الفصل 36 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل السادس والثلاثون 36 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
15
كلمة
5,931
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 48%
حجم الخط: 18

في مكتب ماهر البنان حيث يجلس في مكتبه يستشيط غضباً من تمرد تلك العنيدة، فهو لم يتعافَ بعد من مرضه وجسده مازال واهناً. منذ البارحة وهو يهاتفها ولم تجبه، وفي كل مرة تغلق الهاتف بوجهه فتزيده غضباً من عنادها وتيبس رأسها. والأدهى من ذلك أنها قد بلوكته من جميع الاتجاهات، مما جعله يدور حول نفسه بغضب عارم من فعلتها الشنعاء، وهو يتوعد لها بالويلات ما لم يخطر على بالها.

ظل على حالته تلك منتظراً مجيئها إلى المكتب، فهو فكر كثيراً، لا يريد الذهاب إلى منزلها كي لا يعلو صوتهما والأمر يتفاقم إلى تدخل أي من أهلها بينهما، ووقتها ستحمل النفوس من أي كلمة لم تعجب الطرفين. وظل ينتظرها في المكتب، وقد وصل الغضب ذروته، حتى مر أكثر من ساعتين على ميعاد مجيئها المكتب ولم تأتِ بعد، ولقد نفد الصبر من صبره. فقرر أن يذهب إليها في منزلهم، وليكن ما يكن وتتحمل عقباه وحدها.

حمل مفاتيحه وهاتفه وكاد أن يخرج من مكتبه، ولكنه وجدها تدلف إليه بوجه متهجم وملامح تدل على أن العواصف ستحدث بينهم لا محالة. نظر إليها نظرة مطولة تحوي كثيراً من المعاني التي فهمتها بتنقلاتها بجدارة، ومن يملك دهاء رحمة المهدي غيرها؟ ولكنه يعرف أن الأمر برمته صعب عليها، فحاول تهدئة أعصابه الثائرة داخله، فقد كان يغلي كالبركان، ثم أشار إليها أن تدلف إلى المكتب بصمت تام. ومن ثم عاتبها بهدوء ما قبل العاصفة:

"عايز أسأل سؤال وأتمنى إجابته متكونش زي اللي في بالي." وأكمل متسائلاً إياها وهو ينظر داخل عينيها بنبرة هادئة كهدنة محارب قبل أن يشد أجزاء سلاحه: "انت عملت لي بلوك من على الواتساب والفيس أو تقريبا من كل الأماكن؟ بنبرة أشبه للجمود قد هيأت لها نفسها بصعوبة بالغة، فهي أخذت موقفاً مع نفسها وأعدتها للصمود أمامه، ولن تضعف أو تستكين لأمر قلبها اللعين الذي يشتاقه حد الجنون.

ولكن كرامة الأنثى داخلها وكبرياؤها غلب عاطفة اشتياقها. تجاهلت سؤاله وكأنه لم يقال أو يسأل شيئاً، ثم مدت يدها بالورقة التي بحوزتها قائلة بشموخ ورأس مرفوع لأعلى: "اتفضل يامتر ورقة استقالتي واعتبرني مش موجودة وسط فريقك من النهاردة."

انفعل ذاك الجامد المتصلب بطريقة لم توصف بعد، ثم أخذ منها الورقة بأصابع متهجمة، ومن ثم رماها من نافذة المكتب، ثم جذبها من يدها بعنف واتجه ناحية الغرفة التي أعدتها هي بنفسها لاستراحته، وأغلق الباب خلفه تحت تزمتها الشديد. فحقا لقد أثارت حنقه، ولأول مرة يتعامل أحدهم معه بذلك التجاهل، ثم أقسم أمامها وهو يجز على أسنانه بغضب شديد: "أقسم بالله لو كان مخلوق غيرك اتجرأ وعمل وياي اكده لكان زمانه ورا الشمس دلوك."

أفلتت يداها من يده عنوة، واصطنعت عدم الخوف أمامه، مع أن داخلها يرجف رعباً وهلعاً من منظره الغاضب، ولكنها تمالكت حالها بثبات تدربت عليه جيداً قبل أن تجيء إليه الآن، وهي على ثقة تامة بأن مقابلتهم تلك لن تمر مرور الكرام. وهي تهتف بنفس نبرته الغاضبة من جذبه لها بتلك الدرجة المهينة وسحبه لها إلى تلك الغرفة عنوة عنها: "انت إزاي تتجرأ وتجرني وراك بالطريقة دي وكأني عبدة وأنت سيدها؟!

وأكملت بنفس قسمه وهي تجابهه غضبه عيناً بعين وسناً بسن، وهي تشير بأصبعها تجاه الباب الذي أوصده بإحكام: "وقسماً بالله ويُـمين على يمينك يا ماهر لو ما فتحت الباب وسيبتني أخرج لهتشوف من كيد الحريم ما لا يخطر لك على بال." هنا امتنعت عقارب الساعة عن الدوران إجلالاً لما نتج من تحدي العناد أمام جيوش غضبه الذي أوصلته له تلك المسكينة التي سترى من الويلات على يد ذاك الماهر، وهو يهتف بفحيح:

"كأنك عقلك فوت ولسانك فلت منكِ، ومهتعرفيش إن المرة متحلفش على جوزها يابت الناس! "واللي خلق الخلق لو ما ظبطيش لسانك واتعدلتي وأنتِ بتتحدتي ويا جوزك لاهكون مكسر لك دماغك داي، ومش بس أكده هتشوفي اللي عمرك ما شفتيه في حياتك يابنت سلطان." دب القلق في صدرها مع تنهيدة حارة خرجت من ثغرها، ولكنها تمالكت حالها سريعاً كي لا يستشف ذاك الداهي خوفها البائن، ثم هدرت به: "وه! هو خدوهم بالصوت قبل ما يغلبوكم ولا إيه يامتر؟!

واسترسلت بقوة واهية كي تجعله يشعر بجل خطأه فيما ارتكبه معها: "أني حرة أعمل اللي على كيفي ومحدش له حكم علي غير أبويا." ضرب الحائط بقبضته الفولاذية، وقد رفع ضغطه الآن بفضل عنادها، ولتتحمل عواقب زهقه منها وغلظة ما يتفوه به لسانه: "حرة مين ياهانم، فوقي لنفسك، أني جوزك لو انتِ نسيتي؟ رفعت جفونها ببطء، ثم نطقت بنبرة حادة وتفوهت بما جعله ينفث ناراً وصلها لهيبها، ولكن تلك الحمقاء أكملت:

"كاتب كتابي بس ومليش عليك حقوق ولا أوامر، وإذا كانت حتة الورقة دي هتخليك تعاملني كأني عبدة، يبقى نفضها سيرة ويادار مادخلك شر. وروح دلل وهنن الست شمس بتاعتك." بمجرد أن تفوهت هرائها ذاك، اندفع إليها ليشن حروب أفعالها فوق رأسها بكبرياء رجل عاشق لامرأة متمردة، وكادت أن تكمل هزلها، ولكن نظراته الحادة أرغمتها أن تبتلع ما علق في حلقها من كلمات وتتراجع للخلف.

فتتقدم خطواته بقدر تراجعها، ويغرس خنجر سؤاله في صدرها بهسيس، وعيناه محمرتان من شدة غضبها: "عايزة تتطلقي يارحمة؟! ثم قبض على معصمها بقوة وعنف بصوته المملوء بالجبروت: "طب الكلمة دي لو لسانك نطقها تاني لهتشوفي النجوم في عز الضهر على يدي. وهتشوفي الجحيم على الأرض علشان توبي تمسكي لسانك قدامي قبل ما ترطي هبل على الفاضي." دارت حوله في المكان بجسد ينتفض رفضاً لطريقته، وبنفس نبرته المملوءة بالجبروت هاتفته:

"والله أني مبتتهددش ومتخلقش اللي يوطي راس رحمة المهدي، ومش هي اللي ترضى بالخنوع والذل، وإن كان على قلبي اللي هيعشقك هشق ضلوعي وأفرمه بيدي وأعيش بجسم من غير قلب، ولا إن حد أيا كان مين يفرض سيطرته وهيلمانه عليا." حاول تهدئة حاله من ثورة غضبه، فمهما كان لابد أن يراعي غيرتها، والآن لابد أن يفهمها الوضع بأكمله كي يجعلها تهدأ.

ثم ضم شفتاه وكأنه بتلك الحركة يحاول كبح جماح ثورانه، وأمسكها من يدها عنوة، ولكنها لم تستطع الإفلات من قبضة يده، وجذبها ناحية التخت وأجلسها غصباً عنها ليقول بنبرة تبدو أكثر هدوءاً: "ممكن بقى تبطلي هري وعصبية وكلام أهبل لا يهودي ولا يجيب." "ممكن بردو دلوك تعرفيني سبب ضيقتك وثورتك وكلامك اللي عمالة تبخيه في وشي زي السم ده." "ياه، كأنك معرفش وبتتهمني بالجنون وإني هقول أي كلام وخلاص...

" جملة تهكمية نطقتها رحمة بنبرة ساخرة نظراً لتساؤله الأحمق من وجهة نظرها، ثم عقبت بما ينهي ذاك الحوار: "تمام، هعمل بأصلي المرة دي. غراب البين اللي جت لك دي تقطع قدامها كل الطرق وتغور في داهية تاخدها بعيد عننا، وبعدها بقى نتفاهم ونشوف إزاي جت لك وسمحت لنفسك تقعد وياها وحديكم في البيت بدون رضاي، والله أعلم لو مكنتش موجودة وقتها يمكن ماكنتش عرفت بمجيها عندك." "هخاف منك إني إياك يابرنسيسة زمانك...

" نطقها ماهر بسخرية مماثلة، ثم تابع بنبرة حادة وحاسمة: "للمرة المليون بقولك اظبطي لسانك معايا يارحمة، واعرفي إنك بتتكلمي ويا جوزك." واسترسل حديثه وهو يحاول أن يهدأ من نبرته الغاضبة إلى أخرى لينة، وهو يمسح بيده على خصلات شعره الأسود: "باختصار، هي في أزمة شديدة، وقبل ما تتهميها بالكذب، أني اتأكدت من كل كلمة قالتها، ولجأت لي كمحامي أولاً وكبيننا عشرة قديمة ثانياً، فخليكي عاقلة يارحمة."

ثم اقترب منها وهو يحتضن وجنتيها بكفي يديه، ويحاول التأثير بقربه منها على مشاعرها واستغلال محبتها لها وعشقها له: "واعرفي إن لو قدامي ألف ست في الدنيا ومقفول على معاهم باب واحد وكلهم رايدني، وقتها هكسر البيبان وهاجي حدك بين إيديكي علشان ما أشوفش فيهم كلهم ضفرك ياحبيبتي."

لقد صدمها الآن بقراره ذاك، فقد كان يشعر بأنها فقدت السيطرة على حالها في اقترابه واشتياقه، ولكن ذاك الماهر لم يفهمها جيداً ويدرس شخصيتها العنيدة التي لا تقبل أبداً أن تدلف أحداهن إلى حياته، ومن بالتحديد أنها أخت زوجته المتوفاة، يا لك من رجل متجبر أيها الماهر!

أحست بالمهانة الآن لأول مرة من تصميمه في الوقوف بجانبها، ثم انسدلت دموع عينيها وشعر بسخونتهما عندما هبطت على يديه، معلنة على أنه جرح كبرياءها وأنه الآن على مشارف خسارتها. فهو في موقف يُحسد عليه الآن، إما أن يُلقي بتلك اليتيمة في غيابات الجب ويخسر رجولته أمام نفسه. شعر بأنه يحترق الآن وأنه داخل دوامة ضيقة، بل في نظره أضيق من خرم الإبرة بذاته.

ثم جفف دموعها بأصابع يديه القويتين بحنان رجل عاشق، ورفع عينيها المغشية بالدموع وجعلها تقابل عينيه وهمس لها بنبرة راجية: "صدقيني يارحمة دموعك بيقطعوا في قلبي كأنهم سيوف، بس والله العظيم غصب عني مقدرش أكون مش راجل، مقدرش أشوفني بني آدم يقدر يساعد بني آدم شريد قدامه واحتمال في وقت حياته تتعرض للخطر وفي يدي مساعدته ومساعدهوش." "خلي عقلك كبير واعتبريها ملهاش وجود."

فقدت الأمل بشتى الطرق في إقناعه، والآن لأول مرة هزمت رحمة المهدي، بل والأدهى في معركتها هي. جعلكِ نفسي من شعور الخذلان الذي حاوطكِ من حبيبكِ الأول. جعلني أدمع، أتوه، أتمنى الموت ولا أن أراك ترمش فقط لامرأة غيري. قل لي حبيبي الأول، أضايقتك غيرتي المحقة بها! أأرهقك عشقي وروحي المتعلقة بروحك كي تجعلني أتندم؟ لا، ماهري، فصغيرتك على الحب كما لقبتها كهلت الآن وأصبحت ترى الفراق متقدم.

ثم همست بجانب أذنيه بنفس كلمتها، وهي الآن يرواضها عقلها أنها امرأة مهزومة خائبة: _طلقني ياماهر. تشبث بأحضانها كالطفل الصغير في أحضان أمه وخائف من أن تتركه وحده، وهو يهمس بنبرة صوت أجش من فرط مشاعره التي تبعثرت في اقترابها: _لو السما انطبقت على الأرض ماعملهاش يا بابا، انسى إنك تبقى لحد غير ماهر.

تنهدت بأنفاس ساخنة طويلة، شعر بدفئها في تجويف عنقه، ثم على حين غرة واجه عينيها مقبلاً إياهم برغبة، وكأنه بتلك الحركة يثبت ملكيتها له، فانسدلت الدموع وبللت شفتاه هو الآخر، فلم يشعر بالاشمئزاز وابتلع دموعها وكأنها أنهار من العسل المصفى، مما جعلها تتأثر بحركته تلك ويرتعش جسدها رغبة به.

وهي تتحسر داخلها من خيانة قلبها لها وانسياقه وراء غرامه المتيم بذاك الحبيب، ولكن وعى لحالها وهي تبعده عنها برفق، نظر لأعصابها المفككة من اقترابه، ثم حملت حقيبتها وخرجت من الغرفة بل من المكتب بأكمله، وهي تنوي الفراق لامحالة، فهو قد فضل تلك الشمس ووجودها عليها، وهي لم ولن تستكين. ***

في المشفى، حيث خرج ذاك الطبيب من غرفة مكتبه الخاص وهو يرتدي البالطو الأبيض، رافعاً رأسه لأعلى، ويزين وجهه نظارته الطبية التي أعطته وسامة زادت على وسامته، فقد كانت الساعة السادسة صباحاً، فذاك موعد مروره على المرضى، ناهيك عن رائحته التي عبأت المكان بأكمله.

كان يتمشى في الرواق المؤدي إلى غرف الفحص التي يمكث بها المرضى، ومن يراه يظنه أحد عارضي الأزياء من طوله الفاره ومشيته المتزنة، فرأته الممرضتان الواقفتان بذاك الممر بعينين متصنمتين على واثق الخطى ذاك، ثم غمزت إحداهن في أذن الأخرى وعيناهما تتآكله دون حياء: _يا شتات الشتات يابت، شايفة اللي أنا شيفاه دي ولا نجوم السيما؟ يخربيت جمال أمه. أومأت الأخرى لها وهي تسير على نهجها الأهوج:

_يا خراشي يابت، أول مرة أشوف راجل بنضارة وبالطو أبيض قمر كده. دي أكيد وارد بلاد بره ولا إيه حدفة الصعيد دي؟ أكملت الأخرى وهي تحرك شفتيها الغليظة بطريقة لا تليق بممرضة: _يوووه، ولا ريحته حلوة قوي تهبل! دي المفروض يتحط في باترينة مش يمشي على الأرض كده يابوي. رأتهم تلك الممرضة وسمعت حديثهم المثير للاشمئزاز وهدرت بهن: _بذمتك منك ليها، مش مختشين من حديثكم دي اللي لا يرضي رب ولا عبد!

الله الوكيل لو ما تلميتي منك ليها لهكون مبلغة الريسة باللي بتقولوه، وأخلي عيشتكم مقدنلة، اتحشمي يابت منك ليها. ثم عبرت من جانبهم وهي ترمقهم بنظرة استيائية وهي تهتف بحنق: _كاتكم الهم، بنات آخر زمن تجيب العار لأهلها. فور أن تحركت من أمامهم، كتموا أفواههم، فقد تلونت وجنتاهم بحمرة الخوف، فتلك السيدة لا تخشى في الحق لومة لائم، ولو أبلغت رئيستهم سوف ينالون من بطشها ما لا يقدرون عليه.

أما ذاك الفارس، قد استمع إلى بعض هرائهم وشعر بالاشمئزاز من أن هؤلاء من ضمن النسوة. دلف إلى غرفة الفحص، وكانت فريدة موجودة بنفس التوقيت في نفس العنبر، فتهجم وجهها على الفور ما إن رأته أمامها، ثم أنهت فحص المريض الذي بيدها ودلفت إلى الشرفة الموجودة في الغرفة، ويبدو عليها الاشمئزاز الشديد منه وهي تنظر إليه عن قصد نظرة استيائية جعلته يندهش من نظرتها وتهجمها عليه بتلك الدرجة، وما زاده اندهاشا هو مغادرتها العنبر في وجوده.

نفض عن باله ما فعلته، ثم بدأ بالكشف على المرضى بحرفية تامة، فكان يبتسم للصغار ويربت على ظهر الكبار بحنو لم يسبق لطبيب من قبل. كانت تتابعه من خلف الزجاج بملامح متعجبة وعينين مسهمتين على ما يفعله ذاك المعتوه من وجهة نظرها. جميع من في العنبر أحبوه بشدة وأصبحت الدعوات ترافقه منهم جميعاً، مما جعلها تجلس في الشرفة تحدث حالها، ويكاد يضربها الجنون من شخصية ذاك الطبيب الغير مفهومة بل والمعقدة من وجهة نظرها.

أما هو، فور أن أنهى جميع الفحوصات، دلف إلى الشرفة بملامح هادئة ووجه يبدو عليه الطيبة، ثم ألقى السلام بوقار: _السلام عليكم ورحمة الله. لم تجبه على سلامه، فاندهش، ثم تحدث ملاماً لها بذوق جعلها تصنمت مكانها: _رد السلام فرض يادكتورة. ممكن أعرف ليه أول ما دخلت بصيت لي بصة مش لطيفة وسبتي الكشوفات اللي في إيدك؟ هو أنا صدر مني شيء زعلك تقريباً؟

أنا أول مرة أشوفك وكمان دخلت دلوقتي برمي تحية الإسلام ما رديتيش عليا، هو أنا شكلي في حاجة معصباكي؟ فتحت فاهها على وسعه من كلام ذاك المجنون، ثم هتفت باستنكار: _والله! أنت شكلك اتجننت وأنا معرفاش. انت هتستعبطني إياك ولا بتقول في بالك دي صعيدية وهبلة هاكل بعقلها حلاوة؟ ضم حاجبيه باندهاش من طريقتها، ثم سألها مرة أخرى كي يفهم منها لم كل ذاك العداء، وهو لأول مرة يراها: _هو حضرتك بتتكلمي بجد؟

أنا مش فاهم حاجة، أنا أول يوم ليا هنا في المستشفى ومعرفش انت تقصدي إيه بالظبط. فلو أمكن حضرتك يادكتورة تفهميني بطريقة راقية، أنا صدر مني إيه بالظبط؟ مازالت على ذهولها من ذاك الشخص، أيعقل أنه مصاب بالزهايمر وهو في ريعان شبابه أم ماذا به.

تلك التخيلات التي جالت ببالها جعلتها شعرت بالفزع من ذاك الكائن، ثم على الفور قررت ترك الشرفة له، ولكنه لحقها قبل أن تخرج وأمسكها من ذراعها برفق، فاستدارت بجسدها كي تصفعه لأجل ملامستها مرة أخرى، فتقابلت عيناها بعينيه وتسمرا كلاهما، ثم هتف هو الآخر وهو يشعر بجسده يهتز داخله متأثراً بعينيها السوداويتان، مما جعله وقع أسيراً بها في التو، فعينيها بهما لمعة وقوة لم يرهما في امرأة قط. لقد استفزته بطريقتها وبتجاهلها له وطريقتها العنيفة، ثم سألها مرة أخرى وهو يتعمق النظر في مقلتيها

مما جعل جسدها يشعر برجفة: _هو انت سايباني وماشية من غير ما تعرفيني أنا عملت لك إيه وليه الفزع اللي شايفه في عيونك ده مني؟ وليه الطريقة العنيفة في التعامل دي؟ أنا من حقي أسأل يادكتورة ومن حقي تجاوبيني، أظن إحنا بقينا زمايل. إلى هنا ولم تستطع التحكم بحالها، وعلى الفور نزعت يدها من يد ذاك المتحرش وواجهته بما فعله معها والآن ينكره عن قصد، فردت بنبرة تهكمية:

_طب لو نفترض إنك نسيت شكلي من ليلة وضحاها، نسيت بردو لسانك اللي بهدلني ويدك اللي اتمدت علي؟ اتسعت عيناه بذهول من كلامها وحتما كاد أن يصيبه الجنون. أيعقل أنه مد يده على تلك الملاك! أيعقل أنه عنفها بلسانه! متى حدث؟ وكيف فعلها؟

ثم شعر فجأة بأن الكون يدور حوله وعيناه زائغتين ودوار شديد امتلك رأسه. ثم دلك جبينه من شدة الدوار، وكأن ما قالته الآن يتجسد أمام عيناه في مشهد عرضه عليه عقله الباطن. وذاك تفسيره، ومن الأدهى أن عقله أكمل المشهد ورأها أمامه بشعرها الأحمر الناري وهي ملقاة أرضاً.

أما هي، دقات قلبها بدأت تقرع داخلها من ذاك الإنسان وأفعاله التي تشيب الرؤوس في عز شبابها. وهي ترى علامات وجهه المتغيرة وتدليكه لجبهته، وبرغم حالته تلك، لم يرأف قلبها لأجل ضياعه الآن أمامها. إلا أنها أكملت بتهكم: "اه دي الظاهر أكده إنك من إياهم اللي بيعملوا العملة ويلفوا ويدوروا علشان جُرم اللي عملوه. أصل مش معقولة تكون نسيت اللي حصل من امبارح للنهاردة."

وأكملت وهي تنظر داخل عيناه قاصدة جرحه لما فعله بها، دون أن تبالي بحالة التيهة والتشتت التي رأتهم في عينيه: "إلا إذا كنت مختل عقلياً بقى، بس ساعتها محتاج إنك تتنقل مستشفى الأمراض النفسية والعصبية تتعالج فيها يادكتور." أفرغت ما في قبعتها من غِل هي محقة به مع ذاك المتعجرف الذي فعل بها مالا يغتفر. ثم تحركت من أمامه، ولكن أمسكها مرة أخرى من ذراعها قائلاً لها معتذراً عما بدر منه بكل صدق ظهر بينا من عينيه، وبنبرة تقطر

براءة أذهلتها هي الأخرى: "أنا بجد بعتذر لك جداً يادكتورة لو صدر مني أي حاجة ضايقتك، وأنا مستعد لأي ترضية علشان إهانتك دي اللي أنا شخصياً مقبلهاش." اتسعت مقلتيها بذهول من اعتذاره، وكاد عقلها أن يصاب بالجنون اليوم من مفاجآت ذاك الفارس. ولكنها على الفور استغلت الفرصة وتحدثت بقامة وشموخ أنثى صعيدية بنبرة ساخرة وهي تختطف ذراعها من يده: "هما يفضحوهم في حارة ويصالحوهم في خندق! وأكملت وهي تنظر داخل عيناه بقوة وهي

تربع ساعديها أمام صدرها: "انت أهنتني قدام زميل، يبقى لازم تعتذر لي قدامه ده أولاً. ثانياً، تعتذر لزميلنا بردوا لأنك أهنته هو كمان في مكتبه بعلو صوتك وتهديدك ليه اللي لايليق بدكتور أصلاً بتصرفك اللي حصل منك. وبعديها هشوف هقبل اعتذارك ولا له." حرك رأسه للأمام بموافقة، ثم تحدث وهو يشير بيده تجاه الباب بنبرة تقطر خجلاً وندماً مما فعله، جعلته يقف الآن أمامها بوجه شاحب من شدة خجله مما فعله معهم، وعقله يكاد ينفجر

من عدم تصديقه ما أجرمه: "تمام، طالما غلطت يبقى لازم وواجب اعتذر، لأن الاعتذار من شيم الكرام. وأنا مقبلش إني أطلع إنسان متغطرس وقليل الذوق." لقد زارها الاندهاش اليوم مالم تراها في عمرها بالأكمل. لقد رأت في عينيه الندم حقاً، وبات داخلها يتساءل عن شخصه وتركيبته كيف تكون. لاحظ شرودها وصمتها وزادت عليهم نظرتها له، ثم سألها بنبرة تصاحبها الدعابة: "هو أنا شكلي عجبك قوي كده يا آنسة وواقفة متنحالي؟

أنهى دعابته وهو يبتسم لها ابتسامة رائعة، راقية، جذبتها إليه، جعلت داخلها ينتفض من طريقته المرتقية للذوق العالي. ومن يرى حوارهم ذاك يتهمها هي بالكبر والغرور ويصفونه بالتواضع والأخلاق. تحمحمت وهي تتحرك من أمامه: "اممم، اتفضل معايا على مكتب الدكتور هاني." تحرك كي يسبقها بخطواته، فهو لا يصح أن يمشي ورائها كي لا يخجلها فراق لها فعلته تلك.

ثم أشارت إليه بأن تلك غرفة زميلهم، تحت ذهولها، وكأنه لم يدلفها أمس. وكل ذلك جعلها تبني أفكاراً في عقلها حتى وصلت إلى نقطة معينة، ولكنها ظلت مستمرة معه كي تجمع نقاط أفكارها في بؤرة واحدة وتبدأ حينها كشف بداية الخيط كي تفسر حالته تلك. دق على الباب بكل احترام، فأذن لهم الطبيب بالدخول، ثم دلف هو وفريدة وراء بعضهم، مما جعله اندهش هو الآخر من ذاك المشهد الذي لم يصدقه عقله. ثم أذن لهم بالجلوس على المقاعد، فبدأ فارس

بالاعتذار بنبرة نادمة: "أنا جاي اعتذر للدكتورة." لم يعرف اسمها، فسألها عنه، فأعلمته إياه، ثم أكمل اعتذاره بصدر رحب: "عن أي سوء فهم حصل مني بدون قصد قدام حضرتك يا دكتور، علشان قالت لي إنك كنت موجود وقتها. ومرة تانية يا دكتورة فريدة أنا آسف جداً على اللي حصل مني وعلى التصرف الهمجي اللي أكيد كان من غير قصد مني." ثم نظر إلى الطبيب وأكمل اعتذاره:

"أنا بعتذر لك انت كمان يا دكتور على أي تصرف سيء حصل مني، وأوعدك إن شاء الله مش هتتكرر وهنبقى زملاء." نظر كلتاهما إلى بعضهم نظرة تحوي الكثير من المعاني، وبالطبع قد انتقلا من رحلة الذهول إلى مرحلة دقت فيها قلوبهم رعباً منها، ومن الأفضل قبول اعتذاره ومحاولة تجنبه والابتعاد عنه. ثم تحدث الدكتور هاني أولاً بنظرة بشوشة مرسومة جيداً: "وأنا قبلت اعتذارك يادكتور، وأهلاً بيك في بلدنا نورتنا."

ابتسم ذاك الفارس نفس الابتسامة التي أسرت تلك فريدة منذ قليل، مما جعله يتراجع عن قراره في الخوف منه. فابتسامته تجعل وجهه بريئاً كما الملائكة، وتجعل من أمامه يتأثر به، بل ويحبذ جلسته والنقاش معه كثيراً.

أما فريدة، قامت من مكانها وهي تعدل ذاك البالطو الأبيض الذي بدت به كملاك يحلق في سماء الدنيا، وهي تبتسم ابتسامتها المشرقة له. فقد ردت لها كرامتها عن جدارة، وبالرغم من أنها بادلته صفعته بصفعة مماثلة، إلا أنها شعرت بالانتصار الآن. فالاعتذار لها، ومعرفته بخطأه، ومجيئه معها للدكتور هاني جعلها قبلت الهدنة: "وانت مش أكرم من الصعايدة يادكتور، ولا كأن حاجة حصلت، ونورت المستشفى عندنا." ثم استأذنت منهم برقي:

"عن اذنكم عندي حالات لازم أشوفها." بدت ابتسامتها المشرقة كشمس سطعت بعد العتمة، أضاءت الكون بأكمله في عيناي ذاك الفارس الذي نظر إلى وجهها الذي أصبح محبباً لقلبه بتلك الغمازات التي توسطت وجنتيها، جعلت القابع بين أضلعه يخفق ولها بذاك الجمال الطبيعي وذاك الشموخ والكبرياء لكرامتها. فقد رأى في عينيها الشجاعة التي لم تهب السلطة والنفوذ الذي ذكرته له أنه هدددهم بها.

فكانت مع كل خطوة تخطوها في الابتعاد عن الغرفة، كأنها تسحب أنفاسه معها، فتعلقت عيناه بها، ومع كل خطوة يشعر بعضلات قلبه تنقبض وتنبسط في آن واحد. وبعد خروجها من المكان، بدأ يشعر بالاختناق، وكأن أحدهم يسحب رئتيه من صدره. في موقف غريب، عجيب، مهيب، من تلك النظرات غير مفهومة المعنى. ثم قام هو الآخر وهو يمد يده للدكتور هاني مردداً ببشاشة: "يسعدني ويشرفني إننا نكون أصحاب يادكتور." وأكمل بمداعبة وقد أشرق وجهه هو الآخر ابتسامة

عذبة تأثر بها هاني: "صدق المثل اللي كنت بسمعه من ماما زمان، ما محبة إلا بعد عداوة." بادله هاني مصافحته بابتسامة تنم عن قلبه الأبيض النقي: "الشرف لينا ياباشا. نورت مكتبي." شكره بامتنان لحسن استقباله ومعاملته التي تدل على شهامته في قبول الاعتذار بصدر رحب، ثم غادر الغرفة وخرج على الفور ذاهباً إلى نفس ذاك العنبر، لعله يلقاها ثانية هناك.

وبالفعل ذهب إلى العنبر، وجدها تباشر الكشف على المرضى بعملية جادة. فبدأ هو الآخر عمله حتى وصل إلى الحالة التي بجانب حالتها، فوجد المريضة تسألها: "يادكتورة أنا عاملة العملية من امبارح الصبح، ممكن أعرف انتوا حاجزيني ليه لحد دلوقتي؟ وأكملت المريضة تساؤلها وبدا القلق على معالمها جلياً وهي تنظر إلى ذاك المحلول المعلق: "هي العملية بتاعتي منجحتش؟ أجابتها فريدة بابتسامة بشوش كي تجعلها تطمئن:

"لااا، ازاي بقى، دي نجحت مية في المية، بس علشان رئيس القسم عندنا هنا مبيخرجش أي حالة إلا لما يطمن عليها إنها عدت مرحلة الخطر." أما هو، أمسك ورقة الفحص الخاصة بها وقرأها بعناية، وفريدة لم تأخذ بالها منه، ثم تحدث مستأذناً: "بعد اذنك يادكتورة، حابب أوضح لها أكتر." حركت فريدة رأسها بكل أريحية، فهي من النوع صافي القلب، وطالما اعتذر منها كأن شيئاً لم يكن. أما هو، نظر إلى المريضة شارحاً بالتفصيل:

"شوفي يا آنسة، الدكتور في عملية الزايدة والمرارة بالذات لازم يتأكد بعد العملية وتقفيل المنظار إن كل حاجة في مكانها الصحيح، خاصة إن ممكن الأجهزة اللي بيشتغل بيها ما تبقاش معقمة كويس بتعمل مشاكل، خاصة مع صغار السن. فممكن من المشاكل دي يحصل حوارات لا غنى عنها بالنسبة للست. فلازم يعدي على عمليتك 24 ساعة تكوني متواجدة هنا معانا نتأكد إن كل حاجة سليمة مية في المية، وده طبعاً لمصلحتك، فمتتعجليش."

ابتسمت له تلك الفتاة بحالمية رأتها فريدة، ولكنها أشفقت على الفتيات ذو العقل المراهق مثلها. أما هو، رأى نظرتها للفتاة، وللعجب أنها لم تعير نظراتها أدنى اهتمام، فشعر بالغيظ قليلاً. ثم أكملا كلاهما عمله، وكل منهم يدعي الانشغال ويحاول جهداً أن لا ينظر للآخر. *********************

في منزل سلطان، كان يجلس في بهو المنزل في الحديقة الخاصة به هو وزينب، ويبدو على وجهه الوجوم من تصفيق زينب التي تهلل بفرحة وهي تعد أوراق الكوتشينة الرابحة معها أكثر منه: "مش خبرتك قبل سابق يا سلطان إنك هتقدر تكسبني المرة دي؟ أكملت بنفس الشموخ المصطنع: "علشان تعرف بس إن زينب مش شوية، وتلعب بورق الكوتشينة لعب أكده."

زمزم سلطان بغيظ منها، فهو في موقف الخاسر، والرجل الخاسر من زوجته في وجهة نظره يغلي من داخله. ثم هتف وهو ينفث دخان الشيشة التي أمامه وهو يحاول كبت غيظه منها: "متعشيش الدور قوي أكده يا زينب، إني اللي هلعب وياكي تسالي أكده ومش عامل للعب أهمية، مش في دماغي عاد." ضحكت ضحكة عالية تعني في جوهرها الشماتة من كلامه، ثم مطت شفتيها للأمام بطريقة جعلته اغتاظ منها، وهتفت وهي تجمع الأوراق وبدأت بتفنيطها:

"والله أي واحد مغلوب، وخصوصي لما تكون اللي غالباه مرته، لازم يقول زيك أكده. بس متتكسفش يا خوي، ويالا نلعبوا دور تاني." أشاح بيديه في الهواء مردداً بلا مبالاة بعد غيظها له: "له، مليش نفس للعب دلوقتي." "وه! هتنسحب علشان اتغلبت يا أبو السلاطين؟ جملة استفزازية نطقتها زينب بكيد، ثم عقبت عليها كي تثير غيظه أكثر: _لعلمك، بقي المسحوب مغلوب، واني أكده اللي هكون غالباك النهاردة. نفث دخان التبغ الذي يتجرعه وهو يردد

بهدوء كي لا تهنئ بشماتتها: _عادي، هو إنت غلبتيني بالسيف ولا إيه؟ دي لعب عيال، وأني اتنازلت ولعبتك علشان متقوليش إنت مهمل وياي والحوارات الهبلة دي بتاعت حريم اليومين دول. رفعت حاجبها وقد اغتاظت بشدة من كلامه، وكادت أن ترد إلا أن كلاهما استمعا إلى صوت يدلف عليهم كالزعابيب، جعلهم هلعوا منها، ولم تكن إلا رحمة التي قذفت حقيبتها بهوجاء: _أني عايزة أطلق، مرايداش إني الجوازة دي.

انتفض سلطان كمن لدغه عقرب من خرافات ابنته التي تفوهت بها، وقذفتها كالقنبلة في وجوههم، مما جعله غضب غضبا لم تراه تلك الرحمة من قبل، وهو يركل تلك الشيشة بقدمه مما جعل النيران عبرت بجانبها، فأصيبت بالهلع من رد فعل والدها التي لم تكن تتوقعه بتلك الدرجة. وفي لمح البصر، وقف أمامها ممسكًا بكتفها، هادرًا بها وهو يهزها بعنف: _حرق اللي جابك يابت المركوب، إنت طلاق إيه ده اللي هتتطلقيه يابت زينب؟

دي إنت جايك أيام هتشوفي فيها الويل على يدي يابت زينب. لكزته زينب في كتفه هادرة به: _جرى إيه يا سلطان، هي دلوك يابت زينب، يابت زينب؟ وأكملت وهي تجز على أسنانها بغضب من نعته لرحمة بها، وكأنها لا تنعت إلا في البلايا، وهي تؤكد له بنبرة ساخرة: _كانك مواعيش إنها اسميها رحمة سلطان ياخوي! اتسعت مقلتاي ذاك السلطان من عقل زينب الفارغ كما سمعت أذناه الآن، ثم وجه أنظاره إليها هاتفا بتهكم وهو يضرب كفا بكف:

_زينب، عدي يومك، دي إنت كماني مواعيش بت الجزم دي هتخربط كيف في حديتها. رأت زينب أن علامات الشر تتطاير من عينيه، فرمشت بأهدابها، ثم تراجعت للخلف قليلا عندما رأت بروز عضلاته غضبا من خرافات رحمة، ثم حركت رأسها للأمام موافقة على ما قاله، ثم خطت بأقدامها تجاه ابنتها وهدرت بها: _إنت يازفتة هتطلعي بلاوي من بوقك! وبتستعبطي وهتخليني أديكي باللي في رجلي دلوك ومهخليش فيكي حتة سليمة؟ واسترسلت حديثها وهي تسألها

بنبرة يصحبها التهكم: _والكونتيسة الهانم عايزة تتطلق ليه؟ دي إنت لسه بقالك شهر مكتوب كتابك وعايزة تتطلقي يا أم دماغ ضارب إنت، وكماني فرحك باقي له أيام! عايزة سيرتك توبقى لبانة على لسان اللي يسوى واللي ميسواش لجل عقلك المفوت دي؟ أما سلطان، فحذرها بنبرة حادة وحاسمة:

_الله الوكيل يابت، إنتي لو الكلمة دي نطقتيها تاني لهدفنك حية مكانك. سيبك عاد من دلع البنتة الماسخ دي، أصلك شردتي ودماغك لسعت وهبت منيكي، ولو عايزاني أفوقك وأعقلك كرريها تاني اكده وأني هقطع لسانك دي. كانت تقف ترتعش أمام أبيها من شدة غضبه الذي لم تراه منذ كثير، ولأول مرة يتعامل معها بذاك العنف، ثم تمتمت بنبرة أكثر هدوءا أمام أبيها:

_يا بابا، أني من حقي وقت ما أحس إني مش مرتاحة أبعد، ودي حق عطاهولي الشرع والقانون، مبطلبش أني حاجة شينة لاسمح الله. _لساتك هتخربطي في الحديت يابت؟ جملة استفهامية مغلفة بالاستنكار نطقها سلطان، ثم عقبت عليها زينب: _يوبقى حقك لما الجدع يكون فيه حاجة تعيبه لاسمح الله، لكن دي اسم الله عليه راجل وشهم وابن ناس والعيبة مهتطلعش منيه واصل يابت بطني. ثم تابعت حديثها بنبرة تأكيدية حاسمة:

_أني واثقة إنك إنت اللي هتشيبي شعر الجدع دي من قوتك وجموديتك وراسك الناشفة دي. هدر سلطان بها هو الآخر: _الراس الناشفة والجمودية دي هكسرها لها وأربيها من أول وجديد. واسترسل حديثه بنبرة جادة وهو يسألها: _عميلك إيه بقي علشان تنقمي عليه اكده، احكي لي حكاويكي اللي شبه سحنتك، حكم أني عارف حكاوي بنتة اليومين دول؟ ثم نظر إلى زينب قاصدا إياها هي الأخرى بتلقيحه:

_ماهو التلفونات والنت والمخروب السوشال دي هياجي من وراه إيه غير إنه فتح عينيكم من العرى والفضايح اللي هتشوفوها. رفعت زينب حاجبها بغيظ ولكنها فضلت الصمت الآن، فهو في عز غضبه لن يرى أمامه. أما رحمة، فاهتز داخلها خوفا من تساؤل أبيها ولم تعلم بما تجيبه، فصمتت قليلا، فزمزم أبوها بغيظ من صمتها، ثم تمتمت بنبرة خافتة وهي تومئ رأسها للأسفل وتفوّهت بكلمة واحدة فقط: _طلع خاين. _خاين كيف قفشتيه مع واحدة اياك يابت سلطان؟

نطقتها زينب بنبرة استفهامية كائدة وهي تنظر إلى سلطان كأنها تردها له، فلفح جلبابه بغضب من زوج الاثنتين الواقفتين أمامه وجعلاه ضاق ذرعا. فأجابتها رحمة وهي تحرك رأسها بنفي: _له ماهر ميعملش اكده واصل. اندهش كلتاهما، ثم سألها سلطان وقد امتلأ الكيل زهقا منها: _أمال إيه يابت، ماتنطقي وتخلصينا.

فركت يديها بتوتر ولم تعرف بما تجيبهم، فلو قصت عليهم السبب الذي تريد الطلاق من أجله حتما سيقذفها أبوها بتلك العصاة التي بيده، ولكنهم لم يستطيعوا الشعور بالنيـران التي تنهش داخلها غيرة على رجلها من تلك الأنثى الدخيلة عليهم، وحتما سيرونه شهما بفعلته تلك، فتحدثت بكلمات واهية كي تقنعهم بها فقط: _يبوي، معدتش مرتاحة وحاسة إني اتسرعت في قرار الجواز مني، ومن حقي أي وقت إني ما أقدرش أكمل ما أكملش، مكبرين الموضوع ليه عاد.

نفخ سلطان بضيق من هرائها، ثم اقترب منها وهو يشير بسبابته تحذيرا لها بنبرة لا تقبل النقاش أبدًا: _طب شوفي بقى لو ما سبتكيش من الدلع والحوارات الفارغة بتاعة البنات اليومين دول، لاني اللي هروح للجدع بنفسي وهقول له البت دي جامدة وقوية وعايزك توبقى حمش وياها. يا إما هتقولي سبب يصدقه عقل. يعني مد يده عليك؟ شتمك؟ قفشتيه مع واحدة في وضع لا سمح الله؟

لكن غير اكده وهتقولي لي ما مرتاحاش وحديتك الماسخ دي، الله الوكيل لو سمعت الكلام ده منيكي تاني لهدفنك بيدي حية يا بت زينب، وأخر كلام ما عندناش بنتة تطلق وهي مكتوب كتابها والخلق يجيبه سيرتها عمال على بطال، ولاخر مرة بحذرك يا رحمة، تسيبك من الجمودية اللي فيكي دي وتحمدي ربنا إنه رزقك براجل حلال وولد ناس. حركت زينب رأسها بموافقة وهي تمط شفتها للأمام، وأكملت على حديثه وهي تلكزها في كتفها:

_دي كفاية إنه هياخدك، عارفة يعني إيه هياخدك؟ يعني هياخد بلوة، الله يعينه الجدع والله.

تركها كلتاهما بعد أن عنفوها بشدة على ما تفوهت به، فدقت أقدامها في الأرض غضبا من فشلها في محاولة وقوف والديها بجانبها وتخليصها من ذاك الخائن من وجهة نظرها، ولم يتبقى لديها سوى عمران كي يقف جانبها ويقوم بتطليقها، فهي رأسها يابس ولن تتراجع، فقد خذلها وفضل عليها تلك الشمس، وفضل أن يقف بجانبها مقابل أن تتشتت علاقتهم، وهذا ما لا يقبله عقلها ولا قلبها، ولم ولن تستسلم مهما طال الوقت.

ثم صعدت إلى غرفتها وخلعت ملابسها، وأمسكت هاتفها وقررت أن تدون على صفحتها تلك الكلمات التي بالتأكيد ستجعله يجن، فتلك الرحمة لن يستطيع أحد الوصول إلى عقلها مهما كان ماهرا، فهي تعلم أنه حين يرى تلك الكلمات حتما سيود فتكها حتى يتخلص من تيبس رأسها الذي أوجع قلبه، فدونت على صفحتها: "الشخص الذي كنت أخشى عليه ألم شوكة سمعت صليل سيفه يتدفق إلى قلبي"

ثم ألقت الهاتف ودلفت إلى الحمام كي تنعم بحمام دافئ يجعل داخلها الثائر يهدأ قليلا.

تجلس على مكتبها وكل تركيزها على الأوراق التي بيدها وتحاول إعادة ترتيبها بنظام اعتادت عليه، فهي دوما تحبذ النظام وتعشقه. أما هو، فدلف بطلته المرحة وقدميه تسابق الريح بخطواتها كي يراها وينعم قلبه برؤية ملامحها، وتتشبع عيناه بكتلة الجمال والنور الذي يشع من وجهها، فقد عشق ملامحها، رقتها، هدوئها، حتى حزنها البائن على معالم وجهها عشقه هو الآخر، وأصبح يتمنى لو كان جزءا من ماضيها فيكن لها نصل الشفاء من الألم، يكن لها صدرا حنونا ترمي هموم الدنيا بداخله ولا يزهق أبدا.

شملها بنظرة هائمة من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها، بردائها الأحمر ونظارتها ذو السلاسل المتصلة بأذنها أعطتها بهاءا من الأناقة لا يليق إلا بها. أما هي، فلم تشعر بوجوده نظرا لانهمكاها في العمل بتركيز شديد، فهي قد وجدت في العمل ملاذا حقيقيا لم تجده في أي شيء حولها. أما هو، فنطق لسانه وهو ينظر لها بوله: _لقد وجدته أخيرا. رفعت أنظارها إليه وهي تردد باندهاش: _هو إيه ده يافندم اللي وجدته؟ في حاجة ضايعة منك؟

أجابها بعبث وهو ينظر إلى السقف وملامح وجهه تدل على مشاغبتها: _المصباح الذي أنار حياتي. رفعت حاجبها هاتفة بنبرة استنكارية وهي فهمت معنى نظراته: _والله يافندم! وأكملت بنفس مشاغبته: _طب حاسب لا يزغلل عنيك من كتر نوره. اقترب منها وأسند بكلتا يديه أمامها قائلا بثقة: _متقلقيش علي عيوني دول، يدوبوا الحجر ويخلوه يلين، وخليكي شاهدة علي كلامي بس.

توترت من اقترابه وحصاره لها، فمنذ أن وطئت قدماها ذاك المكتب من أول لحظة وهي ترى نظراته الغريبة لها، وكأنه يعرفها منذ أعوام وأن تلك المقابلة ليست الثانية بينهما. بين الحين والآخر تلمحه بطرف عينها منتبها بتركيزه معها، مما أشعرها بالغرابة تجاهه من عدم فهم تلك النظرات. استمعت إلى كلماته الأخيرة، ثم رددت بنفس طريقته العابثة بسبب عدم فهم مغزى كلماته: _هو في إيه يامتر عاد!

حاسة إن عينيك مش شايفاه غير مصباح واحد مع إن الدنيا مليانة مصابيح بالكوم. وكلهم بالألوان دلوقتي، متعرفش تختار إيه ولا إيه. انتصب بوقفته وأجابها وعيناه تدور بالمكان ولسانه يتحدث بثقة اخترقت حصونها: _لأ، أصل عيني مبتحبش أي ألوان كده وخلاص. فيه مصابيح بتنور لوحدها كده، ويا سلام بقى لو النور قطع تلاقي ضوء الشمس خلاهم نوروا تاني.

نظرت إلى الأوراق التي أمامها وبدأت بسرد المواعيد المحددة له في ذاك اليوم كي تهرب من الحوار بتلك الطريقة معه، فهي ليس لديها أي استعداد لمجاراته: _حضرتك عندك معاد مع مدير شركة المواد الغذائية الساعة اتنين. وبعدها معاد البشمهندس جمال. تحب أزود مواعيد النهاردة ولا أستكفي بكده؟

رأى تهربها من الحوار معه فاحترم ذلك، فهو يحبذ التعامل بهدوء دون تسرع، فهو قد مر بتجربتين مريرتين له، ولكن خسارة تلك المها بالنسبة له لم يتحملها، فهو قد حلم بلقاها من مجرد صورة فقط رآها. وما إن رآها وسمع صوتها وطريقتها الرقيقة وتجسدت أمامه صوتًا وصورة حقيقة، وقع قلبه في سحر عينيها. ثم تحمحم قائلاً وهو ينظر إلى ساعته: _أمممم...

لأ كفاية كده عشان عندي معاد بره النهاردة وعندي كمان مرافعة مهمة بكرة إن شاء الله وعايز أراجع القضية كويس جدًا. وأكمل بجدية وهو يحمل حقيبته ويدلف إلى مكتبه: _ابعتي لي القهوة بتاعتي، وياريت تكون سادة من غير سكر خالص لأني عايز أبطله خالص وبالتحديد مع القهوة.

حركت رأسها بموافقة ثم تحرك من أمامها ودلف إلى مكتبه. أما هي، طلبت له القهوة كما يريدها، ثم رجعت إلى عملها مرة أخرى تتابعه بجدية ونشاط ونسيت كل الحوار الذي حدث بينهم الآن. فقد فهمت ماذا تفعل بكل سهولة ولم تشعر بصعوبة العمل معهم، كما أن "منة الله" تتعامل معها وكأنهم يعرفون بعضهم منذ سنوات وليس بضعة أيام، فشعرت مها بأنها أخذت على الجو بسرعة من مجرد يومين فقط.

أما هو، فور أن تركها، دلف إلى المكتب وهو يلتقط أنفاسه من شعوره بالاكتفاء بإحساس القرب اللذيذ منها، وهو يتحدث معها مجرد كلمات فقط جعلته تمام فور دخوله المكتب: _إيه يا شيخة، واخدة الجمال اللي في الدنيا كله لحالك كده كتير علي والله. ثم هدأ من مشاعره الثائرة داخله وبدأ الإندماج في جو العمل كي يتناسى وجودها قليلاً. وبعد مرور عشرة دقائق، دلفت إليه بالقهوة التي طلبها وهي تقدمها له بكل هدوء مصاحب للاحترام:

_اتفضل يا فندم قهوتك. في أي طلب تطلبه تاني أجيبه؟ أخذه منها ثم قربه من أنفه وبدأ يستنشقه أمامها ثم ردد عابسًا مما أخجلها: _تعرفي مختلفة خالص عن كل مرة، وكأنها معمولة مخصوص عشان تكيف الدماغ. معرفش اشمعنى المرة دي بالذات. اندهشت من طريقة حديثه ثم سألته وهي لم تفهم مغزى كلامه: _مش عارفه، حاسة إن طريقة كلامك أكترها ألغاز. ممكن أفهم معنى كلامك يا متر؟

ابتسم لعدم فهمها ثم ارتشف من قهوته بتلذذ وأجابها وهو يشير بأصابعه على فنجان القهوة الذي وضعه أمامه: _ما انت ركزي كويس معايا ومع كلامي وانت هتفهمي مقصدي، إني بتكلم عن القهوة. رفعت حاجبها لذاك الماكر والتي بدأت للتو فهمه، ثم حركت رأسها للأمام وهتفت بطاعة كي لا تدخل في حوارات لا تستطيع مجابهته بها الآن: _تمام يا فندم، هاخد بالي بعد كده. عن إذنك.

ابتسم لها بملامح هادئة ثم أذن لها وبدأ بارتشاف قهوته بتلذذ لشعوره أن تلك اليدين الناعمتين لمستها فقط. ولكن ماذا بك أيها الجاسر؟ أهدأ يا رجل وأعط لقلبك فرصة التأني ولا تتعجل، فتلك المها وما وراءها لن يسرك أبدًا. ***

في هدوء الليل والسكون الذي نأوى إليه كل ليلة، يتجمع ما بنا من أحزان وآلام موجعة، وصرخات دموع وذكريات مؤلمة. نتمنى أن نتناسى تلك الأحزان ونبحر سويًا إلى عالم الحب والطمأنينة، فقد سئمت قلوبنا عذاب اليأس والاستسلام. فالليل هو قلب وروح، ودمعة. فالليل مرآة تقلب فيها ناظريك لعلك تجد نفسك على صفحتها كما خلقك الله، إنسانًا ضعيفًا محتاجًا إليه.

يجلس ذاك الفارس في شرفته وهو يستند على كرسيه الهزاز وبيده ذاك الحساء من النبيذ الذي يتجرعه كل ليلة، وباليد الأخرى هاتفه يشاهد ذاك المقطع وهو يتغنى بصفيره وكأنه يعزف على أطلاله باستمتاع لم يسبق له من قبل. ومن يسمعه ويراه بهيئته المستمتعة تلك يظن أنه عاشق أو رجل هادئ. ثم أرسل مقطع الفيديو إلى تلك البائسة التي أوقعها القدر في طريقه مدونًا أسفله: _شوفي نفسك وانتِ بين إيديا، مثيرة، جذابة، جمالك فتاك يابنت اللذين.

بقولك إيه، ماتيجي عندي دلوقتي وأنا أطيرك من السعادة وأوصلك لنجوم السما والقمر وأحسسك أجمل إحساس عمرك ما هتحسيه غير معايا. مجرد ما شفايفي تلمس شفايفك بس هخليكي تدوبي. بصراحة أموت أنا وأعيد السنة معاكي يا جامدة بالقوي. بصراحة كان طعمك شهي، أمممم.

أنهى تدوين رسالته وأرسلها لها. وفور وصولها، استلمتها على الفور وقرأت المحتوى قبل أن يتحمل الفيديو، فاحمرت وجنتاها خجلًا من كلام ذاك الوقح الذي أرسل لها ولم تعرفه. فذاك الرقم المسجل برقم خاص لم تعرفه. وفور أن تحمل الفيديو، فتحته على الفور وشهقت شهقة عالية وهي تضع يدها على فمها تكتمها من هول ما رأت، وقد ضرب الهلع بجسدها ضربًا وكأن أحدهم رماها من أعلى قمم الجبال إلى أسفل قمم الأراضيين.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...