الفصل الثامن عشر
مر أسبوعان على وفاة مراد كان ليث خلالهما لا يخرج من غرفته إلا نادرًا، يجلس فقط فوق فراشه في شرود تام يفكر في أخيه، وكم يفتقده...يشعر بالتحطم بدونه فهو كان الصديق والأخ وأحيانًا الأب.
ربما غضب منه كثيرًا بعد معرفة الحقيقة، ولكن هذا لا يمنع أن غرضه كان صالحًا، ولا يمكن أن ينكر إنه شاكرًا لأن شهد وطفله قد وجدا من يعتني بهما طيلة تلك السنوات. مراد قد صنع الكثير في سبيله.
تنهد بأسى وهو يتذكر وعده لأخيه أن يبقى مع شهد وفارس، ولكن كيف السبيل إلى هذا، فشهد لم تعطيه جوابًا كما إن شعور بداخله يقتله لمجرد التفكير في أن يجعلها له بدون وجود أخيه بجواره.
***
قالت نميس بمزيج من الغضب والضيق بينما تجلس في غرفة المعيشة في منزلها:-
-أنت مش شايف إنك زودتها أوي؟
-عارف بس أنا بجد كنت محتاح أبعد، هوه كمان كان محتاج يعيد ترتيب حساباته و...
أحمر وجهها غضبًا، وقاطعته في حنق:-
-بقولك إيه بلاش اللعب بالكلمات معايا، أنت خايف تواجهه مع إني أكدتلك مليون مره إنه سامحك.
ظهر القلق على محياه وتسائل في توتر:-
-أفرضي كان بس بيقول أي كلام من خوفه؟
قالت شهد وقد عادت للتو من الخارج:-
-لا يا مراد مش مجرد كلام، ليث متدمر.
ثم أردفت بتحذير:-
-لو أنت مرحتلوش يبقى أنا اللي حقوله، أنا مش حسيبه يتعذب كل ده.
ابتسم بسخرية يخفي الخوف الذي يملأ قلبه من لحظة لقائه بأخيه وقال:-
-واقعه أوي.
أحمرت شهد خجلا وقالت بتوتر:-
-أنا حروح أطمن على فارس.
ما أن غادرت شهد حتى قذفت نميس مراد بالوسادة الموضوعه خلفها، وقالت بغيظ:-
-بارد، بتكسف البت ليه؟!
ثم رمقته بحنق وتابعت بجدية قبل أن يرد:-
-حتروح تقابل ليث أمتى؟
تنهد بقلق ثم نهض قائلا:-
-دلوقتي.
ابتسمت بتشجيع ثم لامست يده قائلة:-
-متقلقش، حيسامحك أكيد.
أومأ بقلق وتنهد ثم قال:-
-أتمنى بجد، أنا من غيره ولا حاجه.
بعد مغادرته بدأت نميس تتذكر عندما استيقظ مراد من غيبوبته وفكرته المجنونة المتسرعة ليزيف موته.
كانت هي والمعز من ساعداه ثم أخبرا شهد بذلك لاحقًا بعد التنفيذ حتى لا تعترض أما والدة ليث فقد أخبروها ولكنها لم توافق إلا بعد محايلات وتأكيدات إن ذلك سوف يساعد في إصلاح العلاقة بين ليث ومراد.
كانت تدرك إنه خائف من المواجهه لذلك رضخت وفعلت ما أراد برغم معرفتها إنه لا يستطيع أن يهرب دائمًا. تنهدت وابتهلت بداخلها أن يسامحه ليث.
***
كان ليث جالسًا في غرفته كما أعتاد منذ وفاة أخيه، دقات على باب غرفته ظنها والدته فتنهد ثم أذن لها بالدخول ولكن الدقات لم تتوقف مما دفعه ليزفر في ضيق وينهض.
فتح الباب ليجد أمامه مراد الذي ابتسم بكل برود رغم التوتر خلف ابتسامته والقلق البادي في نظراته ثم قال بمرح مصطنع:-
-مفاجأه.
ظل ينظر إليه في ذهول وعدم تصديق ثم وكأنه أستوعب الأمر أخيرًا، رفع قبضته ليهوى بها فوق فك مراد.
وقع مراد أرضًا من شدة اللكمه بينما ليث صاح بسخرية وهو يرى والدته تقترب من مراد في لوعة:-
-شوفتي يا أمي مراد أهوه، أخويا الميت رجع!
نظر إليه في غيظ شديد وأردف في غضب:-
-تصدق ياض أنا خلاص اتعودت إنك ميت، يبقى حتموت على إيدى.
ركض مراد في أنحاء الشقه صائحًا في ذعر:-
-ليث، الله يكرمك بلاش ضرب، والله أنا كنت خايف متسامحنيش فقولت أسيبك تهدى فظبطت كل حاجه أول ما فوقت من الغيبوبه.
أمسكه ليث من عنقه ورفع قبضته ليصيح مراد بينما يغلق عينيه في خوف:-
-وشي لأ، الله يكرمك عايز أتجوز.
تفاجأ بعدها بذراعي ليث تحتضنه بقوة، ابتسم بحنان وعانقه مربتًا فوق ظهره برفق.
بعد برهة أبتعدا وجففا عينيهما الدامعتين بإحراج ثم قال ليث بتحذير:-
-عارف لو...
قاطعه مراد بلهفة:-
-والله آخر مره، حرمت خلاص.
ابتسم ليث ثم عانقه في اشتياق مرة أخرى.
***
بعد ساعات كان الجميع في شقة مراد باستثناء فارس الذي كان مع والد نميس وقد أصر على ذلك برغم عدم إدراكه المشاكل بين مراد وأخيه إلا إنه أعتقد إن الموقف لن يكون مناسبًا لطفل صغير. سيطرت الحيرة على الجميع بسبب طلب مراد في أن يجتمعوا بالأخص شهد ونميس، ولم تدوم تلك الحيرة طويلا حيث نهض مراد فجأة قائلا:-
-الأول فيه حاجه عايزه أوضحها...
ألتفت إلى أمه متابعًا:-
-ماما، شهد مراتي بجد وأعتقد أنتِ اتعرفتي أكترعليها خصوصًا بعد وقوفها جنبي لمه كنت في غيبوبه.
أومأت الأم في صمت، وربتت على شهد في إعتذار صمت لم تتاح لها الفرصة سابقًا لتقدمه حيث كانت شهد تتجنب رؤيتها دائمًا.
أردف مراد:-
-الحاجه التانيه، نميس تبقى مراتي، مكتوب كتابنا.
ثم غمز نميس بمرح وقال:-
-حبيبتي الأولى والأخيره رغم لسانها الطويل.
صاحت نميس بغيظ بدون أن تستطيع منع نفسها:-
-ليلتك سودا يا مراد.
ليرسل لها قبلة في الهواء متابعًا:-
-بس بعشقها.
أحمرت خجلا وأخفضت بصرها للأسفل تحت نظرات الجميع المرحة حتى ليث ابتسم بخفه، رمق والدته ليعرف مشاعرها تجاه تصريحات مراد ولكنها بدت مسترخية فقد تعرفت سابقًا على نميس في المشفى وبدأت الحقائق تتضح أمامها خاصة لغز زواج شهد ومراد، يتذكر إنها تقبلت الأمر جيدًا خاصة إن نميس قد طابقت صورة زوجة الأبن التي تطمح إليها.
انتزعه من شروده صوت مراد متابعًا:-
-ثالثًا بقى، المأذون جاي دلوقتي، من معارف حمايا من مصر، وهوه اللي كتب كتابي على نميس.
رمق شهد بحنان قائلا:-
- هتبقي حره خلاص، تعيشي حياتك زي ما أنتِ عايزه، أنتِ في أمان.
جلس القرفصاء أمامها، وامسك كفها برفق هامسًا:-
-بس فيه واحد حيموت ويبقى مكاني جنبك.
أشار إلى أخيه وأردف:-
-بيحبك أوي، هوه اتغير وأنا حبقى مطمن عليكي معاه.
صمت قليلا ثم ربت فوق وجنتها برفق قائلا بصدق:-
-برضو لو مش عايزه تتجوزي ليث لازم تعرفي إني دايمًا جنبك وحساندك في أي قرار تاخديه.
أومأت شهد ونظرت إليه في شكر صامت، ولم تجد كلمات كافية للتعبيرعن حجم عرفانها بالجميل تجاهه.
كانت الأم تتابع في صمت بدون أن تجرؤ على الأعتراض فليث لن يسامحها إن فعلت، وفي نفس الوقت كانت تدرك في أعماقها إنه ليس بخطأ شهد فقط فكلاهما مشترك في الخطأ الذي دفع ثمنه طفلهما الصغير، وبرغم كل شيء قد أحبت ذلك الصغير كثيرًا، ولعل زواج شهد من ليث سوف يكون الأفضل من أجل حياة الصغير.
بينما ليث ونميس وبرغم معرفتهما بحقيقة العلاقة بين مراد وشهد إلا إنهما لم يستطيعا منع شعور الغيرة من التسلل إلى قلبهما خاصة عندما لامس مراد وجنتي شهد، وقد اتضح ذلك في صوت ليث بينما يقول في ضيق:-
-هوه المأذون أتأخر ليه؟
ابتسم مراد بمكر وهو يرى الغيرة في عيناه وأجاب:-
-زمانه جاي.
بالفعل لم تمر دقائق حتى جاء المأذون وبعد المقدمة المعروفة، وقبل أن يلتفت مراد إلى شهد ليلقي يمين الطلاق، صاحت شهد فجأة في إعتراض:-
-استنى، متنطقهاش.
نهاية الفصل الثامن عشر
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!