رواية مالك المزرعة الجزء الثالث 3 بقلم منال سالم مالك المزرعةرواية مالك المزرعة الحلقة الثالثة
بات لسان حاله مؤخرًا الحديث عن إنجازاتها غير المسبوقة، وكأنه يجد السلوى في التطرق إلى أي شيء يخصها، ليشعر “محمود” بالحالة العجيبة التي صار عليها رفيقه “عمار”، فقد تبدلت أحواله، وأصبح أكثر اهتمامًا بشئون تلك الطبيبة الماهرة منذ أن تولت العمل بالمزرعة، تعمد مناكفته ليسبر أغواره أكثر، ويتأكد من شكوكه حول احتمالية انجذابه إليها، فراح يمتدحها في تفاخرٍ: -مش قولتلك، الدكتورة “داليا” دي مختلفة عن البقية. رد “عمار” بابتسامةٍ
مشرقة: -فعلًا. ليضيف بمشاكسةٍ: -ده غير طبعًا إنها ملتزمة ومهذبة و.. جميلة. أثار حفيظته بأسلوبه المراوغ في الحديث عنها، فنهره بصرامةٍ: -في إيه مالك؟ إنت هتعاكسها قصادي؟ ليكركر ضاحكًا قبل أن يقول في مرحٍ: -بصراحة أنا لو تحت إيدي واحدة بتشتغل كده زيها، والله ما أسيبها أبدًا. عندئذ لكزه “عمار” في جانب ذراعه محذرًا إياه: -ركز في شغلك أحسن.
تأكد من صحة تخمينه، وتوقع تطور العلاقة بينهما فيما بعد لشيءٍ أكثر جدية، وهز رأسه مرددًا وهو ما زال مبتسمًا: -وماله. ………………………………………. لاحقًا، وقبل انقضاء آخر دورة للتسمين بعشرة أيام، دعا “عمار” كافة العاملين بمزرعته إلى مأدبة طعامٍ فاخرة، فجلست “داليا” على يمينه، وبجوارها نساء المزرعة العاملات، وعلى الجانب الآخر استقر بعض المعاونين والعمال، إلى جانب رفيقه “محمود”. تفاجأت به يثني على جهودها علنًا مما أشعرها بالخجل:
-حقيقي كان لازم أشكر الدكتورة “داليا” على مجهودها الفترة اللي فاتت، وأتمنى إنها تفضل موجودة معانا على طول. ردت “داليا” على استحياءٍ: -شكرًا يا بشمهندس. فيما علقت “حُسنية” في ودٍ: -يعلم ربنا إنها بقت أكتر من أختنا، وفراقها هيكون صعب أوي علينا. لتلتفت “داليا” نحوها قائلة بأسفٍ وهي تمد يدها لتربت على كفها في رفقٍ: -والله يعز عليا فراقك يا “حُسنية”، بس كل حاجة ليها بداية ونهاية.
ليتدخل “محمود” معقبًا بنبرة ذات مغزى، وعيناه تحدقان في وجه رفيقه، وكأنه يحاول إيصال رسالة مبطنة إليه بألا يجازف بخسارتها: -وإن شاء الله البداية تكون من عندنا، ولا إنت رأيك إيه يا بشمهندس؟ رد بغموضٍ، وهو يحدجه بهذه النظرة المحذرة: -كله على الله. ليغير “محمود” مسار الحديث بصياحه المرح: -مدوا إيدكم وما تكسفوش، ده البشمهندس “عمار” صارف ومكلف.
ضحك على الجميع على أسلوبه الطريف، وأكملوا تناول الطعام في جوٍ تسوده البهجة والسعادة. …………………………………….. على ضفاف الترعة القريبة من حدود المزرعة، جلس “عمار” بجوار “داليا” ليتجاذب معها أطراف الحديث، بدا عليه التردد والارتباك بصورة ملحوظة، خاصة عندما سألها: -ناوية على إيه بعد كده يا دكتورة؟ تنهدت على مهلٍ قبل أن تقول: -هشوف إن كانت في مزرعة تانية محتاجاني ولا لأ؟ سألها في نبرة مستعتبة، وهو يرمقها بهذه النظرة
الحانية المملوءة بالشوق: -ويهون عليكي تسيبي هنا؟ ده حتى “حُسنية” هتزعل وتتقهر. فهمت ما يرمي إليه دون الحاجة للتوضيح، وعمدت إلى تجاهل مضمون كلامه قائلة بشيءٍ من المزاح: -هبقى أكلمها في التليفون. ليرد في ضيقٍ: -تليفون إيه اللي يقدر يعوض غيابك؟ استعادت ذلك الشعور المزعج بغياب الأحبة عنها، فهمهمت بنبرة شبه مهمومة، محاولة تناسي ما يؤرقها: -معاك حق. وساد الصمت بينهما، ليستغله “عمار” ويستجمع جأشه مستطردًا بعزمٍ:
-دكتورة “داليا”، أنا نفسي أعرفك أكتر. لم تنظر ناحيته وهي تخبره بمرارةٍ محسوسة في نبرتها: -أنا معنديش حاجة تهم حد، حياتي كلها للشغل وبس. سألها مباشرةً بما جعل ملامحها تتشنج: -وأهلك؟ ليه مش بتجيبي سيرتهم؟ لاحظ تلك اللمعة الظاهرة في عينيها، فأضاف: -طب قولي أنا مقطوع من شجرة، وأبويا وأمي ماتوا من زمان، إنتي بقى حكايتك إيه؟ لم يكن لديها ما تخشى خسارته، فاعترفت له بلا ندمٍ:
-أنا زي ما تقول كده غريبة وسط أهلي، ماما وبابا انفصلوا وأنا صغيرة، وبعد كده كل واحد فيهم اتجوز حد تاني، والاتنين سافروا برا، وسابوني هنا لواحدي، كأني ماليش لازمة عندهم، وفين وفيـــن لما بيجوا ويسألوا عني، عارف لو جرالي حاجة ماظنش هيزعلوا عليا، أو حتى هيتأثروا، ده ما هيصدقوا يرتاحوا مني. إلا أنها تفاجأت به يحتج على كلامها الأخير في تحيزٍ: -بعد الشر، ما تقوليش كده، إنتي وجودك فارق معايا…
نظرت إليه فاغرة فمها، فصحح كلمته الأخيرة مستشعرًا الحرج من ذلك التعبير الذاهل المرسوم على محياها: -قصدي معانا هنا في المزرعة. تداركت نفسها، وخفضت من بصرها قائلة بتلبكٍ: -شكرًا على مجاملتك يا بشمهندس. قال بإصرارٍ: -دي مش مجاملة، دي حقيقة. قبل أن تعلق عليه، أو حتى يحاول التطرق إلى شيءٍ آخر ربما تتلهف لسماعه، أتت “حُسنية” تركض وصوتها الصارخ يملأ الأرجاء: -إلحق يا بشمهندس، في مصيبة حصلت!!!
انتفض كلاهما في قلقٍ واسترابة، وتحرك الثلاثة عائدين إلى المزرعة لمعرفة تفاصيل الكارثة التي وقعت. لو عايز الرواية كاملة اضغط على : (رواية مالك المزرعة)
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!