجعت سميرة خطوتين إلى الخلف، فقد هالها مظهره المرعب، وقالت متلعثمة:
_ أ... أنا قولتلها على حقيقة نسبها وإنها مش بنت أحمد.
رحيم بغضب جحيمي:
_ إنتِ اتجننتي؟! إزاي تعملي كده من غير إذني؟!
سميرة برعب:
_ مقدرتش أسكت بعد اللي حصل. هنستنى إيه؟ لما يتمم جوازه منها وتحمل بحفيدك أو حفيدتك؟
رحيم بحدة:
_ لا طبعًا! على جثتي يحصل الكلام ده. بنت زهرة دي آخر واحدة في الدنيا هسمح إنها تبقى أم أحفادي... ولازم تكون عارفة الكلام ده كويس.
_ ما هي خلاص عرفت.
هكذا تحدثت كاميليا التي فتحت باب الغرفة بعد أن وصل إلى مسامعها كل حرف تفوها به، وقد شعرت بأن العالم كله بامتلاء اتساعه غير قادر على احتوائها في تلك اللحظة، فقد كان ألمها لا يوصف لو ظلت تحكيه لمئة عام، وقد تجلى ذلك في نبرة صوتها المختنقة وملامحها المتألمة التي شحبت حتى يظن من رآها بأنها فقدت كل صلة لها بالحياة، ولكن ذلك لم يجعل رحيم يشفق عليها، والذي تفاجأ من وجودها في البداية ولكنه سرعان ما تغلب على صدمته وقال بجمود:
_ تبقي وفرتي على نفسك وعليّ كلام كتير مالوش لازمة.
كاميليا بقهر:
_ علشان كده مكنتش بتحبني... ولا مرة خدتني في حضنك وطبطبتي عليّ. إنت عمرك ما بصيت في وشي... يمكن حتى متبقاش حافظ ملامحي. أنا كنت بقعد أسأل نفسي كتير ليه بتعاملني كده... بس دلوقتي عرفت.
لأول مرة تحرك ذلك الحجر الذي يقبع على يساره ألمًا لحديثها وحزنها الكبير، ولكنه تجاهل كل ذلك قائلًا بفظاظة:
_ وياترى... بعد ما عرفتي ناوية تعملي إيه؟
لم تجب عليه لسببين:
أولهما أنها صدقًا لم تكن تعلم الإجابة،
والسبب الثاني والأهم هو صدمتها في جبروت ذلك الرجل الذي لم يشفق ولا مرة واحدة على يُتمها وعذابها.
فأخذت تطالعه بانكسار وألم، ولم تُسعفها الكلمات لتجيبه، فتابع هو بفظاظة:
_ ناوية تبقي أنانية وتفضلي مكملة معاه... وتأذيه زي ما أمك آذت ابني زمان؟
شعرت بألمٍ طحن عظامها لحظة نطقه بهذا السؤال، والذي كانت إجابته تحمل خيارين بمثابة موتين:
موت بدونه...
وموت عند معرفته حقيقة نسبها.
ولكنها أخيرًا اختارت الموت بعيدة عنه، فهو لا يستحق أن يُعاب بشيءٍ لم يكن له ذنب به، فقالت بقهر:
_ أنا عمري ما هقدر أأذيه أبدًا.
عودة للوقت الحالي
انتهت كاميليا من سردها لتلك اللحظات المؤلمة التي عاشت بها كل مشاعر الحزن بهذا العالم، واختتمت حديثها ناظرة إلى عينيه اللتين كادتا أن تخرجا من مكانهما من هول ما سمع، وخاصةً جملتها الأخيرة التي كانت كالسهم الذي صُوِّب إلى منتصف قلبه.
_ طول عمرك بتقولي متخليش حد يكسّرني بيك، وعشان كده هربت! اخترت إني أبقى في نظرك واحدة جبانة وغير جديرة بيك، ولا إنك تشوفني كده. كنت عارفة إن محدش هيزعل على فراقي، وكنت عارفة إن كرامتك هتقف بينك وبين قلبك لما تقرأ جوابي، وعمرك ما هتدور عليَّ.
تنهيدة حارقة شقّت جوفها قبل أن تتابع بأسى:
_ أنا هربت عشان محدش يكسّرك بيا والله. كنت عارفة إنهم مش هيترددوا ثانية إنهم يفضحوا سرّي ويقولّولك إني بنت...
قاطعها يوسف واضعًا إصبعه فوق شفتيها يمنعها من نطق تلك الكلمة المؤلمة، وقام بتطويقها بأصفاد ذراعيه بقوة كادت أن تكسر عظامها وهو يقول بألم:
_ أوعي تقولي الكلمة دي على نفسك أبدًا.
عانقته بكل ما تمتلك من قوة متجاهلة ألم جسدها، فقد كان ألم القلب يفوقه بمراحل، وتحدثت من بين دموعها:
_ غصب عني مشيت، ومَخدتش معايا حاجة غير ريحتك وصورتك بس. مكنتش عايزة أكتر منهم يصبّروني على الحياة في بُعدك.
أفرج أخيرًا عن دموعه التي حبسها كثيرًا، فقد تخطّى ألمه لأجلها حدود العقل. كيف لقلب مثلها وفي مثل هذا العمر قادر على احتمال كل هذا الألم؟
كيف لحبيبته الصغيرة والبريئة أن تحتمل كل هذا العذاب وحدها؟
كيف احتملت قسوته وتعذيبه لها بعد أن أعادها قسرًا إلى جُحر الأفاعي بيديه؟
كانت كل هذه التساؤلات تنهش بقلبه قبل عقله، وقد اختلطت دموعه بدموعها، ولأول مرة يفقد قدرته على السيطرة على نفسه؛ كل ما يراه ويشعر به هو ألمها الهائل وانتفاضة جسدها بين ذراعيه.
ظلا على هذه الحالة لوقت غير معلوم حتى هدأ هو، ثم بعد فترة هدأ نحيبها وعاد انتظام تنفسها، فقام بفكّ حصاره حولها ووضع إصبعه تحت ذقنها لينظر إلى عينيها وهو يقول بأسف صادق:
_ حقك عليَّ. أنا آسف إني مكنتش جنبك وحميتك منهم ومن شرّهم. حقك عليَّ إني سبتِك اليوم ده ومفضلتش معاكي. بس مكنتش أتخيل إن حقدهم يوصل للدرجة دي. حقك عليَّ على كل حاجة وحشة عشتيها بعيد عني. لو فضلت أعتذرلك عمري كله مش هيكفي.
امتدت يداها تحتوي خديه بين كفيها وهي تناظره بحب قائلة بلهجة مبحوحة من فرط البكاء:
_ أنا اللي آسفة إني حطيتك في الموقف ده. آسفة إني مكنتش جديرة بيك وبحبك وباسمك، بس ده غصب عني والله.
قاطعها يوسف قائلًا باستنكار:
_ كاميليا! إيه اللي انتي بتقوليه ده؟
كاميليا بنبرة يشوبها التصميم فقد اتخذت قرارها:
_ بقول الحقيقة يا يوسف، واللي لازم تحطها قدّام عينيك. أنا منفعكش. منفعش أكون أم لولادك. متفكرش فينا بس... فكّر فيهم. هتقبل حد يعاير ولادك بنسب أمهم زي ما أنا طول عمري باتعاير؟
غضب بشدة من حديثها وهتف بنبرة حادة:
_ كاميليا، في حاجات كتير لازم تعرفيها، وأولها إني عمري ما هبعد عنك مهما حصل.
قاطعته بوضع يدها فوق شفتيه قائلة برجاء:
_ أرجوك يا يوسف متكملش وتصعّبها عليّا أكتر من كده.
نظر إليها بصدمة سرعان ما تداركها قائلًا باستفهام:
_ تقصدي إيه؟
كانت الكلمات تخرج من بين شفتيها كخروج شجرة شوك من بين لفائف الصوف تمزّق كل ما تمرّ به:
_ إحنا لازم نطلق.
نظر إليها لوهلة غير مصدّق بما تفوّهت به، ثم سرعان ما غلى الدم في عروقه وانتفض من مكانه صارخًا بها:
_ نطلق؟! انتِ أكيد اتجننتي؟!
كاميليا بحزن:
_ أنا متجننتش... أنا لأول مرة أواجه قدري بدل ما أهرب منه.
يوسف باستنكار:
_ وهي دي المواجهة من وجهة نظرك؟ وأنا طول عمري بقولك واجهي واجهي! دلوقتي بس ندمت على كلامي ده، وبقولك يا ريتك ما واجهتي وخليتك نايمة مغمضّة أحسن ما تصحي وتقولّي الكلمتين دول!
كاميليا بنبرة أشبه بالتوسل:
_ أرجوك تهدى يا يوسف. القرار ده مش سهل عليّا أخده، ده أصعب حتى من الموقف اللي مريت بيه. بس صدّقني... مش هقدر. إحنا خلاص وصلنا للنهاية اللي أنا كنت مرعوبة منها، ومفيش أي حل غير إننا ننفصل.
قالت كلماتها الأخيرة بألم امتزج بدموع عينيها التي كانت تتوسل إليه ألا يعذبها أكثر، لكنها فجأة اتسعت عيناها عندما وجدته يقوم بفك أزرار قميصه من الأعلى ويثني أكمامه وهو يقول بوعيد:
_ أممممم... ننفصل؟ قولتيلي.
كاميليا بخوف مما يفعله وتلك اللهجة المتوعدة والنظرات الغامضة:
_ إيه يا يوسف؟ انت هتعمل إيه؟
يوسف بهدوء وهو يقترب منها:
_ أبدًا... هعرّفك بس إنك متقدريش تبعدي عني لحظة واحدة. وبعدها هربيّكي على الكلمة اللي كل شوية تقوليها دي.
أنهى كلماته تزامنًا مع امتداد يديه لضمّها إليه بعنف حتى إنها شهقت شهقة قوية ابتلعها جوفه عندما انقضت شفتاه تلتهم خاصّتها في قبلة قوية عنيفة، أخذ يعمّقها أكثر فأكثر ويداه تمارسان فنون العشق والعبث باحترافية فوق جسدها الخائن الذي أعلن استسلامه إليه بكل ما أوتي من عشق. فكيف يمكن أن تقاوم رجلًا يحتل كل خلية من خلاياها، يملكها قلبًا وروحًا وجسدًا؟
تجاوبت مع عنفه بجنون راق له كثيرًا، فصار يزيل كل ما يعوقه عنها حتى محا جميع الحواجز بينهما، وأشعل براكين العشق بجسدها، ثم نظر إلى عينيها قائلًا من بين قبلاته:
_ تقدري تبعدي عني؟
كاميليا بصوت مبحوح من فرط الإثارة:
_ مقدرش أعيش لحظة واحدة من غيرك.
_ لسه عايزاني أطلقك؟!
_ أوعى تفكّر تعملها.
يوسف بهدوء:
_ بس أنا هعملها يا كاميليا.
شعرت كاميليا بدلو من الماء المثلج سقط فوق رأسها لدى سماع كلماتِه التي تزامنت مع انشقاقه عنها، فشعرت بالبرد القارص يغزو جسدها الذي تجمّد من فعلته، فصارت تتابعه وهو يرتدي ملابسه بهدوء تام ينافي جنونه معها منذ قليل. وبعد انتهائه نظر إليها قائلًا بفظاظة:
_ جهّزي نفسك عشان هنخرج دلوقتي... عندنا مشوار مهم. وبعد المشوار ده... هطلّقك. انتي عندِك حق... إحنا مبقاش ينفع نكون مع بعض.
خيم الذهول على ملامحها من هول الصاعقة التي تفوه بها، حتى إنها لم تشعر بوصوله عند باب الغرفة، فكانت مصدومة وكأنها فقدت القدرة على الحديث. لكن حدّته أخرجتها من شرودها عندما قال:
_ فوقي! في فستان أسود في الدولاب عندِك، قومي البسيه عشان هنمشي نروح البيت دلوقتي.
خرج بعد أن صفق الباب، تاركًا إياها خلفه تعاني الأمرّين، فقد رفضها منذ دقائق بعد أن ألقى بوجهها ضعفها أمامه وعشقها الصريح له. "رفضها!" تلك الكلمة مزّقتها من الداخل. فكل ما حدث لها ومرت به لم يكن ثقيلًا عليها مثل تلك الكلمة، فلأجلها هربت وهربت وهربت... وفي النهاية رأتها بعينيها منذ دقائق. ولم يجعله هذا يشفق عليها، بل والأدهى أنه سيأخذها إلى ذلك المنزل مرة ثانية دون مراعاة لشعورها وما حدث آخر مرة.
متى تحجّر قلبه بهذه الطريقة؟ فقد كان منذ دقائق يبكي ويعتذر لها عن كل ما حدث، وكان يبثّها عشقه وحنانه... ماذا حدث ليتحوّل إلى ذلك الكائن المتحجر القلب؟
لأول مرة بحياته لا يبالي بحزنها، بل قتلها بكلماته الباردة دون أن ينظر خلفه.
أخرجها من شرودها ذلك الطرق على الباب، فوجدته ينظر إليها قائلًا بغضب:
_ انتي لسه ملبستيش؟
ارتبكت من كلماته ونظرت إليه بتيه، فقد كانت تحاول استيعاب ما يحدث، ثم تحركت بغير هدى في الغرفة تنظر حولها وهي تقول بشرود وتلعثم:
_ حاا... حاضر... ث... ثانية واحدة.
أخيرًا وجدت طريقها للمرحاض وقامت بتغيير ثوبها، ثم خرجت لتجده يطالعها باهتمام قائلًا بلهجة مستفهمة:
_ انتي كويسة؟
كانت على حالها من الشرود والتوهان وكأن عقلها لم يستوعب ما يحدث، فبدت كالمنوّمة مغناطيسيًا، فأجابته بشرود:
_ آه... كويسة.
لعن نفسه بداخله، فهو قد قسى عليها كثيرًا، لكنها هي من أجبرته على ذلك. وقد شعر بوخزات الألم تنخر بداخله، فمظهرها الآن لا يبشّر بالخير. فتقدّم منها وقام بإجلاسها على المقعد المجاور له، ثم توجه إلى مقعد السائق وقاد السيارة بسرعة كبيرة. ولأول مرة لا ترهبها سرعته، فقد كانت تنظر إلى النافذة بشرود أقلقه.
فعندما اقتربوا من القصر أوقف السيارة ونظر إليها قائلًا بلهجة حانية:
_ كاميليا... أنا عارف إن الموضوع هيكون صعب عليكي، بس متقلقيش... أنا موجود.
قاطعته كاميليا بهدوء:
_ انت هتطلقني... صح؟
أغضبه سؤالها كثيرًا، فها هي المرة الثانية في غضون ساعات تتحدث عن ذلك الموضوع، فانتفض كبرياؤه الجريح وقال بتصميم:
_ هطلّقِك يا كاميليا.
التفتت إلى الجهة الأخرى وقالت بصوت لا حياة فيه:
_ مش مهم عندي أي حاجة تانية.
وكانت تلك هي الحقيقة المؤلمة التي تراها أمام عينيها: هو طلاقها منه، فأي شيء بعد هذا ليس بالمهم. وفي تلك اللحظة تمنت لو أن يتوقف قلبها عن العمل وتنتهي حياتها البائسة تلك.
أوقف السيارة أمام باب القصر ونظر إليها قائلًا بجمود:
_ يلا.
لم يتلقَّ إجابة من شفتيها، وإنما إيماءة بسيطة من رأسها، جعلته يترجل من السيارة وقام بمد يده لينزلها، فنظرت إليه بعتب قاسٍ وصريح، ثم تجاهلت يده الممدودة إليها ونزلت بهدوء، ناظرة إلى هذا القصر الذي لطالما كانت تكرهه وتمنت ألا تعود إليه يومًا. وعند هذه الخاطرة استعادت جزءًا من وعيها جعلها ترمش عدة مرات وتبلل حلقها الذي جف، وبدأت شفتيها بالارتعاش، وكان هذا يحدث تحت أنظاره المتألمة. فامتدت يده وطوقت كتفها في محاولة صامتة منه لبثها بعض الأمان، لكنها فاجأته كالعادة وقامت بإنزال يده قائلة بلهجة هادئة منخفضة:
_ أنا كويسة... يلا ندخل.
هزّ رأسه بموافقته، وقد تصاعد الغضب بداخله من رفضها أن يلمسها. وأشار لها لتتقدمه، فسارت أمامه بخطوات بطيئة وقد شعرت بأنها على وشك الإغماء، لكنها قاومت ذلك بصعوبة بالغة. ولأول مرة في حياتها لم تستجب لعقلها الذي يأمرها بالانسحاب من هذه الدوامة التي تبتلعها دائمًا، لكنها قررت أنها ستواجه حتى النهاية، معلنة لهم جميعًا ما تحمله بداخلها من ألم وعذاب.
سارا إلى الداخل فوصل إليهما صوت الجميع المنبعث من غرفة الصالون، فتوقفت كاميليا لدقيقة تأخذ نفسًا طويلًا قبل أن تشعر بصوته خلفها قائلًا بلهجة حانية يتخللها الصرامة:
_ ارفعي راسك... وأوعي توطيها أبدًا. ومتخافيش... أنا في ضهرك.
بالرغم من ألمها منه، إلا أن كلماته أعادت إليها شيئًا من الطمأنينة والقوة التي جعلتها تتقدم إلى الداخل. فما إن خطت خطوة إلى الغرفة حتى التفتت إليها جميع عيون الحاضرين، منها فرحة ومنها شامتة وأخرى غامضة.
كانت أول المرحِّبين بها صفية التي اندفعت تجاهها، تأخذها بين أحضانها في عناق صادق محب كانت بحاجة إليه، وخصوصًا عندما قالت صفية بحب:
_ حمد الله على سلامتك يا حبيبتي... نورتي بيتك.
ابتسامة شاحبة ارتسمت على ملامحها تلاها هزة بسيطة من رأسها، فاندفعت روفان تعانقها بفرح وهي تقول بسعادة:
_ حبيبتي يا كامي... ألف سلامة عليكي. أخيرًا جيتي.
كاميليا بهدوء:
_ الله يسلمِك.
نظر يوسف إلى صفية وروفان نظرة ذات مغزى، فرجعت كلٌّ منهما إلى مكانها، وتحدث بلهجة صارمة:
_ نيفين.
ارتعبت كاميليا من لهجته، وأيضًا عندما نطق اسم تلك الحية التي تحركت من مكانها ناظرة إليها بنظرات غامضة لم تستطع كاميليا تفسيرها، ثم أخيرًا نطقت قائلة بجمود:
_ أنا آسفة.
طالعتها كاميليا بشك، ولم تُجب، واكتفت بإيماءة بسيطة، لتهز نيفين رأسها وترجع إلى مكانها بلا مبالاة غريبة عنها كثيرًا.
ففاجأتها يد يوسف التي أمسكت بذراعها قائلًا بلهجة ماكرة:
_ روّحي اقعدي هناك... وحطي رجل على رجل... واتفرجي على حقك وهو بييجي.
طالعته كاميليا بعدم فهم، لكنه أشار لها بنظراته إلى حيث مكانها، فذهبت إليه لتجلس على المقعد، تنظر إليه بحيرة. ليطالعها بنظرات مطمئنة سرعان ما تحولت إلى جامدة وهو يطالع البقية قائلًا بفظاظة:
_ طبعًا كلكوا مستغربين أنا جمعتكوا هنا ليه؟ بس متقلقوش... مش هتستنّوا كتير. هقولكوا على كل حاجة لما جدي ينزل.
_ أنا هنا يا يوسف.
كانت تلك الكلمات الهادئة لرحيم الذي كان يستند على عصاه، ومن يراه يشعر بأنه قد كبر مئة عام. فوجهه كان يحمل همومًا كالجبال، وقد انطفأت عينيه ووهن جسده كثيرًا.
ظلت كاميليا تطالعه باندهاش لم تفصح عنه ملامحها، ولكن توسعت عيناها من نظرته الحانية التي ألقاها عليها حتى ظنت أنها كانت تتوهم.
_ كلنا هنا متجمعين عشان نحط النقط على الحروف... وعشان كل واحد يعرف مكانه في البيت دا.
ألقى يوسف كلماته ناظرًا إلى نيفين وسميرة التي ارتبكت من مغزى حديثه، فطالعها بسخرية قائلًا:
_ طبعًا سميرة هانم مرات عمي... اللي مش عاجبها دي... هي أول واحدة كان المفروض تترمي من البيت دا من زمان.
توترت الأجواء من حديث يوسف الفظ ونظراته المحتقرة لسميرة التي هبت من مكانها قائلة بحدة:
_ أنا مسمحلكش يا يوسف! ولا عشان عمك مات خلاص هتبهدل فيّا بالشكل دا؟!
ابتسم يوسف ساخرًا وقال باستنكار:
_ على أساس إن عمي لو كان موجود كان هيدافع عنك أصلًا!
عمي لو كان هنا كان زمانه دفنك حيّة على خيانتك ليه.
جحظت أعين الجميع من اتهامه الصريح. ارتبكت سميرة لثوانٍ ثم سرعان ما تداركت الموقف وقالت بغضب مفتعل:
_ يوسف... لحد هنا وكفاية. أنا مسمحلكش تتهمني اتهام زي دا.
كان يوسف يتوقع ردّها، فلم يبدُ عليه الاندهاش، بل ظل ثابتًا يطالعها بنظرات محتقرة. وقام بإلقاء قنبلته الثانية بنفس الهدوء الذي فجّر به الأولى، ونظر إلى أدهم الذي كانت تعبيراته لا تختلف كثيرًا عن تعبيرات يوسف، الذي قال بهدوء:
_ ما تشغّلنا فيلم حلو كدا يا أدهم... نتفرّج عليه كلنا.
استجاب أدهم وحده، ووضع الفلاشة في التلفاز وضغط عدّة أزرار، وانتظر ثوانٍ لتظهر فجأة صورة نيفين وسميرة تقتحمان غرفتها بعنف:
(مشهد من الفصل السابع والثلاثون)
_ واطية وخسيسة!
لم تفق نيفين من أمر صفعتها حتى أمسكتها سميرة من خصلات شعرها وهي تقول بغل:
_ بقي أنا يا كلبة... تبيعيني؟! وتروحي تقولي ليوسف إني السبب في هروب كاميليا؟! بتكسبيه على قفايا يا سافلة؟!
نفضت نيفين شعرها من يد سميرة وهي تقول بغضب:
_ ابعدي عني! أنا مقولتش حاجة لحد... إنتِ اتجننتي؟!
سميرة بحقد وغضب:
_ اتجننت؟! أيوه اتجننت... عشان حاوية حيّة زيك في بيتي!
بس لا... أنا مش هقع لوحدي.
ده أنا هخسف بيكِ الأرض قبل ما تفكري توقّعيني.
نيفين بغضب:
_ إنتِ بتهدديني؟!
سميرة بسخرية:
_ لا يا عنيا... أنا مش بهدد... أنا بنفّذ على طول.
ومادام إنتِ فارْدة جناحاتك أوي كدا... أنا بقى هقصقصهملك.
قهقهت نيفين ساخرة وقالت بتخابث:
_ ولا تقدري تعمليلي أي حاجة... كلمة واحدة مني لرحيم الحسيني... هخليه يطيرك على طول.
ويا سلام بقى... لو عرف إنك إنتِ اللي عملتِ لابنه الوحيد كدا... إنتِ وعشيقك طبعًا.
جحظت عينا سميرة من حديث نيفين، وللحظة استرجعت كل الأحداث السابقة لتشهق قائلة بذهول:
_ انتِ اللي قولتي لمراد على مكاني؟
نيفين بشماتة:
_ مش بالظبط. أنا رميت الطعم وهو بلعه، يعني تقدري تقولي كده إديته طرف الخيط!
استعادت سميرة وعيها وأوشكت على الهجوم مرة ثانية على نيفين وهي تصرخ بغضب:
_ آه يا كلبه يا واطية! والله لهقتلك وأشرب من دمك.
أمسكت نيفين بيدها وهي تقول بسخرية:
_ اهدي اهدي، الانفعال وحش عشانك. انتِ دلوقتي المفروض تقعدي تفكري هتقولي إيه لمراد الحسيني لما يفوق ويقرر يقتلك على خيانتك له. ما هو مش معقول يعني هيسيب واحدة خاينة زيك كده على ذمته؟!
سميرة بشماتة وقد استعادت بعضًا من هدوئها:
_ لا، ده أنا هفكر في حاجة أحسن وأحسن. تفتكري إيه رد فعله لما يعرف إنك أصلًا مش بنته؟!
لم تتغير ملامح نيفين وكأنها كانت تتوقع حديثها، بل زادت ابتسامتها حتى وصلت لقهقهات متتالية مما أدى إلى ذهول سميرة، وخاصةً عندما تحدثت نيفين قائلة:
_ إيه؟ اتفاجأتي إني عارفة؟ لا ده انتي اتعودي بقى عشان أنا عارفة حاجات كتير قوي! وأولهم سرّ كاميليا اللي خلاها تهرب وتسيب البيت وتمشي.
كان الذهول يخيم على ملامح سميرة التي قالت بعدم تصديق:
_ إيه؟
نيفين بملل:
_ انتي سمعاني كويس، ومش ده موضوعنا. أنا هعرض عليكِ ديل حلو: انتي تسكتي عن حقيقة إني مش بنت مراد الحسيني، وأنا هسكت عن موضوع خيانتك له وإنك السبب في اللي حصله.
أخذت سميرة وقتًا للتفكير واستيعاب ما تفوهت به نيفين، ثم قالت بقلق:
_ طب وافرَضي مراد فاق؟ ما هو هيقول على كل حاجة؟
نيفين بسخرية:
_ لا من الناحية دي اطمني. مراد خلاص في عداد الأموات، ومجرد ما تنفصل عنه الأجهزة هيبقى "بحّ"، ومعتقدش دي حاجة صعبة يعني.
قالت نيفين جملتها الأخيرة بمكر، فأجابتها سميرة مستفهمة:
_ وانتي عرفتي الكلام ده منين؟
نيفين بخبث:
_ يوسف اللي قالي.
قطبت سميرة جبينها قائلة:
_ ومن إمتى يوسف بيحكيلِك أو بيتكلم معاكي؟
نيفين بسخرية:
_ آه ما انتي معرفتيش؟ مش جدي العزيز وصّاه وهو في العناية المركزة إنه يتجوزني، ويوسف وعده بكده، فمن دلوقتي تقدري تعتبريني مدام يوسف الحسيني.
سميرة بانبهار:
_ انتي بتتكلمي بجد؟ طب وكاميليا؟
نيفين بملل:
_ متجبليش سيرة الزفتة دي. وعمومًا الحوار ده ميخصنيش، ويوسف هيتصرف فيه. المهم دلوقتي روحي شوفي انتي رايحة فين عشان متتأخريش على مشواري، وخليكي فاكرة إن مصلحتك معايا أنا، وإني ممكن أرفعك سابع سما، وقدر برضه أخسف بيكي سابع أرض.
طالعتها سميرة بمكر تجلّى في نبرتها حين قالت:
_ طبعًا يا نيفو، هو أنا ليا غير بنتي حبيبتي؟
انتهى المشهد، وقام أدهم بإطفاء التلفاز عن طريق جهاز التحكم وسط شهقات الاستنكار والذهول التي خرجت من الجميع، وأولهم كانت كاميليا، والتي كانت وكأنها تشاهد فيلمًا سينمائيًا غير قادرة على تصديق ما حدث، وكذلك صفية وروفان اللتان خيّم الصمت عليهما للحظات قبل أن تقول روفان بعدم تصديق:
_ معقول نيفين مش بنت عمو مراد؟ طب إزاي حصل الكلام ده؟
تحدث يوسف قائلًا بجفاء:
_ ها يا سميرة، تحكي انتي ولا أحكي أنا؟
نظرت سميرة إليه بعدم تصديق وقد شعرت بأن كل أحلامها تحطمت دفعة واحدة فوق رأسها، وبأنه لا مجال لقول الحقيقة، فسقطت على الكرسي خلفها قائلة بانكسار:
_ لما جيتلك هنا وقلت لرحيم بيه إني حامل من مراد كنت فعلًا حامل. بس بنتي ماتت يوم الولادة، ولما الدكتور قالي اتجننت واترعبت لا مراد يرميني في الشارع لما يعرف، فقعدت أترجّى الدكتور إنه يساعدني، وقلتله بيتي هيتخرب ومستعدة أدفعله كل اللي هو عايزه بس ميقولش إن بنتي ماتت ويجبلي أي طفلة تانية تبقى مكانها.
تعالت شهقاتها قبل أن تُتابع قائلة:
_ كان في واحدة جاية تولد بنتها في نفس معاد ولادتي، والدكتور ولّد البنتين وأداها البنت الميتة على إنها بنتها، وهي مكنش عندها مانع عشان كانت عايزة تتخلص من الحمل أصلًا بس ربنا ما أردش، وخدت أنا البنت اللي كانت عايشة... اللي هي نيفين.
ناظر يوسف نيفين باحتقار تجلّى في نبرته حين قال:
_ وقفتي هنا ومسكتي كاميليا ورمتيها على الأرض وإنتِ بتقولي إنها بنت حرام، بس اللي متعرفهوش بقى إنك انتي اللي طلعتي بنت حرام، وإن أهلك ما صدقوا الدكتور عرض عليهم العرض ده عشان يرموكي ويخلصوا من عارك.
صُعقت نيفين من هول ما يحدث أمامها، فهي لم تتخيل بأحلامها أن ينفضح أمرها بهذا الشكل، وتدور الدائرة لتُسقى من نفس الكأس الذي كانت تسقي منه كاميليا طوال هذا الوقت. فظلت تنظر حولها لتطالعها نظرات الاحتقار والشماتة من كل جانب، والتقت عيناها بعيني كاميليا التي للحظة أشفقت عليها؛ فهي تعلم ما تعانيه، ولكن سرعان ما تحولت شفقتها إلى صدمة وذهول من حديث يوسف الذي تابع قائلًا بانتصار:
_ إيه؟ اتصدمتي؟ طب خدي التقيلة دي... اللي قولتي عليها بنت حرام دي تبقى هي البنت الحقيقية لمراد الحسيني.
يتبع .....
نورهان آل عشري
ان شاءالله كل يوم هينزل فصل جديد ♥️
رواية للعشق وجوه كثيرة الفصل الأربعون 40 - بقلم نورهان العشري
طية الروح الثالثة 🌹
يحدُث أن يكرهك أحدهم، لا لأنك شخص سيئ، بل لأنك جيد بالقدر الذي يجعله يرى مدى بشاعته.
نورهان العشري ✍️
🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁🍁
هَبت كاميليا من مكانها تنظر إليه بعدم تصديق، لتندفع صفية من خلفها قائلة بصدْمة:
ـ أنت بتقول إيه يا يوسف؟؟
يوسف بثبات:
ـ اللي سمعتيه يا ماما.. كاميليا بنت عمي مراد وطنط زهرة.
أخيرًا، تحدثت كاميليا بضعف قائلة بعدم فهم:
ـ أنا مش فاهمة حاجة.. إيه اللي إنت بتقوله دا يا يوسف؟
نظر إليها يوسف للحظات قبل أن يلتفت إلى الخلف ناظرًا لمدخل الغرفة وهو يقول:
ـ مش أنا اللي هفهمك يا كاميليا.. اللي هيفهمك وصل أهو.
هَبت سميرة من مكانها بذُعر وهي تقول بعدم تصديق:
ـ مراد!
تقدّم مراد إلى داخل الغرفة ناظرًا إلى سميرة ونيفين بقرف، قائلاً بحقد:
ـ أيوه مراد يا خاينة اللي خدعتيه بدل المرة ألف.. ومكفكيش! لا، ده إنتِ كمان حاولتي تقتليني إنتِ وعشيقِك..
أنهى مراد كلماته تزامنًا مع إخراج سلاحه من خلف ظهره وتوجيهه إلى سميرة التي كانت ترتجف رعبًا مما تراه، فاندفع يوسف محاولًا ثنيه عمّا ينتويه:
ـ اِهدي يا عمي، إحنا اتفقنا على إيه؟
مراد وقد أعماه الغضب:
ـ إبعد إنت يا يوسف.. أنا لازم أخلّص على المجرمة دي!
رحيم بذُعر:
ـ اِهدي يا ابني عشان خاطري.. دي ما تستاهلش تضيّع نفسك عشانها.
مراد بانفعال:
ـ دلوقتي ما تستاهلش؟ مش دي اللي فرضت عليا أتجوزها؟ وبسببها كنت بتعامل زهرة أسوأ معاملة.. هاه؟!
صمت رحيم وقد شعر بالخزي من حديث ولده، ليتدخل أدهم قائلًا بمسايسة:
ـ عمي، كلنا عارفين إنها ست زبالة.. يبقى ليه تضيع حياتك بسببها؟؟
صرخ مراد قائلًا بقهر:
ـ حياتي ضاعت من زمان بسببها! دي اللي دمرتلي حياتي وحرمتني من حب عمري.. بسببها عشت أسوأ أيام عمري وأنا شايفها عايشة مع أخويا قدّام عيني وأنا بموت من القهر والوجع. بسبب واحدة رخيصة زيها خسرت أشرف ست في الدنيا!
غلى الدم في عروق سميرة عند حديث مراد عن زهرة وعنها، فاندفعت من خلف يوسف قائلة بصراخ:
& أشرف ست في الدنيا دي باعتك وراحت اترمت في حضن أخوك.. زي ما تكون ما صدّقت!
مراد بغضب جحيمي:
ـ اخرسِ ! إنتِ فاكرّاها رخيصة زيك؟
تابع مراد بنبرة مؤلمة من عمق الوجع الذي يشعر به:
ـ أنا اللي خلتها تعمل كدا.. بعد جريمتي البشعة في حقّها ماكنش قدّامها حل تاني غير كدا.
ـ تقصد إيه؟
كانت تلك النبرة الخافتة المصدومة لكاميليا التي أخيرًا استطاعت إخراج صوتها بعد كل تلك الصدمات التي انهالت عليها دفعة واحدة، لينظر إليها يوسف بقلب ينفطر ألمًا على مظهرها المزري وملامحها الشاحبة، لكن كان لابد من تلك المواجهة وكشف تلك الحقائق كي يستطيعوا التخلص من قوى الشر التي تهدد أمنهم وسلامتهم.
اقترب مراد من أقرب كرسي وجلس بجسد متهالك من فرط الألم الذي يشعر به في قلبه، ووضع سلاحه أمامه فوق الطاولة وهو يسرد ذكرياته المريرة وخطيئته التي حرمته الجنة طوال حياته:
ـ زهرة كانت حب حياتي من أول يوم شفتها فيه حبيتها سحرتني بجمالها ورقتها وأدبها. قلبي قالي: هي دي اللي بندوّر عليها، وهي كمان كانت بتبادلني نفس الشعور، وبرغم كدا ما بيّنتش أبدًا. ومهما كنت بحاول أقرب منها كانت بتبعد، لحد ما خدت قرار إني لازم أرتبط بيها رسمي. وفعلاً، قولتلها الكلام دا ونزلت على القاهرة عشان أُفاتِح بابا في الموضوع، مع إني كنت عارف إنه هيعارض، بس قولت يمكن لما أقوله إني لاقيت سعادتي وراحتي معاها دا يخليه يلين ويوافق على جوازي منها، لكن للأسف دا ماكنش يفرق معاه أصلًا.
كان مراد ينظر إلى رحيم بخيبة أمل كبيرة، فهو يراه المتسبب الوحيد في هلاكه وضياع سعادته. قابله رحيم بنظرات نادمة متوسلة، فأدار مراد رأسه للجهة الأخرى ناظرًا إلى الفراغ قائلًا بلهجة مريرة:
ـ رجعت على إسكندرية تاني وأنا كلي تصميم إني مش هخسر البنت اللي بحبها عشان خاطر حد، حتى لو هتنازل عن حقي في الورث وفي كل حاجة زي ما هددتني وقولتلي: روح قولها إنك لو اتجوزتها أبويا هيحرمني من كل حاجة وشوف هتفضل معاك ولاّ لأ.
احنى رأسه قبل أن يقول بنبرة مُشجبة
ـ وفعلاً عملت كدا. روحت قولتلها إني عايز أتجوزها في أقرب وقت، وهي الفرحة ماكنتش سيعاها. بس قولتلها إن في حاجة لازم تعرفيها: لو اتجوزتك أنا همضي على تنازل عن حقي في كل مليم يخصّ عيلة الحسيني.
والحقيقة إن ردها ما صدّمنيش، لأني كنت عارف إن قلبي عارف يختار صح. قالتلي: إنت عندك استعداد تتخلى عن فلوس عيلة الحسيني عشاني؟
قولتلها: أنا عندي استعداد أتخلى عن أي حاجة في الدنيا عشان خاطرك.
قالتلي كلمة عمري ما نسيتها:
وأنا مش عايزة حاجة من عيلة الحسيني كلها غيرك إنت وبس.
استرد انفاسه الهاربة قبل أن يتابع بأسى:
ـ وقتها قررنا إننا هنعمل خطوبة وكتب كتاب، وبعد ما أظبط أموري هنتجوز. وفعلاً طلعت على خالها وشرحتله ظروفي، وقدرني جدًا وحس قد إيه أنا بحبها، وكتبنا الكتاب فعلًا، واتفقنا إننا مانعرفش حد عشان الموضوع ما يوصلش لرحيم بيه، لأني كنت واثق إنه مش هيسكت. وعدى حوالي شهر، لقيت أحمد أخويا جاي و بيسألني في حاجة بينك وبين زهرة؟
شفت في عينه نظرة غريبة مقدرتش أترجمها وقتها، بس لقيتني برد تلقائي وبقوله: زهرة مراتي. وطلعتله قسيمة الجواز ومعاها تنازل مني عن حقي كله.
اتصدم طبعًا، بس أنا كنت فاكر إن صدمته دي عشان رأيه من رأي بابا، لكن لقيته بيقولي: زهرة تستاهل كل خير. وسابني ومشي. وفضلت حياتنا حلوة.. أنا بحاول أأسس شغل ليا، وزهرة بتساعدني.
طرف رماد الذكريات عينيه ليترقرق الدمع بها كما يترقرق الحزن في نبرته حين قال:
ـ و في يوم لقيت حد باعتلي ظرف وفيه ورقة مكتوب عليها إن زهرة بتخوني، وإنها هتكلّمني تقولي إنها هتقعد في البيت ومش هتروح الشغل النهارده عشان والدتها تعبانة، بس هي هتروح تقابل عشيقها. وسابلي عنوان في آخر الجواب. طبعًا ما صدقتش.
في اليوم دا كان عندي شغل كتير، وزهرة كانت عارفة، وعارفة كمان إني مش هقدر أسيب المكتب خالص.
حاولت أنسى الجواب دا وماحطّوش في بالي، وقلت أكيد دا ملعوب من بابا، لأن أكيد أحمد عرفه إننا اتجوزنا.
لحد ما التليفون رن!
قلبي وقع في رجلي وأنا بسمعها بتقولي نفس الكلام المكتوب في الجواب.
وبعد ما قفلت معاها فضلت برضو أكذب نفسي، لحد ما جالي حيّة في توب بني آدمين.. جاية بتدور على صاحبتها عندي عشان راحت لها البيت وما لقتهاش.
وطبعًا عرفتوا هي مين؟"
كان مراد ينظر إلى سميرة بقرف، والتي لم تكن تشعر بأدنى ذرة ندم لما اقترفته من جُرم.
فتابع مراد بحزن:
ـ طبعًا اتجننت وطلعت أجري، وهي جت ورايا وركبت العربية معايا بدافع القلق على صاحبتها، وأنا عقلي ماكنش فيا، رايح للعنوان اللي في الجواب وأنا بدعي وأقول: يارب ما يكونش دا حقيقي أبدًا.
وفعلًا وصلنا هناك، مثلت عليا أنها متعرفش حاجة اتاريها بتعطّلني عشان أشوف زهرة، اللي لقيتها نازلة من التاكسي ومعاها راجل شكله ماكنش غريب عليا، بس ماكنتش فاكر شفته فين قبل كدا، ولقيتها داخلة معاه عمارة، وعلى مدخل العمارة شُفته بيشيلها. كل ذرة عقل فيا طارت.
ولقيتها جنبي بتقول: هي زهرة لسه بتقابل الواد دا؟
جناني حضر في اللحظة دي.
قولتلها: لو ما قولتيليش مين دا هخلص عليكِ.
قالتلي إن دا واد بيشتغل معاهم في المطعم، وزهرة كانت بتحبه وعلى علاقة بيه، بس هو ماكنش بتاع جواز، ولما ظهرت أنا سابته وارتبطت بيا.
زفر بنبرة يغلبها القهر من فرط ندمه ليهتف بنبرة مُتحشرجة
ـ بخت سمومها في عقلي زي الحية، وأنا كنت الغبي اللي صدّق. وطلعت أجري على العمارة، وأنا حالف لاقتلها وهقتله. كان باب الشقة مفتوح، لأني أول ما زقيته اتفتح بسهولة. ولما دخلت، سمعت صوت مكتوم في أوضة النوم...
صمت مراد لبرهة وهو يستحضر ذلك المشهد الذي آلم قلبه حينها وأدماه الآن، فكان مشهدًا يحمل من الحقيقة الكثير، لكن ذلك الغضب المميت وتلك السموم التي كانت تجري في شرايينه بدّلا الحقائق وأعمى القلب والعقل معًا.
فتابع بمرارة وأسى:
ـ وشُفتها في حضنه بس الحقيقة إنها ماكنتش في حضنه.
هو كان بيحاول يحضنها غصب عنها، وهي كانت بتحاول تقاومه. لكن أنا ما فهمتش دا، وما حسيتش بنفسي غير وأنا عمال أضرب فيه زي المجنون، وهي كانت عمالة تعيط و تشد فيّا.غيرتي وغضبي صورولي إنها بتدافع عنه.
سيبته، وضربتها بالقلم، وقولت لها: إنتِ أحقر إنسانة شفتها في حياتي. صدمتها مش قادر أنساها لحد دلوقتي.
هبطت دمعة حارة من عينيه وهو يتذكر عتابه لها و استماتتها في الدفاع عن نفسها
ـ في الوقت دا الحيوان التاني كان هرب. قولتلها إزاي تخونيني بعد ما اتنازلت عن كل حاجة عشانك؟ أنا بعت أهلي والناس كلها واشتريتك إنتِ!
انهارت، وقعدت تحلفلي إنها عمرها عمرها ما عملت كدا، بس أنا ما صدّقتش. وجعتها أوي اليوم دا وسِبتها ومشيت.
كان أصعب إحساس عشته في حياتي. هي كانت كل حاجة بالنسبالي. كنت عايز أبعد عن الناس كلها.
مد يوسف أحد المحارم الورقية إلى مراد ليمحي ذرات ألمه ليُتابع بنبرة مُحترقة
ـ أحمد أخويا كان له شقة مقفولة مش كتير يعرفوا مكانها. كانت بتاعتنا إحنا الاتنين، بس طبعًا بما إني اتنازلت عن كل حاجة، فبقت بتاعته لوحده. لكن مفتاحها كان لسه روّحت هناك، وقضيت أصعب ليلة في حياتي وأنا بتعذب عذاب ما يتحملهش بشر. لحد ما لقيت جرس الباب بيرن مرة واتنين وتلاتة، ولما فتحت، لقيتها هي في وشي.
كان نفسي أحضنها قوي وبعد كدا أخنقها.
أصعب إحساس في الدنيا على أي راجل هو إحساس الخيانة.
قولتلها: إيه اللي جايبك هنا؟
قالتلي: جايبة كتاب ربنا أحلفلك عليه إني عمري ما خنتك.
اتجننت لما شُفتها جايبة المصحف.
وبمنتهى الجبروت خدته منها وحطيته على الترابيزة قبل ما أهينها ماهي بالنسبالي خاينة يعنى الحلفان على المصحف كذب بالنسبالها شيء عادي:
صمت مراد، وأخذت القطرات تهبط من مقلتيه وهو يتذكر ملامحها التي انطفأت بفعل ذلك الظلم الذي وقع عليها دون أن ترتكب أي خطأ.
وتابع بألم:
ـ عيطت كتير قوي، و سألتني بمنتهى اليأس والوجع:
أعمل إيه عشان تصدّق إني فعلاً مظلومة وعمري ما خنتك؟!
لما قالت الكلمة دي لقيتني بقولها:
أنا هعرف إذا كنتي مظلومة ولا لأ.
وعملت أكبر جريمة في الدنيا ممكن الإنسان يرتكبها في حق بنت...
لم يستطع مراد أن يُكمِل جملته، فقد ألجم الخزي والندم لسانه، فما إن وصل إلى عقولهم ما يرمي إليه حتى انطلقت الشهقات من جوف فاطمة، تلتها روفان التي من هول الصدمة تمسَّكت بيد أخيها أدهم وكأنها ترتعب من مصير مرعب كهذا. فلف أدهم ذراعيه حول كتف أخته يبثها الأمان، والذي كان هو الآخر يشعر بالألم والحزن مما يسمعه، ولكن كان الألم الأكبر من نصيب تلك التي سقطت على الكرسي خلفها وهي تُحرّك رأسها يمينًا ويسارًا فلم تكن تتخيل كل هذا الظلم الذي وقع على والدتها وكأن قدميها لم تستطيعا حملها، ليندفع يوسف تجاهها يجثو على ركبتيه ممسكًا بيدها محاولًا تهدئتها قائلًا بألم من مظهرها المريع:
ـ كاميليا أنتِ كويسة؟
لم تستطع كاميليا الرد عليه، فقط نظرات ضائعة غير مصدقة لما يقع على مسامعها، لينظر مراد إليها قائلًا بندم:
ـ غصب عني يا بنتي والله، سامحيني.. أنا مكنتش في وعيي، أقسم بالله كنت عامل زي المحموم.. مفوقتش غير وأنا شايف بعيني دليل براءتها. حسيت إن الأرض بتدور بيا، طلعت أجري على بره مقدرتش أبصلها بعد جريمتي . أتمنيت الموت في اللحظة دي. كنت عايز أموت نفسي ميت مرة بعد اللي عملته وبعد شكي فيها. مفوقنيش من حالتي دي غير أحمد اللي أول ما دخل من الباب و شافني اتصدم من حالتي و سألني في اية؟ بس مقدرتش أرد عليه.
أدار رأسه إلى الجهة الأخرى وهو يتحدث من بين عباراته الغزيرة
ـ اتخض وكل اللي كان طالع عليه عملت أية ؟ في أي ؟ وأنا كأني فقدت النطق. لحد ما سمع صوت حد بيتألم جوا، اتجنن وجه يدخل، منعته وقولتله أن زهرة جوا. وسألني عملت فيها إيه؟ مقدرتش أرد.. كل اللي قولته: أن زهرة بتنزف.. اطلب لها دكتورة. فضل يضرب فيّا لحد ما غِبت عن الوعي. فوقت لقيت نفسي في المستشفى. بعدها لاقيت أحمد داخل عليّا الأوضة وبيقولي من غير مقدمات: يلا عشان تروح تطلّق زهرة. اتجننت واتخانقت معاه وقلتله لازم أشوفها، وفعلاً وافق ووداني عندها. اتصدمت لما شُفتها وشُفت نظرة الكره اللي في عينيها ليا. حاولت أعتذر بس هي مقبلتش وطلبت مني الطلاق، ولما رفضت قالت لي إن الموت عندها أهون من إنها تكمل معايا، وبعد إصرارها وتدهور حالتها وافقت، وجبنا المأذون وطلقتها فعلاً.. بالرغم من إني أستاهل أكتر من كده، بس قلبي مكنش يستاهل. قلبي محبش غيرها. مقدرش يشوف غيرها. أنا حتى اتجوزت ميرفت عشان شبهها. حاولت كتير أرجّعها وهي رفضت، ولما هددتها إني هارُدها غيابي حلفت لي إنها هتموت نفسها، وتاني يوم من انتهاء عدتها عرفت إنها اتجوزت وسافرت.
أطلق جأشة مكبوته قبل أن يُتابع بنبرة تقطر وجعًا
ـ عِشت أسوأ أيام حياتي. أقسم بالله ما كنت بنام من العذاب والقهرة والغيرة. كنت بموت في اليوم ميت مرة كل ما كنت أتخيّل حقارتي معاها. كل ما كنت أتخيل إنها في حضن حد غيري، وكأن عقابي دا كله مكنش كفاية. اتبلّيت بأكبر عقاب في حياتي.
قال جملته الأخيرة وهو ينظر إلى سميرة بحقدٍ وكره، ثم تابع باشمئزاز:
ـ أسوأ ست في الدنيا، دا إن اعتبرناها ست أصلًا. أحقر مخلوق على وجه الأرض. جت واتبلّت عليا ولزقت لي بنت مش بنتي. ضيعت مني أجمل سنين عمري مع الإنسانة الوحيدة اللي حبتها. كانت فاكرة إني ممكن بعد ما كنت بحب واحدة زي زهرة دي أحب واحدة مقرفة زيها.
سميرة بقهر من حديثه الذي أصاب منتصف الهدف:
ـ و هي فيها إيه زيادة عني؟ كلكوا حبيتوها ليه وأنا لا؟ أنا عمري ما حبيتك. أنا كنت طول عمري بحب أحمد. عمري ما فكرت فيك من أساسه. هي اللي باعتني ولعبت عليه وخلته يحبها ويتعلق بيها. هيا اللي واطية وغدارة!
انهالت يد مراد عليها بالصفع وهو يقول بغضب جحيمي:
ـ اخرسي يا حقيرة يا زبالة! زهرة دي أشرف منك ألف مرة.. إنتِ اللي كنتِ رخيصة وسلمتي نفسك ليه، وبعد ما قِرف منك رماكي. طول عمرك زبالة ومقرفة!
كان مراد على وشك خنقها بين يديه، ولكن تدخل كل من يوسف وأدهم في الوقت المناسب لمنعه من اقتراف جرمٍ في حق تلك الخبيثة التي ما إن تخلصت من بين يديه حتى أعماها الحقد والغضب فقالت بصراخ:
ـ مقرفة؟ طب خد عندك بقى. أنا اللي بعتلك الجواب ده على المكتب، وأنا اللي كلمت زهرة وقلت لها إني في مصيبة ولازم تلحقني، وخليتها تقولك إن أمها تعبانة عشان متجيش وما تعرفش إنها عندي، وأنا اللي أجرت الواد اللي شُفته طالع معاها واتفقت معاه يعمل كل ده، وأنا اللي اديتها عنوان شقة أحمد عشان تروح لك وترميها منها زي ما أنا اترميت، وأيوه خنتك، ومش مع واحد بس، ده مع مليون! عشان إنت مش راجل ومكنتش مالي عيني!
كان الأمر بالنسبة لها انتقامًا لأنوثتها المدهوسة تحت أقدامه، لكنها لم تحسب لغضبه الذي كان يكتمه عنها لسنوات. فثار جنونه وخرج عن السيطرة ليطيح بأدهم ويوسف اللذين كانا يمسكان به، وينقض عليها صفعًا وركلًا وهو يسبها بأبشع الألفاظ والشتائم. وكان الجميع ملتفين حوله في محاولة للسيطرة على هذا النمر المتوحش الذي وجد فريسته بعد أعوام ذاق فيها شتى أنواع العذاب والألم.
فكان الفتك بها هو خياره الوحيد، ولم يثنه عن فعلته سوى صوت تلك الرصاصة التي اخترقت مسامعهم جميعًا وهي تخترق سقف الغرفة، ليصدموا من مظهر نيفين التي كانت تمسك السلاح ناظرة إليهم جميعًا بكره وغضب تجلى في نبرتها عندما قالت:
ـ ياااه.. طول عمري كان نفسي أمسك سلاح وأخلص عليكوا كلكوا وأرتاح من قرفكوا.. سبحان الله جتني الفرصة على طبق من دهب.
قالت جملتها الأخيرة بسخرية، فكان يوسف أول من استوعب الصدمة فقال بلهجة حذرة:
ـ نيفين.. هاتي السلاح ده.. وبطّلي جنان.
نيفين بسخرية:
ـ ما تخافش.. أنا هخلص عليهم كلهم عشان نفضى لبعض يا روحي.. هخلص تاري عشان نعيش سوا بعد كده..
كان يوسف في المقدمة، على يمينه أدهم، خلفهم الفتيات وصفية، وعلى يساره مراد، وبجانبه رحيم الذي كان ولأول مرة يرى مدى حقارتها. فبعد أن علم حقيقتها، كان جانب كبير منه يشفق عليها، ولكن الآن أيقن أنها أعظم أخطائه في هذه الحياة، فقال بغضب:
ـ بعد كل اللي عملناهولِك ده، وعايزة تخلصي علينا؟! وبعد ما استغفلتينا سنين إنتِ والكلبة دي عايزة تتخلصي مننا!
نيفين بوقاحة:
ـ رحيم الحسيني أكبر مغفل في التاريخ هو اللي بيتكلم! ما تقولي يا جدي العزيز على قرار واحد صح أخدته في حياتك؟ قولي حاجة حلوة عملتها تقابل بيها ربنا؟ أقولك أنا: مفيش!
أنهت جملتها مطلقةً قهقهة شريرة شامتة، فغضب يوسف وقال بحدة:
ـ نيفين. بطّلي استفزاز ووقاحة، ونزلي الزفت اللي في إيدِك ده. ده مبيتلعَبش بيه.
نيفين بقهر مغلّف بالسخرية:
ـ لا. ما أنا عارفة إنه مش للعب. ما أنا جرّبت ناره قبل كده. بس المرادي إنت اللي هتجرب ناره يا يوسف، عشان تعرف بتوجع قد إيه.
أدهم بمسايسة:
ـ نيفين. اهدِي، متوديش نفسك في داهية. إحنا مش هنتخلى عنك، وهنوفّر لك حياة كريمة بعد ما تخرجي من هنا، فبلاش تضيعي كل حاجة في لحظة طيش.
نيفين باستهزاء:
ـ حياة كريمة! ودي فين الحياة الكريمة دي؟ لما بعد ما كنت نيفين الحسيني اللي الناس كلها بتعملها حساب أبقى حتة بنت مجهولة النسب، اترميت في الشارع؟! فين الحياة الكريمة دي بعد ما خسرت كل حاجة بسبب واحدة زبالة وحقيرة زي دي؟
قالت جملتها الأخيرة بصراخ وهي تنظر إلى كاميليا، التي اندفعت خارجة من بينهم جميعًا وهي تقول بغضب وقوة:
ـ اخرسِ ! وأوعي تجيبي سيرتي على لسانك أبدًا! الزبالة والحقيرة هي إنتِ واللي جابتك من الشارع وعملتك بني آدمه. ظلمتوني و عيشتوني أسوأ أيام حياتي بسبب غلكوا وحقدكوا. سوّدتوا حياتي وحياة أمي قبلي، وكل ده عشان إيه؟ عشان طمعكوا وأنانيتكوا؟
يوسف بغضب وهو يتوجه إليها:
ـ كاميليا! ارجعي هنا!"
أوقفه صراخ نيفين وهي تقول:
ـ مكانك! لا.أخلص عليها!
تسمر يوسف في مكانه، وقد بلغ غضبه ذروته، يضاهيه القلق؛ فتلك المجنونة قادرة على فعل أي شيء. ولكن عليه الحفاظ على حياة محبوبته، لذا التزم الصمت عندما وجهت أنظارها إلى كاميليا التي كانت تغلي من الغضب.
فقالت نيفين بحقد:
ـ إنتِ اللي طماعة. كنتِ عايزة تاخدي يوسف مني. كنتِ عايزة تبقي الكل في الكل هنا، عشان أول ما تتمكني ترمينا في الشارع. أوعي تتخيلي إني كنت بصدق وش الملايكة اللي لابساه طول الوقت ده وبتضحكي بيه علينا. عشان كده كنت بعاقبِك بطريقتي. فاكرة ساعة جدو اللي ضاعت ولقّيوها في أوضتك؟ أنا اللي سرقتها وحطيتها في هدومك، وروحت قولتله إني شوفتك وإنتِ بتسرقيها عشان يعاقبك ويحرمِك من الخروج وإنك تروحي تزوري قبر أمك. وفاكرة أدوات الرسم اللي كان يوسف بيجبها لك؟ أنا اللي كنت بسرقها وأولع فيها عشان متعرفيش ترسمي تاني أبدًا. فاكرة العروسة اللي كنتِ بتحبيها؟ أنا اللي خدتها وحطيتها في أوضة جدي عشان عارفة إنك عمرك ما هتتجرأي تدخلي تدوري عليها هناك، وفضلتي يوم كامل تعيطي. وأنا اللي حرقت صورة جدتي وقلت لجدي إنك إنتِ اللي عملتِ كده عشان يمنعِك من الخروج، ووقتها كنت طايرة من الفرح لما شُفته بيضربك بالقلم على وشك قدامنا كلنا.
كانت نيفين تحكي تلك الأحداث المريرة التي اندفعت إلى ذاكرة كاميليا في تلك اللحظة، تحكي مدى معاناتها في ذلك القصر دون أن تقترف أي ذنب سوى أنها يتيمة، وللأسف الشديد أصبح الآن أنبل صفاتنا سبب متاعبنا في هذه الحياة. فصارت القطرات تتساقط كالأمطار فوق خديها من فرط الوجع والألم، الذي كان يشاطرها إياه قلبٌ يحيا بوجودها ويهلك إن هلكت. فقال بحنق ولهجته تحمل من الوعيد أطنانًا:
ـ ورحمة أبويا لهدفعك تمن كل ده غالي قوي..
نيفين بسخرية:
ـ مش هتلحق.. صدّقني.. أنا هنا يا قاتل يا مقتول.
كاميليا بألم قد فاق الحدود، فحتى الموت لم تعد تهابه في تلك اللحظة.
ـ إنتِ إزاي كده؟! إنتِ مش طبيعية، واحدة مريضة. ما عندِكيش ذرة ضمير تخليكِ تشفقي على واحدة يتيمة ما عملتش فيكِ أي حاجة وحشة!
نيفين بحدة:
ـ عملتي! فكّرتي تاخدي اللي مش بتاعِك!
كاميليا بألم:
ـ أنا ما كانش في حاجة بتاعتي أصلًا.
مراد، وقد كان الحزن والندم يأكلانه من الداخل:
ـ حقك عليّا يا بنتي أنا السبب في كل اللي إنتِ فيه ده، وفي كل اللي حصلك واللي حصل لأمك زمان سامحيني.
نيفين بتخابث:
ـ أوعي تصدقيه! ده ممثل شاطر قوي! طب ما أنا كنت بنته، كان عامل إيه أصلًا؟! ما كنتش حاسة بوجوده كان زي قلته!
مراد بغضب:
ـ اخرسِ ! أنا عمري ما حسيت إنك بنتي، وبرغم كده كنت باجي على نفسي وأتعامل معاكِ كويس. بس إنتِ واطية وخسيسة زي اللي لمتك من الشوارع!
نيفين بتهكم:
ـ إنت عندك حق اللي لمتني من الشوارع واطية وخسيسة وغبية كمان! بس أنا بقى مش هخسر زيها، وهآخد حقي منكم كلكم، وأولهم إنتِ!
وجهت أنظارها لكاميليا التي صرخت قائلةً بغضب وقهر:
ـ حق إيه اللي بتتكلمي عنه؟! إنتِ حولتِ حياتي لجحيم! أنا اللي ليا عندِك بدل الحق ألف! إنتِ كرهتيني في حياتي، إنتِ عارفة أنا كام مرة اتمنيت الموت بسببك؟
قالت كاميليا جملتها الأخيرة بألم ووجع لم يرق له قلب نيفين، التي قالت بمنتهى القسوة والجبروت:
ـ وأنا بقى ما بحبش يكون حد له حاجة عندي علشان كده هحققلك أمنيتك!
أنهت حديثها تزامنًا مع انطلاق رصاصة من فوهة سلاحها لتصيب رحيم الحسيني الذي ما إن رأى الشر يرتسم في عينيها حتى اندفع ليتلقى تلك الرصاصة بدلًا عن حفيدته التي لطالما تلقت منه شتى أنواع العذاب واللفظ والتحقير...
لم يفكر لثانية واحدة، بل وجد نفسه يقف أمامها، ناظرًا إلى عينيها برجاءٍ وتوسل كبيرين يرتسمان في نظراته التي لم تهتز حتى عندما اخترقت الرصاصة كتفه الأيسر؛ فقد كان يود لو يتلقى ألف رصاصة كي يكفر عن كل تلك الأخطاء التي اقترفها بحقها. ولأول مرة في حياته يتوسل السماح من أحد.
انهار كل ذلك الجبروت والقوة أمام عينيها التي اتسعت من الصدمة، فقد أغلقت عينيها ما إن تفوهت نيفين بتلك الكلمات التي كانت تعلن نهايتها، لتخترق صوت طلقات الرصاص أذنها، لكنها لم تشعر بأي شيء، وكأن الطلقة توقفت في الهواء. فتحت عينيها مسرعة لتجد عينين لطالما رأت فيهما الكره والغضب والألم، ولكن الصدمة الكبرى كانت تلك النظرات المتوسلة المنكسرة التي كان يطالعها بها.
للحظة لم تُدرِك ما حدث، وكأن الزمن توقف. لحظة حوت الكثير من مشاعر الندم والألم والانكسار. قطعتها صدى الهمهمات حولهم والأصوات التي لشدة صدمتها لم تستطع فهم محتواها، لكن تلك الدماء التي اندفعت من كتفه، وتلك الكلمات العميقة والنبرة المنكسرة في صوته عندما قال بألم:
ـ سامحيني يا بنتي.
ظلت كاميليا تنظر إليه بضياع، ودموعها تتساقط وكأنها في سباق مع دمه النازف بشدة من كتفه. أخذت تنقل نظراتها بين جرحه وبين عينيه التي كانت تتوسلان إليها، غير قادرة على التفوه بحرف، وكأنها فقدت النطق.
لكن صوت يوسف الغاضب أخرجها من حالة الصدمة عندما صرخ:
ـ أمسك المجنونة دي يا مازن! ما تسبهاش!
كان مازن قد وصل قبل لحظات قليلة من إطلاق النار، ليقوم على الفور بإمساك يد نيفين الممسكة بالسلاح، وهي تتلوى بين يديه، بينما التف جميعهم حول رحيم الذي امتدت يداه تمسك بكفّ كاميليا وهو يقول بلهجة تقطر ندمًا وحزنًا:
ـ أنا عارف إني ما استاهلش تسامحيني، ولا حتى تبصي في وشي، بس أنا طمعان في كرمِك وطيبة قلبِك اللي كنتُ أعمى عنها طول الفترة اللي فاتت دي.
كانت كاميليا تناظره بعيون تتساقط منها الدموع كالأنهار، تشعر بعجزها أمامه؛ فمظهر عينَيه المتألمتين، وجرحه النازف، وارتعاش كفيه من شدّة الألم. كل ذلك جعلها تشعر بالشفقة عليه. خاصةً أن هذا الرجل بكل جبروته يقف أمام الجميع يطلب منها أن تسامحه بعد أن أنقذ حياتها، فهل تتفوه بعبارات السماح التي لم تصل لقلبها؟ أم تتجبر هي الأخرى مثلما كان يفعل معها؟
ولكن للحق... هي لم تستطيع فعلها، فقد كانت حائرة ليأتيها صوت يوسف وهو يقول بنبرة قاطعة:
ـ مش وقت الكلام ده يا جدي! إنتَ نزفت كتير وده غلط عليك لازم نروح المستشفى.
قاطعه رحيم بصوت واهن:
ـ مش فارق لي حاجة يا يوسف مش هعيش أكتر من اللي عشته أنا كل اللي عايزه أحس إن كاميليا فعلًا سامحتني كفاية ذنب أمها اللي هموت بيه، مش هقدر على ذنبين.
آلمتها كلماته كثيرًا، وتضرعه بتلك الطريقة المنافية تمامًا لهيبته وجبروته، فوجدت نفسها تقول بصدق:
ـ إنت أنقذت حياتي، وأنا عمري ما هنسالك أبدًا حاجة زي دي.
ابتسامة واهنة ارتسمت على شفتيه، وقد تمكن الإعياء منه كثيرًا، فقال بامتنان:
ـ وأنا مش عايز أكتر من كده بداية جديدة معاكِ وبتمنى من ربنا يديني العمر وأقدر أصلح اللي عملته زمان.
كانت كلماته المتقطعة تلك آخر ما تفوه به قبل أن يتمكن الوهن والتعب منه، ليسقط بين يدي يوسف الذي التقطه بلهفة وهو يقول بألم:
ـ جدي.
انطلقت الصرخات من حولهما رعبًا من خسارته؛ فقد كان دائمًا برغم قوته وجبروته بمثابة الأب والحامي لهم جميعًا، وبرغم كل أخطائه، إلا أن له مكانة كبيرة في قلوبهم.
كان الجميع يقف أمام غرفة الطوارئ بالمشفى بعد إدخال رحيم لإسعافه، وإخراج الرصاصة من كتفه، وإمداد جسده بالمغذيات التي يحتاجها بعد أن فقد الكثير من الدماء. وكانوا جميعًا بانتظار الاطمئنان على حالته. وكان الصمت سيد الموقف إلى أن لحقهم مازن مهرولًا نحو يوسف قائلًا:
ـ للأسف. سميرة هربت!
نظر يوسف إلى مراد نظرة ذات مغزى، وهزّ رأسه قائلًا بهدوء:
ـ ده شيء متوقع. عملت إيه مع نيفين؟
ـ كل شيء تمام، ما تقلقش!
تقدمت صفية من يوسف قائلة:
ـ ممكن تفهّمنا بقى حصل إزاي كل ده؟ وإزاي عرفت الحاجات دي كلها؟ وإزاي مراد طلع عايش؟ أظن من حقنا نفهم!
يوسف بتعب:
ـ نطمن على جدي، وهفهمك اللي إنتِ عايزاه.
صفية بتصميم:
ـ دلوقتي يا يوسف! مش هستنى لحظة واحدة بعد كده!
يوسف بنفاد صبر:
ـ هحكيلك!
*************
كانت فاطمة تجلس أمام تلك النائمة بهدوء، تتأملها وما فعل الزمان بشبابها وجمالها؛ فقد أخذ منها الكثير والكثير، فقد سلبها وهج الحياة الذي كان دائمًا ينبعث من عينيها الجميلتين، وتلك الروح المرِحة التي كانت تتحلى بها. لم يُصِب العجز وجهها، بل أصاب روحها، وهذا أقسى.
فهي منذ اليوم الذي جلبها علي لهذا القصر تستيقظ دائمًا على كوابيس وصراخ، فمن حسن الحظ أن غرفتها تقع في الجزء المنعزل قليلًا داخل القصر، وذلك كان طلبها لرغبتها في الهدوء، فلو كان هذا غير موجود لسمع جميع من في القصر صراخ ناهد كل ليلة، والتي حتى عندما رأتها البارحة لم تُصدّق بأنها فاطمة ابنة عمتها، وصارت تهذي ثم نامت كالعادة.
اقتربت فاطمة منها وقامت بالربت على كتفها، ومرّرت يدها فوق ملامح وجهها بحنان وهي تناديها بنبرة رقيقة، لتفتح الأخرى عينيها ببطء، فابتسمت فاطمة ابتسامة هادئة وهي تقول:
ـ صح النوم يا هنون.
قطبت ناهد جبينها وقالت بعدم تصديق:
ـ فاطمة؟ إنتِ هنا صح؟ محدش كان بيقولي هنون دي غيرك.
فاطمة بحنان:
ـ أيوه يا حبيبتي، أنا هنا جنبك وماسكة إيدِك أهو.
اعتدلت ناهد في نومها، فساعدتها فاطمة حتى جلست، ثم قامت ناهد بتمرير يدها فوق ملامح فاطمة بيد مرتعشة وهي غير مصدّقة أنها وجدت أحدًا يخصها من عائلتها. ومن ثم تساقطت العبرات من مقلتيها، وألقت بنفسها داخل أحضان فاطمة، التي هطلت دمعاتها هي الأخرى تأثرًا بموقف ناهد، التي قالت وهي تحتضنها:
ـ أنا مش مصدقة نفسي إني شايفاكي قدّامي أنا قولت خلاص مش هشوف حد من أهلي تاني.
فاطمة بتأثر:
ـ اهدي يا حبيبتي. أنا اللي مش مصدقة إنك قدامي، خصوصًا بعد ما جوزِك بعت وقالنا إنك موتي!
تصلب جسد ناهد، وقامت ترجع للخلف، ونظرت باندهاش إلى فاطمة وهي تقول:
ـ إيه؟! جوزي قالكوا إني موت؟!
فاطمة بتأكيد:
ـ أيوه. بعتلنا إنك عملتي حادثة وموتي، ومن وقتها ما سمعناش حاجة خالص عنك.
قطبت ناهد جبينها، وما إن أوشكت على الرد حتى دخل علي الذي قال بمزاح:
ـ أخيرًا الجمال النائم استيقظ؟
نظرت إليه ناهد وقالت بترقّب:
ـ إنت مين؟
فاطمة باعتزاز:
ـده علي. ابني.
تذكرته ناهد وقالت بإندهاش:
ـ ابنك!؟ إيه ده؟ مش إنت صاحب رائد اللي جيتلي البيت و... أنت اللي ضربتني على دماغي وأنا في المطبخ بجبلك المية.
قالت الأخيرة بجفاء فصُدمت فاطمة من حديثها وقالت بغضب ناظرة لعلي:
ـ نهارك مش فايت يا واد يا علي! إنت ضربت خالتك على دماغها يا زفت أنت؟
علي بتذمر:
ـ إيه يا طمطم؟ في إيه؟ ما كنت بنقذها. كنت أسيبهم يخطفوها يعني؟
فاطمة باندهاش:
ـ يا لهوي! مين دول اللي كانوا عايزين يخطفوها؟
ناهد بخوف:
ـ يخطفوني! هما مين دول؟
علي بنبرة ذات مغزى:
ـ لا. مين دي أنتِ اللي هتقولي عليها.
ناهد بخوف واستفهام:
ـ إنت فعلًا صاحب رائد. ابني؟
علي بهدوء:
ـ مش هكذب عليكِ. رائد عمره ما كان صاحبي. أنا تقريبًا شُفته يمكن مرتين تلاتة.
ناهد بنبرة مرتجفة:
ـ طب ليه قولتلي إنك صاحبه لما جيت الشقة؟
رأى علي خوفها فأراد طمأنتها:
ـ لو سمحتي تهدي. أنا عمري ما هأذيكي ولا هأذيه. أنا بس كنت بجمع شوية معلومات عنه، والصدفة رمتِك في طريقي. أو خلينا نقول القدر لعب لعبته
ناهد بشك:
ـ وبتجمع معلومات عنه ليه؟
علي بهدوء:
ـ هجاوبك لما تقوليلي. ليه رائد طلع يجري من البيت وهو بالحالة دي؟
ناهد بحزن:
ـ رائد. ابني دايمًا ضحية لكل اللي حواليه. وآخرهم كان أنا.
علي محاولًا جَرّها للحديث:
ـ إزاي ضحية وهو ضاحك على كل اللي حواليه ومفهمهم إنه يتيم ومخبي وجودك عن الناس كلها؟
ناهد بدفاع:
ـ عشان هو عاش فعلًا يتيم! أنا كنت في غيبوبة، وأبوه اتوفّى وهو صغير.
ألقت ناهد نظرة ذات مغزى على فاطمة، التي فهمتها، ونظرت إلى علي الذي لاحظ تبادل الأنظار، فقالت فاطمة بهدوء:
ـ بقولك إيه يا علي. سيب خالتك ترتاح شوية.
علي برفض:
ـ أنا فعلا هاعتبرك خالتي زي ما قولتي، وعشان كده هتكلم معاكِ بصراحة. ابنك بيشتغل في شركة الحسيني معرفش تعرفيها ولا لأ، والمفروض إنه صديق صاحب الشركة دي. بس للأسف، أنا من خلال مراقبتي له قدرت أعرف إنه السبب في إن الشركة على وشك الإفلاس، وإن له أسهم بنسبة كبيرة في الشركة المنافسة ليهم. زائد إن في علامات استفهام كبيرة حواليه في حاجات تانية، فلو عايزة تساعديه، تجاوبي على أسئلتي.
وقعت كلمات علي على مسامع ناهد، فجعلت قلبها يرتجف رعبًا على ولدها فقالت بلهفة وخوف:
ـ اسمعني يا علي. والله رائد مش وحش! كله من راغب الكلب ده هو اللي مفهمه إن له تار مع عيلة الحسيني، وإن هما اللي قتلوا أبوه، ومفهمه إني كنت بخون أبوه مع عامر الحسيني! ومسمم أفكاره! وهو مش راضي يديني فرصة أحكيله، علشان كده خرج يجري يوم ما أنت جيتلي. والله ابني مظلوم! راغب ده السبب في كل المشاكل والكوارث اللي حصلت لي في حياتي!
تنبهت جميع حواس علي لحديثها، فقال باستفهام:
ـ أيه؟ طب وعيلة الحسيني هيقتلوا أبوه ليه؟ لا. أنتِ لازم تفهميني كل حاجة. ده الموضوع شكله كبير!
ناهد بألم:
ـ الشيطان ده عايز يدمر ابني زي ما دمرني زمان. وحرمني من فرحتي بحياتي مع جوزي وحبيبي.
علي باستفهام:
ـ جوزِك وحبيبِك ده اللي هو أخوه، صح؟
ناهد بنفي:
ـ لأ. جوزي الأولاني. أبو رائد.
علي:
ـ اللي هو مين؟
ناهد بحزن:
ـ اللي هو... عامر الحسيني!
يتبع ......