الفصل 1 | من 2 فصل

رواية ملاذ الراوي الفصل الأول 1 - بقلم ديدي

المشاهدات
37
كلمة
1,402
وقت القراءة
8 د
التقدم في الرواية 50%
حجم الخط: 18

بتحبيه..!
رفعت رأسى لـ ” هنا ” بهدوء وأنا بقولها :
ــ “أوي.. كتاباته فى عالم موازٍ بهرب فيه من دوشة الدنيا، كل حرف بيكتبه بحس إنه طالع من حتة جوايا مكنتش أعرف إنها موجودة، بحس إنه الشخص الوحيد اللي فاهمني من غير ما يقابلني.”
“هنا” خبطت على الترابيزة بضيق وعصبية :
ـ حب إيه ده اللي من طرف واحد وبينه وبينك بلاد وقارات؟
إنتي مدركة إنتي بتحبي مين؟ ده ” بدر الراوي “.
الشاعر اللي نص بنات البلد شايلة صوره في موبايلاتها.
إنتي بالنسبة له مجرد رقم، مجرد (لايك) زيادة على بوستاته،
فوقي بقا وشوفي حياتك وبطلي تعيشي في الأوهام دي!”
رديت عليها بكل ثبات وهدوء، ومن غير ما نبرة صوتي تتغير وقولت :
ـ “المشاعر مفيهاش ‘فوقي’ و’نامي’ يا هنا..
المشاعر قلب اتهز من قصيدة لمست جرح مكنش حد شايفه غير صاحبها،
أنا محبتهوش عشان وسامته ولا عشان شهرته،
أنا حبيت ‘الاحتواء’ اللي حسيته في حروفه في ليلة كنت فيها محتاجة اللي يسمعني ومحدش كان جنبي غير كلامه..
الحب ده اتخلق جوايا من غير استئذان، وبقى هو النور اللي بيخليني أتحمل ظلمة أيامي
، فـ مش مستنية منه يعرفني عشان شعوري يكمل، شعوري كامل بيه وبحروفه لأبعد حد.”
كملت بضحكة وأنا بقرب منها وبميل راسي بدلع وهزار عشان أمتص غضبها ده، وقولت بلهجة حنينة :
ـ “وبعدين فكيها بقا يا هنون! والله عارفة إن كل الزعيق ده عشان خايفة عليا،
وعارفة إن قلبك بياكلِك من القلق لحسن صاحبتك تطلع بتهبل وتتوجع في الآخر..
بس صدقيني أنا فاهمة وواعية أوي لكل حاجة،
بس سيبيني أعيش اللحظة دي بطريقتي، وخليكي دايماً جنبي عشان لو وقعت ألاقي إيدك هي اللي بتسندني.”
ـ هنا نفخت بضيق وبدأت ملامحها تلين شوية وهي بتقول:
ـ “والله إنتي مجنونة وهتجننيني معاكي، أنا بس مش عايزة أشوفك مكسورة يا ليل .”
غمزت لها بضحكة صافية وأنا بلم آخر حاجة:
ـ “ارتاحي يا ستي، مفيش حد بيخاف عليا زيك، وعشان كدة أنا مطمنة..
يلا بينا بقا بلاش نكد، لحسن الحفلة تخلص وأنا لسه واقفة بسمع محاضراتك!”
“مشينا عشان نروح حفل التوقيع وانا فرحانة انى هشوفه عارفة أنه غلط وانا حتى ميعرفنيش بس عندى احساس اووى أنه هو عرفنى”
” نزلنا من التاكسى ووقفت قدام باب القاعة اللى فيها حفل التوقيع ،
قلبي كان بيدق دقات سريعة ومجنونة، كأنها طبول بتعلن عن بداية رحلة معرفش آخرها إيه.
الزحمة كانت مهولة، طوابير بنات وشباب، والكل ماسك في إيده ديوانه الجديد “تراتيل الروح” وعيونى فيها لمعة انتظار .
هنا همست في ودني وهي بتبص على الزحمة:
ـ “شوفتي؟ قولتلك آلاف.. تفتكري لما يوصل الدور عندك،
هيشوف في عيونك القصيدة اللي حكتي عنها، ولا هيشوف ‘رقم’ زي ما قولتلك؟”
قولتلها بصوت واطي وواثق:
ـ “مش مهم هو هيشوف إيه يا هنا.. المهم النهاردة أنا هشوف مين.”
بدأنا نتحرك وسط الزحمة وندخل الطابور ببطء، وكل خطوة كانت بتقربني منه، كانت بتبعدني عن العالم كله. “هنا” كانت بتبرطم بكلام عن التعب والوقفة، بس أنا مكنتش معاها، كنت معا صوت “بدر” ” اللي بدأ يوصل لمسامعي وهو بيرحب بالناس بنبرة صوته الرخيمة اللي حفظتها من فيديوهاته.
“بعد ساعة من الوقفة، بقينا على أعتاب القاعة الداخلية، ولمحت طيفه من بعيد.. كان قاعد بهيبة، لابس قميص أسود بسيط، وشعره متمرد شوية على جبهته وهو بيميل يكتب الإهداءات”
همست “هنا” بتوتر وهي بتمسك إيدي:
ـ “ليل.. إنتي تمام؟ إيديكِ سقعت خالص!”
مرديتش عليها، عيوني كانت متعلقة بيه هو وبس. وفجأة، الشخص اللي كان قدامي مشي، ولقيتني واقفة قدام الطاولة بتاعته مباشرة.
بدر كان منزل راسه بيوقع في كتاب، وقال بآلية وهو بيمد إيده ياخد ديواني:
ـ “أهلاً بيكِ.. الاسم إيه عشان التوقيع؟”
لساني اتعقد لحظة، وكأن كل
الكلام اللي رتبته اتبخر، خدت نفس عميق وقولت بصوت واثق بس مليان شجن:
ـ “ليل..”
أول ما نطقت الاسم، حركة القلم في إيده وقفت فجأة.. رفع راسه ببطء، وعيونه السودة الساحرة قابلت عيوني، وفضل باصصلي لثواني وكأنه بيسترجع حاجة، أو كأنه سمع الاسم ده في حلم قبل كدة.
ابتسامته “الرسمية” اختفت وحل مكانها نظرة استغراب ممزوجة بإعجاب خفي وقال بنبرة هادية جداً:
ـ “ليل.. اسم شاعري جداً، وقليل لما بنقابله في الحقيقة. الاسم ده دايماً بيكون ملهم لينا ككتاب، لأنه شايل معاني كتير أوي من السكون والعمق.. لايق جداً على هدوئك.”
بصيت ليه بابتسامة هادية عكس اللي جوايا تماماً
ونبضات قلبي اللي كانت مسموعة ليا أنا شخصياً وكأنها بتجري سباق
وقولت بنبرة رقيقة وصافية:
ـ شكراً
“مشيت من قدامه بمنتهى الثبات والهدوء، ملامحي كانت واثقة جداً لدرجة إن مفيش حد من الزحمة اللي حواليا يصدق إن قلبي كان بيدق بعنف وكأنه عايز يخرج من مكانه ”
“هنا” كانت ماشية جنبي بذهول، وأول ما خرجنا برا القاعة في الهوا،
بصتلي بتقدير كبير وقالت بنبرة هادية:
ـ”برافو عليكي يا ليل.. بجد برافو.
ثباتك ده كان في مكانه جداً،
أنا مكنتش متخيلة إنك هتقدري تسيطري على مشاعرك قدامه كدا..
نظراته ليكي ولأسمك كانت فيها كمية احترام وانبهار بيكي وبحضورك مش طبيعية.”
بصيت لـ “هنا” بابتسامة صافية وقولت بنبرة مرتاحة:
ـ”الموقف مكنش محتاج أكتر من كدا يا هنا..
أنا روحت عشان أقول ‘شكراً’ بوجودي قبل كلامي،
والحمد لله إني سمعت منه اللي يطمن قلبي ويثبت لي إن إحساسي بيه كان في محله.. أنا دلوقتي حاسة بسلام داخلي ملوش وصف.”
هنا هزت راسها بتأكيد وقالت:
ـ “فعلاً، ردك عليه كان شيك ومختصر وسبتيله علامة استفهام كبيرة بجمال هدوئك ده.. يلا بينا نلحق نرجع عشان ترتاحي من تعب الوقفة دي.”
“هنا” سكت شوية وبعدين كملت :
ـ بس منكرش إن نظراته ليكي كانت غريبة.. كان بيبص كأنه لقى السطر اللي كان تايه منه بقاله سنين.”
“ابتسمت ليه وركبنا التاكسى ومشينا ”
ــــــــــــــــــــــــــــــ
في الناحية التانية، وبعد ما حفل التوقيع خلص بضجيجه وزحمته،
كان “بدر” قاعد في مكتبه مع أقرب صحابه “ياسين”، والهدوء رجع يسيطر على المكان تاني..
بدر كان ساند ضهره وسارح في الفراغ، والقلم في إيده عمال يلفه بحركة لا إرادية.
ياسين لاحظ سكوت بدر اللي طول، فابتسم وقال بمزاج:
ـ “إيه يا بدر؟ الحفلة النهاردة كانت ناجحة جداً والعدد كان يخوف، بس شكلك مش معانا خالص.. رحت فين؟”
بدر سكت لحظة، وبعدين بص لياسين ونبرة صوته كانت متغيرة، فيها حيرة وذهول:
ـ “شوفتها يا ياسين.. شوفتها النهاردة فى حفل التوقيع .”
ياسين استغرب وعدل جِلسة وقال :
ـ مين دى اللى شوفتها ؟
“بدر غمض عيونه ثوانى وبعدين بدأ يفتح عينه ببطء، ونظرته كانت مليانة ذهول وكأنه لسه مش مصدق اللي حصل”

وقال بصوت هادي ومحمل بالدهشة:
ـ “شوفتها يا ياسين..
شوفت البنت اللي كنت برسم ملامحها في خيالي قبل ما أكتب أي بيت شعر ..
البنت اللي كنت فاكر إنها مجرد وحي بيجيلي بليل ويمشي مع أول ضوء شمس.”
ياسين ساب الموبايل وانتبه له أوي:
ـ “إنت بتتكلم بجد؟ هي مين دي؟”
بدر قام وقف وبدأ يتحرك في المكتب بتوتر وهو بيكمل:
ـ “ليل.. أول ما نطقت اسمها، حسيت إن فيه رعشة في قلبي ملمستهاش من سنين.
كانت واقفة قدامي بهدوء يخطف، ونظرة عينها فيها فيها حنيه و وقار غريب..
أنا كنت بكتبلها وهي متعرفش، كنت بحلم بملامحها وأنا مش متخيل إنها موجودة فعلاً
ياسين سأله بفضول :
ـ “وطبعاً مسبتهاش تمشي كدا؟ فتحت معاها كلام؟ أو على الأقل أخدت أي وسيلة تواصل معاها ؟”
بدر رجع قعد على مكتبه بتنهيدة طويلة وقال:
ـ”يا ريت يا ياسين.. دي مشيت قبل ما ألحق حتى أستوعب إنها حقيقية. رمت كلمة ‘شكراً’ بمنتهى الهدوء وسابتني واقف مكاني ..
إنت متخيل يا ياسين؟ البنت اللي بكتبلها من سنين، كانت على بُعد سنتيمترات مني،
ونظرتها كانت بتقول كلام كتير أوي رغم إن لسانها منطقش غير بكلمة واحدة.”
ياسين ضحك باستغراب:
ـ “بس دي حركة جريئة أوي منها، يعني عرفت تثبت الشاعر اللي الكل بيتمناه! طب والعمل؟ هتفضل كدة سارح في خيالك ولا ناوي تعمل إيه؟”
بدر رفع راسه وعيونه فيها إصرار غريب:
ـ مش هسيبها يا ياسين بعد ما لقيتها.
سكت لثوانى وبعدين و قال وهو غارق في تفكيره”. :
ـ أنا هعمل أمسية شعرية وهى اكيد هتيجى عليه .
بدر سكت تماماً وبص للورقة البيضا اللي قدامه، وكأنه بدأ فعلاً يكتب فيها ملامح ليل بخياله.. ياسين فهم إن الكلام خلص، فقام سابه بهدوء وخرج، وبدر فضل لوحده في سكون المكتب، غرقان في عالم تاني ملوش علاقة بالواقع.
ـــــــــــــــــــ
” رجعت البيت وانا فرحانة وطول الطريق كنت ماسكة ديوانه الشعري وحاضناه”
“دخلت أوضتي وقفلت الباب ورايا، كأني بقفل على نفسي عالم كامل ملوش علاقة بالواقع اللي برا”
“قعدت على السرير، قلبي رجع يدق تاني بسرعة”
وبإيد مرتعشة بدأت أفتح أول صفحة في الديوان.. عيني وقعت على خطه الجميل، المتمرد زيه، وكان كاتب:
إلى ‘ليل’..
التي عبرت من بين مئات الوجوه، فكانت هي القصيدة التي لم أجرؤ على كتابتها بعد.
شكراً لأنكِ منحتِ لليلِ ملامح، وللحروفِ وطناً يستريح فيه.
دُمتِ بكل هذا السكونِ والجمال.”

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...