تحميل رواية مابين الحب والحرمان بقلم ولاء رفعت علي pdf
بقلم ولاء رفعت علي
جارٍ تجهيز التحميل... برجاء الانتظار
سيظهر زر التحميل خلال 10 ثانية
جارٍ توليد الملف...
التحويل يتم بالكامل داخل متصفحك — لا يُرفع أي شيء للسيرفر.
اختر مجموعة الفصول للتحميل (كل ملف حتى 10 فصول)
عن الرواية
علي نغمات و صوت كارم محمود و أغنية «مرحب شهر الصوم »، و روائح و نفحات رمضان تجول في شوارع المحروسة و الحواري، و متاجر الفوانيس و ياميش رمضان... و هنا بداخل إحدي الأحياء الشعبية الشهيرة في محافظة الجيزة، حي إمبابة الشهير، و بأعلي ذلك البناء القديم حيث يحلق أعلاه سرب من الحمام الزاجل يقوم هذا الشاب متوسط القامة بالصفير و التلويح بعلم كبير، أمتدت إيدي ذات ملمس ناعم و رائحة ذكية فوق عينيه، أبتسم و قال: -قال يعني لما تغمي عينيا مش هاعرفك. أبعدت كفيها عن عينيه و لكزته في كتفه قائلة: -أنت رخم أوي علي ف...
رواية مابين الحب والحرمان الفصل الحادي عشر 11 - بقلم ولاء رفعت علي
بصي يا أمي ليلة بتقولي إنها كانت تعبانة و داخت شوية فحبت تطلع ترتاح و مكنش قصدها حاجة و مكنتش عايزة تشيلي همها و تقلقك عليها، صح يا ليلة؟
و رمق ليلة بغمزة فأدركت مقصده فتقدمت نحو والدته بأداء متقن فهي قد تعلمت الدرس جيداً:
- حقك عليا يا خالتي، أنا فعلاً كنت تعبانة و مقدرتش أقعد معاكم تحت و ياريت ما تكونيش زعلانة مني أنا بحبك أوي.
و أقتربت منها و قامت بتقبيل رأسها مما جعل معتصم كاد يضحك لكنه خشي من غضب والدته، فقالت نفيسة علي غرار ما تكنه داخلها إلي ليلة:
- ألف سلامة عليكي يا حبيبتي كنتي قولي لي، أنا برضو ما يهونش عليا أشوفك تعبانه ما أنتِ في مقام بنتي اللي مخلفتهاش.
إبتسمت ليلة و ودت أن تقول لها أتقِ الله لكن سايرت الأمر علي ما يرام و هذا من أجل معتصم الذي لم تجد منه سوي المعاملة الطيبة و العطف و الحنان.
ــــــــــــــــــــــــــ
و بالأسفل تقف تسترق السمع من النافذة و التي يعلوها نافذة الطابق الأعلي و المطلة علي غرفة النوم فأتاها صوت زوجها من الغرفة الأخري:
- عايدة، بالله عليكي و لعى لي علي الفحم و حضر لي الشيشة خلي الواحد يظبط دماغه.
اشاحت بيدها دون أن تهتم و علي أحر من الجمر لمعرفة ماذا فعل معتصم مع ليلة ، تود أن يعاملها أسوء معاملة.
- واقفة عندك بتعملي اي يا اخرة صبري.
أستدارت إلي صاحبة الصوت، فكانت والدة زوجها قد أتت للتو، ركضت نحوها و سألتها بلهفة:
- ها، عملها أي؟
أجابت الأخري بغيظ و حنق:
- عملها أسود و مهبب ، طلعت عشان أهدي ما بينهم و أطمن لتكون قومته عليا و لا لاء لاقيت ياختي البت ضحكة عليه و عاملين استغفر الله العظيم يحضنو و يبوسو في بعض و مش ساتر جسمها غير البشكير .
أشتعلت نيران الغيرة بداخل عايدة أكثر فأكثر لكنها أصدرت شهقة زائفة و قالت:
- يا لهوي عليها دي مطلعتش سهلة، دي بقي اللي يتقال عليها علي رأي المثل يا ما تحت السواهي دواهي.
نظرت الأخري لها و عقبت علي حديثها :
- و لسه في الجراب يا حاوي، بس علي مين ما بقاش أنا نفيسة غير لما خليته يكسرها و يذلها و يرميها تحت رجلي .
أشاحت عايدة بيدها دون أن تلاحظ الأخري كدلالة علي إستحالة حدوث ما تقوله.
ــــــــــــــــــــــــــــ
و في اليوم التالي نزلت ليلة إلي منزل والدة زوجها تاركة زوجها نائم بالأعلي، ترتسم السعادة علي محياها و ترمق بها الجميع فعليها أن تريهم كم هي قوية و ليست ضعيفة حتي لا تعطي إحداهما فرصة لتخريب ما بينها و بين زوجها ، ذهبت إلي نفيسة و أنحنت علي رأسها و قامت بتقبيل جبهتها قائلة:
- حقك عليا يا خالتي مش عايزاك تكوني زعلانة مني، أنتي مهما كان في مقام أمي الله يرحمها.
و لم تكتف بهذا قامت بأداء مهام المنزل من تنظيف و غسيل و كل الأعمال و قبل أن تقوم بإعداد الطعام، أخبرتها:
- خالتي أنا هنزل للسوق أشتري شوية حاجات للمطبخ، عايزة أي حاجة معينة أجيبها لك من تحت؟
أجابت الأخري بإقتضاب :
- شكراً.
تركتها و ذهبت إلي التسوق و بداخلها يشعر بالسعادة و هذا بعدما وجدت نتيجة ما تفعله يأتي في صالحها.
و في طريقها إلي السوق أمام بناء مهجور، جذبها أحدهم بقوة و قال لها بسخرية:
- أخيراً عريس الغفلة أفرج عنك يا عروسة.
أتسعت عيناها بخوف و قالت و هي تحاول التملص منه:
- عايز مني أي يا عمار، ما خلاص بقي قولت لك أنا بقيت ست متجوزة و ما ينفعش اكلم راجل غريب وكل اللي ما بينا أنتهي.
قهقه بسخرية و قال:
- متجوزة، تصدقي مكنتش أعرف يا أخت حبشي الميكانيكي.
- ما هو انت لو ما سبتنيش أمشي و لميت نفسك هخليه يأكدلك أنا اخته لما يقطع لحمك حتت و يخليك تحرم تتعرض لي تاني.
ترك يديها و اخبرها بتهديد:
- ياريت تقولي له عشان أسمعه تسجيلات مكالمتنا الجميلة و أعرفه كان ما بينا حب و غراميات ، لاء و أبعتها للمحروس جوزك عشان تبقي فضحتك بجلاجل.
- حرام عليك يا أخي أنت عايز مني أي، أنا معملتش معاك أي حاجة، بالعكس أنا حبيتك بجد و دافعت عنك بكل قوة لما أتقدمت لي و أستحملت كلام زي الزفت و أتضربت و أتهانت لأن كنت فاكراك بتحبني، طلعت غير كده خالص، أنت واحد مستهتر و فاشل و معندكش تربية و لا اخلاق و....
قاطعها بصفعة قوية أتبعها صفعة أخري و لم تستطع التحمل أكثر من ذلك فدفعته بكل قوتها و ركلته في ساقه، ثم تمكنت من الهرب و الفرار من أمامه، قررت العودة دون شراء أي شئ و لم تعد تمتلك أعصاباً لتكمل.
ظلت تركت حتي وصلت إلي بناء عائلة زوجها
و عندما ولجت إلي داخل المبني أصطدمت به فسألها بغضب:
- كنتي فين؟
كان يسألها بوجه متجهم بينما هي فرت الدماء من وجهها، أجابت بتلعثم:
- كنت، روحت، و رجعت.
ثم أستعادت رباطة جأشها و قالت:
- كنت رايحة السوق أشتري طلبات.
و نظر إلي يديها الفارغتين و أشار إليهما:
- و فين الطلبات؟
أبتلعت ريقها و قالت:
- أصل لاقيت كشك العيش شغال قولت أرجع أطلع أخد بطاقة التموين من خالتي أجيب لها عيش.
عقد حاجبيه بضيق و هذا عندما وجد إنها ترتدي عباءة ضيقة إلي حد ما و يخرج من حجابها قليل من الشعر، جذبها من يدها و قال من بين أسنانه:
- يا نهارك مش فايت ايه ده!
رمقته بتوتر وخوف فسألته:
- في ايه؟
رمقها بتحذير قائلاً:
- أول و أخر مرة تنزلي بالعباية دي تاني و شعرك الحلو ده لو شوفت شعرايه منه طالعه بعد كده هلبسك النقاب و أريح دماغي، مفهوم؟
هزت رأسها فصاح بها:
- مش سامع؟
ردت علي الفور:
- حاضر.
أشار لها نحو الدرج:
- يلا أطلعي علي شقتنا و أنا نازل هاجيب العيش و طالع تاني.
صعدت تحت أنظاره فأبتسم و هز رأسه بسعادة فتلك الليلة بحُسنها و جمالها الباهي ستقوده إلي الجنون!
ــــــــــــــــــ
صعدت إلي أعلي في منزلها و تنفست الصعداء، حمدت ربها إنها عادت قبل أن يراها زوجها مع عمار و كانت ستصبح فضيحة يشهدها كل أهل الحارة.
جلست علي الكرسي تتذكر ملامحه و هو يوبخها علي مظهرها و هذا يعود إلي غيرته التي جذبتها إليه و كذلك حنانه الغادق عليها حتي في حضرة أهله لا يتحمل عليها كلمة واحدة.
أنتبهت إلي فتح الباب و ظنت إنه هو لكن خاب ظنها عندما رأت عايدة أمامها فسألتها و الضيق بادي علي ملامحها بسبب دخولها دون إستئذان:
- خير يا عايدة فيه حاجة؟
جلست و وضعت ساق فوق الأخري قائلة:
- ألا قولي لي يا ليلة، معتصم بيحبك؟
تعجبت من ذاك السؤال:
- لو مش بيحبني أتجوزني ليه؟
قهقهت بصوت مدوي لتخبئ نيران الغيرة بداخلها و أخبرتها:
- أيه اللي مخليكي واثقة أوي كدة، مش يمكن متجوزك عشان يرضي أمه مثلاً.
رمقتها بإمتعاض و لم تفهم لما تخبرها بتلك الترهات فقالت:
- لو كلامك صح مكنش دافع عني لما مامته أتهمتني بحاجة معملتهاش.
جزت الأخري علي أسنانها و ودت إقتلاع خصلات شعرها من الغيظ:
- أصل بصراحة و بيني و بينك أنا أول ما شوفتك حبيتك أوي و كمان صعبتي عليا جداً، أصل أنا عارفة اللي فيها، معتصم متجوز هناك في الكويت و مخلف بس مخبي علي مامته و قايل لأخوه بس جلال حبيبي ما بيعرفش يخبي عني حرف واحد خالص، حبيت بس أوعيكي بدل ما تنخدعي فيه و تلحقي تنفدي بجلدك قبل ما تتدبسي و تحملي منه و يبقي طلعتي كمان بعيل و مسئولية.
شعرت ليلة بضيق و إختناق و في نفس الوقت تشعر بأن هناك خطب ما أو كذب، فقالت لها:
- طب لو افترضنا كل كلامك صح، أي دليلك علي الكلام ده؟
شهقت الأخري بتصنع قائلة:
- أخص عليكي يا ليلة، بتشكي فيا، عموماً لو مش مصدقاني أبقي أسألي جلال أخوه بس كده ها تعملي لي مشكلة ده غير أكيد هينبه أخوه و هيخليه يكدب عليكي أكتر و يخترع لك كام كذبة.
أطلقت زفرة عميقة و عقبت علي كلمات الأخري ذات النوايا الخبيثة :
- أطمني انا و لا هسأل جوزك و لا هسأل جوزي، و لو عايزة أعرف هتأكد بنفسي مش هسأل حد.
نهضت عايدة بعدما أنتهت من مهمتها:
- فوتك بعافية بقي، أنا نازلة عشان هاغير هدومي و رايحة أفطر عند أمي النهاردة و لو محتاجة أي حاجة أبقي رني عليا.
أخذت هاتفها المتروك علي المنضدة و قامت بتدوين رقم هاتفها:
- رقمي أهو أبقي سجليه و علي فكرة عندي واتس و فيس كمان هابقي ابعت لك عليه.
ذهبت و تركت خلفها عاصفة من الأسئلة تدور في فلك ذهن ليلة التي شعرت بالضيق مجرد سماع ما أخبرتها به الأخري هل هذه بداية شرارة الحب!
ـــــــــــــــــــ
و بالأسفل ترك الخبز علي طاولة الرخام و صاح:
- العيش علي الرخامة يا أمي، أنا طالع عايزة حاجة؟
ولجت عايدة من باب الشقة و وقفت بميل قليلاً:
- أمك مش هنا نزلت عند أم جمال تدي لها الجمعية و أخوك لسه مارجعش من الشغل.
رمقها بإزدراء و قبل أن يذهب أوقفته قائلة:
- خلي بالك من ليلة عشان ولاد الحرام كتير و هي حلوة و صغيرة و فيها الطمع.
صاح بتحذير:
- ملكيش دعوة بيها و خليكي في حالك أحسن لك.
ذهب و تركها تتمتم بتوعد:
- إما خليتك تخلص عليها بإيدك ما بقاش أنا عايدة.
بينما هو صعد و دخل إلي المنزل يبحث عنها منادياً:
- ليلة، يا ليلة.
كانت بداخل الغرفة و تضع في أذنيها سماعة الهاتف، جذب واحدة من أذنها و قال لها:
- عمال أنادي عليكي من الصبح ما بترديش ليه.
خلعت السماعة الأخري و أجابت ببرود:
- كنت بسمع مسلسل.
و نهضت تاركة هاتفها ثم سألته:
- عايز تاكل ايه علي الفطار؟
- ناوية تطبخي لنا ايه؟
سألها فأجابت:
- هاعمل مكرونة و بانيه.
ضحك و قال بمزاح:
- افضل أكل طول السنة في الغربة مكرونة و بانيه و يوم ما اتجوز و اقول ربنا بيحبني و مراتي هاتعملي المحمر و المحشي و البشاميل في الأخر ألاقي المكرونه و البانيه ورايا ورايا.
ردت بحنق طفولي:
- لو مش عاجبك إنزل أفطر عند مامتك هاتعمل بط و محشي .
أطلق قهقه فأصبح مظهره أكثر وسامة و قال لها:
- يا حبيبتي بهزر، أي حاجة من إيدك أكيد هاتبقي حلوة طالما أنتي اللي عاملاها .
ابتسمت بخجل و ذهبت لتعد طعام الفطور، أما هو ألقي نفسه علي الفراش و تمدد ريثما تنتهي ، أنتبه إلي صوت رسالة واردة فتلفت من حوله ظن إنه هاتفه، لكنه وجد الصوت أتي من هاتف أخر بجواره، أخذه الفضول قبل أن يناديها و يعطيها الهاتف، ألقي نظرة فوجدها رسالة علي تطبيق الدردشة الشهير (WhatsApp) و بدأ يقرأ فحواها:
« حطي في دماغك دي مش أول مرة أقابلك الجايات أكتر من الرياحات و أبقي اعملي لي حظر تاني ها طلع لك من كذا خط جديد يا ليلة»
قرأ الرسالة مرة أخري و أتسعت عيناه بغضب، نهض و ذهب إليها و عيناه يندلع منها نيران كالشرر.
- ليلة!
أنتبهت إليه و تركت ما بيدها عندما رأت هيئته المخيفة، رفع شاشة الهاتف أمام عينيها و سألها:
- مين اللي روحتي قابلتيه النهاردة و بعت لك الرسالة دي؟
أبتلعت لعابها بخوف و سألته بتوجس:
- رسالة أي! ، أنا معرفش حاجـ...
أطلقت صرخة عندما جذبها من عضدها بعنف و صاح بها:
- ما تكدبيش عليا و تحوري، مرواحك للسوق و رجوعك من غير ما تشتري حاجة و أول ما شوفتيني خوفتي و أترعبتي و دلوقتي ألاقي رسالة زي كده عايزني أفهم أي!
أتسعت عيناها و تخشي أن تخبره الحقيقة و هذا العمار يقلب الحقيقة ضدها و تنقلب الأمور فوق رأسها هكذا ظنت، قالت:
- بالتأكيد مبعوته غلط و قدامك الرقم مش متسجل.
قهقه ساخراً و قال:
- مش متسجل لأنه بيقول انتي عمله له حظر و هو هيبعت لك من رقم جديد.
كادت تتفوه فقاطعها صوت تنبيه رسالة أخري، رفع إحدي حاجبيه و بدأ يقرأ لها الرسالة و قلبها يدق بخوف
« و ماتنسيش تسلمي لي علي عريس الغفلة يا حب »
صاح بغضب عارم:
- مين ده يا هانم أنطقي؟
و كأن دلو من ماء ثلج أنسكب فوق رأسها، فصاح بها مرة أخري و قبضته تضغط بقوة فشعرت بألم ساحق في ذراعها:
- ما تنطقي الباشا بيقولك سلمي لي علي عريس الغفلة، الظاهر إنه يعرفك أوي .
ردت بصعوبة بالغة و هي تفكر في حيلة تتهرب من سؤاله و نظراته النارية أو كذبة مقنعة تنطلي عليه:
- ده يبقي أخو واحدة صاحبتي، حاول يكلمني كذا مرة و أنا مدتهوش فرصة و النهاردة و أنا رايحة السوق قابلته بالصدفة و حاول يكلمني فهربت قبل ما يقرب مني و جيت علي هنا علي طول.
ظنت أن هذا سيجعله يهدأ لكنه جعله غرار ذلك و كأنه ماء بداخل مرجل تشتعل أسفله النيران فألقت المزيد من الحطب فأزدادت النيران أكثر و جعلت المياه تفور ، صاح بها بصوت هادر:
- صاحبتك دي ساكنة فين؟
أبتلعت غصتها فأجابت:
- و الله ما أعرف، أنا كل اللي أعرفه عنها إنها مش من هنا، هي كانت قاعدة عند جماعة قرايبهم و بعد ما خدنا الأجازة معرفش عنها حاجة.
- و هو بقي الأستاذ جالك هنا مخصوص!
رفعت كتفيها علي عدم علمها بهذا الشئ فأخبرته:
- معرفش، أنا كل اللي أعرفه قولته لك.
جز علي فكه بغضب و يرمقها بشر مستطير فقال لها:
- عارفة يا ليلة لو حد تاني و شاف الرسايل دي علي موبايل مراته هيقول عليها أي!
طأطأت رأسها بحزن و قالت:
- و أنا مش خاينة.
- و أنا مقولتش كده، لأن لو عندي ذرة شك، مش هطلقك و أسيبك في حالك، ده أنا هحرق دمك لحد ما هتيجي تحت رجلي و تتحايلي عليا عشان أطلقك، فياريت لو مخبية عليا حاجة تقوليها قبل ما أعرفها بنفسي أو من برة، ساعتها مش هتلومي غير نفسك.
و أمسك بهاتفها و قام بإخراج شريحة الإتصال أمام عينيها و قام بكسرها و إلقائها في الحاوية قائلاً:
- أنا هاجيب لك خط جديد، و أخرك تديه لأخوكي و مراته و أهلي بس، أي حد تاني لاء لما نشوف أخرتها.
و قبل أن يتركها سألته:
- معتصم؟
ألتفت إليها فأردفت:
- أرجوك ما تقولش لحبشي أخويا حاجة.
أطلق زفرة و أخبرها بجدية و تحذير:
- أنا أخوكي يوم ما أحكي له حاجة زي كدة أعرفي وقتها إن كل اللي ما بينا أنتهي.
يتبع
الفصل الثاني عشر من هنا
روايات شيقة
رواية مابين الحب والحرمان الفصل الثاني عشر 12 - بقلم ولاء رفعت علي
يتسحب حبشي علي أطراف أنامله ليتأكد من أن زوجته تغط في النوم، و بعدما تأكد من ذلك ذهب و جلس بإحدي الأركان ، أخرج من جيب بنطاله دزينة من المال و نظر إليهم بفرح و سعادة و تحدث بصوت منخفض:
- تعالو بقي يا حلويين أشيلكم جمب أخواتكم تدفو جمبهم.
و تلفت من حوله ثم هبط علي عقبيه و أنحني في وضع الجثو و سحب من أسفل الأريكة صندوق معدني كبير مدون عليه ( صندوق العدة) أي الأدوات الخاصة بعمله كمكانيكي تصليح سيارات.
أخرج مجموعة مفاتيح و دس إحدهم في القفل و قام بفتحه، ظهر غطاء معدن، أمسكه و وضعه جانباً فظهرت العديد من الأموال المتراصة في صفوف، مسد عليهم بيده و السعادة تقفز من عينيه:
- ما تقلقوش يا حبايبي أنا هانت هكملكم المبلغ اللي أنا عايزه و هاعمل بيكم المشروع اللي هيخليني أطلع من الحارة المعفنة دي.
و كانت هناك عيون زوجته التي أستيقظت للتو مراقبة له و ترمقه بتوعد قائلة:
- يعني بخلان علينا و وريتنا الذل و في الأخر طلعت بتحوش اه يا بخيل يا معفن إما حسرتك عليهم.
ــــــــــــــــــ
قبل الإفطار بساعة صعدت عايدة و وقفت أمام باب شقة معتصم و أخذت تسكب ماء من زجاجة مجهولة تتذكر حديث الدجال لها:
(العمل ده أقوي من اللي قبله ياريت يخطي عليه الأتنين هيبقي مفعوله أقوي و هينعكس عليهم بالفراق )
و بعدما أنتهت تجلت إبتسامة علي ثغرها ثم عادت إلي منزلها علي الفور قبل أن يراها أحد.
و في حلول المساء تجمعت العائلة حول المائدة حين صدح أذان المغرب بدأ يتناولون الطعام فكان معتصم يتناول الطعام و لم ينتبه إلي ليلة التي لم تأكل و لو ملعقة و يبدو علي وجهها التعب، فسألتها عايدة بسخرية:
- مالك ما بتاكليش ليه يا ليلة و لا عشان ده مش مكرونة و بانيه مش عاجبك الكرشة و الكوارع! ده حتي جوزك بيحبهم و هو اللي طالبهم من خالتي و أنا اللي طبختهم بإيديا.
رمقتها الأخري بشبه إبتسامة لم تصل إلي عينيها و هذا لأنها لا تحب هذا الطعام، فقالت نفيسة بتهكم :
- مكرونة و بانيه إيه اللي بيعملوهم البنات الخايبة اللي ما بتعرفش تعمل أكل ده غير إنه أكل العيال الصغيرة، أنا أبني شقيان و تعبان يا قلب أمه محتاج يتغذي، كول يابني و رم عضمك بدل ما أنت هفتان من وقت ما أتجوزت.
قالتها و وضعت أمامه طاجن من الكوارع فتناول قطعة و أخذ يأكل منها و لاحظ ليلة تراقبه بطرف عينيها بتقزز، مد يده نحو فمها بقطعة و قال:
- علي فكرة طعمها جامد أوي دوقي كده.
أشاحت وجهها عن يده بإشمئزاز و أنتابها الشعور بالغثيان، نهضت مسرعة إلي المرحاض لتفرغ ما بجوفها.
ضحك جلال و غمز بعينه إلي شقيقه:
- أنت لحقت يا عصوم و لا ايه ؟
عقبت والدته:
- قول ما شاء الله عليه، شوفت أخوك أهو مكملش شهر و مراته شكلها حامل.
توقف معتصم عن الطعام حينما استمع إلي حديث والدته و حين خرجت من المرحاض رمقها بنظرة أجفلتها ثم قال:
- الحمدلله.
و نهض فقالت له والدته:
- هو أنت لحقت تاكل يابني!، ما تكمل فطارك.
- الحمدلله شبعت يا أمي، يلا يا ليلة.
فقالت عايدة بتهكم:
- هتطلعو فوق غير لما تاكلو الحلو!
لم يهتم أن ينظر إليها حتي فأجاب علي والدته:
- معلش يا أمي أصل كنت سهران إمبارح و ما نمتش كويس، فطالع أريح حبة.
تمتمت الأخري قائلة:
- يا عيني يا بني البت هده حيلك اللهي يهدها.
و قد سمعها جلال فأخذ يضحك و قال:
- تريح و لا تطمن علي إبنك.
و إذا الأخر هب كالريح غاضباً:
- جلال خليك في حالك أنا مش فايق لك.
ثم نظر إلي زوجته و أكمل صياحه:
- واقفة لسه عندك، بقولك يالا أنجزي.
ترددت ليلة بخوف قبل أن تذهب معه و ما أن خطت خطوة جذبها من يدها و سحبها خلفه إلي الشقة بالأعلي.
و بعدما وصل كليهما دفعها علي الأريكة و وقف أمامها و اضعاً يديه لدي جانبي خصره و قال لها من بين أسنانه :
- و أخرتها معاكي ايه؟
نظرت إليه بعدم فهم و سألته:
- قاصدك أي؟، أنا مش فاهمة حاجة.
جز علي شفته السفلي و أجاب:
- بجد و الله مش فاهمة، هاقولك أنا، أهلي كانو فاكرينك حامل لما قومتي و قرفتي من الأكل و دخلتي الحمام.
- أي التخلف ده، هو أي حد يقرف من الأكل يبقي حامل.
صاحت بها مما أثارت غضبه:
- لاء يا هانم، اللي أنتي مش فهماه إن أمي فكره علاقتنا الزوجية تمام، ما تعرفش اللي فيها، و اللي هو أنك بتستهبلي و أنا صابر عليكي كتير خلاص فاضل شهر و أجازتي تخلص.
أجفلها حديثه فقالت:
- و أنا ما منعتكش بس كل اللي طلبته نتعود علي بعض مش أكتر.
صاح قائلاً:
- و بقالنا أكتر من أسبوعين مش كفاية عرفتيني فيه و لا مستنية لما أسافر و أرجع لك السنة الجاية!
تأففت و سألته بنفاذ صبر:
- يعني عايز أي دلوقتي يا معتصم؟
صدمها بقوله:
- عايز حقي الشرعي يا ليلة.
تركته و دلفت إلي داخل غرفة النوم، ظل ينتظرها لدقائق، فخرجت إليه ترتدي قميص من الحرير الأبيض و تاركة خصلاتها و علي شفتيها طلاء حُمرة غير منتظمة، و وقفت أمامه ترمقه بإمتعاض :
- أتفضل خد حقك.
رفع إحدي حاجبيه بتعجب لما تفعله الآن، صاحت به لتثير غضبه:
- أتفضل خد حقك مستني أي، يلا عشان مامتك لو ما لقتش بطني كبرت ما تتكلمش و تمصمص في شفايفها و تقول يا عيني يا بني دي البت حرماك من حقك، أتفضل يلا مستني ايه!
كان ما بين الغضب و الإثارة من هيئتها الفوضوية، جذبها من يدها و أنهال علي شفتيها، يقبلها بعنف ثم هبط بشفتيه علي عنقها ثم إلي جيدها و يديه تزيح حمالات القميص و كاد يخلعه عنها سمع صوت بكائها، أبتعد ليتأكد من سمعه، رآها تبكي بالفعل، تجهم وجهه و سألها بأنفاس متهدجة:
- بتعيطي ليه؟
و كأنها كانت تنتظر سؤاله فأجهشت في البكاء و أخبرته من بين بكائها:
- مفيش .
صاح بها:
- ها تقولي و لا لاء، ما تنطقي.
نظرت إليه بأعين باكية و أخبرته:
- أنت حسستني إني مجرد جسم بالنسبة لك.
شعر بالصدمة الجلية علي ملامحه، لما تقول له ذلك، أطلق زفرة لعله يخرج بها طاقة غضبه بدلاً من أن يطلقها عليها و يحدث ما لا يحمد عقباه.
هز رأسه و يتمتم بكلمات غير مسموعة ثم قال:
- لو أنتِ شايفة كده، فأنا بقولك خلاص كل واحد يروح لحاله أحسن.
- بتتكلم بجد؟
سألته و الصدمة تبدو من نبرتها و عيناها المتسعة، أجاب عليها بوجه من فولاذ:
- ايوه بتكلم جد، عارفة ليه لأن كل اللي حسيته من ناحيتك أن سبب موافقتك علي جوازك مني عشان تهربي من نار أخوكي و تكملي تعليمك، لكن أنا فين من كل ده و كأني هوا، هقولك علي حاجة أنا كنت قبل ما أتجوزك كنت بتفرج علي أفلام إياها و بصبر نفسي و قولت هابطل الموضوع ده لما أتجوز و أعف نفسي و أتوب ، لكن بسبب بعد ما أتجوزت خلتيني أرجع اتفرج علي القرف ده تاني و أعمل حاجة تغضب ربنا، شوفتي أنتي وصلتني لأي!
قالها و ولي إليها ظهره غير مصدق بما تفوه به و كيف أخبرها بهذا،كان لا يريدها أن تنظر إليه بعدما صرح لها بمعصيته و شعر بالخجل من حاله أمامها.
كانت ترمقه و كفها علي فمها بصدمة و هي تسمعه، لم يتحمل الوقوف أمامها أكثر من ذلك فتركها و غادر، بينما هي عادت إلي الغرفة و أخذت تبكي و فاض بها الأمر حتي اهداها تفكيرها إلي أخر شيء يمكن حدوثه و ربما تسرعت في هذا القرار.
ــــــــــــــــ
وضعت هدي الطبق أمام زوجها الذي قال لها بسخط:
- كشري!، هو كل يوم كشري و لا أي، مفيش رز و خضار طبيخ!، ده إحنا حتي في رمضان يا شيخة.
صاحت بتهكم:
- و الله يا أ خويا الخمسين جنيه اللي بتدهالي يا دوب تقضي بتجيب حاجة الكشري بالعافية، بحبح إيدك و كفايه بخل و أديني فلوس بما يرضي الله و هاعملك المحمر و المحشي.
- ما أنتي عشان ما تعرفيش تدبري حالك، لو أديت لك أكتر من خمسين هاتصرفيهم برضو.
- حرام عليك و بطل إفتري الاسعار غالية نار و أنت عمرك ما زودت القرشين اللي بقالك من وقت ما أتجوزنا وبتديهم لي .
ثم أردفت دون أن يسمعها:
- روح يا شيخ اللهي يجي اللي يلهفهم منك.
و صدح رنين جرس المنزل، فذهبت لتري من الزائر، فتحت لتجد ليلة تقف أمامها و عينيها منتفخة من البكاء و بيدها تمسك حقيبة صغيرة .
دلفت في صمت و سألتها زوجة شقيقها:
- خير يا ليلة، مالك عامله ليه كده في نفسك!
ودت أن تصرخ و تجيش عما بصدرها، لكن ماذا عساها أن تقول فهذا قدرها و عليها التسليم به، و كبريائها لم يسمح لها أن تتغاضي عما أخبره به زوجها.
ولجت إلي الداخل في صمت و حين رأت شقيقها، وقفت أمامه و بدون أي مقدمة أو ذكر أسباب مقنعة قالت:
- أنا عايزة أطلق!
شهقت هدي و ضربت كفها علي صدرها عندما أعربت الأخري عن رغبتها في الطلاق، نهض حبشي و سألها و إمارات وجهه لا تبشر بالخير علي الإطلاق، فسألها بسخرية و يشير إلي أذنه:
- عايزة أي يا نن عين أخوكي؟
تقدمت نحوه و وقفت بشموخ تجيب بلا خوف:
- زي ما سمعت يا حبشي، عايزة أطلق.
و في لحظة كانت في قبضته يهزها بعنف و بصياح هادر:
- عايزة أي يا روح خالتك، طلاق أي و أنتي مكملتيش شهر جواز، عايزة تفضحينا يا بنت الـ... ، عايزاهم يقولو دي أخت حبشي الميكانيكي أتطلقت و لسه مكملتش شهر جواز!، و طبعاً هم ما يعرفوش الأسباب مش هيقولو غير حاجة واحدة بس، أن العريس لقاكي شمال و مش متربية عشان كده طلقك.
جذبت ذراعها عنوة مما سبب لها ألماً لكنها لا تبالي بقدر ما تشعر به من ألم كلمات شقيقها التي تنهال عليها كالسياط، صرخت بغضب و بكاء:
- تغور الناس و طز في كلامهم، أنا اهم حاجة عندي راحتي و نفسيتي، أنا زهقت منك و من العيشة في الحارة و جوزي اللي أتجوزته عشان أخلص من قرفك، عملو لي أي الناس، عارف يا حبشي أنا بكرهك لدرجة إن نفسي ربنا ياخدك و ارتاح منك علي الأقل هاعيش في سلام.
صاح الأخر بهياج عصبي و أنهال عليها بالضرب المبرح:
- بتدعي عليا بالموت يا بنت الـ... ، بتدعي عليا يا و سـ..
كانت تصرخ و زوجته تصرخ بتوسل:
- ابوس ايدك سيبها يا حبشي، و غلاوة عيالك سيبها.
صاح بها و كاد يوجه له لكمة:
- خشي جوة بدل ما أديكي بونية تخرسك خالص.
خشيت هدي أن يحدث لليلة مكروهاً علي يد زوجها الطاغية، ارتدت إسدال الصلاة و ركضت سريعاً دون أن يراها الآخر و غادرت لعلها تفعل شيئاً لتنقذ ليلة من يدي شقيقها.
ــــــــــــــــ
عاد معتصم من الخارج و وقف بداخل الشرفة يحسب أن ليلة في الغرفة نائمة، أخذ ينفث دخان سيجارته بكثافة يلوم نفسه لما تفوه به مع ليلة و لا يعلم لما فعل ذلك و بداخله يشعر بمزيج من المشاعر المتضاربة كالحب و الغضب و الغيرة و الشوق و اللوعة.
و في الأسفل كانت نفيسة تتحدث مع عايدة:
- أي يا عايدة مش ناوية تتجدعني و تبقي حامل زي سلفتك، اللي يا دوب ابني اتجوزها شهر و حملت و أنتي بقالك يجي تلات سنين و لا حصل مرة حتي، ده أنتي لو حتة أرض كان زمانها طرحت.
أجابت الأخري بإبتسامة صفراء:
- أدعي يا خالتي ربنا يرزقنا، ما هو علي يدك كشفنا و حللنا أنا و ابنك يجي مليون مرة و مفيش حاجة.
أنتبهت كلتيهما إلي صوت أقدام تصعد الدرج بقوة.
سألتها نفيسة:
- ده مين ده اللي طالع بيجري علي السلم.
نهضت الأخري و أخبرتها:
- خليكي لما أقوم اشوف مين.
خرجت من الشقة فوجدت صوت الأقدام صعدت إلي أعلي و صوت أنثوي يردد:
- أفتح يا أستاذ معتصم أنا أم محمد مرات حبشي.
صعدت عايدة تستمع لما يحدث و تري ماذا يجري، بينما بالأعلي دلف معتصن من الشرفة علي صوت رنين الجرس، فتح الباب فوجدها هدي و الذعر يغزو ملامحها:
- ألحق ليلة يا أستاذ معتصم، أول ما رجلها خطت البيت و بتقول لأخوها عايزة أطلق عينك ما تشوف إلا النور، نازل فيها ضرب و مش عايز يسيبها و خايفة لبعد الشر يعمل فيها حاجة و لا تروح في إيديه.
أشار لها و قال علي عجالة:
- يلا قدامي بسرعة.
بينما عايدة دلفت للداخل علي وجه السرعة فسألتها نفيسة:
- أي اللي بيحصل؟
أجابت الأخري و أرادت ألا تخبرها و هذا بعدما أسترقت السمع علي حديث هدي و بعدما علمت بطلب طلاق ليلة من معتصم رقص قلبها، ظنت تلك نتيجة السحر الذي سكبته لهما من أجل أن يفترقا :
- مفيش شكله واحد صاحب معتصم.
و في منزل حبشي الذي ما زال ينهال عليها بالضرب و السباب، يمسك تلابيب عبائتها و كاد ينهال علي وجهها باللطمة قوية:
- أنا هوريكي يا بنت الـ...
أوقفته قبضة من الفولاذ و بقبضة أخري وجه له معتصم لكمة قوية، و أمسك بلليلة و حاوطها بذراعه قائلاً:
- طول ما أختك علي ذمتي إياك إيدك تتمد عليها تاني بدل ما أزعلك.
صاح حبشي بصوته الغليظ:
- دي سابت لك البيت و جاي لي تقولي عايزة أطلق و أنتم لسه مكملتوش شهر، عايزني أطبطب لك عليها!
بصوت هادر لوح له بيده:
- لما يحصل كده تكلمني أنا راجل لراجل و نتفاهم مع بعض لكن تمد إيدك عليها بالغباء ده يبقي ما تستاهلش تكون أخوها.
كانت تبكي و تنتفض تحت ذراعه، ربت عليها لتهدأ قائلاً:
- خلاص أهدي يا ليلة و هاعملك اللي أنتي عايزاه، بس مش هاتقعدي هنا.
نظرت له بتردد و قلق فأردف:
- أنا هنزل أقعد عند أمي تحت و هاسيب لك الشقة فوق تقعدي براحتك و اللي أنتي عايزاه هاعمله لك.
و بعدما أطمئنت إليه، و لما لا فمنذ أن تزوجته لم تجد منه معاملة سيئة بل و حنون عليها، و يكون لها عوناً و حماية من أي شخص يريد أيذائها حتي لو بكلمة.
ذهبت معه و غادرت منزل شقيقها الذي بعد أن ذهبا رمق زوجته نظرة نارية فصرخت و ركضت إلي غرفة ليلة و أوصدت عليها الباب من الداخل، ظل يصيح كالوحش الثائر و يطرق الباب بعنف:
- أفتحي يا هدي بدل ما كسر الباب علي نفوخك، بقي تخرجي من ورايا و تروحي تنادي عليه عشان ينقذ أختي من إيدي، بقت كده يا هدي!، ماشي صبرك عليا أما علمتك الأدب ما بقاش أنا حبشي يا شوية رمم.
يتبع
الفصل الثالث عشر من هنا
روايات شيقة
رواية مابين الحب والحرمان الفصل الثالث عشر 13 - بقلم ولاء رفعت علي
فتح باب الشقة و ربت عليها بحنان:
- أدخلي يا ليلة، دي شقتك أنتي و أنا زي ما قولت لك هنزل أقعد عند أمي و لو محتاجة أي حاجة رني عليا و أطلع لك.
أمسكت بيده و قالت من بين بكائها:
- أرجوك ما تسيبنيش لوحدي.
رأي الخوف في عينيها فسألها:
- خايفة تقعدي لوحدك؟
أومأت له كطفلة صغيرة تشعر بالخوف فعانقها و أخذ يربت عليها:
- ما تخافيش أنا هاقعد معاكي مش هاسيبك.
أبعد وجهها عن صدره و تأمل وجهها الملئ بآثار أنامل شقيقها الأحمق علي خديها، أخذ يجفف عبراتها بأطراف أنامله و لم يجد أحد ملام غير سواه ، وبخ نفسه علي إنفعاله عليها و جعلها تترك المنزل و الذهاب إلي شقيقها الظالم الذي لم يرأف بها يوماً.
- بصي يا ليلة إحنا ممكن نبتدي من أول و جديد زي ما بيقولو صفحة جديدة، و كأني أعرفك أول مرة، و عشان تبقي علي راحتك هاسيبك تقعدي في أوضة النوم براحتك و أنا هنام في أوضة الأطفال، طبعاً كل طلباتك مُجابة و مش عايزك تتكسفي أبداً، و بالنسبة لموضوع الكلية أنا مش ناسيه، من بكرة هانروح الجامعة و نشوف أي الأوراق المطلوبة، و قبل ما أسافر هاسيب لك مبلغ عشان مصاريف و كل مستلزماتك.
أبتسمت من بين عبراتها، غير مصدقة أخيراً وجدت يد حانية بدلاً من يد شقيقها الغليظة الذي يظلمها و لا تجد منه سوي بطشه و ظلمه لها.
أقترب منها و قبلها أعلي رأسها و قال لها:
- أدخلي خدي لك دش و خشي أرتاحي و أنا هانزل أقعد علي القهوة شوية مع أصحابي لو في اي حاجة رني عليا و أنا هاكلمك، و ما تحضريش السحور أنا هاشتريه جاهز.
ـــــــــــــــــــــ
و ها هي حياتها قد تبدلت من الحزن و البؤس إلي السعادة و الفرح، فكما أخبرها و وعدها أخذها إلي الجامعة و أنتهي من تقديم كل ما طلبته شئون الطلبة من أوراق و مصاريف، و بعد ذلك أخذها إلي إحدي مجمعات التجارية الشهيرة فقال لها:
- نقي اللي نفسك فيه من هدوم خروج و شنط و جذم و أي حاجة أنتي عايزاها.
نظرت إليه و قالت بحرج:
- أنا عندي هدوم خروج كتير أنت جيبتها لي قبل الجواز.
أمسك يدها و ربت عليها قائلاً:
- و أي يعني جيبي تاني و تالت و كل اللي نفسك فيه هاتيه، و ما تشليش هم أي حاجة أنا الحمدلله ربنا موسعها عليا فهستخسر فيكي ليه يعني، أنتي أطلبي و أنا عينيا ليكي.
ضحكت من فرط السعادة و ودت أن تقفز كالطفلة فأخيراً وجدت العوض و الحب الحقيقي، ذهب كليهما بعدما أنتهت من الشراء و جلبت الكثير إلي إحدي المطاعم الشهيرة و ظل يتبادلا الأحاديث عن إهتمام كليهما و بدأت تشعر بشئ حياله و ربما قلبها قد خفق نتيجة شعور حقيقي تشعر به لأول مرة.
و علي جانب آخر كان هناك من يحترق من الغيظ و الحقد و الغيرة، كانت زوجة شقيقه تراقبهما و كلما تراهما يزداد حقدها و تريد التخلص من ليلة بشتي الطرق فقررت الإنتقام في اقرب فرصة!
ـــــــــــــــــــ
ها هي تذهب بقدميها للمرة الثانية إلي عمار و هذا لعدم رده علي إتصالاتها منذ الأيام السابقة
دلفت بخطي وئيدة و تتلفت يميناً و يساراً و إن وطأت قدمها غرفته وجدت من يدفعها إلي الداخل و يغلق الباب، كادت تصرخ فرفع سبابته أمام شفتيه يحذرها بنبرة يغلب عليها الثمالة :
- هوس يا ليلة هاتفضحينا و تسمعي بينا الجيران.
رفعت غطاء وجهها و هدرت من بين أسنانها:
- أبعد يا متخلف أنا مش ليلة.
دفعها نحو الفراش فوقعت و جثي فوقها، أخذت تقاومه بدفعه و ضربه فأخرج مُدية من جيب بنطاله و أشهرها في وجهها و كأنه لم يري سوي ليلة فقط،هوي بكفه علي وجهها بصفعة قوية:
- قولت أخرصي بقي، كل مرة تعملي كده و تهربي مني لكن دلوقت مش هخليكي تهربي لازم أعرفك إن ملكيش غيري أنا، فاهمة يا ليلة.
و سرعان ما قام بتقيد يديها و تكميم فاهها و شرع فيما عزم عليه و قد كان، فبدلاً من أن توقع ليلة في شر أعمالها فوقعت هي في شر من صنع يداها.
ـــــــــــــــــــ
عاد جلال من عمله في ساعة متأخرة من الليل يترنح يميناً و يساراً حتي وصل إلي غرفته، وجد زوجته تغط في النوم، جلس بجوارها و خلع حذائه، لكزها ليوقظها:
- عايدة، أصحي و قومي عايز اقولك حاجة.
همهمت بصوت يخرج بصعوبة و يشوبه النعاس أو هكذا تصنعت فاللذي حدث لها ليس بالشئ الهين :
- سيبني يا جلال عايزة أنام.
لكزها مرة أخري و قال:
- قومي يا بت عايزك افهمي بقي، أنتي وحشاني أوي و أنتي بقالك يجي شهر مش سأله فيا و لا عايزة تقربي مني و كلها يومين علي العيد.
زفرت بتأفف و نهضت بجذعها و فاضت بما تشعر به من حزن و هم فوق رأسه :
- عشان قربك مني زي عدمه بالظبط و إحمد ربنا أنا مستحملاك و مستحملة تلقيح أمك عليا لمدة تلات سنين، و أنا ساكتة و كاتمة في قلبي .
عقب بحزن:
- كده بتعايرني يا حب، أخص عليكي ده انا بحبك أكتر من نفسي، أخرتها بقت أنا اللي وحش.
تقلبت و ولت ظهرها إليه ثم دثرت جسدها بالغطاء بتأفف قائلة:
- يوه بقي هاتقعد لي بقي تتمسكن، ما تسكت بقي أنا أصلاً مش فايقة لك و عايزة أنام.
لم تكن تريد أن يري عبراتها أو رجفة جسدها الذي أُنتهك رغماً عنها، أبتعد عنها بإمتعاض قائلاً:
- ماشي يا دودو ، بس عايزك تعرفي حاجة واحدة أنا مفيش حد بيحبك و هايستحملك قدي.
ـــــــــــــــــــــ
تكبيرات العيد تصدح في كل أرجاء المعمورة
و هنا أستيقظت ليلة من النوم و خرجت إلي الردهة وصل إلي مسمعها غناء بصوت عذب لأغنية العندليب أول مرة تحب يا قلبي
ذهبت إلي المطبخ حيث مصدر الصوت وجدته يقف و يعد الطعام فقالت له:
- كل سنة و أنت طيب يا حبيبي.
نظر إليها مبتسماً:
- كل سنة و أنتي لياليا و أيامي و منورة دنيتي كلها.
توردت وجنتيها من الخجل فسألته:
- أنت بتعمل أي؟
- أنا روحت صليت و رجعت و بما أنك لسه كسلانة و نايمة قولت هعاملك فطار تاكلي صوابعك وراه، حاجة كدة شغل فنادق، تدوقي؟
و مد يده بقطعة من الشطيرة فتقدمت لتأكلها من يده، لامست شفتيها طرف أنامله دون قصد منها، لكن تلك الحركة أثارت ما بداخله من مشاعر و رغبة أن يلتقط تلك الشفتين في قبلة عميقة لم تنتهِ.
- تسلم إيدك حلوة أوي.
نظر إليها بحب و هيام و أخبرها :
- أنتي اللي حلوة أوي يا ليلة.
و أقترب بشفتيه ليفعل ما يريده فوجدها في حالة إستسلام فقال لها بعشق:
- أنا بحبك أوي.
ثم أخذ يقبلها مرة أخري لكن بقوة و كأنه كالظمآن الذي يرتوي من بئر الماء، لم يعد هناك وقت للإنتظار، نظر إليها في حالة لا يرثي لها:
- ليلة أنا مشتاق لك أوي.
أدركت ما يقصده من نظرته الهائمة تلك و نبرته كالغارق في المحيط و هي طوق النجاة الذي سينقذه من الغرق، أومأت له و كأنه تصريح عام.
فسألها ليتأكد:
- يعني موافقة؟
أومأت له بنعم و خجل، فترك كل ما بيده و حملها علي زراعيه و دخل غرفة النوم ليبدأ معها أول خطوات العشق فوق السحاب و كان من أجمل الأيام إليه فها هو أصبح يمتلك ليلته قلباً و قالباً.
ــــــــــــــــــ
ولجت هدي إلي الغرفة لتوقظ زوجها، فوجدته ما زال نائماً، لكزته بخفة:
- أصحي يا حبشي، أصحي ده صلاة العيد خلصت و الناس فطرت و أنت لسه نايم هاتصحي أمتي؟
تقلب علي يمينه و قال بصوته الغليظ:
- مش قولت يا وليه محدش يصيحني غير لما أصحي أنا من نفسي، و لا الكلام ما بيتسمعش و لازم تاخدي لك قلمين.
تمتمت و هي تبتعد عنه:
- ما باخدش منك غير الشتيمة و طولة اللسان و مد الايد، ربنا يهديك و لا يهدك.
نادت علي أولادها:
- واد يا محمد تعالي و أنت و أختك عشان تلبسو و نروح نعيد علي عمتكم، الحمدلله ربنا نجدها من أخوها و رزقها بجدع ابن حلال.
ـــــــــــــــــ
و في منزل نفيسة تلفت جلال من حوله ليتأكد أن زوجته ما زالت نائمة و لم تراه و هو يبتلع قرصين باللون الأزرق بدلاً من كان يتناول قرصاً واحداً!، أراد أن يثبت لها أنه رجل أفعال و ليس كما كانت تلقبه دائماً (جلال أبو دقيقة) و تعايره.
بينما هي كانت تغط في النوم، فقام بإيقاظها:
- قومي يابت كفاية نوم، أنا ما صدقت أمي راحت تعيد علي خالتي، قومي يلا قبل ما ترجع و أخويا و مراته ينزلو.
تململت بتأفف و قالت بضجر :
- يوه يا جلال سيبني أنام.
- تنامي أي ما ينفعش خالص، بقولك إحنا لوحدنا يا بت أخيراً، تعالي يلا نحتفل بالعيد يمكن المرة دي تصيب و ربنا يرزقنا بعبدالجليل صغير.
شهقت بسخط:
- نعم يا أخويا عبدالجليل أي ده، و أنا مالي أتدبس في إسم جدك الكبير.
- ماله إسم جدي مش عاجبك و لا ايه!
أمسكت بالوسادة و تمددت للمرة الثانية:
- طيب يا أبو عبده سيبني أنام و ابقي صحيني علي الغدا.
جذبها من يدها و صاح بنفاذ صبر:
- بقولك ايه مفيش نوم خالص.
و أنهال عليها بالقبلات و هي تحاول أن تنسحب لكنه أرغمها علي ذلك.
و بعد قليل...
آهات تنطلق من فاه جلال مَنْ يسمعها يظن إنها آهات من النوع الأخر لكنها في الحقيقة آنات نتيجة ألم ساحق داهمه و كان يضع كفه علي موضع قلبه، صرخت عايدة :
- مالك يا جلال في ايه؟
أبتعد عنها و يلتقط أنفاسه بصعوبة، يغر فاهه لعله يلتقط بعض الهواء، أشار لها و يشهق:
- ألـ حـ قـ يـ نـ ي.
يستغيث بصوت متقطع، نهضت سريعاً و أرتدت عبائتها علي عجالة، و أمسكت ببنطاله لتجعله يرتديه:
- ألبس و أستر نفسك، هاروح أنادي لك أخوك، يالهوي ربنا يستر.
أخبرها بشىء تكاد تسمعه بصعوبة:
- بـ حـ بـ ك يا عايدة.
و خرجت شهقة قوية سكن بعدها جسده و وقع بجذعه علي الفراش، أتسعت عينيها و أخذت تصرخ بأسمه:
- جلال، فوق أبوس إيدك، أنت شربت أي المرة دي، جلال مالك في ايه!
ظلت تهز جسده و أمسكت بيده لتجد جسده متراخي، وحين تأكدت إنه توفي بوضع أذنها علي قلبه فوجدته توقف عن النبض، أخذت تصرخ و تصرخ غير مصدقة انه قد فارق الحياة!
ــــــــــــــ
صرخات تتعالي و صادرة من منزل نفيسة و تردد:
- جلال أبنااي، مكنش يومك يا ضنايا .
فكانت ليلة تغط في النوم بين ذراعي معتصم و أنتفضت حيث أستيقظت بفزع:
- يا ستار يارب ايه الصريخ ده.
نهض الأخر قائلاً:
- يا نهار ازرق ده الصويت ده جاي من عند أمي تحت.
أرتدي ثيابه و كذلك هي و غادرا علي عجالة من أمرهما، و عندما دخل كليهما وجد عايدة تبكي بحرقة و ربما يبدو هكذا، و صوت والدته يأتي من الغرفة تبكي و تنوح علي ولدها البكري الذي توفي و ما زال في ريعان شبابه.
ــــــــــــــــــــ
نُصبت سرادق العزاء بطول الحارة و صوت الشيخ يتلو القرآن، يعم الحزن علي الجميع فكان العيد سعيداً علي أهل الحارة سوي عائلة نفيسة التي فقدت إبنها الكبير.
و في الأعلي تجلس الأم الثكلي و النساء يتوافدون عليها لتعزيتها، بينما تجلس عايدة في ركن هادئ بملامح ساكنة و كأن المتوفي ليس زوجها، و مَنْ قال إنها ستشعر بالحزن حياله بل هي خير شاكرة للقدر بأنه أزاح عقبتها من أمامها.
- بت يا ليلة هي مالها سلفتك قاعدة كده و لا بتعيط و لا بتنوح علي جوزها!
سألتها هدي فأجابت الأخري:
- ممكن مصدومة عادي يعني.
- بيني و بينك وقت ما شوفتها دخلت علينا البيت وقت ما جت مع حماتها يطلبو إيدك ما رتحتش ليها، و ديماً ببقي شايفة في عينيها و هي بتبص لك غل و حقد غيرة.
عقبت الأخري بنفي:
- لاء يا بنتي مش للدرجدي، أنا ما نكرش أنها كانت بتضايقني بس أنا عارفة كانت بتعمل كده عشان تراضي حماتي، يلا ربنا يصبرها علي فراق جوزها.
رمقتها هدي بإمتعاض و قالت:
- خليكي في هبلك و طيبتك اللي هاتوديكي في داهية و بكرة تقولي مرات أخويا قالت لما تشوفيها علي حقيقتها مش بعيد تلوف علي جوزك.
تأففت الأخري بضجر و قالت:
- يوه بقي يا هدي ، بطلي بقي سوء الظن اللي جايب لك وجع الدماغ، يا ستي أصلاً جوزي نفسه مش بيطيقها يعني إستحالة أصلاً يفكر فيها.
لاحظت هدي معتصم يقف أمام باب الشقة و يشير إلي زوجته فقالت لها زوجة أخيها:
- طيب ياختي روحي كلمي جوزك.
و عندما ذهبت الأخري إلي زوجها لم تحيد أعين هدي عن عايدة التي لم تلاحظ مراقبة الأخري لها و هي عيناها صوب معتصم و ليلة و نظرتها كافية لما تضمره من حقد دفين نحو شقيقة زوجها.
ـــــــــــــــــــــ
مر أربعون يوماً علي وفاة جلال، و الحال كما هو، لكن هناك من يكون مثل الهدوء قبل العاصفة.
و لدي منزل نفيسة تجلس عايدة في غرفتها بوجه متجهم و شاردة في الفراغ و أمامها علي الطاولة إختبار حمل منزلي، فالأختبار تظهر شرطتان و هذا يعني الحمل إيجابي، كانت لا تتوقع مثل تلك الكارثة و أكبر مخاوفها يكون هذا الحمل نتيجة الليلة التي أعتدي عليها عمار عندما كان في حالة ثمالة أم يكون هذا من زوجها المتوفي؟، لكن كيف يكون من زوجها الذي كان يعاني من مشاكل عديدة علي رأسها مشكلة عدم القدرة علي الإنجاب!
طرق علي الباب جعلها نهضت مسرعة تُخبىء الأختبار سريعاً أسفل وسادة الأريكة و سألت الطارق:
- مين؟
رد الطارق:
- أنا يا بنتي.
- أتفضلي يا خالتي أنا صاحية.
فتحت نفيسة الباب و عيناها تفيض بالدمع، ما زال قلبها منفطراً علي ولدها :
- هاتفضلي قافلة علي نفسك كده يابنتي؟
ردت الأخري و تخشي موقف حماتها تجاهها خاصة بعد وفاة إبنها :
- يعني أروح فين يا خالتي؟
أجابت حماتها:
- أنا عارفة إن جلال الله يرحمه كان بيحبك أوي و كان نفسه يجيب حتة عيل منك يشيل إسمه بس ربنا ما أرادش.
كانت الأخري تستمع في حالة صمت تخشي أن تتخلي عنها حماتها و هي لا تريد ترك المنزل أو الأحري لا تريد الإبتعاد عن معتصم.
تنهدت نفيسة ثم أردفت:
- أنا عارفة الكلام ده لسه سابق لأوانه بس مش حابة أظلمك و أنتي لسه شابة صغيرة و فيكي الطمع، بعد ما تخلص شهور عدتك لو عايزة تتجوزي أتجوزي محدش فينا يقدر يمنعك.
وجدت عايدة تلك اللحظة المناسبة التي تبدأ بها أن تحيك ألاعيبها الماكرة، تصنعت دور الحمل الوديع فقالت:
- أيه اللي بتقولي ده يا خالتي، أنا ماليش غيركم، أنتم أهلي و عزوتي و بعدين فيه حاجة لسه عارفها و كنت هاجي لك عشان أبلغك بيها.
أنتبهت الأخري بكامل حواسها حتي أخبرتها زوجة إبنها بالمفاجأة، أخرجت الإختبار من أسفل الوسادة و أعطتها إياه قائلة بثقة و دون تردد:
- أنا حامل .
يتبع
الفصل الرابع عشر من هنا
روايات شيقة
رواية مابين الحب والحرمان الفصل الرابع عشر 14 - بقلم ولاء رفعت علي
ذهب معتصم إلي والدته بعدما تأكد من أن ليلة تغط في نوم عميق بعد يوم طويل من العمل فهي الآن تقوم بمهام عايدة التي أصبحت حامل و لم تستطع القيام بعمل أي أعمال منزلية شاقة من الممكن أن تضر بحملها و ربما هذا حديث نفيسة التي تتمسك بحفيدها و كأنه عوضاً عن إبنها الذي فقدته.
جلست مع ولدها لتخبره بهذا الأمر الهام و هو حمل زوجة أخيه المتوفي، سألها بعدم فهم :
- طيب يا أمي و أعملها أي يعني، ربنا يكملها علي خير عايزة أي أنتي مني مش فاهم؟
أبتلعت ريقها و خشيت من ردة فعل إبنها بعدما تخبره بطلبها :
- عايزاك تتجوزها بعد ما تقوم بالسلامة.
صاح بغضب كالوحش الكاسر :
- نعم بتقولي ايه!، أنتِ أكيد بتهزري إستحالة.
- يابني أسمعني بس قبل ما تقرر، هي لو كانت لوحدها مكنتش هطلب منك الطلب ده و هقول تروح تتجوز أي حد، لكن دي شايلة حتة من أخوك.
أنتصب شعر جسده عندما أدرك ما تقصده والدته:
- قصدك حامل؟
أومأت له و قالت:
- أيوه لسه عارفة إمبارح، ما تعرفش أنا فرحت قد أي قولت سبحان الله، ربنا ليه حكمة بأن يرزقنا بحته من جلال الله يرحمه.
نهض معتصم و ولي ظهره إلي والدته و أخبرها:
- معلش يا أمي أطلبي مني أي حاجة ما عدا موضوع جوازي من عايدة، أنا بحب ليلة و ما أقدرش أخونها.
نهضت و وضعت يدها علي كتفه و قالت:
- خيانة ايه يابني كفي الله الشر، ده جواز علي سنة الله و رسوله.
ألتفت إليها قائلاً:
- يا أمي أرجوكي ما تضغطيش عليا أكتر من كدة.
- ماشي يابني، عموماً أنا بقولك فكر من هنا لحد ما تقوم هي بالسلامة يعني قدامك تسع شهور و لما تخلف و تربعن تكتب عليها.
جز علي أسنانه يكبت غضبه حتي لا يصدر منه فعلاً أو قولاً نحو والدته يندم عليه لاحقاً، فأطلق زفرة و كأنها لهيب مستعر ثم ذهب من أمامها و بالطبع هناك زوج من العيون المليئة بالخبث و الشر تراقب و تسترق السمع من خلف باب غرفتها.
ـــــــــــــــــــــــ
و في صباح اليوم التالي، أستيقظت ليلة علي صوت زوجها و هو يصيح بغضب و يتحدث في هاتفه:
- إزاي ده يحصل من غير حتي يبلغني و لا هم فاكرين نفسهم ايه!
الطرف الأخر في المكالمة:
- أهدي يا صاحبي و بطل زعيق أنت عارف و أنا عارف إنهم ممكن يمشونا في أي وقت من زمان و خصوصاً عشان بنقبض بالعمله الصعبة.
رد معتصم و صدره يضيق و يشعر بالإختناق:
- طيب خلاص يدوني باقي فلوسي و أنا مش عايز من وشهم حاجة، و بلغ الشيخ عبدالله أن خلاص مش راجع و باقي فلوسي و أتعابي يبعتهم لي في حوالة، يلا سلام.
زفر بحدة و ألقي بهاتفه علي الأريكة فجميع المصائب تتوالي فوق رأسه الأولي طلب والدته بأن يتزوج أرملة أخيه التي يمقتها و يكرهها بشدة و ها هو قد خسر عمله في الخارج و أصبح بلا عمل.
أقتربت منه ليلة و سألته بإهتمام:
- مالك يا حبيبي فيه حاجة حصلت في شغلك؟
حاول رسم إبتسامة علي شفتيه فلا يريد أن يشاركها أحزانه يكفيها ما رأته من حزن في الماضي، ربت عليها بحنان و قال لها:
- مفيش يا حبيبتي، شوية مشاكل كده في الشغل.
نظرت إليه بحب و حنان و قالت:
- معتصم لو محتاج أي حاجة أنا دهبي تحت أمرك.
ألتفت إليها و ظل يرمقها لثوان بسعادة فها هي تعرض عليه المساعدة دون أن يطلب منها ذلك، أمسك بيدها و قام بتقبيل باطن كفها و قال:
- ربنا يخليكي ليا و ما يحرمنيش منك يا روح قلب معتصم.
ثم عانقها بحنان و حب فأخذت تربت عليه و قالت:
- و لا يحرمني منك أبداً يا حبيبي.
أغمض عينيه و يتذكر طلب والدته بالزواج عليها، كيف يفعل بها ذلك!
ـــــــــــــــــــ
و في المساء كان شارداً في الأمر الذي يشغله و ينظر نحو سرب الطيور المُحلق في السماء فيبدو أكثر حرية منه، و قاطع شروده يد تربت عليه بحنانها الغادق دوماً فألتفت إليها قائلاً:
- تعالي يا أمي.
و أشار إليها لكي تجلس بجواره فقالت له:
- أنت زعلان مني يا بني؟
نظر إليها و أمسك بيدها:
- عمري ما أزعل منك يا أمي مهما حصل، لكن اللي أنتِ طلباه مني صعب أوي أوي عليا، أنا فاهم و مقدر مشاعرك، و بعدين ما هي كده أو كده هي قاعدة معاكِ عشان ملهاش غيرنا و إبن أخويا يبقي زي إبني يشرف بس و يجي بالسلامة و أنا و الله ما هقصر معاه أبداً، ده هيبقي الغالي إبن الغالي الله يرحمه.
ربتت عليه و ما زالت تُصر علي رأيها:
- عارفة من غير ما تحلف، بس برضو ريح قلب أمك، أنت خلاص أهو قاعد و مفيش شغل و لا سفر فبالتالي ما ينفعش تدخل و تطلع عليا و مرات أخوك قاعدة معايا و هي من غير راجل يرضيك حد يقول عليها كلمة كدة و لا كدة!
نهض و هم بالذهاب و الشياطين تتراقص أمام عينيه فسألته:
- قايم رايح فين؟
زفر بتأفف و أجاب:
- نازل هاقعد علي القهوة مع أصحابي.
و قبل أن تتفوه بكلمة تركها مسرعاً و ذهب.
و علي المقهي رأي حبشي يلقي مكعب الزهر علي القطعة الخشبية و يقهقه قائلاً:
- ها آو تالت دور و غلبتك يلا حاسب علي المشاريب يا حلو.
رد الشاب الأخر:
- طب و ربنا حاسس إنك بتخُم، لاء يا عم مش هحاسب، حاسب أنت علي مشاريبك و أنا هحاسب علي مشاريبي.
قبض حبشي علي تلابيب قميصه و أخبره بصوته الغليظ:
- ما تطلع راجل قد كلامك يالاه و أدفع بدل و عليا الطلاق لـ...
قاطعه معتصم الذي حضر للتو و أمسكه من يده قائلاً:
- جري إيه يا أبو نسب مش لاقي غير الولاه حمدي اللي بيموت علي الجنيه زيك و تلاعبه علي المشاريب! ، أنا اللي هادفع إهدي بقي.
قام الأخر بدفع ذلك الحمدي من ذراعه:
- قوم يالاه من هنا و قعد سيدك معتصم.
إبتسم معتصم رغماً عنه و جلس و أطلق تنهيدة فسأله حبشي:
- مالك أختي منكدة عليك و لا إيه؟، و لا موت المرحوم أخوك لسه مأثر عليك.
رمقه بإمتعاض و قال:
- مفيش، سيبك مني أنا دلوقت إلا قولي يا حبشي، هو أنت ما بتجيش ليه تسأل علي أختك، و قبل ما ترد بإجابات ملهاش لازمة و عارف وراها إيه، إحنا مش عايزين منك حاجة بس موضوع قلة سؤالك علي أختك و كأنك ما صدقت تخلص منها ده مأثر علي نفسيتها و اللي يزعل ليلة كأنه زعلني بالظبط.
حك الأخر ذقنه و قام بقلب الأمر من الجدية إلي المزاح الساخر قائلاً:
- أختي علي طول نكدية و أنت شكلك كده طري معاها ما تنشف يا صاحبي و بطل خيابة و أسترجل شوية أجيب لك بيريل و لا تاخد لك سوجارة؟
نهض معتصم و رمقه بإزدراء:
- تصدق بالله أنت الكلام معاك خسارة و مضيعة للوقت و هقولك علي حاجة البيريل دي تشربها أنت يمكن ترفع عندك هرمونات الرجولة و لا اه صح نسيت إنك معفن و نتن مش هاتقدر تشتريها.
تركه و ذهب قاصداً العودة إلي أحضان زوجته، فكلما ضاق به الحال ذرعاً يذهب و يرتمي علي صدرها لعله يهدأ و يصبح في حال أفضل، لكن أحياناً يقدم لنا القدر ما يشرح صدورنا و ييسر لنا أمرنا.
و قبل أن يصعد إلي ليلة قامت والدته بمناداته:
- معتصم تعالي يا بني عايزاك دقيقة.
ولج إليها و قال لها:
- نعم يا أمي.
- المحلات تحت مقفولة عايزة تتوضب و أفتح لك المشروع اللي يناسبك، هتلاقي أوراق الترخيص و الكهربا و الميه عندك في الأوضة جوة.
أومأ لها قائلاً:
- حاضر يا أمي، بس بعدين بقي.
- يا بني ريحني و أعمل اللي بقولك عليه و لا أنت متكل علي القرشين اللي حيلتك تقعد تصرف فيهم لحد ما يخلصو!
رمقها بإمتعاض ثم نهض:
- حاضر.
و ذهب علي مضض و ولج إلي داخل غرفته فتح الخزانة و أخذ يبحث عن تلك الأوراق فأنتبه إلي عدة ملفات لنتائج تحاليل طبية، قام بفتح إحداها فوجد إسم شقيقه و تقرير بالإنجليزية لم يفقه منه شيئاً، حتي وقعت عيناه علي ورقة مُرفقة بها إسم الطبيب و ضرب الشك صدره عندما رأي تخصص الطبيب أسفل إسمه، أخذ تقارير النتائج و عقد العزم علي معرفة شيئاً ما و إذا أصبح شكه يقيناً فسيجعل الدنيا تنقلب فوق رأس تلك الحرباء عايدة.
ــــــــــــــــــــ
تتلفت من حولها عندما وصلت إلي هذا المكان النائي لتقابله بعدما أرسل لها رسالة إنه يريد مقابلتها أم سيأتي لها في منزل عائلة زوجها و هذا كافي لجعل الخوف يدب في قلبها، تخشي أن ينكشف خداعها أمامهم لا سيما بعدما أقتربت من غايتها و هو الزواج من معتصم.
- عايز ايه يا زفت عمال تبعت لي في رسايل و تتصل.
أقترب منها و بإبتسامة شيطانية أخبرها:
- خايفة لأكشف حقيقتك لمعتصم أخو جوزك المرحوم!
أتسعت عيناها فأردف موضحاً لها:
- أنتِ فكراني مغفل و معرفش أنتِ مين!، أنتِ لما مشيتي من عندي أول مرة نزلت وراكي و شوفتك قبل ما تدخلي البيت بتقلعي النقاب ده غير لما حضرت عزا جوزك الله يرحمه و يبشبش الطوبة اللي تحت راسه اللي سبحان الله بقدرة قادر طلع أخو معتصم اللي كنتي بتقولي إنه كان متجوزك اللي هو إزاي يعني، فطبيعي فقست الحوار.
أنقضت عليه و قبضت علي تلابيب قميصه تحذره من بين أسنانها:
- إسمع ياض أنت و ربنا لو نطقت بحرف لأقول لمعتصم علي أنك بتشاغل مراته و بتجري وراها و يا سلام أخوها لو عرف هيمسكوك و يقطعوك حتت و يرموك للكلاب خاصة بعد ما أعرف معتصم اللي عملته فيا اليوم إيـ...
صمتت حتي لا يفتضح أمرها و ما تخبأه علي معتصم و والدته إذا علموا بأمر علاقتها بعمار و إغتصابه لها.
- سكتي ليه إيه اللي عملته فيكي!
تهربت من النظر إليه و أجابت:
- قصدي يعني تهديدك ليا، بقولك إيه إبعد عني بقي أنا دلوقت واحدة أرملة و بخاف علي سُمعتي.
خفقات قلبها كانت تتزايد لكن بدأت تهدأ عندما أيقنت من سؤاله بعدم تذكره لأمر إعتداءه عليها.
ضحك بسخرية و أخبرها:
- أنا كده فهمت، أنتِ عينك من معتصم و كنتِ عايزة تزيحي ليلة من قدامك و تخليه يطلقها بعد ما يعرف علاقتي بيها و طبعاً دلوقتي موت جوزك حل ليكي المشكلة عشان كده واقفة قدامي و بقلب جامد تقولي لي أبعد عنك عشان سُمعتك!، طب بصي بقي أنا يا قاتل يا مقتول تتصرفي و تتشقلبي تخلي معتصم يطلقها و في نفس الوقت تشخللي جيبك و عايز 100ألف جنيه.
صاحت في وجهه:
- نعم يا أخويا!، ميت عفريت لما يلهفوك، مش هديلك حاجة و غور بقي بدل ما ألبسك مصيبة.
قبض علي رسغها:
- العفاريت دي اللي هطلعها عليكي لما أفضحك في الحارة و أقولهم علي أتفقنا و لا هيهمني و ساعتها هيطردوكي طردة الكلاب في الشارع، فياريت تسمعي الكلام زي الشاطرة و في خلال أسبوع ألاقيكي عندي و معاكي المبلغ.
ـــــــــــــــــــــــــــــ
- أنا نازلة هاروح عند أخويا أشوف العيال و هدي عشان وحشوني أوي.
قالتها ليلة له فأجاب الأخر:
- أستني هانزل أوصلك.
ذهب معها و قام بإيصالها ثم ذهب إلي الطبيب الذي أخبره ما هو مدون في التقارير الطبية:
- أستاذ جلال الله يرحمه كان بيتعالج بقاله سنتين بس للأسف كل محاولات العلاج فشلت و النتايج الأخيرة كلها بتقول إستحالة إنه يخلف.
و بعدما غادر من العيادة عاد إلي المنزل و عند وصوله أمام شقة والدته وجد عايدة تقف تنتظره:
- أنا عايزاك في موضوع مهم.
رد بسخرية:
- يا تري ها تقولي لي اللي في بطنك ده يبقي إبن مين؟ و لا لعبة جديدة هتلعبيها عليا من ألاعيبك القذرة !
لم تنظر إلي عينيه مباشرة تخشي أن يدرك خداعها و أكاذيبها فقررت أن تشغله بإخباره عن عامر و علاقته بالليلة:
- المرة دي بجد مش لعبة، و يلا قبل ما أمك ما ترجع من برة، لأن اللي هاقوله لك ماينفعش حد يسمعه غيرك لأنه يمس سمعة مراتك.
أمسك ذراعها بعنف و صاح بها:
- بت أنتِ أقسم بالله لو جبتِ سيرة مراتي تاني و ألفتي لها مصايب لأفضحك و أفضح وساختك و هقول لأمي إن اللي في بطنك مش إبن أخويا لأن جلال الله يرحمه كان عنده مشكلة و بيتعالج منها و للأسف التحاليل كلها اللي عملها بتقول إستحالة إنه يخلف.
أبتلعت ريقها و أرتدت قناع الجمود و أرادات أن تقلب الطاولة فوق رأسه فألقت عليه تلك القنبلة الموقوتة لتنفجر في وجهه:
- أخوك الله يرحمه مكنش بيخلف و داريت عليه عشان ما يبقاش مكسور قدامكم، و فعلاً اللي في بطني ده مش إبنه.
رمقته بجرأة سافرة و أردفت:
- يبقي إبنك.
نهض و أنقض عليها كالوحش حيث أمسكها من ذراعها بعنف:
- أنتِ بتخرفي بتقولي ايه، أقسم بالله الهبل ده لو كررتيه تاني مش هقولك أنا وقتها ممكن اعمل فيكي إيه.
- أهدي كده و أسمعني، هتتكلم كلمة عليا هاتبلي عليك و أقولهم أنا كنت قاعدة لوحدي و أنت أتهجمت عليا و أعتديت عليا تحت التهديد و أنا عشان بنت أصول خوفت لأحكي لأخوك و يحصل فتنه ما بينكم و حد فيكم يقتل التاني.
حاول إستيعاب ما ألقته عليه و ود إقتلاع لسانها و التخلص منها، أخذ يهذي بكلمات غير مسموعة حتي صاح في وجهها و أشار لها بأصبعه قائلاً لها بثقة و قوة:
- كدابة و سافلة و حقيرة، يخربيتك ده أنتِ شيطانة.
و قبل أن تتفوه بحرف دخلت والدته تنظر إليهما بتعجب:
- في أي يا معتصم أنت و عايدة صوتكم عالي كده ليه؟
تصنعت عايدة البكاء و أخبرتها بزيف:
- شوفتي يا خالتي، معتصم جاي يقولي أنتي خلاص ملكيش مكان بينا و روحي أقعدي مع قرايبك و أنا و مراتي هانقعد مع أمي.
أتسعت عيناه غير مصدق لما تقوله تلك الحرباء فقالت له والدته:
- صحيح الكلام ده يابني! ، أخص عليك ده أنا لسه كنت بوصيك عليها، طب كنت أعمل خاطر حتي لأخوك الله يرحمه و ابنه اللي في بطنها.
رمق معتصم عايدة بتوعد فبادلته الأخري بنظرة إنتصار و خبث أفعي ماهرة.
- أنتِ بتصدقيها و تيجي عليا عشانها، ماشي يا ماه خليكي فاكرة.
قالها و ترك لهما المنزل و غادر، بينما عايدة كانت تقول بداخل عقلها:
- أنت لسه شوفت حاجه إما جننتك ما بقاش أنا عايدة، و برضو في الأخر هاتبقي ليا.
ــــــــــــــــــ
تقف ليلة أمام الخزانة في حيرة تمسك بثوب و تضعه عليه ثم تهز رأسها بالرفض ثم تعلق الثوب في مكانه داخل الخزانة مرة أخري، و كان معتصن يجلس علي الكرسي شارداً و ينفث دخان سيجارته، يفكر في كلمات عايدة و مكائدها أو الكارثة التي أخبرته و الذي يخبره حدسه إنه عليه التحري في هذا الأمر و يثبت كذبها بالدليل و البرهان.
- حبيبي ايه رأيك في الفستان ده؟
سألته ليلة و وجدته ما زال شارداً و غير منتبه إليها فأعادت السؤال عليه مرة أخري:
- معتصم، إيه رأيك في الفستان ده؟
نظر إليها و هز رأسه بنعم دون أن يجيب عليها، تركت ما بيدها جانباً و أقتربت منه تسأله:
- مالك يا حبيبي في إيه؟
أنتبه إليها و ظل ينظر إليها لثوان ثم أجاب:
- مفيش يا حبيبتي، خلاص جهزتي هدومك اللي هتلبسيها ؟
لكزته بخفة في كتفه قائلة:
- أومال أنا عمالة أقولك إيه من الصبح، بص بقي أنا هاستني مرات أخويا هاتعدي عليا و هانروح مع بعض.
- ماشي بس أنا هوصلكم و حاجة تانية.
نظرت إليه و منتظرة ما سيخبرها به فقال:
- تلبسي فستان واسع و محترم و ممنوع تحطي نقطة مكياچ في وشك يا إما كده يا إما مفيش فرح.
أبتسمت و حاوطت عنقه بذراعيها تسأله بدلال:
- بتغير عليا يا حبيبي؟
أمسك بيدها و قام بتقبيل باطن كفها:
- اه طبعاً،هو أنا ليا مين غيرك أغير عليه!، مبسوطة يا ليلة؟
- طبعاً مبسوطة طول ما أنت معايا.
صمتت لثوان و رمقته بجدية و سألته:
- بتحبني يا معتصم؟
أجاب من أعماق قلبه:
- كلمة حب دي مش كفاية،ده أنا أنا بعشقك .
و أختم جملته بقبلة قوية لعله يشتت عقله من التفكير في كل ما حدث اليوم.
و بعد دقائق فصلت القُبلة قائلة:
- هاروح بقي ألحق ألبس عشان ما أتأخرش و هدي تزعل مني، ده فرح بنت خالتها.
ابتسم بمكر و ذهب ليغلق باب الغرفة بالمفتاح و قال لها:
- كلمي مرات أخوكي و أعتذري لها.
- بطل هزار بقي و أفتح الباب دي كلها عشر دقايق و هلاقيها هنا.
فاجئها بجذبها بين ذراعيه و عانقها قائلاً:
- و أنا مش بهزر، أنتِ وحشاني أوي.
و ألتقم شفتيها في قبلة جنونية حتي قاطعه هاتفها بإتصال وارد، أمسك بالهاتف و أجاب بدلاً منها:
- الو يا أم محمد، معلش ليلة تعبت فجاءة فخدت مسكن و نامت، معلش بقي مش هاتقدر تيجي الفرح
......
- حاضر عينيا، مع السلامة.
و بعد أن أنهي المكالمة صاحت به ليلة:
- إيه اللي أنت عملته ده، هدي مش هبلة و زمانها هاتزعل مني.
أقترب منها و عانقها مرة أخري ثم قال بنبرة مليئة بالشوق و اللهفة:
- يعني خايفة علي زعل مرات أخوكي و مش همك جوزك حبيبك المشتاق ليكِ!
- أبداً و الله يا حبيبي، بس....
قاطعها قائلاً:
- مفيش بس و ركزي معايا.
سألته ببلاهة:
- أركز في إيه.
- هقولك دلوقت.
و ألتقم شفتيها مرة أخري في قبلة عميقة تلاها عناق و لمسات و همسات شوق عارم فوق فراش العشق الوردي.
ـــــــــــــــــــ
و في يوم آخر ذهب إلي مركز تحاليل و الذي يوجد به معمل خاص لعمل تحليل الـ DNA.
أقترب من موظف الإستقبال و سأله:
- لو سمحت عايز أسأل عن عمل التحليل الوراثي أنا مش عارف إسمه أي بالظبط.
رد الموظف:
- تحليل DNA يا فندم.
أشار له قائلاً:
- أيوه هو ده اللي بتقول عليه، هو أنا عايز أعمله لجنين لسه عمره حوالي شهر أو شهر و نص في بطن أمه.
أنتبهت له فتاة يبدو إنها مساعدة فأخبرته:
- ما ينفعش يا فندم لازم يكون مر شهرين علي الحمل أقل حاجة و بناخد من الأم عينة دم بنقدر من خلالها نعمل التحليل.
أومأ لها و قال:
- شكراً لحضرتك.
- العفو يا فندم.
غادر المكان و يشعر بالإختناق فهل سيظل عشرون يوماً في هذا التفكير الحارق للأعصاب، و بين رؤية تلك الأفعي أمامه طوال الوقت و سعيها أن تكون له بأي ثمن!
عاد إلي المنزل و قبل أن يصعد إلي شقته سمع نداء والدته له:
- معتصم ، تعالي يا بني.
دلف إليها و جلس أمامها:
- نعم يا أمي.
- فكرت في اللي قولت لك فيه يا ضنايا، دي وليه غلبانه و بعدين شايلة حته من أخوك و جوازك منها هتحافظ عليها و اللي في بطنها هيتربي وسطنا و تحت عنينا، أحسن ما تروح تتجوز واحد غريب و هو اللي يربي ابن أخوك و يا عالم هيربيه إزاي و لا هيعامله حلو و لا وحش.
أطلق زفرة عميقة و هز رأسه و أخبرها:
- خلاص يا أمي اديني مهلة عشرين يوم و هارد عليكي.
سألته بإستفهام:
- اشمعنا عشرين يوم؟
أجاب و عيناه تنظر نحو الفراغ:
- لما يجي وقتها هابقي أقولك السبب.
ـــــــــــــــ
و لدي هدي و حبشي...
- حبشي أنا هاروح أطل علي أختك عشان أطمن عليها مقدرتش تيجي الفرح و جوزها قالي كانت تعبانة، مش ناوي تيجي معايا؟
رد بعدما نفث دخان سيجارته:
- هابقي اروح أعدي عليها أخر النهار و عشان عايز معتصم في مصلحة كدة.
أنتبهت إلي ما قاله و سألته:
- و ياتري إيه المصلحة دي يا أبو محمد؟
حك ذقنه و نظر بتمعن في الفراغ قائلاً:
- مصلحة في الجون لو أتقضت هانعدي الفلانكات.
غرت فاهها و قالت بتهكم و هي تعلم ما لديه من مخزون أموال :
- و أنت حيلتك حاجة يا اخويا عشان تعمل بيها مشروع و لا حتي مصلحه.
- ما هو اللي زيك أخره بيفكر في الأكل و الشرب و اللبس لكن تشغلي دماغك دي ازاي عمرك ما هاتعرفي، بصي يا ام مخ بطاطس أنا جاي لي مجموعة عربيات موديل من قيمة عشر سنين محتاجين شغل و صاحبهم مسافر و عايز يتصرف فيهم بس طالب سعر حراء شوية، فقولت ممكن أستلف مبلغ من جوز اختي و أول ما هاظبط العربيات و أبيعها بسعر حلو هاسدد الفلوس علي طول.
فسألته هدي بترقب:
- طب و اللي هاتكسبه هاتعمل بيه إيه؟
أنتبه لها و أجاب :
- ها! ، و أنتي مالك اعمل بيه إيه ، غوري يلا شوفي بتعملي أي و لا اقولك أنا اللي هاقوم اعمل خليني أروح اشوف أكل عيشي.
غادر المنزل فتأكدت إنه لم يعد حالياً و أطفالها نيام، ذهبت و جلبت سكين صغير و ركضت نحو المكان الذي يخبئ به أمواله و جلبت الصندوق الحديدي و قامت بفتحه عبر السكين، غرت فاهها و لم تصدق نفسها من كثرة المال:
- حرمنا و مجوعنا و مطلع عيننا و في الأخر طالع بتحوش كل ده طب و ربنا أنت اللي جبته لنفسك و تستاهل حسرتك عليهم.
نهضت و جلبت حقيبة صغيرة و وضعت بها الأموال كلها ثم أبدلت ثيابها و أيقظت أولادها و جعلتهم يبدلون ثيابهم،فسألتها صغيرتها:
- إحنا رايحين فين يا ماما؟
أجابت و هي تغلق سحاب سترة إبنها:
- هانهرب من قرف و بخل أبوكم، هيعيشكم و أجيب لكم كل اللي نفسكم فيه، يلا بسرعة نمشي من هنا قبل ما يرجع.
و غادرت المنزل عاقدة العزم علي الهروب من زوجها البخيل الظالم!
يتبع
الفصل الخامس عشر من هنا
روايات شيقة
رواية مابين الحب والحرمان الفصل الخامس عشر 15 - بقلم ولاء رفعت علي
كانت ليلة تبحث عن معتصم في المنزل فـ لم تجده لكنها أنتبهت إلي صوت رنين هاتفه، ذهبت لرؤيته فوجدته أعلي منضدة الطعام، أخذته و وجدتها إنها رسالة واردة من تطبيق الدردشة الشهير ، ترددت في فتحها ثم بالنهاية قامت بفتحها و قراءة فحواها:
( معتصم حبيبي أنا سوزي حبيبتك اه يا قاسي ناسيني كل ده و نسيت ليالينا و لا خلاص أتجوزت و نسيتني أخص عليك ) و بأسفل الرسالة صور لسيدة ترتدي ثياب فاضحة.
أتسعت عينيها و ما لحقت أن تستوعب ما قرأته و رأته حتي وجدت طرق علي الباب بشدة و يتبعه رنين جرس المنزل، ذهبت لتري من هذا الطارق الذي أفزعها، وجدته شقيقها و عيناه يتطاير منها الشر و نيران مشتعلة يصيح بصوت مخيف:
- هي فين؟
شعرت ليلة بالفزع حينما رأت شقيقها في تلك الهيئة المخيفة و لم يمهلها فدفعها إلي الداخل و أزاحها عن طريقه ثم أخذ يبحث عن زوجته و يصيح بغضب عارم:
- هي فين ؟، و ربنا لأقطع جتتها حتت و أرميها للكلاب الحرامية بنت الـ...
أشارت له بيديها و قالت:
- أهدي بس يا حبشي و فهمني فيه إيه .
قبض علي تلابيب منامتها و صاح بها:
- أنتي هاتعمليهم عليا يا روح خالتك!، يعني مش عارفه الواطية هدي راحت سرقت فلوسي و هربت بيهم و شكلكم متفقين و مدبرينها مع بعض.
صرخت به و تدفع يده عن تلابيبها :
- متفقين علي إيه يخربيتك، أنا و ربنا ما شوفت مراتك من وقت ما كنت عندكم آخر مرة .
زفر بغضب و أخبرها:
- الهانم خلتني بره و رجعت لاقيتها سرقت القرشين اللي كنت محوشهم للزمن و للعيال و كنت لسه بحكي لها عن مشروع هعمله و هناكل منه الشهد و كنت لسه هاجي لكم عشان أعرض الشراكه علي جوزك، أبص ألاقي الحلوة مقلباني و سرقت شقا عمري و تعب سنين و ربنا ما هسيبها و يا ويلها و سواد ليلها.
رمقته ليلة بغضب فقالت له:
- يعني فضلت حارمني و حارم مراتك و عيالك عشان تحوش و تعمل مشاريع، تصدق بالله هي لو فعلاً سرقتهم يبقي حلال عليها هي بنت حلال و صبرت معاك كتير أوي.
كانت كلماتها كالنيران التي أقترب منها الوقود فأزدادت إشتعالاً ثار و جال فقبض علي ذراعيها:
- أنتي شمتانه فيا يا بنت الـ....
و كاد يصفعها لكن أوقفته يد معتصم الذي عاد للتو من الخارج قائلاً:
- أنا المرة اللي فاتت حذرتك إياك تمد إيدك علي مراتي و المرة دي جاي تتهجم عليها و في بيتي يا بجاحتك و وساختك يا أخي.
و سدد له لكمة قوية فتراجع و وقع علي الأرض تحت صرخة ليلة، اقترب معتصم منه و أمسك بتلابيبه و كاد يسدد له لكمة اخري فأوقفته ليلة بتوسل :
- لابلاش و النبي يا معتصم .
أشار له معتصم بإزدراء:
- إكراماً للنسب اللي ما بينا و عشان خاطر أختك هاكتفي بطردك من البيت لكن لو اللي حصل ده أتكرر تاني هاتكون بموتك المرة الجاية .
نهض حبشي بثقل و يمسك بخده المصاب و رمقهما شزراً و رحل، فأقترب معتصم من ليلة و سألها:
- أنتي كويسه؟
أومأت له فجذبها في عناق قوي و أخذ يربت عليها قائلاً :
- ما تخافيش طول ما أنا جمبك .
أبتعدت من بين ذراعيه رويداً و ذهبت لتأتي بهاتفه و قامت بوضعه أمام عينيه و سألته:
- مين سوزي دي ؟
ـــــــــــــــــــ
و بداخل حافلة متجهة إلي الأسكندرية كانت تجلس هدي بجوار النافذة و بجوارها ولديها فسألها إبنها:
- إحنا رايحين فين يا ماما ؟
ربتت علي رأسه و أخبرته:
- أنا رايحة عند خالتي في الإسكندرية هانقعد عندها هناك كتير و ها شتري لكم كل اللي أنتم عايزينه و نفسكم فيه.
فقالت لها إبنتها بصوتها الطفولي البرئ:
- يعني مش هانرجع بيتنا و نشوف بابا تاني.
رمقتها بحزن أليم فرغم ما يسدر منه ما زالت تحبه و لا تعلم ماذا ستفعل و تخشي أن يجدها و يفعل بها شئ، فتذكرت إنه لا يعلم أين تعيش خالتها فتنهدت و حمدت ربها.
ثم نظرت إلي صغيرتها و قالت لها:
- دلوقتي مش هاينفع، يمكن نرجع بعدين في وقت تاني، بس عايزاكم تعرفو أنا بحبكم أوي و عملت كده عشانكم.
ــــــــــــــــــــــ
تأوه عمار بشدة و هذا الشاب مفتول العضلات يلكمه بقوة في بطنه و يمسك به آخر من ذراعيه حتي لا يستطيع التحرك أو الفرار فقال رجل يجلس أمامهم يزفر دخان الأرجيلة قائلاً:
- أنت لما جيت لي أول مرة من قيمة شهر قولت شكلك راجل جدع و هتطلع قد المسئولية و هاتعرف تبيع البضاعة اللي معاك، لكن لأول مرة أتخدع في حد، قدامك بكرة و ترجع البضاعة و لو بعتها يكون الـ 200 ألف هنا علي التربيزة و برضو بكرة لإما هاتكون راسك اللي زي راس الحمار هي اللي علي التربيزة.
بالطبع لا يريد أن يخبره بأنه تم سرقة البضاعة منذ أيام، ألتقط أنفاسه بصعوبة و أخبره:
- أنت قولتي لي 100 ألف بس.
ضحك الرجل ذو الملامح الغليظة و قال:
- ده كان من أسبوع يا ننوس عين الحجة، لكن نعمل إيه بقي الأسعار كل يوم في العالي و الصنف اللي معاك مستورد يعني بنستورده بالدولار.
رد عمار و جسده قد تراخي بين يدي الذي يمسكه و الأخر يقف إستعداداً للكمه مرة أخري:
- كل اللي أقدر أدبره لك 100 ألف جنيه.
ترك الأخر عصا الأرجيلة أعلي المنضدة و نهض يقف أمامه يرمقه بتوعد و يخبره في آن واحد:
- لاء، هما 200 ألف و لو نقصو جنيه قول علي نفسك يا رحمن يا رحيم، شغالنتنا دي ما بتعرفش غير حاجتين فلوسك يا روحك.
ـــــــــــــــــــــ
- أقسم بالله ما أعرف واحدة بالأسم ده.
صاح بها معتصم إلي ليلة التي ترمقه بإمتعاض:
- يا سلام لو واحدة متعرفهاش هاتبعت لك صورها بقمصان النوم!
زفر بضيق و نفاذ صبر أخبرها:
- ما الصور مليانة النت و أقدر أطلع لك ألف صورة زيها، و لو خدتي بالك هتلاقيها هي بدأه المحادثة و أنا و لا رديت بحرف.
إبتسمت بسخرية و قالت:
- يا سلام علي أساس مش ممكن تقدر تمسح أي رسايل قديمة ما بينكم! ، أنا مش عيلة صغيرة يا معتصم عشان تضحك عليا بكلمتين.
أطلق زفرة و ظل يتمتم بالإستغفار ثم قال:
- و أنا مش كداب و لا بضحك عليكِ يا ليلة، بس واضح إنك مش واثقة فيا و ده موضوع تاني الحمدلله إن عرفته.
شعرت بالندم علي ما تفوهت به:
- بالعكس أنا واثقة فيك جداً، بس معنديش ثقة في اللي حواليك و شئ طبيعي أغير لما أشوف حاجة زي كده، حط نفسك مكاني.
- أيوه عليكِ نور، شوفتي كان عندي حق أتضايق لما شوفت الرسايل اللي كان بتتبعت لك من الواد الوسـ.... و أنا عشان بحبك و واثق فيكي صدقت دفاعك برغم لو راجل غيري و نروح بعيد ليه، ده لو واحد زي حبشي أخوكي كان زمانه موريكي النجوم في عز الضهر و ضرب و إهانة.
جزت علي شفتها السفلي بحنق و كان لكبريائها السيطرة عليها في هذا الموقف لذا قالت له:
- يعني بتعملها واحدة قصاد واحدة ماشي.
أشار لها بسبابته بتحذير:
- أحذري كلامك يا ليلة، أنتِ فعلا لو مش عيلة صغيرة زي ما بتقولي كنتِ فهمتي قصدي إيه من الأول، يا أستاذه يا متعلمة يا بتاعت الجامعة أنا كان قصدي ملخص الحوار كله إنك ماعندكيش ثقة فيا.
كان صوته مرتفعاً كفاية أن يصل إلي عايدة التي وقفت لدي النافذة المطلة علي المسقط و تبتسم بإنتصار و تمسك بهاتفها و أرسلت إلي عمار رسالة فحواها رقم الهاتف الجديد الخاص بلليلة.
ــــــــــــــــــــــــــ
يتمدد حبشي علي الفراش و يمسك بكيس ملئ بقطع الثلج يضعه علي كدمات وجهه:
- اه يا ناري لو أعرف خدتي الفلوس و هربتي علي فين و ديني ما أنا سايبك، هخليكي توطي تبوسي رجلي عشان أرحمك عن اللي هاعمله فيكي، بس ترجع لي الفلوس الأول.
طرق علي باب منزله فتأفف بضجر و قال:
- و ده مين الرذل اللي جاي في وقت شبه وشه.
نهض و ذهب ليفتح الباب:
- أتفضل يا حاج نصر.
قال الأخر بضيق:
- أنا مش جاي أتضايف ياسطا حبشي، أنا جاي لك أخد إيجار الورشة المكسور عليك بقالك خمس شهور و كل مرة تقولي لما ربنا يفرجها و تطلع لي بمليون حجه.
تمتم الأخر بصوت غير مسموع:
- هي المصايب كلها بتيجي مرة واحدة فوق دماغي ليه كده.
أنتبه علي صياح الرجل:
- بقولك إيه فيه واحد هيأجرها و هايدفع أضعاف الملاليم اللي مش قادر تدفعهالي.
بادله حبشي الصياح بصوت جهوري:
- اه قول كده بقي، عايز من الأخر تطفشني، لاء يا عم الحاج بيني و بينك عقد تلات سنين فات منهم سنه و نص و لسه فاضل زيهم كمان.
- ما أنت بقالك كام شهر ما بتدفعش عايزني أعملك إيه!، عندي عيال بتتجهز و محتاجين لكل قرش.
لم يتحمل حبشي و قال له:
- و أنا كنت هدفعلك بالليل و أديك شايف اللي في وشي، شوية عيال ولاد حرام طلعو عليا و قلبوني، قولي هادفع لك منين دلوقت ده حتي الولية و العيال بعتهم علي حماتي عشان معيش فلوس أجيب لهم أكل و أنت جاي تكمل عليا.
عقد الأخر حاجبيه و رمقه بإزدراء قائلاً:
- عيب عليك لما تكذب و تعمل عليا حوار عشان تصعب عليا، إزاي معكش فلوس و مراتك و عيالك سافرو في السوبر چيت اللي رايح إسكندرية الواد زيزو إبني لسه شايفهم من قيمة كام ساعة في الموقف.
أنتبهت كل حواسه إلي ما وصل إلي مسامعه فسأله للتأكيد:
- أنت قولت سافرت فين؟
أجاب الرجل بتهكم:
- شوفت أنت إزاي كداب و بتاع حوارات، بقولك إبني شافها هي و عيالك بيركبو السوبر چيت اللي رايح إسكندرية.
دفع الرجل من أمامه و ركض إلي الخارج مما أثار غضب الأخر الذي صاح بتوعد:
- بتزوقني يا حبشي، طب و ربنا لأفضي لك المخروبة بتاعتك و أطردك منها أنت و حبة الخردة بتاعتك.
ـــــــــــــــــــــــ
أصبحت بمفردها بعدما ترك لها المنزل و غادر قبل أن يحتدم بينهما العراك أكثر من ذلك، بينما هي ما زالت تبكي كلما تتذكر حديثه و معايرته لها.
صدح رنين هاتفها فقالت قبل أن تري هوية المتصل:
- ياسلام!، تتخانق معايا و تبهدلني و تيجي في الأخر تكلمني في التليفون طب شوف مين اللي هاترد عليك.
و بعدما أنتهي الرنين تكرر مرة أخري فأردفت:
- طب إيه رأيك هكنسل في وشك.
و عندما أمسكت بالهاتف رأت رقم غير مسجل، داهمها شعور غريب، تكرر الرنين للمرة الثالثة ترددت في الإجابة و بالنهاية قامت بالرد:
- الو.
جاء لها صوته ذو النبرة الذي يشوبها التهديد:
- إيه يا لولا غيرتي رقمك عشان معرفش أوصلك، غلبانه أوي.
و أطلق ضحكة فصاحت بغضب و الخوف يسيطر عليها:
- أنت معندكش دم و لا كرامة، عايز مني إيه يا عمار!
- 100 ألف جنيه.
- أنا ما بهزرش و إياك تتصل بيا تانـ....
قاطعها قائلاً:
- و أنا ما بهزرش، أنا فعلا محتاج الـ 100 ألف ضروري.
صمت لثوان و أردف بنبرة رجاء حتي ينال عطفها:
- أنا و الله مش بكدب عليكي، أنا فعلاً محتاجهم ضروري خلال 24 ساعة يا لدفع يا رقبتي.
شهقت و وضعت كفها علي فمها ثم سألته:
- أنت ورطت نفسك في إيه المرة دي!، و بعدين هجيب لك المبلغ ده منين أنا معيش فلوس.
- بس جوزك معاه و ماشاء الله كان شغال كام سنة بره، أنا هاخدهم منك علي سبيل السلف و هابقي أرجعهم لك تاني، قولي له إن مرات أخوكي محتاجه المبلغ ده أو أخترعي له أي حوار بس بالله عليك ضروري محتاجهم.
كانت في تردد أن تنهي المكالمة علي الفور لكن هنا تغلبت العاطفة لديها علي عقلبها كما يخبرها قلبها بأن حديثه صحيحاً و بالفعل هو في مأزق و خطر إذا لم تقم بمساعدته، أطلقت زفرة عميقة و أنتبهت إلي ندائه عليها في الهاتف:
- ليلة، يا ليلة.
أجابت:
- معاك، بص أنا هاتصرف و ربنا يستر بس أقسم بالله لو طلع حوار نصب و إشتغالة أنا بنفسي اللي هاطلع روحك في أيدي، و ياريت بعد ما يخلص حوارك ده ما شوفش وشك تاني و لا رقمك علي الموبايل عندي.
أنتبهت إلي صوت رنين جرس المنزل فأخبرت الأخر بهمس:
- الفلوس هاتكون عندك بكرة الصبح سلام.
و أنهت المكالمة علي الفور و قلبها يخفق بشدة، خرجت و ظنت معتصم من جاء لكنها وجدت والدته تقول لها:
- أزيك يا حبيبتي.
و كانت تبتسم لها علي غير عادتها، أشارت لها ليلة للدخول:
- أتفضلي يا خالتي.
ولجت إلي الداخل و قالت:
- أنا عارفة إن معتصم مش هنا، كنت في البلكونة و شوفته رايح ناحية القهوة قولت ما أطلع و أقعد معاكِ حبة، أفضفض شوية و عايزاكِ في موضوع كدة.
إبتسمت ليلة و سألتها:
- خير يا خالتي أنا تحت أمرك.
- ما يأمرش عليكِ عدو أبداً يا حبيبتي، أنا عارفة إنك شايلة مني من أول الجواز لحد ما مات جلال إبني الله يرحمه، معلش بقي أعتبريها غيرة حماه علي إبنها بس الحمدلله دلوقت ربنا يعلم أنا بحبك قد إيه و بعتبرك بنتي اللي مخلفتهاش.
- تسلمي يا خالتي.
ردت ليلة بإقتضاب و بشبه إبتسامة لأن لديها شعور أن هذا الحديث من المؤكد خلفه أمر آخر.
- تسلمي يا حبيبتي، أنا كنت عايزة أخد رأيك في موضوع و أنا عرفاكِ عقلة و ماشاء الله عليكِ متعلمة و بنت أصول، بصي فيه واحدة جارتنا كان عندها ولدين اللهم بارك رجالة قد الدنيا و الأتنين متجوزين واحد منهم الله يرحمه و التاني ربنا يبارك لها فيه، أرملة إبنها اللي توفي طلعت حامل و جارتي خايفة إن مرات إبنها بعد ما تقوم بالسلامة تروح تتجوز و تاخد الواد يتربي عند واحد غريب الله أعلم هايعمله إزاي، فهي فكرت إنها تلم الشمل و هي إنها تجوز مرات إبنها اللي مات لأخوه هو أولي بتربيته و كمان في مقام أبوه.
كانت تستمع ليلة إليها بتمعن و عندما أدركت ما ترمي إليه تلك السيدة أتسعت عيناها و وقفت بصوت هادر:
- يخربيتك عايزة جوزي يتجوز عايدة الحرباية!
نهضت و أمسكت يدها برفق:
- إهدي و إسمعيني بس يا بنتي....
نفضت يد الأخري عن يدها:
- بنتك إيه بس يا شيخة، ده أنا من ساعة ما دخلت البيت ده و أنتِ مش طيقاني و أستحملت كتير عشان خاطر إبنك و قولت يا بت عدي و أسكتي يمكن مع الوقت تحبك و تعتبرك زي بنتها و لما حسيت منك بكده بقالي فترة مكنش حب أتاريكي بتنيمني في العسل عشان تديني الخازوق المتين و تجوزي إبنك لعايدة حبيبتك و مش مهم أنا أتحرق و لا أولع بجاز، روحي يا شيخة حسبي الله و نعم الوكيل فيكِ.
و في تلك اللحظة أتي صوت آخر يصيح بإسمها بنبرة تنذر أن هناك كارثة علي وشك الحدوث:
- ليلة.
يتبع
الفصل السادس عشر من هنا
روايات شيقة
الفصل السادس عشر
و في تلك اللحظة أتي صوت آخر يصيح بإسمها بنبرة تنذر أن هناك كارثة علي وشك الحدوث:
- ليلة.
استدارت إليه رأت الغضب ينضح من عينيه يسألها:
- إيه اللي أنا سمعته ده؟
أقتربت منه و بحلقها غصة عالقة، أجابت بتحدي و كبرياء:
- زي ما سمعت بالظبط، بحسبن علي أمك عشان عايزه تخرب بيتي.
أشار إليها نحو والدته قائلاً لها بأمر:
- أتأسفِ لها.
هنا لم تتحمل، أمامها أن تبكي أو تتصنع القوة و هي تكره أن يري أحداً عبراتها، أجابت بصوت مرتفع:
- لاء يا معتصم مش هتأسف، أنا معملتلهاش حاجة، هي اللي جاية لحد عندي و بتقولي عايزة تجوزك لعايدة.
ظل يرمقها بتلك النظرة المخيفة و المليئة بالغضب الجامح، هدر من بين أسنانه و كأنه يُقيد شيطانه:
- أعتذري يا ليلة و أحذري غضبي.
أجابت بنبرة أكثر إرتفاعاً عن سابقتها و بسخط:
- و أنا بقولك لاء و ألف لاء، أنا قبل كده أعتذرت عشان كان موقف سهل أعديه لكن المرة دي مش هعديه.
تدخلت نفيسة قائلة:
- يا بنتي هو أنتِ شوفتيني جبت المأذون و جوزتهم!، أنا كنت باخد رأيك و...
- خلاص يا أمي.
قاطع والدته و نظر إليها ثم عاد ببصره إلي ليلة و تحدث بجدية و حسم:
- هي أمي غلطانة فعلاً، بس غلطها إنها بتاخد رأيك، و ده مش إختيار ده أمر مفروغ منه.
أبتلعت ليلة غُصتها المريرة كالعلقم و سألته:
- يعني إيه؟
مازالت نظرته تحتفظ بالجدية و يخبرها بقراره:
- يعني أنا هاتجوز عايدة بعد ما تقوم بالسلامة.
غرت والدته فاهها و نظرت إليه فرمقها إبنها بتحذير، بينما ليلة صاحت و جالت:
- أنت واحد كداب و خاين و إبن أمك.
- أخرسي.
هوي بكفه علي خدها بصفعة جعلت والدته شهقت، تراجعت ليلة غير مصدقة إنه صفعها و يرمقها دون أي نظرة ندم لما أقترفه للتو.
- طلقني.
صاحت بها فأجاب برفض قاطع:
- مفيش طلاق.
أجهشت في البكاء رغماً عنها و صرخت:
- بقولك طلقني و لو مش هاطلقني أنا هاسيب لك البيت و هاروح لخالي و هو هيعرف يطلقني منك.
و كادت تذهب من أمامه أوقفها قابضاً علي ذراعها بقوة:
- و أنا بقولك مفيش طلاق و رجلك مش هاتخطي عتبة الشقة و لا أقولك.
جذبها خلفه بالقوة فتأوهت من قبضة يده، ذهبت خلفهما والدته:
- معتصم إهدي يا ضنايا مش كده، سيب إيدها.
توقف و قال لوالدته:
- لو سمحت يا أمي ما تدخليش، دي مراتي و أنا عارف بعمل إيه.
- كتر خيرك يابني أنا نازلة تحت.
تركتهما و غادرت و نعود إلي ليلة التي تحاول التملص من قبضته:
- أوعي سيبني، انا خلاص عرفتك علي حقيقتك، كلكم صنف واحد أنا بكرهكم.
ترك يدها و أجفلها بصياح أخافها و جعلها تتقهقر إلي الوراء:
- مش عايز أسمع نفس، كلمة تاني و هخليكي لا تتكلمي و لا تسمعي و لا حتي تشوفي، الظاهر دلعتك كتير و كان المفروض أسمع كلام أخوكي لما قالي دي ما بتجيش غير إنها تاخد علي دماغها بالجذمة.
تهز رأسها يميناً و يساراً برفض قائلة:
- و أنا مش هاسمح لك بكدة.
قفز نحوها كالفهد في وضع هجوم و سألها:
- وريني هاتعملي إيه.
رفعت وجهها لتنظر إليه و تبتلع ريقها بخوف ثم أخبرته:
- ههرب و مش هاتعرف لي طريق.
رفع زواية فمه جانباً بسخرية و قال:
- لما أشوف هاتقدري تهربي إزاي.
- إيه هاتحبسني و تعذبني!
أبتعد عنها و ذهب و أخذ مفتاح الغرفة و قبل أن يغادر أخبرها:
- أكلك و شربك هيبقو عندك، مفيش خروج غير علي الحمام و بس، و هاتفضلي علي الوضع ده لحد ما تتربي من أول و جديد.
و سرعان خرج و أوصد الباب من الخارج، ركضت تصرخ و تضرب الباب بيديها:
- أفتح الباب يا معتصم بدل ما أفتح الشباك و أستنجد بالجيران.
أطلق ضحكة ساخرة و قال لها:
- أيوه أفتحي الشباك اللي بيفتح علي المنور و أبقي أستنجدي بالفيران و العرسة و قولي لهم معتصم حابسني و بيعلمني الأدب.
أخذت تدب بيديها علي الباب بغيظ و حنق:
- أنا بكرهك يا معتصم.
وقف خلف الباب ليصل صوته بقوة إليها ليثير جنونها قائلاً:
- و أنا بحبك يا قلب و روح معتصم، عن إذنك بقي لما أنزل أطمن علي ضرتك أصلها حامل بقي و لازم أخد بالي منها.
قالها و ذهب تاركاً إياها تحترق و تصرخ بكل قوتها.
ـــــــــــــــــــــــ
و في صباح اليوم التالي يجلس حبشي في القطار المتجه إلي محافظة الإسكندرية و بداخله مراجل تحترق كلما تذكر أمواله التي سرقتها زوجته لكن سرعان ما ظهرت إبتسامة شر علي محياه و هذا عندما علم بالمكان التي ذهبت إليه بالأمس من والدتها...
(حدث بالأمس)
في منزل عائلة هدي يرتشف الشاي بهدوء يُحسد عليه و تقول والدة زوجته:
- و أخيراً رضيت علينا يا جوز بنتي و جيت تزورني.
أبتلع أخر رشفة و قال:
- معلش بقي مشغول من الورشة للبيت، بالتأكيد بنتك بتقولك.
تنهدت ثم أخبرته:
- بنتي، و هي فين دي بقي لها من وقت العيد و مجتش ألا هي مش معاك ليه!
ترك الكوب الشاغر علي المنضدة و أجاب:
- أصل أنا كنت في مشوار جمبكم قولت أجي أطمن و أسأل عليكي يا حبيبتي يا حماتي.
و أطلق ضحكة صفراء فبادلته مثلها قائلة بسخرية:
- سألت عليك العافية يا أخويا.
أعتدل و سألها بمكر ثعلب:
- ألا قولي لي يا حماتي مفيش ليكم قرايب في إسكندرية، أصل ناوي أخد هدي و العيال و نقضي لنا يومين مصيف و بصراحة معرفش أي مطرح هناك.
أجابت علي الفور و بتلقائية:
- اه، أختي اللي كانت عايشة مع جوزها في ليبيا رجعت بقالها يجي خمس سنين أهي، دي بقي بتموت في هدي مراتك و كانت علي طول بتتحايل عليها تروح لها تقضي عندها كام يوم هناك، أصلهم عندهم شاليه علي البحر بس حاجة فخمة أوي.
أتسع ثغره بإبتسامة عارمة و قال:
- حلو أوي يا ماشاء الله، طيب ما تديني رقمها و عنوانها.
نهضت بثقل بسبب وزنها الزائد:
- ثواني هاقوم أجيب لك الأچندة اللي كانت هدي كاتبه فيها الرقم و العنوان، بعيد عنك بقي الذاكرة بقت علي القد فبخليها تكتب لي ارقام و عناوين أخواتي و أخوات أبوها و قرايبنا.
و بعد قليل جاءت و لديها الدفتر الورقي و أعطته إياه، فتحه و قام بتقليب الصفحات حتي توقف لدي صفحة مدون بها خالتي هيام و أسفل الرقم عنوان مسكنها في أسكندرية.
(عودة للزمن الحالي)
- يا سطا هو فاضل قد إيه و نوصل؟
أجاب السائق:
- فاضل حوالي ساعتين.
قال حبشي داخل عقله:
- كلها ساعتين و جاي لك أطبق علي زمارة رقبتك يا حرامية يا بنت الـ.....
ـــــــــــــــــــــ
تجول في الغرفة ذهاباً و إياباً و هذا بعدما تذكرت أمر عمار الذي يبدو إنه وقع في كارثة ستهلك به إذا لم تلحق به و تعطيه المال.
أمسكت هاتفها تتردد في الإتصال عليه و تخبره إنها لم تستطع أن تساعده نظراً للظروف التي لديها.
و إذا به و هي آسيرة أفكارها وجدت الباب فُتح علي مصرعه ولج إليها معتصم يحمل صينية الطعام:
- صباح الخير.
ولت إليه ظهرها و لم تجب، وضع الصينية أعلي الطاولة قائلاً:
-أحمدي ربنا إن حبستك في الأوضة و مخلتكيش تخرجي، تخيلي لو روحتي لخالك تفتكري لو قولتي له عايزة أتطلق هيفتح لك درعاته و يقولك من عينيا!، ده يوم ما حضر كتب الكتاب خد ديله في سنانه و مشي علي طول كأنه جاي يقضي مهمة تقيلة علي قلبه، و لا أخوكي ذات نفسه اللي بيموت علي الجنيه يا سلام لو قولتي له عايزة أتطلق تخيلي برضو كده إيه يا تري هاتكون ردة فعله!
استدارت و رمقته بإمتعاض تحول إلي إزدراء قائلة:
- و أنت بقي تفرق إيه عنهم!
أقترب منها و وقف أمامها مباشرة:
- أنتِ أكتر واحدة تعرفي الفرق بيني و بين غيري كويس.
أبتلعت لعابها عندما ظنت لوهلة بأن لديه علم بأمر عمار، لكن سرعان ما تلاشي ظنها و هو يردف:
- أنا عمري ما كنت زي أخوكي و لا هاكون زيه أبداً.
رمقته بعتاب و حزن ثم أخبرته:
- بس مديت إيدك عليا.
شعر بغصة في قلبه عند تذكره صفعه لها لكن تذكر أيضاً السبب الذي دفعه فقال:
- أنا ضربت لما رديتي عليا بقلة أدب، تقولي لي أنا كداب و خاين و إبن أمي!
- عايزني أقولك إيه و أنت بتقول هاتجوز عايدة!
رفع إحدي حاجبيه قائلاً:
- و أنتِ خلاص شوفتيني روحت أتجوزتها!، شوفتي بقي كان عندي حق لما قولت لك إنك ما عندكيش ثقة فيا!
ردت بعند و مكابرة:
- لو قصدك علي موضوع الرسالة فيه فرق ما بينه و بين أنك واقف و بتتكلم جد و تقول لمامتك قدامي أنك موافق علي جوازك من أرملة أخوك و لا كنت بتغيظ فيا و تحرق في دمي!
إبتسم رغماً عنه و قال:
- ما أنتِ طلعتي ذكية أهو، ليه بقي طولة اللسان و تجيبي لنفسك الضرب.
عقدت ساعديها أمام صدرها كالطفلة بتذمر:
- أنا لما بتعصب ما بعرفش أنا بقول إيه و أنت كمان غلطت لما ضربتني بالقلم و أنت عارف موضوع الضرب ده أكتر حاجة بكرهها.
أقترب منها و أحتضنها:
- أنا هاعلمك إزاي تتحكمي في لسانك ساعة غضبك و بالنسبة للقلم.
دنا بشفتيه نحو خدها الذي قام بصفعه و طبع عليه قُبلة ناعمة ثم أردف:
- لسه زعلانة؟
هزت رأسها بالنفي و أجابت:
- لاء، و أنا كمان بقولك آسفة علي الكلام اللي قولته لك و أنا متنرفزة.
- و أنا مش قابل الإعتذار.
رمقته بتعجب و حزن فأردف بإبتسامة ماكرة:
- قصدي مش هقبله كلام.
سألته بتوتر و دقات قلبها تخفق بقوة عندما رأت بريق العشق في عينيه:
- أومال أنت عايزني أعتذر لك إزاي؟
رد بنبرة حالمة تنضح بفيض من العشق كغيث يهطل علي صحراء قاحلة فجعلها مروج خضراء تُسر الناظرين إليها:
- الإجابة مش كلام، الإجابة همس.
و أقترب من أذنها و همس:
- بحبك أوي و أنتِ عندي بكل ستات العالم.
ثم أمسك بيدها و وضعها فوق صدره لدي موضع قلبه و أردف:
- و لمس، ألمسي قلبي و حسي بكل دقة فيه و هي بتقول بعشقك يا ليلة و لا ألف ليلة و ليلة.
و دنا نحو شفتيها و قال:
- و إحساس، عايزك تحسي بكل همسه و لمسة مني ليكِ يمكن ده يجدد ثقتك فيا و يعرفك ليلة بالنسبة لمعتصم تبقي إيه.
رمقته بنظرات عشق و وله:
- و أنا مش بثق في أي حد غيرك أنت و بس، و أي ردة فعل ليا كانت من غيرتي عليك و حبي لـ....
- هوسس...
جعلها تكف عن الحديث بوضع سبابته علي شفتيها و أخبرها:
- عارف، ممكن ننسي اللي حصل و خلينا نعيش كل لحظة حلوة و نستمتع بيها و ما نخليش أي حاجة تنكد علينا تاني!
أومأت له و الإبتسامة تشق ثغرها من الأذن للأذن الأخري ثم تفوهت بحروف إسمه بدلال يسلب الألباب و يقفز له الفؤاد:
- معتصم.
- قلبه و روحه.
- أنا لو فيه كلمة أقوي من كلمة بعشقك فده اللي أنا حساه،ربنا ما يحرمني منك و يبارك لي فيك.
أحتضنها بقوة و قال:
- أنا بقي اللي جوايا أضعاف حبك ليا و عارف إيه هي الكلمة اللي أقوي من العشق.
نظرت إليه بإستفهام فأردف مُبتسماً:
- كلمة ما بتتقالش بتتحس كده.
و أنهال علي شفتيها بسيل من القُبلات يتخللها همس يطرب قلبها الصغير و يجعله يقفز و يود أن يترك صدرها و يذهب إلي قلب عاشقه و يعانقه بشدة.
ـــــــــــــــــــــ
و في المساء في غرفة عايدة، تجلش شاردة تضيق عينيها و هي تعقد العزم علي أمر ما و هذا بعدما أجري عمار الإتصال بها صباح هذا اليوم ليقوم بتهديدها إذا لم تأت له بالمبلغ الذي يريده سوف يقوم بفضحها أمام الحارة لا سيما عائلة زوجها المتوفي و تصبح خاسرة كل شئ.
أرتدت ثيابها السوداء و خبأت في حقيبتها غطاء الوجه.
ترجلت من سيارة الأجرة حيث ثم دلفت إلي داخل البناء الذي يقطن به عمار لتنفذ مخططها الشبطاني و التي ستطيح به كلا من عمار و ليلة.
وجدت باب غرفته مفتوحاً و رأته مستلقي علي وجهه أقتربت منه و وكزته بإصبعها :
- عمار، عمار .
و إذا به و هي تزيحه لعله يستيقظ تفاجأت بجسمانه ينقلب علي ظهره و لدي نحره قطع بالعرض تتدفق منه الدماء و جواره سكين ملطخة بدمائه ، يبدو إن أحدهم قام بذبحه شهقت بفزع و قامت باللطم علي خديها:
- يا لهوي يا لهوي.
أبتعدت و ألتقطت أنفاسها حتي أتي لها أبليس بفكرة من الجحيم، أخرجت من حقيبتها دزينة من المال و أساور ذهبية ألقت بها في زاوية من الغرفة ثم تناولت محرمة ورقية لتمسك بها السكين و تحرص أن لا تلامس يدها مباشرة و غلفتها بعدة أوراق من المحارم و وضعتها في حقيبتها و قبل أن تغادر بحثت عن هاتفه المُلقي جواره و قامت بمسح أي إتصال وارد و صادر بينهما و كذلك الرسائل أيضاً، و بعدما أنتهت بأسرع خطوات لديها ركضت قبل أن يراها أحد.
ــــــــــــــــــــ
أستيقظت ليلة بعد غفوة فوجدت نفسها بين ذراعيه و رأسها علي صدره العاري، إبتسمت عندما تذكرت ما حدث لعدة ساعات بينهما و كلماته التي ظل يلقيها علي مسامعها و جعلها ترفرف كالطير من فرط ما تشعر به من لذة الحب و العشق الذي يأسر حواسك.
و إذا بأمر ما يضرب ذاكرتها و يعصف بتفكيرها و ما هو سوي أمر عمار الذي تلاشي بمجرد قرب معتصم منها، نظرت إليه و هو نائم في سكون، أخذت تلمس بأطراف أناملها بشرته و تتأمل ملامحه التي أصبحت تعشق كل إنش بها فقالت بداخل عقلها:
- يا تري يا معتصم لو حكيت لك عن عمار هتسامحني!، و لا هاتكون ردة فعلك حاجة تانية!، أنا خايفة أخسرك بعد ما لاقيتك و حبيتك و عايشة معاك أجمل أيام عمري.
أتاها صوت آخر من النفس اللوامة:
- أحكي له و قولي له علي كل حاجة و ما تخليش حد يهدد حياتك، هو بيحبك و أحن الناس عليكِ، عمار كان مجرد تجربة و عدت و أديكي أتعلمتِ من أخطائها و ربنا رزقك بزوج صالح شايلك جوه قلبه و لما يعرف إنها تجربة قبل ما يكون جوزك بالتأكيد ده هيكون دافع قوي إنه يسامحك، و لو زعل جامد أو غضب يبقي من غيرته و حبه ليكِ بس في النهاية هو بيحبك و ما يقدرش يستغني عنك، يا ليلة الأصعب من البلاء هو إنتظار حدوثه.
سحبت جسدها من بين ذراعيه ثم ألتقطت المأزر خاصتها المُلقي علي الأرض بجوار الفراش فأرتدته و هي ترد علي حديث نفسها:
- بس قبل ما أحكي له لازم أقفل صفحة الماضي.
أمسكت هاتفها و بدأت بالمس الحروف لتكتب رسالة فحواها كالتالي
( آسفة يا عمار مش هاقدر أساعدك من ورا جوزي لأن كده تبقي خيانة و أنا عمري ما كنت خاينة
أرجوك إبعد عني و إنساني و ربنا يرزقك باللي أحسن مني)
ضغطت علي علامة الإرسال، و علي الجانب الآخر لدي جثة عمار، تصل دماءه إلي هاتفه الذي أضاء للتو مُعلناً عن الرسالة الواردة.
الفصل السابع عشر
تتلاطم الأمواج علي صخور شاطئ عروس البحر، توقفت سيارة أجرة جماعية أمام إحدي الشوارع القريبة من الكورنيش و ترجل منها حبشي ذو الهيئة المزرية و شعره المبعثر يبدو كالذي فقد رشده، صعد أعلي الرصيف ثم أخرج من جيبه ورقة مدون بها العنوان و عندما وجد إنه وصل إلي المكان المنشود مسح علي شاربه و قال بتوعد:
- هانت يا هدي أبقي وريني منظرك و أنتِ بتبوسي إيدي عشان أرحمك هوريكي وش حبشي التاني اللي عمرك ما شوفتيه.
و تجلت إبتسامة شيطانية علي ثغره، و علي بُعد أمتار بداخل بناء مرتفع...
تجلس هدي أمام التلفاز لكنها لم تنظر إليه بل تتأمل صغيريها و هما يلاعبان و يركضان في الردهة و يدور ذهنها عدة أفكار عديدة عندما تتذكر أمر زوجها الذي سرقت أمواله و هربت،أحياناً تشعر بالندم لكن عندما تعود ذاكرتها عليها بما كان يفعله معها من معاملة قاسية و يدخر أمواله و يبخل عليها و علي أولادهما كان ذلك كافياً ليجعل الشعور بالندم سرعان ما يتبدد علي الفور.
- يلا يا محمد، يلا يا بسنت تعالو يا ولاد كولو الفشار و التسالي.
كان صوت خالتها التي خرجت من المطبخ و تحمل صينية كبيرة مليئة بأطباق التسالي و ذرة الفشار، ترك الأطفال اللعب و ركضا إليها و قبل أن يتناول أي منهما شيء توقفا ينظران إلي والدتهما فسأل الولد والدته:
- أكل يا ماما؟
أنتبهت هدي إليه و ربتت عليه:
- كُل يا حبيبي.
نظرت إليهم الخالة بشفقة و قالت :
-أنتو بتستأذنو في بيت خالتكم كده هزعل منكم، كولو يا حبايبي الخير كتير.
عقبت هدي علي ما حدث:
- معلش يا خالتي أصل أبوهم معودهم ياكلو و يشربو بستأذان.
- ماشي يا بنتي ده لو كان هما في بيت حد غريب لكن هيستأذنو في بيت أبوهم!
إبتسمت الأخري بسخرية و قالت:
- دي أقل حاجة يا خالتي، لو حكيت لك علي اللي كان بيعمله مش هاتصدقي، يلا الله يسامحه.
ربتت خالتها عليها و سألتها:
- لسه بتحبيه رغم كل اللي شوفتيه معاه؟
أطلقت تنهيدة ثم أجابت و عبراتها تجمعت للتو:
- للأسف يا خالتي برغم كل ده لسه بحبه، قلبي بيحبه و عقلي كارهه مش عارفه أعمل إيه، أنا في دوامة و خايفة و تايهة، حسبي الله و نعم الوكيل.
و أطلقت سراح دموعها الأسيرة فأحتضنتها خالتها و اخذت تربت عليها بحنان و بمواساة:
- ما تخافيش يا حبيبتي أنتِ هنا في أمان و الحمدلله إنه ما يعرفش أنا عايشة هنا يعني عمره ما يقدر يوصلك و ربنا يريح بالك و يشيل الحزن من قلبك.
صدح رنين جرس الباب، نهضت الخالة قائلة:
- هتلاقيه عمك مراد بس إيه اللي رجعه من الشغل بدري كده.
و بمجرد أن فتحت الباب وجدت من يدفعها من أمامه و يصيح بصوت غليظ و جهوري:
- هي فين الخاينة الحرامية؟
أنتفضت هدي و نهضت، ركض نحوها الصغيرين يرتجفان بخوف، لحقت به الخالة توبخه:
- أنت مين سمح لك تدخل و كمان بالطريقة الهمجية دي!
أزاحها بيده من طريقه قائلاً :
- و النبي أركني علي جمب يا حاجة أنا جاي أخد مراتي عشان ليها عندي حساب عسير.
صرخت هدي و كان الخوف يبدو عليها:
- ده بعينك، عمري ما هرجع لك تاني يا بخيل يا معفن.
و في لحظة كان شعرها في قبضته و يخبرها بتهكم و صياح:
- مين البخيل و المعفن يا حرامية يا بنت الـ....
حاولت الخالة دفعه و تخلصها من يده:
- أبعد عنها يا حبشي و عيب اللي بتعمله ده، أبعد أحسن ما أتصل بالبوليس.
رمقها بنظرة من نار قائلاً بتحدي:
- أتصلي يا ست الحاجة بس هيجو ياخدو بنت أختك الحرامية اللي سرقت شقي عمري.
ردت الخالة بصياح:
- مفيش اللي أنت بتقوله ده و أبعد إيدك عنها أحسن لها.
- يا وليه غوري من وشي أنا محترم سنك و محترم إن في بيتك.
صرخت هدي و هي تحاول التملص من قبضته:
- أتصلي بالبوليس يا خالتي.
فقالت الخالة:
- أنت بني آدم قليل الأدب و زبالة و إستحالة هدي تقعد علي ذمتك دقيقة كمان.
صرخت هدي:
- طلقني يا حبشي.
أخذ يدفعها ذهاباً و إياباً و شعرها ما زال في قبضته:
- أخد فلوسي الأول يا حرامية و هاطلقك بالتلاتة.
رمقته بغضب و عينيها باكية:
- ده علي جثتي، الفلوس دي حق سنين عمري اللي ضاعت معاك و صبري علي بخلك و حق عيالك اللي فضلت حارمهم من كل حاجة.
ما زاده حديثها سوي تأججت نيران مراجل غضبه أكثر فأكثر بدلاً من أن يعترف بخطأه قال لها:
- علي جثتك!، أستحملي بقي اللي هعمله فيكي.
و كاد يصفعها حتي وجد قبضة قوية، صاحت الخالة:
- شريف!
فسأله حبشي بإستهزاء و يبدو علي وجهه إمارات الشر و علي وشك أن يهاجمه:
- و مين أنت يا عم الأمور؟
كان شريف ينظر إلي هدي التي تسمرت في تلك اللحظة و نظرات الخوف تنضح من عينيها بينما قالت الخالة:
- شريف يبقي إبني يا حبشي.
نظر شريف إلي والدته و قال لها:
- ماما، خدي هدي و الولاد و أدخلو جوه.
و قبل أن تخطو هدي خطوة أوقفها حبشي و يقبض علي ساعدها:
- مش هاتخطي غير رجلها علي رجلي، و أنت مالك و واحد جاي ياخد مراته إيه اللي يحشرك ما بينا.
رمقه شريف بتهديد جلي و أخبره:
- إحمد ربنا إن أنا جيت في الوقت المناسب و زي ما هي مراتك أنا أبقي ابن خالتها و لما ألاقيك تمد إيدك عليها مش هاسكت لك.
ترك حبشي ذراعها و أبتسم بتهكم و سأله:
- مش هاتسكت إزاي يا عم شريف!، طيب و عليا الطلاق لأنا واخدها حالاً و لو دكر أبقي أتكلم حتي.
و جذب زوجته من خصلاتها مرة أخري مما جعل الأخر ينفذ صبره و لم يتحمل حماقة ذلك الوغد فزمجر كالوحش قائلاً:
- الظاهر الذوق و الأدب ما ينفعوش مع واحد حيوان زيك.
و أخذ يكيل له اللكمات و الركلات، بينما ركضت هدي بعيداً عندما حررها زوجها خصلاتها من قبضته و أخذت تصرخ بتوسل:
- خلاص يا شريف بالله عليك.
ـــــــــــــــــــــ
تمكث عايدة في غرفتها منذ أن عادت و بعدما علمت من نفيسة أن كلا من معتصم و ليلة غادرا المنزل، أخذت تفكر فيما هي مُقبلة عليه و حينما تتخيل نجاح تلك الخطة الشيطانية فقلبها يتراقص من السعادة، تريد إزاحة ليلة بشتي الطرق من أمامها.
و دقائق كانت تخطو بخفة بعد أن سرقت مفتاح شقة معتصم من نفيسة التي تغط في النوم منذ قليل، أدارت المفتاح داخل قفل الباب و ولجت إلي الداخل، ذهبت إلي المطبخ فتحت الضلفة العليا لتضع بها السكين الملفوف لكنها تراجعت.
خرجت و أتجهت إلي غرفة النوم و قررت أن تضعها داخل خزانة الثياب لاسيما الرف الذي يخص ثياب ليلة و قامت بدسها أسفل الثياب المطوية و ما أن أنتهت من مهمتها غادرت علي الفور.
دلفت إلي غرفتها و أمسكت بالهاتف، و قامت بإدخال شريحة ثم أجرت إتصالاً:
- ألو، أنا عايزة أبلغ عن جريمة قتل!
ــــــــــــــــــــــ
داخل قسم الشرطة يقف كلا من حبشي و يكبل أحد يديه أصفاد حديدية طرفها الأخر بيد العسكري، وجهه ملئ بالكدمات مما زاد مظهره رعباً و تجلس هدي التي تبكي أمام مكتب الضابط و أمامها يجلس شريف إبن خالتها.
قال الضابط:
- أهدي يا مدام هدي و بطلي عياط عشان عايز أسمع أقوالك.
مال شريف للأمام قليلاً نحوها و أخبرها:
- بتعيطي ليه إحنا هنا أصحاب حق و الرائد عماد يبقي صاحبي.
صاح حبشي بصوت كالحمل الوديع المجني عليه:
- يا باشا أنا اللي المفروض أقدم بلاغ فيهم هما الأتنين مراتي الحرامية اللي سرقت فلوسي و هربت علي هنا و لما روحت لها عند خالتها و بسألها الفلوس فين جه إبن خالتها اللي قاغد قدامك ده و نزل فيا ضرب يعني أنا بقدم بلاغين كده.
عاد الضابط بظهره إلي الوراء و رمق حبشي بسخرية و أخبره:
- أولاً مراتك لو خدت منك فلوس في عرف القانون ماتبقاش جريمة سرقة إلا إذا زورت في أوراق باسمك بيع و شراء عقود ملكية لكن خدت فلوس منك دي مسأله تحلوها ما بينكم و من غير تعدي أي طرف فيكم علي التاني و وشها عليه آثار ضرب، إما بالنسبة لأستاذ شريف ده يبقي بيته هو و والدته و أنت اللي جيت تعتدي عليهم بالضرب و السب و القذف و الجيران تشهد و شئ طبيعي هيدافع عن نفسه و عن أهل بيته حتي بنت خالته اللي تبقي مراتك.
صاح حبشي مرة أخري بسخط و إساءة:
- اه هي بقت كده و اللي سمعته ده صح، أنت و هو أصحاب فعايز توجب مع صاحبك و تلبسوني مصيبه و أنا مش هاسكت.
- أخرس يا متهم و خدو يا عسكري تحت في الحجز.
ثم نظر إلي كاتب المحضر و أمره:
- ضيف عندك علي المحضر تهمة التعدي علي السلطات، خليه يتعلم الأدب و يتربي له كام سنه في السجن.
هنا توقفت هدي عن البكاء و نهضت لتتوسل الضابط:
- أرجوك يا بيه أنا خلاص متنازلة بس بلاش تحبسه.
رمقها شريف بصدمة فقال للضابط :
- معلش يا عماد ممكن أتكلم معاها دقيقتين علي إنفراد.
لبي الأخر طلبه و حينما أصبح كليهما بمفردهما قال لها:
- هتتنازلي عن حقك، بعد ما ضربك و بهدلك و لولا أنا جيت في الوقت المناسب الله أعلم كان عمل فيكي إيه!
أزاحت عبراتها بأطراف أناملها من عينيها ثم قالت:
- يا شريف إحنا ملناش غيره أنا و العيال، لو طلقني مين اللي هايستحملني بولادي و أمي يادوب معاش أبويا يكفيها بالعافية، و غير المصاريف العيال محتاجين أبوهم زي ما هم محتاجيني.
عقد حاجبيه و هز رأسه برفض:
- أنا مستغرب تفكيرك، إزاي تقبلي تعيشي مع واحد حسب ما سمعت إنه بخيل و مجوعك و بيعملك اسوأ معاملة من ضرب و إهانة، إزاي تقابلي كل ده علي نفسك.
أطلقت زفرة لعلها تزيح و لو قليلاً عما بداخلها من حزن دفين ثم قالت:
- ساعات الظروف و الحياة بيحكمو عليك ترضي بالأمر الواقع و كمان لما تبقي مسئول عن أطفال يبقي لازم تفكر فيهم قبل نفسك.
- غلط يا هدي، لو كنتِ فاكرة إن اللي بتعمليه ده عمل بطولي و أهم حاجة سعادة ولادك حتي لو علي حساب حياتك ده يبقي إسمه إنتحار، عايشة مجرد جسد من غير روح، و ليه كل ده و أنتِ ربنا و دينك حافظ لك حقوقك لما تلاقي عيشتك مع جوزك مستحيلة و فيها ضرر نفسي و مادي عليكي و علي أولادك ليه تكملي، ليه تيجي علي نفسك لحد ما في يوم يسبب لك عاهة مستديمة و لا لا قدر الله يديكي خبطة تموتي فيها، ساعتها هترتاحي بس هاتسيبي عيالك هيتبهدلو مع أب ظالم و بخيل و مفيش في قلبه رحمة.
ردت بتأفف و إصرار:
- في ستات كتير عاشت و أستحملت و كان بيحصلهم اللي اسوأ من الضرب و برغم كده كملوا عشان خاطر ولادهم.
أخبرها بتهكم و غضب :
- و في الأخر يطلعو لنا عيال معقده نفسياً و يكملو مسيرة أبوهم في الهمجية و القرف اللي ما بيخلصش.
صمتت و لم تعلم بماذا تجيب عليه، فلديه حق لكن ما بيدها حيلة أو شئ تفعله، تخشي كلمة مطلقة و كذلك حمل مسئولية طفليها بمفردها و ما ستواجهه من بطش زوجها بعد الطلاق من مضايقات و التهرب من دفع النفقة.
- أنت بتتكلم بقلب جامد يا شريف عشان أنت مش في مكاني و اللي إيده في الميه مش زي اللي في أيده في النار.
نهض و وقف أمامها ليدافع عن نفسه من ذلك الإهتمام و يفجر لها ما بداخله :
- أنا قلبي اللي في النار من زمان يا هدي، من وقت ما أتفجأت زي أي حد غريب و عرفت بخبر جوازك في نفس يوم الفرح، و برغم كدة جيت بس وقفت من بعيد عشان أقدر أشوفك لاقيتك فرحانة، و أنا عشان بحبك كنت بتمني لك تكوني سعيدة أهم حاجة.
أتسعت عيناها و غرت شفاها بصدمة فأردف:
- أيوه بحبك و مازالت بحبك و كنت بتابع أخبارك من بعيد لبعيد، أنا لما شوفته و هو بيمد إيده عليكي كان نفسي أقطع له إيده دمي غلي و ما أستحملتش، يا هدي أنتِ اللي زيك يتشال علي الراس و يتحط جوه العين.
نهضت و تهربت من النظر إليه، أمسكت بمتعلقاتها قائلة:
- أنا عايزة أمشي.
عقد حاجبيه بضيق فسألها:
- انا عارف كلامي مش وقته، بس ارجوكِ فكري في الكلام التاني و بصي ليكِ و لولادك، لو التنازل عن المحضر هيرضيكي هاعمل اللي يريحك.
- أنا هتنازل عن المحضر عشان مش عايزة حد في يوم من الأيام يعاير عيالي و يقولهم يالا يا للي أمكم سجنت أبوكم أو ياللي ابوكم رد سجون.
ــــــــــــــــــــ
يمسك في يديه كوبين من مشروب حمص الشام الساخن و يسير نحو تلك الجالسة أعلي السياج علي كورنيش النيل كانت تغني مع الأغنية الصادرة من المركب الراسية علي الشاطئ:
- علي عش الحب طير يا حمام...
صمتت عندما وجدته يقف أمامها و يتأملها بإبتسامة حالمة فقال لها:
- كملي، وقفتي ليه.
ضربت حُمرة الخجل خديها فأشاحت وجهها و نظرت نحو مياه النيل المتلألأة:
- أصل بتكسف أغني قدام حد، أخري أدندن مع نفسي لما بكون فرحانة و مبسوطة.
عقد حاجبيه بحزن زائف:
- و أنا بالنسبة لك أبقي حد!
هزت رأسها بالنفي ثم أجابت:
- أنتَ ليا العالم كله.
غر فاهه بسعادة و ترك الكوبين جانباً علي السياج و أقترب منها ليخبرها بحماس شديد:
- عارفة أنا لو قولت لك حاسس بإيه دلوقت و نفذت اللي حسه هانتمسك بفعل فاضح في الطريق العام.
أطلقت ضحكاتها إلي العنان و شاركها الضحك أيضاً حتي توقفت عن الضحك و عقبت:
- خير اللهم أجعله خير، قلبي حاسس آخرة الضحك دي نكد مستنينا.
أمسك يدها بحنان و قال:
- طول ما أنتِ جمبي فرحة الدنيا و ما فيها، يبقي النكد هيجي منين!
رمقته بعتاب و أجابت باللوم:
- جوازك من عايدة ده يبقي إيه إن شاءالله.
تذكر إلحاح والدته و ماحدث في الأيام المنصرمة، أطلق زفرة من أعماقه ثم أخبرها:
- بصي للمرة الأخيرة بقولها لك يا ليلة، أنا قلبي اللي يملكه واحدة بس، هي اللي خطفتني من أول نظرة لدرجة ما بقتش شايف غيرها و بس.
صدق كلماته أخترق فؤادها فأصابته كالسهم مما جعل بريق عيناها قد توهج و أصبحت تلمع كالنجوم في سماء ليلة شاعرية صافية، أتسع ثغرها ببسمة تنضح بعشق غامر:
- أنا بحبك أوي يا معتصم، حب عمري ما سمعت عنه و لا هايكون زيه.
نزلت من فوق السياج و رمقته بسعادة تملأ الكون بهجة و سرور قائلة:
- بمناسبة اللحظة الحلوة أوي دي ليك عندي مفاجأة.
قطب ما بين حاجبيه و رمقها بفضول فسألها :
- ممكن أعرف إيه هي ده لو معندكيش مانع يعني.
إبتسمت و قامت بالضغط علي وجنته بإصبعيها السبابة و الإبهام:
- و لما هقولها لك هاتبقي مفاجأة إزاي!
أمسكت بيده و خللت أناملها الرقيقة بين خاصته الغليظة و أردفت:
- يلا بينا نروح و لما نوصل بيتنا هحكي لك عن المفاجأة عشان دي محتاجة طقوس خاصة.
ــــــــــــــــــــــــــ
- يا بنتي هاتروحي فين الساعة دي، عيب اللي بتعمليه ده.
قالتها خالة هدي التي ردت و تتجنب النظر إلي شريف الجالس في حالة صمت:
- معلش يا خالتي أنا هانزل في أي فندق و هاشوف لي شقة إيجار.
رمقتها بغضب و قالت:
- فندق و شقة إيجار و أنا موجودة!، ما تقولها حاجة يا شريف.
و قبل أن يتحدث الأخر بحرفٍ واحد سبقته بإصرار و لهجة حادة موجهة إليه:
- خالتو أنا مش صغيرة، و بعدين أنا عايزة أبقي علي راحتي.
نهض شريف و ينظر إليها بإمتعاض:
- أنا أصلاً رايح أقعد في الشاليه، أتفضلي خليكِ هنا علي راحتك.
رمقته بتحدي و إصرار عاقدة ساعديها:
- و أنا قولت هامشي يعني هامشي.
زفرت الخالة بسأم و قالت:
- علي راحتك يا بنتي، و أنا شقتي مفتوحه ليكِ في أي وقت.
أبتسمت لها هدي:
- شكراً يا خالتو.
و همت بالذهاب فقامت بالنداء علي صغيريها و قبل أن تفتح الباب و تغادر أوقفها شريف قائلاً:
- أستني هاجي أوصلك.
رفعت إحدى حاجبيها و الرفض بادي علي ملامحها:
- شكراً، أنا هاخد تاكس.
أطلق زفرة بنفاذ صبر و قبل أن يتهور بفعل أهوج تركها و دلف إلي الداخل، بينما هي ذهبت برفقة صغيريها، وصلت إلي نهاية الشارع الذي يعمه الهدوء، أنتظرت لدقائق علها تجد سيارة أجرة حتي توقفت أمامها سيارة أجرة خاصة، سألت السائق الذي يرتدي قبعة و نظارة شمسية يخفي بها معظم وجهه:
- في فندق قريب يا سطا؟
أكتفي بالإيماءة و لن تدقق في ملامح هذا الغريب، فتحت الباب، فولج الأولاد إلي داخل السيارة و وضعت الحقائب جوارهما بينما هي جلست في المقعد الأمامي بجوار السائق الذي بمجرد أن دخلت و أغلقت الباب، أنطلق بسرعة جعلتها تشعر بالقلق لاسيما بعد أن وجدته يضغط علي زر أوصد كل الأبواب و النوافذ، ألتفتت إليه و سألته بخوف جلي:
- أنت بتقفل الأبواب ليه؟
رفع زواية فمه بإبتسامة ساخرة ثم بدأ يخلع القبعة و النظارة و رمقها بنظرة تكفي أن تخبرها بالذي ينتظرها من أهوال:
- معقول يا دودو معرفتيش حبشي جوزك حبيبك أبو عيالك.
أطلقت صرخة فقام بدفع رأسها إلي الأمام و يصيح بها:
- أخرصي أنا لسه عملت فيكي حاجة!
أصتدمت جبهتها في التابلوه مما أفقدها الوعي في التو و هذا كان علي مرأي و مسمع الصغار، أكتفي كليهما بالبكاء و جسدان يرتجفان بشدة من الخوف.
ـــــــــــــــــــــ
و لنعود إلي معتصم و ليلة التي تُعد ليلة و لا ألف ليلة حيث طلبت منه بأن ينتظرها في الأسفل و يصعد إليها بعد أن تقوم بمهاتفته ريثما تنتهي من إعداد طقوس مفاجأتها.
كان يقف داخل الشرفة لدي منزل والدته و كانت تتحدث في الهاتف، بينما هو ينفث دخان سيجارته في الهواء الطلق فشعر بخطوات خلفه، علم في الحال صاحبة الخطوات:
- عايزة إيه يا عايدة، و لا تكوني ناوية تعترفي و تقولي مين أبو اللي في بطنك!
و ابتسم بتهكم فوقفت جواره و أرتسمت علي ملامحها إمارات القلق و الخوف:
- اللي في بطني يبقي إبن عشيق مراتك.
و في لحظة كانت تلابيب عبائتها في يديه،قائلاً بغضب من بين أسنانه:
- أقسم بالله كلمة تانية علي مراتي لهكون رميك من البلكونة و لا يهمني.
أمسكت بيديه و رمقته بتمثيل مُتقن لتكمل له السيناريو الذي علي وشك أن يتم:
- و رحمة أخوك ما بكدب، ليلة فعلاً كانت علي علاقة بواحد إسمه عمار و لما أنت أتجوزتها فضل يكلمها و مرة جالها هنا، و لما نزلت السوق كان مستنيها يشوفها، فضلت مراقباها لحد ما عرفت إنها بتروح له المكان اللي عايش فيه، شافتني و هددتني إن لو مابعدتش عنها و لو اتكلمت بحرف هتخلي اللي إسمه عمار يدلق علي وشي مية نار، و في آخر مرة سمعتها بتقول إنها رايحة له روحت هناك عشان أصورهم و ابعت لك الصور كدليل بدل ما أنت ما بتصدقنيش، أتاريه كان كمين من عشيقها، ضربني علي راسي و فوقت لاقيته ربطني في السرير و...
تصنعت الحرج فأردفت:
- و عمل اللي عمله معايا بالغصب و صور فيديو بكده و هددني لو أتكلمت هينشر الفيديوهات دي علي النت، مراتك جت لي بعدها بيومين و عرفت اللي حصلي فضلت تشتم و تزعق إنه إزاي عمل معايا كده، تقدر تقول غارت و أستحلفت لي إنها هاتدفعني تمن اللي حصل ده غالي، أنا عارفة إنك مش مصدقني بس مصير الأيام تثبت لك.
كانت نظرات عيناه كالذي فقد صوابه، جاحظة من صدمة ما سمعه للتو فقاطع أفكاره المُظلمة في تلك اللحظة صوت سيارة الشرطة التي توقفت أمام منزله و ترجل منها رجال الشرطة.
و بالأعلي قد أنتهت للتو من إعداد السهرة الرومانسية و أضواء الشموع و صوت الموسيقي الذي قاطعها رنين الجرس و طرقات شديدة علي الباب، ظنت إنه هو فقالت:
- للدرجدي مش قادر تصبر، حاضر أنا جاية أ...
فتحت الباب فـ تفاجأت برجال الشرطة أمامها، شدت من طرفي مأزرها و تناولت وشاحها الموضوع أعلي منضدة بجوار باب المنزل، أرتدت الوشاح علي رأسها بعشوائية و الضابط يسألها:
- أنتِ ليلة محمد نصار؟
ابتلعت ريقها بخوف و رهبة ثم أجابت:
- ايوه أنا.
الفصل الثامن عشر
فتحت الباب فـ تفاجأت برجال الشرطة أمامها، شدت من طرفي مأزرها و تناولت وشاحها الموضوع أعلي منضدة بجوار باب المنزل، أرتدت الوشاح علي رأسها بعشوائية و الضابط يسألها:
- أنتِ ليلة محمد نصار؟
ابتلعت ريقها بخوف و رهبة ثم أجابت:
- ايوه أنا.
رفع أمام بصرها ورقة قائلاً:
- معانا أمر بالنيابة بالقبض عليكِ.
حاولت إستيعاب ما قيل لها للتو و قبل أن تسأل لما فسبقها زوجها الذي صعد للتو و خلفه كلا من والدته و عايدة،يسأله بعد أن أمسك زوجته و جعلها تقف خلفه بسبب ما ترتديه من ثياب لا يجب أن يراها بها سوي زوجها رغماً من أنها ترتدي معطف حريري محتشم :
- القبض عليها بتهمة إيه حضرتك؟
أجاب الضابط بنبرة حادة:
- أسأل المدام و هي هتقولك.
و أشار إلي الرجال قائلاً:
- أدخلوا فتشوا.
ولج الرجال و سرعان أنتشروا في جميع أرجاء المنزل، لم يتحمل معتصم ما يسمعه أو يراه فسأل الضابط مرة أخري:
- لو سمحت ممكن حضرتك تفهمنا، دلوقتي بتقولي معاك أمر من النيابة بالقبض علي مراتي و المفروض هتاخدوها علي القسم أنا بقي من حقي أعرف تهمتها إيه؟
كانت ليلة ترتجف خوفاً لا تصدق ما يحدث، و ما تلك الجريمة التي أرتكبتها؟
- لاقينا دي يا باشا في المطبخ.
و أعطاه الكيس البلاستيكي و به السكين الملفوف، أخذه الضابط و نظر إلي ليلة يسألها بتهكم:
- واضح إن مدام ليلة ملحقتش تتخلص من السكينة.
تنظر الأخري بعينين جاحظتين من هول ما تري، فأخذت تردد بنفي:
- أنا معرفش عنها حاجة و الله.
و رمقت زوجها و تتشبث بذراعه:
- معتصم ألحقني....
- هاتوها علي البوكس.
كان أمر الضابط و قبل أن يقترب منها أحدهم فقال معتصم:
- لو سمحت ممكن تغير هدومها ما ينفعش تروح بالمنظر ده سعادتك.
※ ــــــــــــــــــــــ ※
شهقة فزع قوية أنطلقت من فاه هدي الجالسة علي كرسي خشبي قديم مُقيدة اليدين و القدمين و هذا بعدما ألقي زوجها علي رأسها دلو من الماء المثلج
، يرمقها بشر بعدما افرغ كل الحقائب رأساً علي عقب و لم يجد سوي ملابس أولاده و زوجته.
- إيه كنت فاكرة هاصحيكي بالورد و الأحضان، ده أنا لسه هوريكي النجوم في عز الضهر يا حرامية.
أنقض علي تلابيب عبائتها و هدر بها:
- فلوسي فين يا بنت الـ...، خبتيهم عند خالتك و لا أمك؟
أخذت تلتقط أنفاسها من إثر ما أقترفه للتو ثم قالت و ترمقه بإزدراء :
- ريح نفسك أنا شيلتهم بإسم عيالك و أنا الواصية عليهم عشان ده حقهم اللي حرمتهم منهم طول السنين اللي فاتت.
أطلق قهقهة ساخرة ثم قبض علي خصلاتها و صاح بصوت فزع صغاره داخل الغرفة حيث أوصد عليهما الباب من الخارج:
- فاكراني أهبل يا بت عشان أصدق الحوار اللي ما يدخلش علي عقل عيل صغير، فوقي يا روح خالتك ده أنا حبشي نصار اللي يصيع علي بلد بحالها.
- اللي عندي قولته يا حبشي، عايز تصدق و لا ما تصدقش دي حاجة ترجع لك، و أنت عارفني ما بكذبش.
صفعها بقوة قائلاً:
- ما بتكذبيش اه لكن تسرقي، فلوسي فين يا مره.
صاح الصغيران بطرق عنيف علي الباب:
- ماما، ماما.
صاح بهما:
- أخرسوا بدل و عليا الطلاق من أمكم أجي أعلقكم بدالها.
أجهشت الأخري في البكاء فأخبرته بتوسل:
- خرج العيال و وديهم لخالتي يا حبشي، دول ملهمش ذنب.
- ذنبهم هو أن أمهم حرامية، خليهم محبوسين كده من غير ميه و لا أكل و أنتِ شرحه لحد ما تقولي علي مكان الفلوس.
ما زالت تبكي و قالت:
- يا خسارة يا حبشي، يا خسارة حبي ليك و أستحملت قسوتك و بخلك و أي حاجة عشان بحبك، عمري ما كنت أتوقع تعمل معايا كده، روح يا شيخ منك لله.
أخرج سيجاره من العلبة و قام بإشعالها ثم نفث الدخان من فمه:
- و النبي بلاش جو الصعبنيات ده يا ختي عشان أنتِ عرفاني كويس ما بياكلش معايا خالص، أنا كل اللي عايزه منك ترجعي لي فلوسي و أوعدك هخلصك من الشرير القاسي البخيل و أبقي روحي أتجوزي إبن خالتك السيس أهو ده مقامك.
رمقته بكل نظرات الكراهية التي تشعرها حياله الآن إلي هذا الحد عاشت معه في وهم كانت تدعوه الحب!
تذكرت حديث إبن خالتها الآن و شعرت بالفرق الشاسع بينهما، لكن ما الفائدة من الندم.
هيهات و أجفلها بدفن سيجارته المشتعلة في يدها المقيدة في المسند الجانبي للكرسي، فأطلقت صرخة ألم دوي صداها في كل الأرجاء.
صاح الصغار بذعر و خوف بمناداة والدتهما، لكن طغي صوت هذا الطاغي:
- قدامك دقيقة لو مقولتيش علي مكان الفلوس لهدخل للعيال دلوقت و هانزل عليهم ضرب بالحزام و خلي دماغك اللي أنشف من الحجر تنفعك.
رفع إحدي حاجبيه بكبرياء مُنتظراً إجابتها، أشتد بكائها أكثر:
- حسبي الله و نعم الوكيل فيك يا ظالم، منك لله.
وضع يده علي حزامه و شرع بفكه و بدأ العد:
- شكلك هاتضيعي الدقيقة في النواح، و فاكراني بهدد، طب إيه رأيك لأقطعه عليكِ قبل منهم.
و بالأسفل وصلت سيارة شرطة ترجل منها شريف و الضابط:
- أنت متأكد يا شريف إنه خدهم علي هنا؟
أجاب الأخر و يهرول إلي داخل البناء:
- قولت لك بعد ما نزلت بشوية قلقت عليها نزلت أشوفها لاقيتها راكبه تاكسي مع سواق شكله غريب متأكد إنه هو جوزها.
رمقه الضابط بإمتعاض و قال:
- يارب يطلع ظنك غلط، ربنا يستر و ما يكنش عمل فيها حاجة.
و بالأعلي تصرخ و تبكي في آن واحد بعدما أنهال عليها بحزامه مرتان،يصيح بصوت مُخيف :
- فلوسي فين يا وليه؟
و كاد يهوي عليها بالضربة الثالثة فأوقفه كسر باب الشقة و ولج الضابط و رجاله و كذلك شريف، فصاح الأول في رجاله :
- خدوا الحيوان ده علي البوكس.
زمجر حبشي كالمجنون:
- أبعدوا عني، أنا عايز فلوسي، فلوسي يا بنت الـ....
ركض شريف إليها و ينظر لها بحزن و خوف عليها،بدأ بفك قيودها:
- إهدي ما تخافيش هم خدوه خلاص، و أوعدك هاخدلك حقك منه و أدفعه تمن اللي عمله فيكِ.
أنتبه إلي صراخ و بكاء الأطفال، نهضت و ركضت إلي الغرفة:
- العيال حابسهم جوه و قافل عليهم بالمفتاح.
أشار لها بالإبتعاد قائلاً:
- أوقفي أنتِ بعيد.
ثم أمر الصغيرين بصوت جلي:
- محمد، بسنت، أبعدوا عن الباب يا حبايبي عشان هاكسروا.
و بالفعل بعدما نفذ الصغيران أمره، أخذ يدفع الباب بجسده بقوة حتي نجح في فتحه علي مصرعه، ركضت هدي نحو صغيريها و أحتضنتهما و بادلها العناق، قالت الصغيرة و تتفحص آثار الضرب علي وجهه والدتها:
- بابا ده وحش، أنا مش بحبه عشان سمعته بيزعق لك و بيضربك.
عقب شقيقها:
- ماما خلينا قاعدين عند خالتو و عمو شريف، مش عايزين نرجع لبابا تاني، أنا خايف منه.
عجز لسانها عن الرد، عانقتهما مرة أخري و تعتصر عينيها بألم، فكان ألم قلبها أقوي و أشد من ألم جسدها.
※ ـــــــــــــــــــــ ※
و داخل قسم الشرطة تقف ليلة و تبكي عندما قال لها الضابط:
- العياط مش هايفيدك بحاجة، أنتِ دلوقتي متهمة في قضية قتل عمار إبراهيم عبدالوهاب، أداة الجريمة لاقيناها عندك و رسالة من تليفونك اللي واضح جداً أنك كنتِ علي علاقة بالمجني عليه، و شكله كان بيهددك فقولتي تخلصي منه.
صاحت ببكاء و نفي:
- و الله ما قتلته، أنا فعلاً كنت أعرفه بس قبل ما أتجوز و هو كان بيطاردني بعد ما أتجوزت، و أخر مكالمة كان عايز مني 100ألف جنيه، شكله كان متورط في فلوس مع حد.
كان الضابط مُنصت لها جيداً فسألها:
- مين الحد ده؟
أخذت تجفف عبراتها بالمحرمة الورقية و أجابت:
- معرفش، كل اللي أعرفه قولته لحضرتك، بس و الله العظيم ما أقتلته و لا أعرف حاجة عن السكينة و معرفش مين اللي حطها عندي!
هز الأخر رأسه و قبل أن يتحدث قاطعه طرق إحدي العساكر:
- محامي المتهمة وصل يا فندم.
أشار له الضابط قائلاً:
- خليه يدخل.
ولج رجل في الأربعينات يبدو عليه الوقار و كان خلفه معتصم التي وقعت عيناه علي ليلة يرمقها بصدمة،لم يستوعب ما يحدث حتي الآن.
أعطي المحامي للضابط بطاقات الهوية الخاصة بهما:
- السلام عليكم، مع حضرتك مدحت وفيق المحامي يا فندم.
و تحدث الأخر:
- و أنا معتصم جوز مدام ليلة.
- أتفضلوا.
جلس الأخر أمام المكتب و قال:
- لو سمحت ممكن تسمح لي أقعد مع موكلتي عشر دقايق أفهم منها كل حاجة؟
خرج الضابط و من معه تاركاً ثلاثتهم، أنتفضت ليلة بعد غلق الباب لا سيما عندما رمقها معتصم بنظرة تحمل مئات من الأسئلة علي رأسها مَنْ هو عمار و ما العلاقة التي بينها و بينه؟
- مدام ليلة عايز حضرتك تحكي لي كل حاجة بالتفاصيل عشان أقدر أساعدك، الموضوع مش سهل دي جريمة قتل و أداة الجريمة علي حسب اللي عرفتوا من أستاذ معتصم طلعوها من مطبخك و ده لو دل يدل أن فيه حد واضح أنه مبلغهم عن التفاصيل دي، أنتِ كنتِ علي معرفة بالمجني عليه؟
أبتلعت لعابها بتوجس و توتر ثم أجابت:
- أيوه أعرفه.
و هنا كانت الصدمة لدي معتصم الذي لم يسمعها بأذنيه فقط بل كل حواسه أجمعها صاغية إليها و هي تسرد كل شىء منذ بداية علاقتها بـ عمار حتي وقت القبض عليها.
- أفهم من كده إنهم أتهموكِ بناءً علي الرسالة اللي لاقوها علي موبايل القتيل، و كمان السكينة اللي لاقوها دي صعبت موقفك خالص.
أخبرته بنبرة أوشكت علي البكاء مرة أخري:
- أنا ما قتلتهوش.
ثم نظرت إلي معتصم الذي أثر الصمت و أردفت:
- معتصم أنا و الله بحبك أنت هو كان مجرد علاقة و راحت لحالها قبل ما نتجوز، أنا خبيت عليك عشان خوفت تروح تتخانق معاه و يحصلك حاجة لا قدر الله،عمار مكنش ليه أمان و كان كل همي أنت.
أومأ لها قائلاً:
- ايوه ما أنا عارف بأمارة لما جالك في شقتنا و أنا مش موجود ، و لما نزلتِ السوق كان مستنيكِ يشوفكِ، و لما رجعتِ شوفتيني في وشك أتخضيتِ، و لا عايدة اللي شافته نازل من عندك و في مرة راحت وراكِ و لما شوفتيها هددتيها إن لو مابعدتش عنك و لو اتكلمت بحرف هتخلي اللي عشيقك يدلق علي وشها مية نار، و عشان يكمل جميله راح أغتصبها
و صورها فيديو بكده و هددها لو أتكلمت هينشر الفيديوهات دي علي النت، فأنتِ روحتي لها بعدها بيومين بعد ما عرفتِ اللي حصلها من عشيقك فضلتي تشتمِ و تزعقِ إنه إزاي عمل معاها كده،و الله أعلم يمكن ده اللي خلاكِ قتلتيه!
صاحت بدفاع و قلب محترق من تلك الإتهامات التي ألقاها عليها كوابل من الرصاص:
- كدب، كل ده كدب و الله ما حصل، كل اللي حصل يوم ما روحت السوق شوفته و مرة جالي فعلاً بس هددته لو ما بعدش هقول لأخويا و أنت عليه، و بعدها فضل يبعت ليا في رسايل و يتصل و أنا مكنتش بعبره، و لما أنت غيرت لي الخط قولت الحمدلله أرتحت منه لاقيته أتصل عليا علي الرقم الجديد و كنت هاتجنن عرفه إزاي!، و لما كلمني و طلب مني الفلوس ما أنكرش إنه صِعب عليا لما حسيت إنه في خطر بس قررت أقطع أي خيط ما بينا فبعت له الرسالة اللي لاقوها علي التليفون بتاعه، يعني لو كان كلامك حقيقي و قتلته زي ما بتقول مكنتش بعت له رسالة أدين بيها نفسي، و الله العظيم ما بكذب أنا قولت كل الحقيقة.
نهض و وقف بكل هدوء جعلها تشعر و كأنها علي حافة هاوية جبل شاهق، تفرقت شفتيه قائلاً:
- من غير ما تحلفي مصدقك، و أنا إبن أصول و هاقف معاكِ لحد ما نشوف إن كان كلامك صادق و لا كذب،و بعدها كل واحد فينا هايروح لحاله.
أتسعت عيناها و تجمدت أوصالها، و قبل أن تتفوه بكلمة دلف الضابط و قال:
- الوقت خلص يا حضرات.
سأله المحامي:
-طب وضع موكلتي كده هايكون إيه سعادتك؟
أجاب الأخر:
- هاتتحبس 4 أيام علي ذمة التحقيق و هاتترحل علي النيابة لحد ما يخلص تقرير المعمل الجنائي و تفريغ الكاميرات الموجودة قدام بيت المجني عليه.
※ ــــــــــــــــــــــــــ ※
عاد إلي المنزل و داخله صراع ما بين قلبه و عقله، كلما يتذكر إعترافها و كيف كانت تخدعه عندما رأي رسائل المرسلة إليها قبل ذلك و عندما سألها أنكرت عدم معرفتها به، و ما زاد شكوكه ما أخبرته به تلك الأفعي عايدة التي بخت سُمها في أذنه و لم يلبث دقيقة للتفكير في صحة أو كذب حديثها حتي تفاجئ بالقبض علي زوجته.
يشعر بالإختناق من فرط التفكير و الوقوع بين شقي الرُحا ود لو أن يطلق صرخة ليث مجروح علها تخفف وطأ الضغط عليه.
صعد الدرج فوجد والدته تنتظره:
- ليلة فين يا بني؟، و مين اللي قتلته؟
تركها و صعد إلي الأعلي و كأنه لا يسمع أو يري و أكمل صعوده حتي ولج إلي داخل منزله و صفق الباب بقوة لينفرد بـ ذاته و قلبه الجريح.
عادت نفيسة إلي داخل منزلها و تقول:
- يا عيني عليك يا بني، كان مستخبي لك فين كل ده.
بينما عايدة كانت تراقب ما يحدث و تنتظر وصوله علي أحر من الجمر لتعلم ما حدث مع ليلة، حدسها يخبرها أن الساحة أصبحت شاغرة أمامها و عليها أن تستغل تلك الفرصة و تكن بجوار معتصم حتي تستحوذ علي عقله و قلبه، هكذا صور لها شيطانها الفاجر.
ظلت تنتظر حتي غفت نفيسة في غرفتها، فقامت و أبدلت عبائتها السوداء بأخري ملونة و ملتصقة بجسدها حيث تظهر كل منحنيات جسدها، وضعت بعض مساحيق التجميل و تركت خصلات شعرها تنسدل بـ حرية علي طول ظهرها، أتممت هندامها بنثر قليل من العطر الفواح.
أخذت مفتاح منزله الخاص بحماتها ثم صعدت علي الفور لأعلي، قامت بفتح الباب و دلفت بهدوء تبحث عنه ببصرها في الأرجاء، أخترق أنفها رائحة دخان سيجارته، لكن رائحة تعلمها جيداً طالما كان جلال شقيقه يدخن هذا النوع من المخدر المسمي بـ (الحشيش).
البسمة شقت ثغرها و أظهرت تفاحتي وجنتيها، لمع بريق عيناها عندما رأته يجلس علي الأرض داخل غرفة النوم و جواره إطار صورة تجمعه هو و زوجته، يستند بـ ظهره إلي جانب السرير و يُريح رأسه إلي الخلف علي الفراش، ينفث دخان سيجارته.
أقتربت منه فأزاحت إطار الصورة بقدمها ثم نظرت إليه فوجدته مغمض العينين، هبطت علي عقبيها جواره، مدت يدها إلي ذقنه تتخلل بأناملها شعر لحيته، أنتفضت فجاءة و أبعدت يدها عندما فتح عينيه و رمقها بحدة يسألها:
- أنتِ إيه اللي جابك هنا؟
أجابت بنبرة أنثوية ناعمة و ضعف يأسر لُب أقوي الرجال:
- قلبي اللي جابني ليك، قالي أنك محتاج لحضن يحتويك في اللحظة دي.
و كادت تمد يدها إلي صدره فقبض علي رسغها و أقترب منها للغاية فـ ظنت إنه سيقبلها لكنه أخبرها:
- لو أنتِ أخر واحدة في الدنيا، فمن عاشر المستحيلات اللي في دماغك ده يحصل.
أزدردت ريقها ثم أخبرته:
- فوق بقي، أنا أول واحدة كانت في حياتك و هاكون الأخيرة.
رمقها بإزدراء قائلاً:
- جايبة الثقة دي منين،! شكلك غرقانة في الوهم، أبعدِ أحسن برضاكِ بدل ما أنا أخليكِ تبعدي غصب عنك.
و إذا بها نهضت لتجلس أعلي فخذيه و تقبض علي تلابيب قميصه و تخبره بشفتيها التي تقترب من خاصته:
- مش هابعد يا معتصم،و أنا فعلاً غرقانة بس مش في الوهم، غرقانة في حبك و نفسي أكون ليك، هاخليك تعيش أجمل أيام حياتك اللي جاية، هاكون خدامتك، مجرد إشارة من إيدك هاتلاقيني بين إيديك.
تفوهت تلك الكلمات بدهاء أنثي تنخدع بها قلوب الرجال عند سماعها، لم تمهله فرصة للإجابة، باغتته بقُبلة كانت لها السيطرة بها عليه بل كانت هيمنة إبليس تسيطر عليه و جعلته أغمض عينيه و بدأ بالرضوخ لها و يبادلها تلك القبلة المُحرمة حتي صدح صوت النور داخل عقله الشبه واعي من تأثير المُخدر عليه، كان صوتها الذي كان يبكي و يتوسل له منذ ساعات و هي تتدافع عن نفسها، أكتمل الصوت بصورتها و عيناها تذرف عبراتها التي هبطت كالجمار علي قلبه فمزقته لأشلاء تريد نهشها تلك الأفعي التي ما زالت تقبله بل و بكل جرأة قامت بجذب تلابيب قميصه فتطايرت أزراره.
تردد صوت نداء ليلته بإسمه داخل عقله و فؤاده، كان كافياً لجعله يفوق فجاءة، فتح عينيه و عاد إلي رشده، دفع تلك الحرباء عنه و نهض مُبتعداً عنها، أسندت يدها علي الفراش و نهضت تصيح به:
- أنت بتزقني!، للدرجدي هي مسيطرة عليك رغم إنها خانتك و كمان قتلت عشيقها عشان خايفة ليفضحها قدامك و تفضل عايش معاها واخد علي قفاك!
تملك منه غضبه فقام بصفعها علي وجهها قائلاً:
- أقسم بالله لولا اللي في بطنك لكنت جايبك من شعرك و جرجرتك علي السلالم و أرميكِ بره البيت كله، و كلمة تاني تخص ليلة حتي لو من بعيد مش هاتردد لحظة هاقطع لسانك بنفسي و أرميه لكلاب الشارع اللي هم أنضف منك.
دفعها من أمامه و ترك لها المنزل و غادر دون وجهة، خشية أن يأذيها أو يستسلم لكيدها طوال الوقت حتي توقعه في براثنها السامة.
الفصل التاسع عشر
تقف أمام الضابط و بجوارها المحامي الذي كلفه ابن خالتها من أجل محضر إختطافها عنوة و التعدي عليها، و في زاوية يقف هذا الهمجي مقيد اليدين و بجواره العسكري يمسك ذراعه.
تحدقه بطرف عينيها و لم تصدق في يوم من الأيام هذا كان زوجها و لديهما أطفالاً، كيف سولت إليه نفسه بأن يفعل بها ما أقترفه من تعدي من الممكن قد يصل إلي القتل إذا لم تبلغه عن مكان أمواله.
- مدام هدي، أمضي هنا.
قال لها الضابط و يشير إلي نهاية الورقة، أخذت القلم و ترددت في الإمضاء، نظر إليها المحامي و أومأ لها فقامت بتوقيع إسمها ثم عادت حيثما تقف.
نظر الضابط إلي حبشي بازدراء ثم عاد ببصره إلي هدي و قال لها:
- حضرتك كدة في أمان، الأستاذ هيتحول علي النيابة و بالمحضر ده لو رفعتي قضية طلاق هتكسبيها علي طول، لأنه زوج غير مؤتمن و غير أهل للثقة و لا عليكِ و لا علي عياله.
نظر إلي العسكري و بأمر أردف:
- خد المتهم علي الحجز.
ثم قال لهدي:
- تقدري حضرتك تروحي دلوقت.
أومأت في صمت و ذهبت، و في الخارج وجدت خالتها التي جذبتها بين ذراعيها:
- هدي حبيبتي، عامل فيكِ إيه ابن الحرام ده؟
تدخل شريف قائلاً:
- يلا يا أمي خلينا نمشي .
كان لا يتحمل النظر إلي حبشي، ود لو قام. بطرحه أرضاً و ينهال عليه باللكمات و هذا لما فعله في ابنة خالته، و هذا ليس بدافع الحب بل بدافع الغيرة و المروءة، يبغض الرجال الذين يحللون إلي أنفسهم التعدي علي المرأة.
دلفت هدي إلي داخل سيارة شريف و كذلك خالتها بجوارها، كانت الأخري تلتزم الصمت و تلاحظ نظرات شريف لها عبر المرآة و كأنه يسألها ماذا بعد؟
وصل ثلاثتهم إلي المنزل، و كانت تمسك الخالة بيد هدي:
- تعالي يا حبيبتي، تعالي أقعدي أرتاحي.
كانت تبحث بعينيها عن شىء ما فسألتها:
- فين ولادي؟
أجابت الخالة و تربت عليها بحنان:
- ما تقلقيش عليهم، أول ما وصلهم شريف أكلتهم و حمتهم و أخدتهم في حضني لحد ما ناموا، صعبوا عليا لما فضلوا يعيطوا خايفين عليكِ، منه لله أبوهم.
عقب ابنها قائلاً:
- خلاص هانت، بكرة المحامي هيرفع قضية الطلاق.
فقالت الخالة:
- أصبر عليها يا ابني لما تاخد نفاسها و ترتاح لها يومين، و بعدين ده قرارها هي اللي تقول تطلق و لا لاء.
نظرت إلي هدي الشاردة في الفراغ و سألتها:
- ناوية علي إيه يا بنتي؟
انتبهت إلي سؤال خالتها و رمقتها بتيه، نظرت إلي شريف المحتقن وجهه بالدماء من حالة الغضب التي يشعر بها كلما ينظر إلي آثار أيدي حبشي علي وجهها و الدماء المتجلطة علي جانب شفتيها.
أجابت و الحيرة تغلب أمرها:
- مش عارفة.
ليتها ما نطقت، هنا تحول شريف المعروف إنه هادئ الطباع إلي شخص آخر، صاح بصوت جهوري:
- مش عارفة إيه!، أنتِ لسه باقية علي واحد لولا جينا أنقذناكِ منه كان زمانه قتلك عشان شوية فلوس اللي عنده أهم منك و من ولاده!
أجهشت في البكاء، حدقته والدته بعتاب و لوم:
- وطي صوتك يا شريف و اهدي، مالك بتزعق لها كدة ليه، الست في حالة يعلم بيها ربنا مش قادرة تفكر، تيجي أنت و الزمن عليها.
ابتعد عنهم قليلاً، ولي ظهره إليهما و يزفر بقوة لعل يهدأ من روعه و يخبو غضبه الثائر، ألتفت إلي والدته و قال:
- عن إذنك يا أمي، سبينا لوحدنا خمس دقايق.
فقالت الأخري و تخشي علي ابنة شقيقتها من غضب ولدها:
- عارف لو زعلتها و الله يا...
- ما تخافيش يا أمي، عمري ما أقدر أزعلها و أنتِ أكتر واحدة عارفة كدة.
نهضت الخالة قائلة:
- إذا كان كدة ماشي، هادخل أقعد جمب الأولاد و خمسة و راجع لكم.
و عندما دخلت الخالة في احدى الغرف، سار الأخر إلي الكرسي المقابل لهدي و جلس و بهدوء تحدث:
- حقك عليا ما تزعليش مني، أنتِ ما تعرفيش جوايا إيه كل ما أبص لوشك و أشوف آثار ضربه ليكِ المعلمة علي وشك، بصي أنا مش هجبرك علي حاجة، و هاقف جمبك لحد ما تقفي علي رجلك و أي حاجة أنتِ عايزاها هتتنفذ، بس عايزك تفكري في نفسك و في عيالك قبل أي شىء.
نظرت إلي عينيه التي تخبرها بمدي حبه إليها و كيف يريدها أن تكون إليه زوجة و حبيبة، بينما عقلها بداخله صراع دائر لا تعلم ماذا عليها أن تفعل.
- أنا حالياً كل اللي في دماغي عيالي و عشانهم استحمل أي حاجة.
اندفع الأخر قائلاً:
- و ولادك هيبقوا عيالي و هخليهم يعيشوا حياة و تعليم و مستقبل أحسن، و طبعاً حقهم يشوفوا أبوهم بس طبعاً لازم يكون في محيط آمن ليهم.
حديثه كان صريحاً علي طلبه للزواج منها، و هي الآن ما زالت علي ذمة زوجها العفن البخيل.
نهضت و قالت:
- شريف، أديني فرصة حتي لو أطلقت لسه فيه تلات شهور عدة، ما ينفعش أتكلم و لا أقول حاجة غير لما يخلصوا.
أخبرها بإصرار:
- و أنا مش عايز حاجة غير كلمة موافقة و هاستني حتي لو سنة مش تلات شهور بس، ده أنا أكتر واحد يعرف معني الصبر.
شعرت بالضغط و هي في حالة لا تسمح بأي قرار حتي لو كانت لديها موافقة:
- و أنا مش قادرة أتكلم دلوقت.
عقد ما بين حاجبيه و ظل ينظر لها ثم قال:
- علي راحتك، أنا علي أي حال مشغول اليومين دول يعني مش هاتشوفيني كتير، ده غير إني مسافر بعد شهرين و إحتمال هقعد فترة كبيرة برة.
سألته و الحزن جلي في صوتها:
- و هترجع أمتي؟
نهض و وقف أمامها بمسافة قصيرة:
- مش عارف، بس بكلمة منك ممكن أرجع عن قرار السفر خالص، كله بأيدك أنتِ.
※ـــــــــــــــــــــــ※
أمام مكتب الضابط داخل قسم إمبابة، يجلس المحامي الموكل في قضية ليلة، يمسك بمجموعة من الأوراق:
- دي يا فندم بيانات بكل الأرقام و الرسائل الصادرة و الواردة للقتيل عمار، و اضح إن حد مسحهم وقت وقوع الجريمة و بحكم مهنتي و خبرتي قدرت أوصل لصاحبة رقم كانت بتبعت له رسايل مضمونها إنها بتحرض القتيل إنه يبتز مدام ليلة أو يبلغ جوزها الأستاذ معتصم إنهم كانوا علي علاقة ببعض.
سأله الضابط المحقق و ينظر إلي الأوراق:
- و دي مين دي اللي من مصلحتها تخلص من ليلة؟
ابتسم الأخر بثقة و يضبط من عويناته قائلاً:
- تبقي الأستاذة عايدة مرات أخو معتصم.
و في مكان آخر موحش و ألا هو الزنزانة حيث تجلس في ركن بعيد عن تلك النسوة و الفتيات اللاتي يضحكن و يتغامزن بينهن، قالت إحداهن بصوت مرتفع حتي تسمعه الأخري:
- و مالها دي من وقت ما جت عمالة تعيط زي اللي مات لها ميت.
عقبت فتاة أخري بسخرية:
- لا دي شكلها اتمسكت في شقة.
ردت فتاة ثالثة:
- دي شكلها صغير علي كدة، دي هتلاقوها اتقفشت مع الواد بتاعها بعد ما خرجوا من الدرس.
- يا ضنايا، صعبت عليا.
قالتها إحداهن فأطلق الباقي ضحكات سافرة
- طب أستنوا هاروح أسألها مش ممكن تكون زميلة لينا في الكفاح.
قالتها إمرأة ترتدي ثوب فاضح يبدو علي مظهرها إنها من فتيات الليل الماجنات، اقتربت منها و جلست بجوارها تتشدق بالعلكة:
- مال القمر قاعد لوحده ليه و عمال يعيط، ما تفرفشي كده محدش واخد منها حاجة.
رمقتها ليلة بازدراء ثم نظرت بعيداً مما أثار حنق الأخري، فصاحت:
- لاء يا حبيبتي ده أنتِ بصي عدل بدل ما أخزوق لك عينيكِ الحلوين دول، شايفة نفسك علي إيه يا بت.
و كادت تدفعها من يدها، أوقفها صوت إمرأة:
- نعيمة، أقصري الشر و أبعدي عن البنت.
نظرت المرأة إلي تلك السيدة الوقور و وقفت بإحترام قائلة:
- أمرك يا حاجة كوثر يا بركة القسم كله.
عادت إلي أدراجها، و قامت السيدة بالإشارة إلي ليلة:
- تعالي يا بنتي أقعدي جمبي.
توقفت ليلة عن البكاء و ترددت في الذهاب إلي الأخري التي أدركت هذا فأردفت:
- تعالي يا حبيبتي، ما تخافيش أنا زي والدتك.
نهضت و ذهبت إليها و بحذر جلست بمسافة قليلة، تمكنت رؤية وجهه تلك السيدة بوضوح، وجهها كالبدر المنير في ليلة التمام، و عليه إمارات الخير و السماح.
- أنا اسمي كوثر، دخلت هنا بسبب أشتريت معظم جهاز بنتي بالقسط، قدرت أدفع قسط ورا التاني و من أول خامس قسط مقدرتش، الأسعار ولعت و ما بقتش قادرة علي طلبات ولادي و لا جهاز أختهم اللي ما بيخلصش، صاحب المحل مقدرش يصبر عليا أكتر من خمس شهور، راح قدم فيا محضر و جابوني علي هنا، مش هانكر قلبي واكلني علي عيالي، بس اللي متأكدة منه ليهم رب يحميهم و يحفظهم لحد ما رجع لهم، بدعي لهم ربنا يوقف لهم ولاد الحلال، أنتِ بقي اسمك إيه؟
أجابت الأخري بإقتضاب:
- ليلة.
ابتسمت إليها و قالت:
- اسمك حلو أوي يا ليلة، بس شكلك صغير أنك تدخلي في مكان زي ده، عملتي إيه خلاهم يقبضوا عليكِ؟
أجابت الأخري قائلة بحزن دفين:
- أنا صغيرة في العمر فعلاً، بس لحد دلوقت الدنيا علمتني فوق عمري عمر تاني، كفاية إحساس الظلم في حاجة ما عملتهاش، يمكن ربنا بيعاقبني عن ذنوب أستهونت بيها، أو بدفع تمن غبائي لما خبيت عن جوزي حاجات يمكن لو حكيتها له من يوم ما عرفته، مكنش بقي ده حالي.
لم تفهم السيدة السبب كاملاً لكنها أدركت بأن ليلة وقعت في براثن الظلم، و تنتظر العدل من رب العباد، ربتت عليها و أخبرتها:
- بصي يا بنتي، خديها نصيحة من واحدة شافت قد اللي شوفتيه ميت مرة، مهما الدنيا غدرت بيكِ مفيش غيره اللي تلجأي له في أي محنة، أرفعي إيديكِ و قولي يارب و أشكي له همك و أدعي يقف جمبك و يظهر الحق و براءتك لو كنتِ مظلومة.
عقبت الأخري بكل ما يدور في رأسها و يفيض به قلبها الملتاع:
- أنا فعلاً مليش غير ربنا، من وقت ما بابا و ماما أتوفوا و سابوني لأخ عمري ما شوفت معاه حنية أخوه و أهله الجنيه و بس، وثقت و حبيت واحد و قولت يمكن ده اللي هلاقي معاه اللي أتحرمت منه من حب و حنان، أتاريه كان بيخدعني و بيتسلي بيا، و يوم ما ضحكت لي الدنيا و ربنا رزقني بالراجل الحنين اللي كنت بحلم بيه،حبني و حبيته و كأن الدنيا أستكترته عليه، في يوم و ليلة فرقتني عنه و
يا عالم دلوقت لسه بيحبني و لا كرهني بعد اللي حصل و هيبعد عني هو كمان زي كل اللي بعدوا و راحوا، أنا تعبت أوي، مبقتش قادرة، يارب.
ضمتها الحاجة كوثر إلي صدرها و أخذت تربت عليها:
- اهدي يا بنتي، سمي الله و أستغفريه، و ادعي بكل اللي نفسك فيه، ربنا أقوي و أحن من أي بشر.
- و نعم بالله.
قالتها ليلة و أخذت تبكي بحرقة و بألم، تنادي ربها من أجل نصرتها في تلك المحنة و يلهمها الصبر علي هذا الإبتلاء.
و في الخارج كان المحامي قد أنتهي من ما جاء إليه و تقديم بعض الأدلة التي ربما يجد بها براءة ليلة، قابله معتصم الذي ينتظر خارجاً و يحمل أكياساً كثيرة مليئة بالطعام و بعض المستلزمات.
- ها عملت إيه يا متر، الظابط شاف السجل و الرسايل؟
كان سؤال معتصم و الذي أجاب عليه المحامي قائلاً:
- قالي مش كفاية لنفي التهمة عن مدام ليلة، بس قالي لسه المعمل الجنائي و التحريات شغالة لأن فيه دايرة مفقودة، برغم أنهم لقوا أداة الجريمة و التليفون اللي جالهم من مجهول إن مدام ليلة المتهمة، لكن مفيش بصمات ليها، طبعاً ممكن يقولوا كانت لابسه جوانتي أو حاجة عازلة عشان البصمات، بس أحسن حاجة إن التحريات شغالة و لسه فيه أمل.
أغمض الأخر عينيه، كم هو قلبه يموت من الخوف و القلق عليها بالرغم من صدمته بعد علمه بكل شئ و موقفه الذي أتخذه اتجاهها لكن هذا لم يمنعه عن الوقوف جوارها و مساعدتها حتي إظهار براءتها.
ذهب إلي إحدي العساكر و أعطاه ورقة مالية من أجل أن يقوم بإيصال ما جلبه إليها من طعام و أشياء أخري.
※ــــــــــــــــــــــــــــ※
بداخل هذا البناء القديم، يتسلل إثنان من الرجال الملثمين حتي وصل كليهما إلي أعلي البناء حيث يوجد مسرح الجريمة، توقف إحداهما و قال للآخر:
- بقولك إيه يا واد يا مسعود، اللي بنعمله ده خطر أوي لو المعلم كشف الحكاية هيخلينا نحصل المرحوم، و لو البوليس طلع مراقب المكان هنروح في ستين داهية و برضو المعلم هيبعت اللي يخلص علينا عشان ما نعترفش عليه للحكومة.
لكزه الأخر و أخبره بصوت خافت:
- فال الله و لا فالك، ما تبطل نواح زي غراب البين، قولت لك نلاقي بس البضاعة و هناخدها و نقول يا فكيك و لا من شاف و لا من دري، و افترضنا الحكومة كانت مراقبة المكان، كده كده مخبيين وشوشنا و ساعة القدر برضو نجري.
تراجع الأول و قال بتردد:
- لاء يا عم أنا قلبي مقبوض، و المصلحة دي شكلها هتبقي خراب فوق دماغنا، تعالي نمشي.
- بطل ياض يا جبان و أنجز، تعالي دور معايا نشوف المرحوم كان مخبي الحاجة فين، أهو نصرفها و نطلع لنا بقرشين حلوين.
أذعن الأخر في النهاية، و ذهب معه و أخذ كليهما يبحثان، بينما توقف إحدهما في مكانه فسأله الذي يدعي مسعود:
- مالك ياض واقف كده ليه، ما تدور معايا.
- أصلي مزنوق و عايز أدخل الحمام.
حدقه الأخر بإشمئزاز قائلاً:
- روح الله يقرفك، فك زنقتك برة بعيد عني.
خرج و ابتعد عن الغرفة، أخرج هاتفه من جيبه و قد ظن أن الأخر لا يراه، بل كان مسعود يشعر بالخوف من أن صاحبه يوشي به إلي المعلم، خرج ليطمئن قلبه لكن رأي ما كان يخشاه، صاح و يوجه لكمة لصاحبه:
- يا ابن الـ... بتسلمني للمعلم يالاه.
دافع الأخر عن نفسه:
- أنت فاهم غلط، ده تليفوني جاله مكالمة، اسمعنـ...
سدد له لكمة أخري قوية، أخذ كل منهما يضرب الأخر و لا يدركان ما يحدث بالأسفل، فبعد أن صعد كليهما، قام مراقب العمارة بإبلاغ الضابط و الذي أرسل قوة للقبض عليهما.
- وقف ضرب منك ليه و سلموا نفسكم.
صاح بها الضابط، فقال مسعود:
- إيه ده يا باشا و الله ما عملنا حاجة، ده إحنا كنا بنهزر مع بعض مش أكتر.
حدقه الضابط بازدراء و أخبره:
- جايين تهزروا في مكان حصل فيه جريمة قتل!، هاتوهم علي البوكس.
※ـــــــــــــــــــــــــ※
و في المخفر صاح مسعود بألم بعد أن لطمه بقوة مساعد الضابط
- و عليا النعمة يا باشا معرفش حاجة أزيد من اللي قولته لك، إحنا كنا جايين نشقر علي عمار و منعرفش إنه أتقتل.
حدقه الضابط بإبتسامة ساخرة قائلاً:
- و أنا مقولتش إن عمار أتقتل، أديك وقعت بلسانك و كدبك أتكشف، ها مش ناوي برضو تقول مين اللي قتل عمار و إيه السبب؟ و إلا...
نظر الضابط إلي مساعده و الذي ألتقط شيئاً من منضدة خلفه فكان صاعق كهربائي، و عندما رآه مسعود لا سيما قام الضابط بتشغيله فأصدر أزيزاً، صاح بذعر مبالغ به:
- لاء، كهرباء لاء، مش عايز أموت، أبوس إيدك يا باشا هعترف بكل حاجة بس بلاش كهربا.
أستنتج الضابط من علامات الفزع علي وجه مسعود إنه لديه رهاب من الكهرباء، و بإبتسامة انتصار قال:
- أنجز و قول و إلا أنت عارف.
هز الأخر رأسه و عينيه لا تحيد عن الصاعق بذعر:
- هقول، هقول يا باشا، الحكاية هي أن عمار خد بضاعة مخدرات برشام علي حشيش علي كوك من المعلم بحوالي ربع مليون جنيه يمكن أكتر، المعلم أداله مهلة لو خلصت تكون فلوس البضاعة عنده و هدده و قاله لو ماجيبتش الفلوس و لا البضاعة رقبتك هاتكون التمن، المعلم افتكر إن عمار هيغدر بيه بعت واحد اسمه التروبيني، ده تخصصه يخلص أي عملية انتقام للمعلم من غير ما يسيب وراه دليل ضده.
أمره الضابط الذي ينصت له:
- ها، كمل و بعدين.
أجاب الأخر بتردد و خوف:
- و الله يا باشا زي ما حكيت لك بالظبط و الباقي حضرتك عارفه و هو قصة قتل عمار، و المعلم اطمن لما أستقص و عرف إن حد شال الموضوع، و ده خلاني أنا و الولاه مدبولي نيجي عشان ندور علي البضاعة اللي مرجعهاش عمار و قولنا خلينا نسترزق منها و من غير ما يعرف المعلم.
مد الضابط الصاعق بالقرب منه و يسأله:
- مفيش حاجة تاني؟
صرخ الأخر بخوف و فزع:
- أقسم بالله يا باشا ده كل اللي أعرفه و قولته لسعادتك.
- كده حلو أوي، يلا يا عسكري خدوهم الأتنين علي الحجز.
نفذ الأخر الأمر علي الفور، فقام الضابط بالإتصال:
- حضروا لي قوة بسرعة عندنا طالعة في المُنيب.
※ــــــــــــــــــــــــــــ※
و في اليوم التالي أستيقظت ليلة علي نداء العسكري لها:
- ليلة محمد نصار.
نهضت و أجابت:
- حاضر.
و قبل أن تغادر الزنزانة رمقتها السيدة كوثر بإبتسامة مشرقة و أخبرتها:
- أنا حلمت لك حلم جميل أوي، أبشري يا بنتي.
أومأت لها الأخري و ذهبت مسرعة عندما كرر النداء عليها مرة أخري.
و في مكتب الضابط، أشار إليها قائلاً:
- تعالي يا ليلة أتفضلي أقعدي.
وجدت المحامي يجلس و الضابط تظهر علي ثغره بسمة، جعلتها توترت أكثر، جلست بتوجس و سألته:
- خلاص هترحل علي النيابة؟
أجاب الضابط:
- لاء هتترحلي علي بيتكم، الحمدلله قبضنا علي المجرم إمبارح و جاري التحقيق معاه، لأن طلع الموضوع وراه عصابة مخدرات كبيرة كان شغال معاهم القتيل.
تذكرت أمر مكالمة عمار لها حين أتصل عليها ليستغيث بها و يريد المال.
- يعني أنا كدة براءة؟
أجاب المحامي الذي يجلس في سعادة من أجل موكلته:
- هنخلص حضرتك شوية إجراءات بسيطة.
و عقب الضابط:
- هتخرجي بضمان محل إقامتك و هتفضلي تحت المراقبة لحد ما تخلص التحقيقات مع المجرم، ألف مبروك علي البراءة.
- الله يبارك في حضرتك.
قالتها بشبه ابتسامة، و بعد أن أنتهت من إجراءات إخلاء سبيلها، خرجت من القسم لم تجد أحد، كانت تود إن يكون في إنتظارها لكن خاب ظنها.
وجدت المحامي يقف بجوار سيارة أجرة و أخبرها:
- مدام ليلة، تعالي أركبي السواق هيودي حضرتك علي البيت.
ذهبت و دلفت إلي داخل السيارة، أخذت تراقب الطريق من خلف النافذة و تبكي و تقول داخل رأسها:
- للدرجدي هونت عليك يا معتصم، بالتأكيد المحامي أتصل عليك و قالك إن أنا بريئة، اه لو تعرف أنا بحبك قد إيه و صعب عليا بعدك عني.
※ـــــــــــــــــــــــــ※
وصلت السيارة داخل الحارة و نزلت ليلة لتجد السيدات تتهافت عليها بسعادة:
- حمدالله علي السلامة يا ليلة.
و قالت أخري:
- و الله كنا بندعي لك يا بنتي، أصل معدنك طيب و عمرك ما تعملي اللي سمعناه ده.
هزت ليلة رأسها بإمتنان:
- شكراً.
أطلقت أخريات الزغاريد التي وصلت إلي والدة معتصم و عايدة التي نهضت من أمام التلفاز لتري مصدر الزغاريد، وقفت هي و حماتها في الشرفة ليجدن الجارة المقابلة تخبرهما بفرح:
- ألف مبروك يا أم معتصم، ليلة خرجت بالسلامة بس بيقولوا راحت عند بيت أخوها.
ردت الأخري بسعادة عارمة:
- يا فرج الله، لما أروح أكلم معتصم و أقوله.
و كانت عايدة تقف و الشر يتطاير من عينيها تقول بصوت خافت:
- هي البت دي مش عارفة أخلص منها!، صبرك عليا يا ليلة يا أنا يا أنتِ في البيت ده.
كانت نفيسة تتصل بولدها لكنه لم يرد كالعادة، فقالت:
- الله يسامحك يا معتصم، لازم أنزل أدور عليه و قبلها هاروح لـ ليلة أطمن عليها و أخليها ترجع لبيتها عقبال ما معتصم يرجع هو كمان، و ينوروا عليا البيت.
بعد قليل...
أخذت تطرق الباب، نهضت ليلة من فوق الأريكة بصعوبة:
- حاضر.
قامت بفتح الباب فوجدت والدة زوجها التي بمجرد رؤيتها قامت بعناقها:
- حمدالله على السلامة يا حبيبتي، و الله فرحت لك لما خرجتي و طلعتي براءة.
- الله يسلمك يا خالتي، أتفضلي اقعدي، تشربي إيه؟
قالتها و همت بالذهاب إلي المطبخ، فأوقفتها الأخري و قالت:
- تعالي هنا أنا مش جاية عشان أشرب، يلا تعالي معايا علي بيت جوزك.
وقفت ليلة و حدقتها بنظرة ساخرة:
- و فينه جوزي أصلاً؟، مجيت حضرتك علي عيني و راسي، لكن أنا مش راجعة و قولي لابنك ما تقلقش أنا مش عايزة أي حاجة منك، أنا ليا ربنا اللي أحن من الكل.
حدقتها الأخري بحزن و سألتها:
- ليه بتقولي كده يا حبيبتي، كفي الله الشر، إيه اللي حصل.
شعرت بدوار مفاجئ لاسيما بعد أن ازداد التوتر لديها:
- مفيش يا خالتي، كل اللي أقدر أقوله لك مش راجعة البيت تاني و...
لم يتحمل جسدها أكثر من ذلك، يكفيها ما تحملته الأيام السابقة و كانت لا تأكل و تكتفي بشرب الماء فقط مما جعلها نقصت وزناً قليلاً، و حول عينيها بدأت الهالات السوداء في الظهور.
وقعت مغشي عليها، صرخت والدة معتصم:
- ليلة؟
الفصل العشرون
مالها ليلة يا دكتورة؟
سألتها والدة معتصم، فأجابت الأخري و
تخلع السماعة الطبية من أذنيها:
- أطمني يا حاجة، مدام ليلة بخير الحمدلله، كل الحكاية إنها محتاجة تاكل و تتغذي و تبعد عن أي ضغط نفسي عشان ده عندها عملها أنخفاض في ضغط الدم، و ده خطر عليها و علي الجنين.
غرت نفيسة فاها عندما أخترقت أذنيها الكلمة الأخيرة، فسألت لتتأكد من سمعها:
- حضرتك قولتي جنين، هي حامل؟
أومأت لها الأخري بنعم و قالت:
- اه يا حاجة، و لازم تروح تتابع مع دكتور نسا عشان هيطلب منها تحاليل و يكتب لها علي شوية حاجات.
- الحمد و الشكر ليك يارب.
أخذت ترددها والدة معتصم، فكان وقع خبر حمل ليلة عليها جعل كان كنقطة الضوء وسط ظلام دامس، ذهبت مع الطبيبة و قامت بإعطائها المال، فقالت الأخري قبل أن تغادر:
- معلش يا حاجة ممكن تهتمي ببنتك شوية، واضح إنها ما بتاكلش بقي لها يومين.
ردت الأخري بحزن:
- حاضر يا دكتورة، هجيب لها كل حاجة نفسها فيها.
- إن شاء الله، سلام عليكم.
ردت الأخري التحية ثم أغلقت الباب و عادت إلي ليلة المستلقية علي الفراش دون حراك، و علي خدها عبرة كاللؤلؤة.
- ألف مبروك يا حبيبتي، ما تتصوريش أنا فرحانة قد إيه، يمكن أكتر من فرحتي لما عايدة حملت.
ليلة لا رد منها أو نظرة، فأردفت الأخري:
- أنا عارفة إنك زعلانة مني من كام موقف، أخرهم لما طلبت من معتصم يتجوز عايدة، بس و الله كان قصدي خير، عايزة أجمعكم كلكم تحت سقف واحد و أتباهي بيكم، أنا ما أنكرش كنت بغير علي ابني منك في بداية جوازكم، بس لما شوفت في عينيه إنه قد إيه هو بيحبك و عمري ما شوفته فرحان غير بعد ما أتجوزك، لاقيتني كنت غلطانة أوي في حقك، فبقولك حقك عليا يا بنتي متزعليش مني.
أعتدلت ليلة و قالت:
- خلاص يا خالتي، حصل خير.
عانقتها الأخري بسعادة ثم أخبرتها:
- بصي أنا عارفة مش هاتقدري تقومي، أنا هاروح البيت عندي هاجيب شوية حاجات و اعملك لقمة تاكليها، و لما تاكلي و تقومي هاخدك و ترجعي علي شقتك.
ألتزمت ليلة الصمت، ليس لديها طاقة للرفض أو الجدال أو التفكير أيضاً.
نهضت الأخري قائلة:
- هاروح بسرعة و مش هغيب عنك، لو فيه حاجة رني عليا.
※ــــــــــــــــــــــــ※
تركتها و ذهبت إلي المنزل، فوجدت عايدة ترتدي عباءة سوداء و تهم بالذهاب، سألتها:
- رايحة فين يا عايدة؟
حدقت الأخري بتوتر فقالت:
- مفيش، أصل قلقت لما لاقيتك أتأخرتي عند ليلة، فقولت أجي أشوفك و بالمرة أطمن عليها.
جلست نفيسة علي الكرسي و أطلقت زفرة ثم قالت:
- اسكتي يا عايدة ده أنا كنت هاموت من الخوف عليها، البنت يا قلب أمها مقهورة من اللي حصلها و اللي فهمته معتصم بعيد عنها المهم عماله أقولها أرجعي، و مرة واحدة أغمي عليها و وقعت من طولها، بعت عيل من عيال الحارة يبلغ الدكتورة اللي فاتحة عيادة علي الناصية، جت و كشفت عليها و طلع سبب إغمائها تخيلي إيه؟
عقبت الأخري بقلق و نيران الغيرة و الحقد تنهشها من الداخل:
- أوعي تكون...
صاحت حماتها بسعادة:
- يا ماشاء الله طلعت حامل.
- حامل!
رددتها عايدة بصدمة لم تنتبه لها الأخري، نهضت و أجابت:
- أيوه حامل، ربنا يقومكم بالسلامة أنتم الأتنيم و تملوا عليا البيت بالصبيان و البنات، لما أقوم بقي أعملها حاجة تاكلها دي يا ضنايا ما كلتش حاجة من وقت ما تقبض عليها، سيبتها قاعدة لوحدها و جيت، منه لله اللي كان عايز يحبسها ظلم، ربنا ينتقم من كل مفتري و ظالم.
قالتها و دخلت إلي المطبخ، بينما عايدة كانت تنظر في إثرها و الشر يندلع من عينيها، تتحدث داخل عقلها:
- و كمان حامل، أقسم بالله ما هخليكي لا تتهني أنتِ و لا اللي في بطنك، و لا يطلع عليكم صبح.
استغلت انشغال الأخري و غادرت المنزل علي الفور، كانت تهبط الدرج بخطي أشبه بالركض حتي خرجت من البناء، و لم تلاحظ ذلك القادم من الجهة الأخري، و قبل أن يدلف إلي البناء ألقي نظرة إلي التي تسير بخطي مسرعة، زفر بأريحية فكان لا يريد رؤيتها خاصة بعد ما حدث بينهما في أخر لقاء لهما عندما كان ثملاً.
بعد أن صعد الدرج وجد باب شقة والدته مفتوحاً، دخل ليطمئن عليها:
- سلام عليكم يا أمي.
شهقت والدته بفزع:
- بسم الله الرحمن الرحيم أنت جيت أمتي؟
أجاب و يتهرب من النظر إليها:
- لسه جاي دلوقت، هي ليلة فوق؟
تركت ما بيدها و رمقته بعتاب و قالت:
- لاء، ليلة رجعت علي بيت أخوها و روحت لها عشان اطمن عليها و أخدها ترجع لاقيتها رافضة ترجع و بتلوم عليك، أنت عملت لها إيه؟
لم يعلم بماذا يجيب، فقال بإقتضاب:
- مفيش.
- فاكرني هبلة يالاه، ده أنا أمك اللي مربياك و حفظاك من و أنت في اللفة، واضح أوي إن فيه حاجة و حاجة كبيرة كمان.
أخبرها بإمتعاض لا يريد الإفصاح عن أي شئ:
- أرجوكِ يا أمي، دي حاجة ما بيني و ما بين ليلة.
- يعني إيه؟، أنا اللي فهمته منها إنك مسألتش عليها و المفروض تكون أول واحد مستنيها لما خرجت من القسم، أستغربت أنت مش موجود إزاي.
زفر بضيق و فاض الأمر به:
- حضرتك عايزة مني إيه دلوقت؟
رفعت حاجبها و سألته و القلق ينهش قلبها:
- عايزة اعرف أنت ناوي علي إيه يا ابن بطني، لأن شكلك مش مطمني و قلبي بيقولي أنك ناوي علي نية سودة.
وصل إلي ذروة صبره الذي نفذ للتو فأخبرها بصوت مرتفع:
- أيوه، أنا هطلقها، خلاص أرتاحتِ!
※ــــــــــــــــــــــــــ※
و لدي ليلة بعد أن تغلب عليها النوم، أيقظها رنين جرس المنزل، زفت بتأفف لم تكن قادرة علي النهوض، لكن تذكرت أمر والدة زوجها، لابد إنها هي حيث أخبرتها إنها ستعود إليها.
نهضت بثقل و قالت بصوت يكاد مسموعاً:
- حاضر، جاية أهو.
سارت بخطوات بطيئة من الوهن حتي وصلت إلي الباب و قامت بفتحه، تفاجئت بالتي تقف أمامها و ملامح وجهها لا تنذر سوي بالشر.
- عايدة؟
دفعتها الأخري بكتفها و دخلت دون أن تسمح لها ليلة بذلك و قالت ساخرة:
- أيوة عايدة، إيه مكنتيش عايزة تشوفيني؟
أجابت ليلة بنفي قائلة:
- لاء، يعني مش عايزة أشوفك ليه؟
جلست علي أقرب كرسي و وضعت ساق فوق الأخري:
- أنا أصلاً مش جاية عشان أطمن عليكِ، أنا جاية عشان حاجة هعملها بس قبلها أحب أعرفك إن معتصم قبل ما يكون ليكِ كان ليا أنا كمان.
قرأت علامات الدهشة و التعجب علي ملامح ليلة فأردفت:
- أنا و معتصم كان بينا قصة حب من زمان، كنت بشتغل في محل تصوير و جمب المحل سايبر بتاع واحد صاحبه، كان كل يوم يجي له مخصوص عشان يشوفني، مرة في التانية و حصل ما بينا كلام، من أول نظرة عرفت إنه واقع في غرامي و مستني مني رد، طلب مني نخرج، خرجنا و اتفسحنا و في كل مرة أشوف في عينيه نظرة حب ما شوفتهاش في عيون أي راجل قبل كدة، جه واحد صاحبه اسمه سعد منه لله كنت أعرفه قبل معتصم و لما عرف بقصتي أنا و معتصم، راح فبرك حوار و قدر يفرق ما بينا، يشاء القدر في نفس الوقت ده صاحب محل التصوير لمح لي إنه عايز يتجوزني و هايجيب لي كل اللي أنا عايزاه بس بشرط جوازنا هيكون في السر.
نهضت و سارت إلي النافذة تنظر إلي الشارع و تسطرد:
- أنا زي الهبلة طمعت و بدل ما أحافظ علي حب معتصم ليا و أدافع عن نفس قدامه، بيعته و قولت له يبعد و ينساني، و أتجوزت أنا و صاحب المحل اللي كنت شغالة فيه، بس عرفي، مكنتش أعرف إنه متجوز أو هو كان مخبي عليا، شهرين و مراته عرفت، حد شافنا و إحنا خارجيين مع بعض و راح قالها، في لحظة غدر باعني و قطع الورقتين اللي ما بينا، قعدت أترجاه إنه ما يسبينيش و لو أهلي عرفوا ممكن يقتلوني، عايرني و قالي فين أهلك دول، أبوكِ اللي إزازة الخمرة ما بتفرقش إيده و لا أمك اللي بعد ما أتطلقت سابتك أنتِ و أخواتك و راحت أتجوزت، حسيت وقتها إن حق معتصم بيترد له، كنت ضايعة مش عارفة أعمل إيه، شيطاني خلاني أروح أعمل عملية و أرجع بنت بنوت عشان أقدر ألاقي ابن الحلال، بعدها قعدت أدور علي معتصم عرفت إنه سافر، و في يوم كنت بدور علي شغل قابلت جلال الله يرحمه، كان فاتح محل في العتبة طلبت أشتغل عنده، لاقيته أول ما بص لي قالي أنا هقولك علي حاجة أحسن من الشغل، و طلب إنه يتجوزني علي سنة الله و رسوله، طبعاً فرصة ما تتعوضش، و بعد ما كتبنا الكتاب، أكتشفت إنه يبقي أخو معتصم، عرفت قد إيه الدنيا ضايقه و مهما هربت من الماضي هتلاقيه ملحقك طول العمر.
سألتها ليلة بعدما ابتلعت غصتها:
- و معتصم عمل إيه أول ما شافك؟
حدقت إليها بإبتسامة سخرية ثم أخبرتها:
- اتصدم، كانت أول اجازة ليه لما رجع من برة و كنت فاكرة نفسي نسيته و اعتبره ماضي و انتهي، لاقتني بتشد له أكتر، عايزاه ليا بأي طريقة، عرضت عليه كتير إننا نهرب و نتجوز و يسامحني عن اللي فات، رفض و أستحقرني ما صدقتش إنه معتصم اللي عرفته زمان خصوصاً بعد ما شوفت في عينيه كمية كره ليا، ما أستحملش و سافر بعد أسبوع علي طول، فضل ما ينزلش كام سنة لحد ما نزل السنة دي، و ياريته ما نزل، قرر إنه يتجوز و جيتي أنتِ خدتيه مني بعد ما كنت خلاص هرجعه ليا بطريقتي.
※ـــــــــــــــــــــــــــ※
- أنت أتجننت!
صاحت بها والدته بعدما صرح عن ما ينوي عليه، فأجاب الأخر:
- لو سمحت يا أمي، دي حياتي و ياريت محدش يدخل فيها.
أخذت تربت بحدة علي كتفه و تقول:
- دي ما بقتش حياتك لوحدك يا قلب أمك، مراتك لسه الدكتورة كانت كاشفه عليها و طلعت حامل.
هبط الخبر فوق رأسه كالصاعقة
- حامل!
رددها بصوت خافت، فأخبرته والدته:
- أيوه حامل، و كان مغمي عليها من قهرتها منك، ده بدل ما تروح تطمن عليها و تقولها حمدالله علي السلامة، جاي تقولي هتطلقها!،
ما تقولي له حاجة يا عايدة.
عقد ما بين حاجبيه يتذكر أمر عايدة الذي رآها بالأسفل في الشارع
- عايدة شوفتها كانت في الشارع و بتمد، هي رايحة فين؟
رفعت كتفيها إلي أعلي و أخبرته:
- معرفش.
ضرب قلبه شعور مخيف و كأن صوت يأمره بالذهاب إلي زوجته.
- ليلة، أنا لازم أروح لها.
رفعت والدته يدها إلي السماء:
- ربنا يهديك يا بني و يبعد عنكم الشيطان أنت و مراتك.
ذهب إليها راكضاً، و هذا بعد ما شعر بأن هناك خطر يحيط بزوجته، فإنه يعلم عايدة جيداً، و هذا بعدما علم من المحامي إنها هي التي قامت بتدبير المكائد لليلة حتي لو جعلتها متهمة في قضية قتل.
وصل إلي البناء بلهاث، توقف أمام باب الشقة و يستمع إلي الحوار الدائر بين عايدة و ليلة التي تصيح بصعوبة:
- أنتِ إستحالة تكوني بني آدمة طبيعية، ربنا أدالك فرصة تتوبي و تتعدلي، لكن طلعتي ما تستهليش.
أخرج هاتفه و ضغط علي علامة التسجيل،
بينما بالداخل ردت عايدة بزهو و فخر كأنها ستخبرها أمراً عظيماً:
- أومال لو تعرفي إن أنا كنت علي تواصل مع عمار و أنا اللي أديته له رقمك الجديد و كنت متفقة معاه إنه يفضل يزن عليكِ عشان تطفشي و أنا من ناحية تانية أخلي معتصم بنفسه يكرهك بعد ما يشوفك واحدة خاينة، و عشان هو كان عيل و.... أعتدي عليا بالغصب، أهو خد جزاءه و أتقتل، و زي ما أستغليته و هو عايش، أستغليته و هو ميت و أخدت السكينة اللي أتدبح بيها حطتها لك في المطبخ و بلغت عنك في نفس الوقت، لكن أنتِ زي القطط بسبع أرواح كل ما أدبر لك مصيبة تطلعي منها.
تراجعت ليلة إلي الوراء و بتوجس سألتها:
- مش خايفة لأروح أحكي لمعتصم و مامته اللي حكتيه دلوقت؟
أطلقت ضحكة الشر عنوانها و قالت:
- مش لما تلحقي تروحي لهم الأول، أنا خلاص مش هدبر لك مصايب تاني، المرة دي أنا هخلص عليكِ بنفسي.
زمجرت و أنقضت عليها، أخذت ليلة تركض و تحاول أن تدافع عن نفسها، في ذات اللحظة اقتحم معتصم الشقة و قبض علي ذراع عايدة التي كانت كالوحش الضاري.
- أوعي سيبوني أقتلها و أخلص منها.
دفعته بقوة فأطرحته علي الأرض، و أستطاعت في القبض علي عنق ليلة، تقوم بخنقها، كانت الأخري في حالة ضعف و هزال لكنها أخذت تقاوم حتي تمكن معتصم من جذبها بالقوة و ضربها بحافة يده علي جانب موضع عنقها المتخفي أسفل الحجاب مما أدي إلي إنها تفقد الوعي في الحال.
تركها و جذب ليلة بين ذراعيه، يسألها بقلق و خوف:
- أنتِ بخير؟
أخذت تتحسس عنقها المحتقن بحمرة الدماء آثار قبضة عايدة و قالت:
- بخير، بخير الحمدلله.
※ـــــــــــــــــــــــــ※
تم القبض علي عايدة بتهمة تضليل العدالة و هذا بعدما قدم معتصم تسجيل إعترافها و إصرارها علي التخلص من ليلة.
و في مكان آخر بداخل مصحة نفسية، يجلس حبشي علي التخت في حالة لا يرثي لها، يمسك في يده ورق مقصوص في حجم العملة الورقية و أمامه صندوق خشبي صغير، يمسك كل ورقة علي حده و يضعها قائلاً:
- أدي جنيه و دي خمسة، و دي ١٠٠، و لو حطينا دول هيبقو خمسة آلاف.
تلفت من حوله بتوجس، يخشي أن يراه أحد و هو يخبئ ما يظنها أمواله، أغلق الصندوق ثم قام برفع الفراش و خبأه أسفله:
- كده هدي مش هتشوفهم و لا هتاخدهم تاني.
و أطلق ضحكة هيسترية، فهو بالفعل فقد عقله بسبب صدمة فقدانه لماله الذي كان يجمعه طوال السنوات و أخذته هدي التي أصبحت طليقته بعد رفع دعوي طلاق و سرعان ما أخذت الحكم بعد أن قدم المحامي الشهادة الصحية الخاصة بحبشي من المصحة النفسية.
و لدي هدي التي كانت تمكث لدي خالتها بعد. إصرار من الخالة و هذا خوفاً و حرصاً عليها و لكن الأمر الخفي هي وصية و إصرار شريف و إتفاق بينه و بين والدته لا تعلمه الأخري، و كان الأخر يهاتفها بشكل يومي ليطمئن عليها، كان حديثها دائماً معه مقتضباً، فقطع الإتصال مرة واحدة، أجرت هي الإتصال عليه و كان الأخر لا يجيب مما أثار خوفها، وقعت عيناها علي تاريخ اليوم في النتيجة المعلقة علي الحائط و تذكرت إنه قد مر شهران بالفعل منذ أخر لقاء بينهما و إنتظاره لكلمة يطوق لها شوقاً.
نهضت بفزع و ذهبت إلي خالتها في غرفتها وجدتها تقرأ آيات الله بعد أن أدت فرضها، وقفت أمامها ريثما قالت:
- صدق الله العظيم.
رفعت الخالة عينيها إليها و سألتها:
- فيه حاجة يا هدي؟
أجابت الأخري بتوتر و سألتها:
- هو شريف بيكلمك، أصله بقي له يومين ما أتصلش و جيت أتصل بيه ما بيردش.
خلعت الخالة عويناتها الخاصة بالقراءة و أخبرتها بهدوء:
- هو ما بيتصلش عشان مشغول و كان بيحضر للسفر، و كان مكلمني الصبح قالي إن ميعاد طيارته الساعة ستة المغرب.
نظرت هدي في هاتفها لتجدها الخامسة و خمسة عشر دقيقة، شهقت و قالت:
- ده فاضل ساعة إلا ربع علي الطيارة، ليه يا خالتي ما قولت ليش من بدري؟
تنهدت الخالة و أجابت:
- و هيفرق معاكِ في إيه، ما أنتِ ما بتسأليش عليه، و كلامك كله معاه كان علي قد السؤال، و ابني ما بيحبش يغصب حد علي حاجة.
سألتها مرة ثالثة بلهفة، فالوقت ليس في صالحها و عليها أن تلحق به قبل خسارته:
- هو فين كده دلوقتي؟
- زمانه بيجهز و نازل دلوقت لأن المطار قريب منه.
فقالت لها الأخري و يبدو عليها العجلة من أمرها:
- خلي بالك من محمد و بسنت، أنا نازلة.
قالتها و ذهبت تبدل ثيابها و غادرت المنزل في دقائق، أشارت إلي سيارة أجرة و أخبرت السائق بالمكان الذي يمكث فيه شريف، و عندما اقتربت السيارة من البناء، وجدت شريف قد ولج إلي داخل السيارة التي سوف توصله إلي المطار، أنطلقت به، فصاحت في السائق:
- معلش ممكن تطلع ورا العربية دي بسرعة.
نفذ الأخر طلبها، أسرع خلف السيارة، و في طريق السيارات، أقتربت السيارة التي هي بها من السيارة الأخري حيث يجلس شريف.
قامت بفتح زجاج النافذة و قامت بالنداء عليه:
- شريف، يا شريف.
و كان الأخر ينظر إلي شاشة هاتفه و لم يسمع شيء و هذا لأن الزجاج بجواره مغلقاً، رأي سائقه عبر المرأة هدي التي تناديه بكل قوتها:
- لو سمحت يا فندم، فيه واحدة ست في العربية اللي جمبنا عماله تنادي علي حضرتك.
ألتفت ينظر من خلف النافذة المغلقة، فتح الزجاج و حدق إليها يسألها:
- إيه اللي جابك ورايا؟
صاحت بجملة واحدة:
- أنا موافقة.
لم يصدق ما سمعه، فأشار لها نحو أذنه لتكرر ما تفوهت به، فصاحت مرة أخري:
- أنا موافقة نتجوز.
أسرع قائلاً إلي السائق:
- وقف لو سمحت علي جمب.
و فعلت هي المثل، فتوقفت السيارة التي بها، ترجل كليهما و تقابلا و أعينهم تنضح بالسعادة و الفرح
حاول أن يهدأ روعه ليهدأ أيضاً قلبه الذي ينبض بقوة، و قال:
- و أنا أوعدك طول ما أنا فيا نفس هشيلك جوه عينيا، بحبك.
حدقت إليه بسعادة و خجل معاً ثم أجابت:
- و أنا كمان...
سألها بلهفة:
- و أنتِ إيه؟
نظرت إلي أسفل و خديها يضربهما حمرة الخجل:
- أنا كمان بحبك.
※ـــــــــــــــــــــــــــ※
و لدي ليلة بعد أن قام معتصم بإنقاذها، أمرها بالعودة إلي منزلهما و هذا بعد إصرارها علي المكوث في منزل عائلتها خاصة بعد علمها ما حدث إلي شقيقها و بالرغم ما كان يفعله به أشفقت عليه و دعت له بالهداية.
لكن بعد أن عادت و ظنت إنه قد غفر لها و يعود إليها، تفاجئت إنه جعلها تعود من أجل أن يعتني بها حتي تضع مولودها و سوف يقرر حينها ماذا يفعل معها، كان ينفصل عنها في غرفة أخري و لا يتحدث لها سوي في الضرورة.
كان هو بداخل غرفة و هي في غرفة أخري، تبكي علي جفاءه و قسوته برغم وجوده معها في نفس المنزل، البعد في القرب من أسوأ أنواع الفراق.
و في المساء، كانت تجلس داخل الغرفة و تعلم بوجوده في الغرفة الأخري، كم آلامها ذلك و شعرت بالقهر، و في خضم تلك الأفكار، انقطع التيار الكهربي فجأة، أنتابها خوف شديد من الظلام، أخذت تردد بعض الأذكار ليطمئن قلبها، نهضت و مدت يديها تلمس كل ما يقابلها حتي أستطاعت الوصول إلي الغرفة المجاورة حيث يغط في النوم أو هكذا تعتقد، فكان مستيقظ لكن لأنه يغلق الباب و الإضاءة مغلقة أيضاً لذا لا يعلم بإنقطاع التيار.
قامت بإدارة المقبض و ولجت تناديه بنبرة لمس بها رجاء:
- معتصم، يا معتصم.
حاولت الوصول إلي السرير الذي يتمدد عليه، أجاب بجدية و إقتضاب:
- نعم؟
وضعت يدها علي السرير لتجلس فقالت:
- النور قطع و أنا بخاف من الضلمة.
بمجرد أن سمع كلماتها ابتسم ثم تصنع عدم الإكتراث قائلاً:
- و أنا أعملك إيه؟
- ممكن أقعد معاك لحد ما النور يجي.
أطلق زفرة و نهض يلتقط هاتفه من فوق الكمود و قام بتشغيل ضوء الفلاش، رآها تجلس علي طرف الفراش و تحدق إليه بخليط من النظرات الرجاء و الخوف و أخيراً الندم و طلب السماح.
تفوهت بتوتر تخشي من ردة فعله:
- مش كفاية بُعد، بقي لنا أكتر من شهرين يا دوب الجواب علي قد السؤال، و أنت في أوضة و أنا في أوضة زي الأغراب، أتكلم، عاتبني، طلع كل اللي في قلبك بدل ما أنت سايبني هاموت من كتر التفكير.
حدقها بذات النظرة التي رمقها بها في المخفر عندما علم بكل شئ:
- سكوتي أحسن لك بكتير، لأن لو أتكلمت كلامي هيزعلك.
باغتتها غصة علقت في حلقها و قلبها يخفق بقوة من كلماته و نظرته التي تمنت أن يقتلع قلبها بيده و لا ينظر إليها هكذا.
- طيب لما أنت شايل مني أوي كدة، ليه خلتني أرجع؟
- لأن واخد عهد علي نفسي، عمري ما أتخلي عنك.
بدأت تتجمع الدموع في عينيها و قالت بصوت يوشك علي البكاء:
- بس أنت أتخليت، عايش معايا و بعيد عني في نفس الوقت، عقابك ليا مش قادرة أستحمله، عارفة إني غلطت لما خبيت عليك، بس برضو أنت غلطك ما يفرقش عن غلطي، خبيت عليا إن مرات أخوك كانت البنت اللي بتحبها، و علي كلامها اللي قالته ليا شكلها كانت بتحاول معاك تكون ليها، و اللي زي عايدة دي ممكن أتوقع منها أي حاجة، و قلبي بيقولي مليون في المية حصل ما بينكم مواقف و محاولات منها و أنت بالتأكيد مخبيها عليا، صح؟
أثر الصمت و يتذكر تلك المشاهد لاسيما الموقف الأخير الذي حدث بينهما بعدما تم القبض علي ليلة.
نهضت و صاحت به:
- يعني إحساسي طلع صح، طيب أنا علي الأقل يشهد ربي عليا من ما أتجوزتك صونت عرضك و شرفك في غيابك قبل حضورك، و لما خبيت عليك تهديدات عمار ليا مش عشان خوف منك، عشان حاجتين أولهم عارفة أنك دمك حامي و مش هاتسكت و ممكن كنت هتودي روحك في داهية، الحاجة التانية خوفت لتفهم غلط و تسيبني و تبعد بعد ما قلبي أتعلق بيك و حبيتك، أي واحدة فينا قلبها مليان أسرار، ساعات البوح بيها زي ما بيرفعها لسابع سما ممكن يخسف بيها لسابع أرض، و أنا مكنتش عايزة غير بر الأمان و هو حضنك.
لم تستطع السيطرة علي دموعها التي تحررت علي وجنتيها كمجري نهر منهمر، نهضت و أتجهت نحو الباب:
- أنا هامشي و هاقعد في بيت أهلي، لأن خلاص ما بقاش عندي طاقة أستحمل.
و قبل أن تخطو قدمها خارج الغرفة و جدت يده تجذبها و جعلها ترتمي علي صدره، ينظر إلي عينيها التي تصل إليها إضاءة الفلاش الخافتة، قال لها بكل جوارحه:
- أهلك و ناسك هما أنا، و قسماً باللي خالقني و خالقك، ده عمره ما عرف يعني إيه حب غير علي إيديكِ.
أشار لها إلي قلبه و أردف:
- أنا سبب زعلي منك هو إن كل ما أتخيل إن الحيوان ده كان بيكلمك أو بيشوفك، دمي بيغلي و حظه إنه أتقتل، عشان لو كان عايش كنت أنا اللي خلصت عليه بنفسي، اليومين اللي بعدت عنك فيهم لما كنتِ في الحجز، كان كل دقيقة بتمر عليا كنت بتعذب فيها، عاقبت نفسي قبل ما أعاقبك، أكتشفت أن كلمة حب دي قليلة أوي علي اللي جوايا ليكِ، ليلة أنا بعشقك أوي.
أنهي حديثه بإلتقام شفتيها في قبلة بث إليها من خلالها كل مشاعره و هيامه، عانقها بشوق الغائب الذي عاد إلي أرض وطنه بعد عذاب الغربة، تحولت القبلات إلي همسات و نظرات و لمسات أنتهت بإتحاد جسديهما في تناغم و عشق فاضت الأفئدة به فأصبح التيم و الهيام عنوان قصة عشقهما.
※ــــــــــــــــــــــــــــ※
بعد مرور شهر و نصف تم عقد قران هدي و شريف في حفل عائلي، بعد أن أنتهي أخذها إلي الساحل الشمالي ليقضي معها أجمل ليالي العشق و الغرام، فها هو قد فاز بحب عمره بعد صبر سنوات.
و في يوم عاد من الخارج يبحث عنها وجدها تقف في المطبخ تعد الطعام و لم تنتبه إليه، مد يديه إلي خصرها ليعانقها من الظهر فشهقت بفزع.
- مش تكح و لا تعمل صوت بدل ما تخضني؟
جعلها تلتفت إليه و قال:
- سلامتك يا روحي، أصل بصراحة أول ما شوفتك نسيت نفسي و لاقيتني بحضنك، أصلك وحشاني أوي.
ابتسمت وقالت بمشاكسة:
- لحقت أوحشك و أنت لسه سايبني من الصبح!
- أنتِ أصلاً بتوحشيني و إحنا مع بعض، فما بالك لما ببقي بعيد عنك و لو دقيقة.
قالها و أختطف قبلة ناعمة من شفتيها
و بعدما حرر موطن كلماتها من خاصته، قالت:
- روح غير هدومك، عقبال ما أحط الأكل.
أخرج من جيبه علبة مخملية و قام بفتحها ليظهر منها خاتم تتوسطه ماسة:
- كان نفسي أشتريهولك قبل كتب كتابنا بس مكنتش ظروفي متظبطة، و الحمدلله من يوم ما بقيتي مراتي و ربنا رزقني من وسع.
- حبيبي ربنا يخليك ليا، بس أنت مش مخليني محتاجة حاجة أبداً، و الخاتم ده شكله غالي أوي.
أمسك يدها و قام بتقبيل راحة كفها:
- أنا لو بأيدي، أجيب لك نجمة من السما، و الغالي أتعمل علشانك.
حدق إليها بابتسامة ماكرة و اخبرها بنظرة شوق عاشق متيم و أردف:
- أنا مش عايز أتغدي.
سألته بدلال و تتغنج بين يديه:
- أومال عايز تاكل إيه؟
- عايز أكلك أنتِ.
قالها و ألتقط شفتيها و عانقها بقوة، يريد أن يخبئها بين أضلعه، كل يوم يزداد عشقه نحوها، فكل منهما كان للأخر الفوز بعد صبر و عناء.
※ـــــــــــــــــــــــ※
بعد مرور خمسة أشهر...
أستيقظ معتصم بفزع علي صوت صرخات ليلة التي لم يعرف النوم درباً إلي عينيها منذ الأمس، بدأت آلام المخاض تتزايد حتي وصلت ذروتها في الصباح الباكر، و لم تتحمل كبت الألم أكثر من ذلك.
- ألحقني يا معتصم، أنا بولد اه.
صرخة ألم و تقف تستند علي الحائط داخل المرحاض.
نهض و ركض إليها:
- حبيبتي معلش و الله نمت غصب عني، ثانية هاتصل بهدي و لا أقولك أتصل علي الدكتورة.
كانت تقف منفرجة الساقين و بملامح متألمة تخبره:
- مش قادرة أتحرك من مكاني.
اقترب منها و أمسك بيدها يسندها
- يا قلبي تعالي نامي علي السرير، هنادي لك علي أمي عقبال ما أروح أجيب لك الدكتورة عشان الوقت ده بالتأكيد مش في العيادة أو المستشفي.
صرخت بألم:
- لاء، خليك جمبي ما تسبينيش.
حاوط كتفيها بذراعه و قام بتقبيل رأسها:
- معلش يا حبيبتي، أستحملي.
تحدث مع أحد أصدقائه ليحضر إليه سيارة أجرة أتت في دقائق لا تذكر، حمل ليلة علي ذراعيه و نزل الدرج ثم وضعها داخل السيارة و جلس بجوارها، يمسك بيدها و يمسح علي رأسها يزيل قطرات العرق من فوق جبهتها.
و في داخل المشفي، بمجرد أن دلفت غرفة العمليات تمت الولادة علي الفور.
و في غرفة تملؤها الزينة و البالونات، تحمل هدي الرضيعة و تنظر لها بسعادة:
- بسم الله ماشاء الله، بنوتة زي القمر، ربنا يبارك لكم فيها و تفرحوا بيها، و حمدالله على سلامتك.
عقبت ليلة التي تمسك بيد معتصم:
- الله يسلمك يا هدي، و ربنا يقومك بالسلامة.
أعطت هدي الرضيعة إلي والدة معتصم التي حملتها بحرص:
- بسم الله ماشاء الله.
و نظرت إلي ليلة:
- حمدالله علي السلامة يا بنتي.
ابتسمت الأخري و قالت:
- الله يسلمك يا ماما.
كان شريف يقف في زاوية و يمسك بيد بسنت و شقيقها محمد الذي سأل:
- عمو شريف هي ماما هاتجيب لنا نونة زي نونة عمتو ليلة؟
أجاب الأخر:
- اه يا حبيبي، هاتجيب أخوك الصغير و تلعبوا مع بعض.
فقالت الصغيرة:
- اشمعنا محمد ماما هتجيب له أخ و أنا كمان عايزة أخت.
ضحك الجميع علي كلمات الصغيرة، فسألت هدي:
- ألا قولوا لي سميتوها إيه؟
أجاب معتصم و الفرح يرسم بسمة تملئ ثغره:
- ليلة