الغيبه المره دي طولت، انا عارف، فتره كبيره كنت عايش فيها وهم كبير.. ويمكن الحكايه بتاعتي هي حكايه من حكايات الف ليله وليله.. اصل مين يصدق اللي حصل معايا؟
اخر حاجه حكيتها كانت تخص رجوعي بورسعيد، وشغلي في المينا، والبنت اللي شوفتها وقررتها اتجوزها نوال، اللي اكتشفت انها منهم.. عزازيل قدر يخدعني ويعيشني في الوهم.
ولحد دلوقتي انا مش عارف، هو انا عايش في الواقع ولا لسه في وهم عزازيل؟
قررت ابعد، بس المره دي مش عارف انا رايح فين؟!
سبت بورسعيد ومشيت، وفضلت اتنقل من مواصله لمواصله لحد ما تعبت، وما كنتش عارف انا فين؟!
كنت في شارع طويل، وعلى الجنب كان في يافطه مكتوب عليها قريه الصدفة.. مش عارف انا جيت هنا ازاي؟!.. الدنيا كانت هادية، دخلت واتمشيت لجوه، لحد ما لقيت اتنين بيتكلموا مع بعض، والحوار كان داير ما بينهم عن مقابر ما فيش حد راضي يحرسها.
ما كنتش فاهم السبب، وفي نفس الوقت الكلام كان شاددني، وعشان كده قربت ورميت السلام:
_ السلام عليكم.. بعد اذنك يا اخ، هو احنا فين هنا؟
= انت هنا في قريه الصدفه.. دي بعد محافظه بورسعيد بشويه كده، اؤمر.
_ لا ابدا، انا كنت شغال في المينا بتاعة بورسعيد، بس سبتها ومشيت، ومن الواضح كده ان انا توهت.
= ولا يهمك يا ريس، بس انت لبسك بيقول انك مش من بورسعيد، ولهجتك كمان.. انت صعيدي مش كده؟
_ اه، من الصعيد واسمي بشندي.
= اهلا بيك يا عم بشندي، انا عثمان، وده سيد.. احنا من اهل القريه هنا، وطالما وصلت لحد هنا يبقى لازم تاخد واجب الضيافة.
_ لا، انا عاوز ارجع بس، فهمني ارجع ازاي؟!
= ترجع فين دلوقتي؟! المسافه بعيده، وبعدين صعب تلاقي عربيات دلوقتي.. انت تيجي تاخد واجب الضيافة وتبات الليله دي، وبكره الصبح نشوف عربيه ترجعك تاني على بورسعيد.
…
الوقت كان داخل على المغربيه خلاص، وانا كنت تعبان، فمشيت مع الشباب دول لحد ما وصلت لبيت سيد، وعرفت اني هقعد عنده الليله عشان هو عايش لوحده، غير عثمان اللي عايش مع اهله.
دخلت وقعدت واخدت واجب الضيافة.. وبعدها فتحت كلام مع سيد:
_ معلش يا سيد، انا عندي سؤال.. انا سمعتك انت وعثمان بتتكلموا عن مقابر، وان ما فيش حد عاوز يحرسها، فانا مش فاهم بصراحه، لو مش هيضايقك يعني انا عاوز افهم؟!
= لا ولا هتضايق ولا حاجه، احنا كنا بنتكلم على مقابر القرية.. المشكله ان المقابر دي بتتعرض كتير للسرقة، ده غير الناس المؤذية، وطبعا كل ما بتحصل مصيبه اللي بيشيل الموضوع الحارس اللي هناك، وبياخد كلام بقى من نوعيه: انت ايه لازمتك، وقاعد هنا بتعمل ايه؟!
بس فالناس بدات تبعد عن الموضوع، والكل بقى رافض يروح هناك.
_ طيب، ينفع واحد من بره القريه يمسكها، وهو يبقى موظف وياخد اللي في النصيب وخلاص؟
= مش فاهم قصدك على مين؟!
_ انا مش بشتغل دلوقتي، وكنت عاوز ارجع بورسعيد عشان الم حاجتي وارجع على اسيوط، بس لو يعني محتاجين حد انا ممكن امسك المقابر دي.
= والله انا مش مسؤول، بس انا بكره هاخدك لشيخ البلد، وهعرض عليه الموضوع ونشوف.. لو وافق يبقى على البركه.
_ ان شاء الله هيوافق.
….
اكلنا لقمه انا وسيد مع بعض، ودخلني اوضه كده فاضيه وفرشها، وطلب مني انام وارتاح، وبكره هيشوف الموضوع.
نمت في اليوم ده، وكان اول مره انام النوم ده من سنين، وصحيت على صوت سيد بيطلب مني اقوم عشان نفطر ونروح لشيخ البلد.
قومت وفطرنا، ومش عاوز اطول عليكم.. الراجل في الاول كان قلقان، ولكن بعد كده وافق ان انا امسك المقابر، وطلب مني اخد بالي عشان الحراميه كتير والمؤذيين اكتر، وعرفت اني هستلم اوضه في اول المقابر، وان اللي عاوزني هيجيلي لحد هناك.
وطبعا البلد كلها عرفت ان في واحد مش من اهلها مسك المقابر، واسمه بشندي.
روحت واستلمت الاوضه.. والمقابر كانت قريبه من البيوت، وعشان كده الصبح كان دوري مختصر، بس على تجهيز الترب، ولو في جنازه جايه استقبلهم واكون معاهم لحد ما يمشوا، اما بليل فالوضع بيكون مختلف شويه، لانها هتكون حراسه ولازم اخد بالي كويس..
المهم، اول كام يوم الدنيا كانت ماشيه زي الفل، ما فيش حاجه بتحصل جديدة، وبدأت أتعود على الشغلانة، لحد ما في يوم كانت الدنيا في برد شويه، ولقيت نفسي بعطس، دخلت الاوضه وقلت اريح شوية.. مش هيحصل حاجه يعني.
دخلت، ويادوب ريحت ربع ساعة، وسمعت صوت رجلين بره الاوضه، في حد بيمشي.. اتعدلت وقعدت على السرير، وبدات اركز مع الصوت.. كانت خطوات تقيله ماشيه على الارض.
اكيد حد بيتسحب عشان يروح يسرق جثه.. قومت من مكاني بالراحه، واتحركت لبره.. الدنيا كانت ضلمه كحل، نورت كشاف التليفون، وانا لسه سامع الخطوات التقيله، ومشيت مع مصدر الصوت.. فضلت ماشي لحد ما لمحت واحده كانت لابسه اسود وبتتسند على عصايه.. حاولت اعمل صوت عالي عشان تبص عليا.
وسقفت بايديا.. وقفت لحظه، ولكن رجعت كملت مشي تاني، وماكانش قدامي غير انده عليها:
انتي يا ست، انتي بتعملي ايه هنا؟!.. اوقفي، انا بكلمك.
…
وقفت مكانها ولفت راسها ناحيتي.. الدم نشف في عروقي، ما كنتش عارف اتصرف ازاي؟!.. دي فوزية، فوزية مراتي المفروض ماتت!
اعوذ بالله من الشيطان الرجيم.. اعوذ بالله من الشيطان الرجيم.
بصت ناحيتي وابتسمت، ورجعت كملت مشي تاني.
وفي اللحظه دي، في ايد اتحطت على كتفي، فتحت عينيا لقيت نفسي على السرير.. كنت بحلم، ولقيت في راجل كبير في السن لابس جلابيه وعنده هيبه واقف جنبي وقال:
_ اول القصيده كفر.. انت نايم في الوقت اللي انت المفروض فيه بتحرس المقابر! قال وايه، احنا اللي معتمدين عليك.
= انت مين ودخلت هنا ازاي؟!
_ انا عمك بهنس، ودخلت هنا ازاي؟!.. انت كنت سايب باب الاوضه مفتوح، فجيت عشان ابلغك انه في جنازه بره وعاوزينك تفتح القبر عشان ندفن الجثة.
= حاضر يا عم بهنس.. معلش انا واخد دور برد، وعشان كده دخلت اريح.
_ ما حدش هيرحمك لو حصلت حاجه في وجودك، انت طلبت انك تمسك المقابر وانت مش من البلد، يبقى تحافظ على وجودك هنا، وما تخليش حد يدخل المقابر، سواء كان حرامي او مؤذي.
= حاضر يا عم بهنس.. اتفضل انت وانا هجيب المفاتيح وجاي وراك.
…
خرج الراجل ده من الاوضه، وانا مش مرتاح.. انا متاكد اني كنت قافل باب الاوضه!
قومت من مكاني ومعايا المفاتيح، واتحركت على بره.. مشيت مع الجنازه لحد القبر.
واول ما وصلنا قدامه، كان المفروض انا وواحد تاني اللي هنزل الجثه، وفعلا نزلت انا وشاب في اواخر التلاتينات كده، وعرفت انه ابن المتوفى، ولكن لقيت بهنس نازل معانا هو كمان.. ما علقتش عشان
مش ناقص مشاكل، وبعد ما حطينا الجثة على الارض خرج الشاب ده وهو بيعيط، ولكن قبل ما اخرج انا كمان لقيت باب القبر بيتقفل.
والناس بتمشي… بصيت لبهنس اللي كان واقف قدامي وقلتله:
_ مين اللي قفل الباب؟!.. وبعدين ايه صوت الرجلين اللي بتمشي بره دي؟!.. هي الناس دي رايحه فين؟!
= تقدر تقول يا بشندي.. انت في الواقع ولا في الوهم؟!
…
نورت بكشاف تليفوني في وشي اللي بيتكلم.. لقيت بهنس، ولكن رقبته اتكسرت بعنف، وعينيه قلبت للون الابيض وقال:
_ كنت فاكر انك هتعرفني من صوتي يا بشندي.
= انت عاوز مني ايه يا عزازيل؟!.. كفايه، لو عاوز تموتني موتني.. بس كفايه كده، انا مش متحمل.
_ لا يا بشندي.. انا لسه ببدأ، منا قولتلك لسه اللي ما بينا مخلصش.. انا مش هسيبك غير لما اخد حقي.
= وانا بقولك خد حقك دلوقتي اهو.. احنا في القبر، خلص عليا وانا مستعد.
…
ضحك.. وفي اللحظه دي سمعت صوت بيقول:
_ انت هتفضل واقف قدام القبر كده؟!.. ما تفتح يا عم، خلينا ندفن الجثه.
= ها.. حاضر.
_ انت لحقت؟!.. ده انت كل اللي قعدتهم كام يوم في المقابر.. انا عاوزك تفوق كده وتصحصح.
= حاضر يا عم بهنس.
…
استعذت بالله من الشيطان الرجيم، ونزلت القبر.. وبمجرد ما نزلنا الجثه خرجت بسرعه قبل ما تحصل اي حاجه.. بس عم بهنس ما خرجش، ولقيت واحد بيقول:
_ الله يرحمك يا عم بهنس.. كنت غالي علينا كلنا.
ما كنتش مصدق اللي بسمعه.. الله يرحمه مين؟!.. اومال مين اللي دفن معايا الجثه؟!.. رجعت نزلت القبر تاني، وكانت الصدمه..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!