أنهى تدوين رسالته وأرسلها لها. وفور وصولها، استلمتها على الفور وقرأت المحتوى قبل أن يتحمل الفيديو. فاحمرت وجنتاها خجلاً من كلام ذاك الوقح الذي أرسل لها ولم تعرفه. فذاك الرقم المسجل برقم خاص لم تعرفه. وفور أن تحمل الفيديو، فتحته على الفور وشهقت شهقة عالية وهي تضع يدها على فمها تكتمها من هول ما رأت. وقد ضرب الهلع بجسدها ضرباً وكأن أحدهم رماها من أعلى قمم الجبال إلى أسفل قمم الأراضيين.
ظلت تشاهد الفيديو مراراً وتكراراً وهي ترى أنها بين يدي وغد فاجر اقتحم برائتها ودنس عذرية مشاعرها الأولى وهي في حالة غافية لا تعلم ماذا يفعل بها.
كانت تشاهد الفيديو بإحساس يتنقل بصفعاته الدامية لعائلتها وبلدها ومن قبلهم نفسها. رأته بلسان قومها، وبعقارب أقاربها، وبقلب أبويها الفقراء أصحاب الطبقة أقل من الوسطى. وبعين المجتمع بأكمله الذي حتماً سيرى أنها عاهرة ولن يصدق أحدهم أنها كانت خارج وعيها. ومن يراها في الفيديو وهي تتململ بين يديه مغمضة العينين بشعرها الأهوج المبعثر على ظهرها وكتفيها، سيحكمون أنها كانت ثائرة. سيحكمون عليها بموت شرفها.
كادت أن تصرخ لترتاح عقلها وجسدها من التحطيم القادم لها، ولكنها كتمت شهقاتها إجباراً عنها حتى لا يسمعها أبوها وإخوتها. وحتماً سيصابون حينها بالفزع من ما سيرونه. فابنتهم الطبيبة التي رفعت رأسهم وسط بلدتهم بتفوقها ودخولها الطب وأصبح لقب الدكتورة بنت البواب فخراً لأبيها الذي عانى الويلات كي تصل ابنته إلى تلك المرحلة من العلم وأن يصبح لها شأن. والآن يكمل رسالته الأبية الشريفة بعرقه مع باقي أخواتها. وما إن وصل عقلها إلى ما سيجنيه أشقاؤها من وراء تلك الفضيحة وانتهاء مستقبلهم المشرف، حتى انهمرت وجنتاها بأنهار من الدمع المكتوم. فحتماً كانت تشعر الآن بأن قلبها سيكاد يقف داخلها.
فقط لحظات، مجرد لحظات عندما رأت عينيها ذاك الفيديو، حتى كاد أن يتوقف قلبه عن نبضه. بل تمنت الآن أن يتوقف عن دقاته كي تستريح مما ستراه ومما هي قادمة عليه. حاولت تهدئة حالها كي لا تستيقظ أختها النائمة. ثم حملت هاتفها وخرجت من الغرفة ومن ثم المنزل بهدوء كي لا يسمعها النائمون. ثم صعدت إلى سطح المنزل بخطوات هادئة. وما إن وصلت إلى الأعلى حتى هاتفت ذاك الأرعن.
أما هو، فما زال جالساً يحتسي شرابه المسكر ويتغنى بصفيره وهو ما زال يشاهد ذاك الفيديو. ثم رأى نقش اسمها على الهاتف فأجابها سريعاً وهو يردد بانتشاء: ــ يادي النور، الدكتورة فريدة بذاتها بتتصل. جزت على أسنانها بغضبٍ جم من ذاك الشيطان الذي يتحدث معها. ثم هدرت به ولكن دون أن يعلو صوتها كي لا يسمعها من بالأسفل: ــ انت جنسك إيه يابني آدم انت! ياوقح! يازبالة! ياللي مشفتش بربع جنيه تربية.
كانت تسخطه بلسانها وتكاد تلعنه لما فعله بها. أما هو، فتعامل معها بكل برود جعلها تستشيط أكثر من ذي قبل: ــ والله انت وش فقر! بقي في واحدة بنت بواب وعايشة في آخر بلاد المسلمين تجي لها فرصة تبقي مع فارس عماد الالفي وترفض؟ لاء، وايه كمان تشتم وتلعن؟ أما صدق بنات وش فقر. اتسعت مقلتاها بذهول من رد ذاك المصاب بالجنون حتماً. ثم هتفت بنبرة يغلفها الاندهاش: ــ انت شكلك مجنون!
لاء، دي الجنون أبعد ما يكون عن دماغك وتفكيرك يامتحرش! والله العظيم إن الفيديو ده ماتمسحش لاهوديك في ستين داهية وهخلي سيرتكم النضيفة اللي بتلمع على كل لسان ودلوقتي الفضايح مفيش أسهل منها. وهقدم بلاغ للنائب العام بذاته إنك انتهكت حرمتي واعتديت عليا وأني مغمى عليا. ومش بس كده، هخلي الدكتور هاني يشهد معايا لأنه هو اللي فوقني من الإغماء وممرضين القسم شافوك وانت شايلني.
نفث دخان سيجاره في الهواء بمزاج عالٍ. وقد شعر بأن غضبها وكلماتها تغسلانه من داخله فشعر بمنتهى اللذة. وبنبرة برود أشبه للجليد نطق ذاك الفارس: ــ وماله يابيبي، أموت أنا في جو الفضايح ده. وأخواتك البنات وأخوكي اللي في سنة أولى كلية شرطة وأبوكي البواب يتمرمطوا معاك. أما أنا، فميش قلق عليا خالص، أصلك متعرفيش أنا مين وورايا مين.
شعرت الآن بأنها على حافة الانهيار لا محالة. وعيناها تنظر تارة للسماء تناجي ربها بقلب منفطر كي ينقذها. ثم تنظر من سور السطح وعقلها يحسها أن تسقط حالها من الأعلى وتنهي حياتها ويستريح الجميع مما هو قادم. فما حل بها سيصيبهم جميعاً بالهلاك. ثم استغفرت ربها من تفكيرها في الانتحار وحاولت تهدئة حالها والرضوخ أمام الريح العاتية كي تصل مع ذاك المريض النفسي الذي أوقعها القدر في طريقه إلى بر الأمان دون أن يتأذى أحد من ورائها. ثم سألته بنبرة هادئة وهي تضع يدها على صدرها وكأنها بتلك
الحركة تهدهد على قلبها: ــ طب انت عايز إيه مني عاد دلوقتي يادكتور؟ شعر الآن بأنه فاز في أولى الجولات مع تلك الجميلة التي أوقعها القدر تحت براثنه. وليست فقط جميلة الشكل بل الملمس، ولديها من القوة والاعتزاز بالنفس ما لم يجده قبل ذلك في غيرها. فبالطبع أنها ليست الأولى ممن وقعوا تحت يديه، ولكنها مختلفة، مثيرة، تجعله يشعر باللذة في الحديث معها. ثم حرك رأسه مبتسماً كالطفل الصغير وهتف بنبرة تشبه الملائكة مما أدهشها:
ــ تعرفي إنك مش زي أي بنت عادية أنا عايزها معايا في السرير وخلاص. ولا أنا عايز أقضي علاقة راجل وست كل لما مزاجي يعوز؟ واسترسل حديثه وهو يجيب على حاله بنفس النبرة التي أدهشتها وجعلت الرعب يدب داخلها كل برهة أكثر من ذي قبلها:
ــ عايزك تتكلمي معايا كتير واحنا لوحدنا في الأوقات اللي على كيفي ووقت ما أحب. عايزك تفضي دماغك من كل حاجة حواليكي ومتفكريش في أي حد في الدنيا غير فارس. فارس وبس. عايزك تحبيني بكل لمحة من وشك. بس الحب مش متبادل، انت اللي تحبيني وانت اللي تتعلقي بيا. أنا لا أوعدك، أنا معنديش قلب يحب، دهسته من زمان من وأنا ابن إعدادي راح مع اللي راحوا.
إلى هنا والقوة الواهية التي تتحلى بها انقشعت وزالت، ولم يعد أمامها غير الضعف. فهي قد غرست أقدامها في وحل مريض نفسي. وقبل أن تجيبه، سألت حالها وهي تحادث نفسها في دقيقة من الصمت، وللعجب أنه تركها تلك الدقيقة ولم يتفوه وكأنه معتاد: ــ ماذا إن رفضت كلام ذاك المعتوه؟ حتماً ستضيع عائلتي. أبي، وأخوتي؟ ماذا إن قمت بالتبليغ عن ذاك المعتوه؟ هل سيتركني أباه بمنصبه ونفوذه؟ أم ماذا إن وافقت؟ أدنس شرفي؟ أضيع في غيابات الجب؟
أخسر كرامتي؟ أدهس كبريائي؟ ثم ردد عقلها إليها كي يجعلها لا تصاب بالجنون: ــ لم تفترضي السوء، وقد رمي نبي الله يوسف في غيابات الجب وأصبح عزيز مصر بعناية الله. وأكمل قلبها يحدثها مع عقلها: ــ مابقاش ليا حد غير ربنا دلوقتي.
بس الكلمة دي بيقولها الناس اللي قلوبها اتكسرت أو اتحطوا في ضيقة، وتحس إنها كلمة بتتقال وقت الضعف. مع إن لما سيدنا موسى مكانش له حد إلا ربنا، ساعتها البحر انشق، والصحراء انفجر منها عيون المية اللي لحد النهاردة موجودة. والسيدة هاجر لما مكنش ليها حد هي وابنها غير ربنا. ربنا في قلب الصحراء خرج لها بير زمزم. سيدنا يونس لما ما كانش له غير ربنا، الحوت ما قدرش يهضمه وطلعه بره من غير ما ينقص منه ضافر أو شعرة.
السيدة مريم لما ما كانش ليها حد إلا ربنا، ساعتها ربنا جعل رضيعها يتكلم ويخرس لسان الناس عنها. اللي مالوش غير ربنا في موقف قوة مش ضعف. في الفريق الكسبان مش الخسران. في الزاوية المسيطرة مش المهزومة المكسورة. انتي جامدة جدا ومش كلام. انتي معاكي اللي بيقول للشيء كن فيكون. افتكري ديما الكلمة دي: "ماذا وجد من فقد الله؟ وماذا فقد من وجد الله؟ اللي ما بقاش مع ربنا هيلاقي إيه من بعده يساوي ويعتبر مكسب؟
واللي ما بقاش له غير ربنا هو أغنى الناس وكسبان مكسب الدنيا والآخرة. اللي فيها لله ما بتغرقش. واللي ملوش غير ربنا، له كتير قوي وهو مش دريان. معجزات هتحصل له، وبركات هتحل عليه، وستر ولطف هيصاحبوه، وقوة وهمة هتضاف لقلبه من حيث لا يدري ولا يحتسب. فاجمدي أكده يافريدة وماتضعفش. اتحامي في ربنا وقولي الله المستعان. ومفيش حد بيقولها ويطلب المعونة والسند من الله بصدق، غير لما بيعينه ويقويه على كل شيء، ويلين في إيده الصعب.
أحست بتلك الكلمات التي أمدها قلبها بها أنها ليست خائفة منه، وأنها الذي ستصلح حال ذاك الشيطان وتبدله إلى ناسك يخشى الله، وأن حرب وجودها أنثى في الحياة دون أن تدنس في وحل الخطيئة ليست هينة، لطالما ابتلاها الله، فل تستعين بالله، ومن كان في معية الله لن يضام أبدا. ثم سألته بنبرة مستكينة، فهي الآن تيقنت أنه يعاني من انفصام في الشخصية، فما الذي رأته صباحا؟ واعتذر لها ولزميلهم، ليس الذي يحادثها الآن.
"طب وأني إيه اللي يضمن لي إن سمعتي وشرفي ما يتوهلوش لو نفذت لك اللي انت عايزه؟ هنا شعر بالانتصار، ثم طمأنها بصدق، فهو لم يحتج معها اللف والدوران كي يكتسبها، فهو إن أرادها سيأتي بها في لمحة البصر وسيأخذ منها ما يريده دون أن يدري به بشر قط، ولو النمل في جحورها. "مش هقرب منك، أصلا مش عايزك لكده. ولو أنا عايزك لكده من البداية مكنتش استأذنتك يافيري. أنا واضح قوي مع ضحايايا." "ضحاياك... هتفت
بها بذهول وعقبت باستفسار: يعني أعتبر نفسي من دلوقت ضحية؟ هتسمع الصعيد كله لو كده أموت لك حالي وروح شوف غيري بقى." بكل برود نطق بما أرعبها: "وماله يابيبي، أختك فرح الكتكوتة اللي في أولى جامعة جميلة زيك وتنفع برضه." شهقت شهقة عالية ثم صرخت بسبابها في وجهه: "آه ياسافل يامنحط! انت عايز إيه بالظبط مني؟ أطلق صفيره في أذنها بطريقة زادتها هلعا منه وأجابها:
"أنا واضح جدا. واللي عايزه منك قلته، ومبحبش أعيد كلامي مرتين. وبعدين يابيبي، شغلي دماغك معايا، هترتاحي وهتكسبي. هتعاندي هزود طلباتي لحاجات متعجبكيش، وبرضه هتنفذيها." أدمعت عيناها وهي تستمع لما يقوله، ثم همست له بنبرة خافتة: "طب اشمعنى أنا اللي هتعمل وياها كده، وانت عارف إني ما تنفعكش، وكمان مش زي اللي عرفتهم قبل كده، يعني مش هتستفاد مني بحاجة واصل؟ "مين قال كده؟
ده انتي بيهم كلهم نوع جديد مختلف، شرس، متمرد، نفسي أعيشه... تلك الكلمات التي أطلقها من فمه جعلتها تهتز قلقا. ثم طلبت منه: "طب عايزة وعد منك إنه مجرد كلام وبس زي ما قلت؟ لأول مرة يريح إحداهن ويطمئنه: "حاضر، متقلقيش." ألقى كلمته وأغلق الهاتف في وجهها. فالبداية والنهاية دوما بيده، وخيوط اللعبة دوما صاحب شباكها. ورجع يحتسي ذاك النبيذ مرة أخرى وهو يضم ذاك الانتصار مع تلك الفريدة ضمن انتصاراته التي لم ولن تنتهي.
أما هي، نظرت إلى السماء وظلت تردد كثيرا وكثيرا، حتى شعر فمها بالتعب: "ربي إني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين، لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين." *** في منزل آدم المنسي، حيث كانت مكة تجلس في شرفة منزلها وهي تضع ذاك الأيباد أمامها وتجري مكالمة الفيديو كول مع شقيقتها مها، التي داعبتها: "وه الجواز باين عليكي قوي يابت أبوي. قال إيه مهتجوزهوش، ما عايزهوش." وأكملت بنفس دعابتها:
"قال على رأي المثل، نفسي فيه وأقول أخيه، هههه. ودلوقتي حامل منه كمان. الواد آدم ده ينضرب له تعظيم سلام والله من تحولك للدرجة دي. قال وبقيتي تحطي ميكب وتسأليني عن أنواع الإسكين كير. دي انتي بقي عليكي رسمة عين إني مها ذات نفسها اللي عايشة في الميكب من زمان معمـلتهاش حلوة أكده ياقمرة انتي." تلونت وجنتا مكة باحمرار من تلميحات مها، ثم هتفت بدعابة مصاحبة للخجل: "أبو شكلك هتكسفيني عاد يا أم الزين. بطلي بقى طريقك كلامك ده."
ضحكت مها برقة، ثم أكملت مشاغبتها: "وه هتتكسفي ياموكتي! لاحظت خجلها يزداد، فأكملت وهي تغير مجرى الحديث: "خلاص يابت أبوي، متتلونيش من الخجل. قولي لي بقى هتيجي ميتة؟ اتوحشتك قوي واتوحشت ريحتك وضمتك وصوتك وانتي هتقري القرآن وإمامتك ليا واحنا هنصلي قيام الليل سوا." وبنبرة أشبه للحزن، نظرا لحالة الوحدة التي تعيشها، وما زال الحزن مسيطر عليها لفقدانها أولادها، ولم تنس بعد:
"بقيت بتوحشك انت والدكتورة سكون قوي، وحاسة إني من غيركم ضايعة خالص." شعرت مكة بالحزن لأجلها، ثم طمأنتها: "هاجي قريب ياحبيبتي، لأنكم وحشتوني قوي انتو كمان وفوق ما تتخيلي. بيتنا وبلدنا وأوضتي ومصليتي ومصحفي وكل حاجة عندكوا هشتاق لريحتها على الآخر." ثم وضعت يدها على بطنها وأخبرتها بما سيفرحها، فهي أخذت وعدا من والدتها أن لا تبلغ أيًا من أختيها، فهي تريد أن تفرحهم بنفسها:
"هروح للدكتورة علشان تطمني على البيبي وأشوفها تسمح لي بالسفر ولا إيه." تهللت معالم مها فرحا وسعادة، وودت أن تكسر شاشة الهاتف كي تحتضنها وتعبر لها عن مدى سعادتها بذاك الخبر، لتبارك لها بسعادة: "يا ماشاء الله، يا ماشاء الله ياحبيبتي. مبروك ياروحي، ربي يكمل لك على خير يارب وتفرحي بيه أو بيها قدام عيونك وبين إيديكي." واسترسلت حديثها وهي توعيها على حالها:
"بس خلي بالك من حالك زين، اطلعي السلالم بحساب وانزلي بحساب. هفرح ماجدة بقى." حكت مكة يدها برأسها وتمتمت: "له؟ ماهي ماجدة عارفة." "وه وه منيكم بقي، إني آخر من يعلم بقى." جملة استفهامية نطقتها مها بحزن مصطنع، وتابعت مكة مراضاتها: "له والله، إني لسه مبلغاها النهاردة الصبح، وقلت لها متقولكوش حاجة علشان أبلغك بنفسي وأعملها لك مفاجأة."
تهللت أساريرها فرحا، وظلتا تتحدثان كثيرا بشغف أختين لم تريا بعضهن منذ كثير. ثم استمعت مكة إلى صوت أقدام آدم يهبط الأدراج حتى وصل إليها، مقبلا رأسها بحنو، ثم دخل معها في المكالمة وهو يلقي سلامه على مها، التي رددت بمشاغبة: "والله يابني نفسي أعمل لايف وياك واحنا قاعدين مع بعض أكده وأتفشخر على الناس إن أنا أبقى قريبة النجم آدم المنسي وألم متابعين قد الدنيا وأبقى البلوجر أم الزين."
ثم حركت حاجبيها بعبث وأكملت بنفس روح المرح التي أحبتت الدخول بها مع أخواتها: "تصـدق مجاش في بالي فكرة البلوجر ده خالص. والله لو عملتها لأطلع بلوجر قمر قوي. إيه رأيك يانجم، ماتكسب فيا ثواب، إحنا أخوات برضه." تبسم آدم ضاحكا على دعابتها، ولم تخلُ البسمة من على وجهه طيلة كلامها، ومكة هي الأخرى منخرطة في الضحكات من كلام وحركات أختها، ثم ردد بمشاغبة مماثلة مثلها:
"آه ده انتي داخلة على طمع بقى يامها هانم وعايزة تتشهري على حسابي؟ "وماله يانجم، الناس لبعضها. وبعدين حطني على أول الطريق ومليكش صالح بيا بعد كده، وأني بعون الله هبهركم." الكلمات التي نطقتها مها بتفاخر مصطنع جعلت كلتاهما تنهمران في الضحك. رددت مكة بتحذير:
"يختي بلوجر مين والناس نايمين، دول بقوا زي الهم على القلب. اللي عايزة تتشهر تطلع ترقص على أغاني مهببة تخلي جيل طالع لسه يقولها وراهم. واللي تطلق تروح تتعرى وتقول حرية، وتقعد تنزل فيديوهات عن جمالها وإنها بقت رشيقة بعد الطلاق، وجمالها عدى الحدود، وتنصح كل ست متضهدة زيها: اتطلقي حبيبتي وعيشي حياتك. ولا الترند الأخير؟
البنت اللي ضربت حماتها واعتدت عليها بسبب إنها متحكمة في قوتها وقوت بنتها وجوزها اللي نزل الفيديو وشهر بأمه ومراته على العلن، وخلى سيرتهم على كل لسان. وكأن الفضايح في الزمن ده هي اللي هتجيب فلوس وتغنيهم. ما يعرفوش إن ما بني على باطل فهو باطل." حركت مها رأسها بأسى، وانقلبت روح الدعابة والمرح إلى حزينة، وهي تصدق على كلام أختها قائلة بحزن:
"غلابة، ما يعرفوش إن الفلوس رزق، وإن الصحة رزق، وإن الولاد رزق، وإن نعمة راحة البال رزق، وإن كنوز الدنيا متسواش مقابل لو مقفول عليا إني وبيتي وعيالي باب الستر، لو هناكلها بعيش ودقة. ما يعرفوش إن حيطان البيوت مليانة بلاوي، وإن محدش في الدنيا مرتاح، وإن كلنا الهموم محوطانا من كل مكان. ما يعرفوش غير اللي لابسة وخارجة ومتشيكة تبقى مفيش زيها، ولا بتعرف تحزن ولا الحزن يفرق معاها أصلًا."
أنهت كلماتها وهي تتذكر ولديها، وقد لمعت عيناها بغشاوة الدموع. فتحدثت مكة بتأثر: "بس بقي هتخليني أعيط، وأنت عارفاني عيوطة أصلًا، وبتأثر بسرعة." هنا أشار إليهم آدم ناهيًا إياهم: "بسسس انتوا وهي، هتقلبوها نكد ليه؟
إحنا ملناش دعوة بالعالم دي، خلونا مع نفسنا، وكل واحد مسؤول عن عمله. ولو يعرفوا إن تمن الشهرة والمال اللي جنوه من وراها قد إيه، أتفه ما يكون من الإنسان يبقى طبيعي ويعيش طبيعي. والله ما يكفي راحة البال والستر والصحة كنوز الدنيا بحالها." وظلا يتحدثان ويهون كل منهم على الآخر، ثم أغلقا الهاتف لأن موعدهم مع الطبيبة قد أتى.
بعد مرور نصف ساعة، هبطت مكة بطلتها المحتشمة الراقية اللائقة بها، مما جعل ذاك آدم يطلق صفيرًا عاليًا يبدي به عن مدى إعجابه بطلتها المحببة لقلبه. ابتسمت هي لطريقته تلك، ثم أشارت إليه للمغادرة. فخطى أمامها، ثم مد يداه وعدل من نقابها وأنزل البيشة على عينيها، وهو يهتف بنبرة تملؤها الغيرة: "خلي بالك بعد كده يا مكة، قبل وشك ما يبان عيونك قبلهم. مش حابب حد يلمحهم ولا يتأملهم غيري."
اهتز داخلها فخرًا بذاك الزوج الذي دوما يثبت لها أنها ملكته وملكه، وأنها الأنثى المحظوظة دوما بأنه رجلها. ثم ابتسمت له من تحت نقابها ومدت يدها له بسعادة، فجذبها بين يديه وخرجا كي يستقلا السيارة. بعد مرور نصف ساعة، كانت مكة مستلقية على التخت أمام الطبيبة تفحصها ببراعة. فقد انتقى آدم تلك الطبيبة نظرًا لمهارتها وسمعتها المعروفة بأنها تفهم وتجيد مهنتها بجدارة. ثم ابتسمت الطبيبة لهم وهي تشير بيدها على الجنين:
"وزي ما أنتم شايفين، دي راس الجنين، ودي رجليه، ودول عينيه. والظاهر كده إنهم هيطلعوا بالألوان."
قالت الطبيبة كلمتها الأخيرة بمرح أدخل السرور على قلبهم، ثم أسمعتهم دقات قلبه. وفي تلك اللحظة، أمسك آدم يد زوجته وضغط عليها بحنو ورغبة لأجمل إحساس يشعر به أي أب وأم. إحساس لا يوصف من جمال رؤياه. وهى الأخرى كانت متمسكة بيده وتشدد عليها من فرط سعادتها وهي تسمع نبضات جنينها لأول مرة. كانت تشعر بسعادة لا يضاهيها سعادة العالم أجمع. طمأنتهم الطبيبة أن الحمل على ما يرام وأنها بصحة جيدة بعد أن فحصت جميع أعضائها الداخلية.
ثم سألتها مكة: "هو إني ممكن أسافر عادي أي مكان، يعني وضعي أنا والجنين يسمح لي أروح أزور أهلي وأطمئن عليهم، ولا له؟ ابتسمت لها الطبيبة متسائلة هي الأخرى بذهول: "إيه ده؟ هو انتي صعيدية؟ حركت مكة رأسها للأمام بابتسامة، فقالت الطبيبة بسعادة: "ده على كده الصعيد بيجيب بنات جميلة، تبارك الله قوي كده." وأكملت وهي تشرح لها حالتها وتطمئنها: "شوفي يا مدام مكة، الرحم بتاعك من النوع القلبي، يعني بقي؟
يعني بيحفظ الجنين جواه بشكل رائع، يعني قلب نفسه وبقى هو الدرع الآمن للجنين. رحمك برضه من النوع اللي مش محتاج مثبتات ولا فيه خوف من أي حاجة. يعني توكلي على الله وسافري الصعيد، ومتنسيش تجيبي لنا الزيارة الجاية فطير مشلتت من حداكم، هشتاق ليه قوي." ضحكت مكة على طريقتها وهي تتحدث بلهجتهم المحببة لقلبها، ثم وعدتها: "من عيوني يا دكتورة، الزيارة الجاية هيكون عندك أحلى فطير مشلتت من يد ماجدة والدتي."
وضعت الطبيبة درع الفحص في مكانها، ثم ناولتها المنديل الورقي كي تجفف الجل الموجود أسفل بطنها. ساعدها زوجها الذي كان يستمع لحديثهم بسعادة لاتوصف، ثم تحركوا ناحية الطبيبة وأدلت عليهم تعاليمها ومن أهمها: "مش هوصيكي الفيتامينات تتاخد في معادها. وشرب اللبن مهم جدًا."
"تمام يادكتورة، متقلقيش، أنا اللي هباشر الحاجات دي بنفسي معاها…" كلمات مطمئنة نطقها آدم للطبيبة بمحبة. ثم ودعاها بقلب سعيد لاطمئنانهم على جنينهم وهما يشعرون براحة نفسية لتلك الزيارة المحببة لقلبهم. كانت رحمة تجول حول نفسها بغضب ما إن علمت بتواجد تلك الشمس في منزل زوجها، وتأكل أظافرها غيظًا وداخلها يكاد ينهار. وهي تحدث حالها بهوجاء، فتلك حالتها منذ أن وطئت قدماي تلك الشمس حياتهم:
"يعني فاضل على فرحي عشر أيام، واللي ماتتسمي دي تخرب عليا! هي قاعدة في بيته وهما الاتنين أكيد بيسهروا يونسوا بعض، وأنا هنا باكل في نفسي! الله الوكيل يا ماهر لأخليك تجن وتتجنن من اللي هعمله فيك انت والسلحفاة دي."
فقامت بعمل مكالمة كي تتأكد من وجود ماهر في المكتب من إحدى صديقاتها بذكاء. وما إن علمت بوجوده هناك حتى حملت حقيبتها بطريقة هوجاء وصعدت سيارتها وتحركت حيث منزله، بداخلها ينهرها عن أنها لم تنتقم من وجود تلك الشمس مع زوجها في ذاك المنزل. فساق سيارتها بسرعة يقودها الجنون والغضب دون أن تعي حسابًا لأي منهم معرفة قدومها إلى منزله، فهي قد لعب الجنون على أوتار غيرتها وأشعلها.
أما في حديقة المنزل التابع لماهر البنان، حيث كانت تجلس تلك الشمس في حديقة المنزل وهي تشعر بالحزن. فمنذ أن وطئت قدمها ذاك المنزل ومنذ أن أعطاها الكريدت لم تراه من وقتها، فقط يطمئن عليها هاتفيًا وقام بتوصية هانم عليها، فهي ضيف والضيف لابد أن يعامل معاملة حسنة.
كانت تجلس على الأرجوحة الموجودة في الحديقة وهي تفكر في شأنها وماذا جرى لها. فقد أصبحت من الذين يقال عنهم عزيز قوم ذل. وفي يدها هاتفها تحرك شاشته بتيهة دون أن تنتبه بما يعرضه أمامها.
وصلت رحمة إلى الفيلا ثم هبطت من سيارتها قاصدة الدلوف إلى الفيلا مباشرة، ولكن لفت انتباهها صوت الهاتف القادم من يمين الحديقة. فنظرت بجانبها وجدت تلك الشمس جالسة بتلك الأريحية على الأرجوحة التي اعتبرتها ملكية خاصة لها منذ أن أعلمها ماهر بوجودها. بدون أي تردد وصلت إليها في سرعة البرق. وصلت إليها ودون أن تلقي أي سلام جذبت الهاتف من يدها وألقته في حمام السباحة كي تثير غضبها الجم. وبالفعل شهقت شمس من فعلتها الجنونية تلك، والآن صدقت ماهر بأنها ليست سهلة.
ثم هدرت بها: "انتِ إزاي تعملي كدة يا بني آدمة انتِ! بكل برود جلست رحمة على الأرجوحة وهي تشاهد غضبها الجم والذي نطقتها شمس وهي تقطع حديثها بكيد لها، ثم عقبت رحمة:
ــ ميهمنيش الاسم هحفظه ليه طالما حاجة مش هشوفها كتير. المهم أكملك تعريف لنفسي، رحمة المهدي. مبتسيبش حقها واصل. محدش يقدر ياخد حاجة منها لا بالتخطيط ولا الكيد ولا بكهن الحريم. أي حاجة تخص رحمة المهدي بتبقى قدام الكل خط من نار. اللي هيخطيه قبل ما يكمل هيكون اتحرق.
باختصار ياشمس، امشي من هنا عشان متجيبيش الأذى لحالك. واعرفي إن الخصم اللي جاية تتحديه وتقفي قصاده بيودي نفسه في منطقة الهلاك. فأحسن لك صوني كرامتك ومتقوليش في بالك ولا دماغك توزك إنك هتاخدي مكان رحمة المهدي. لاااااا ياماما، التحدي قصادي هيخسرك حاجات أكبر من كرامتك. وأكملت حديثها وهي تشير بأصبعها من أعلى لأسفل تلك الشمس باشمئزاز: ــ أه، أصل كرامتك كده كده دهستها لك قبل كده وعرفت إنك معدومة الدم ومتحسيش كيف الخلايق.
استطاعت رحمة بكلماتها تفتيت برود تلك الشمس التي تحلت له إجبارًا عنها. ثم على صوتها وقد شعرت بالمهانة وأنها حقًا ذُلَّت على يداي تلك الرحمة، بالرغم من أنها لم تتعرض لها منذ أن أتت إلى هنا: ــ انتِ إيه كمية الحقد والغرور اللي بتتكلمي بيهم ده؟ انتِ ربنا ما يحكمك على ظالم ياشيخة. أطلقت ضحكة عالية ثم قالت من بين ضحكاتها: ــ هو مش ظالم يبقى يتحمل عقاب ظلمه.
كانت هانم تستمع إلى حوارهم الذي اشتد على الفور. هاتفت ماهر وما إن أتاه الرد حتى أبلغته بنبرة مرتعبة جعلته شعر بالقلق. وحمل مفاتيحه وهبط على الفور: ــ الحقنا يا ماهر بيه، ست رحمة جت هنا وهي شايطة على الآخر هي وست شمس. والحوار شكله ما يطمنش خالص. تعالى طوالي. طمأنها ماهر بأنه في أقل من عشر دقائق سوف يصل إليها. وبالفعل لم يمر عشر دقائق حتى وصل المنزل.
ترجل من سيارته سريعا. وجدهم يواجهون بعضهن كالتنين، وجوههم تنفث نارا. شعر بلهيبها ولكنهم لم يشعروا بقدومه نظرا لصوتهم العالي في النقاش. ثم هتف بصوت جاد من وراء ظهورهم: ــ ممكن أعرف في إيه يا أستاذة منك ليها؟ لم تعطيه رحمة وجهها وكأنها لم تعِ وجوده أدنى اهتمام، فهو من وضعها في تلك المهزلة مع تلك الدخيلة عليهم، مما جعله يشتاط من عناد تلك المتمردة. أما شمس خطت أمامه وفي لمح البصر انسدلت دموعها وتحدثت وهي تشير
بيدها ناحية حمام السباحة: ــ والله العظيم يا أبيه أنا كنت قاعدة في حالي. بصيت لقيتها جت شتمتني وبهدلتني وطردتني. ومش بس كده، أخدت مني الموبايل ورميته لي في حمام السباحة. واتعاملت معايا بطريقة غير لائقة خالص. وأهي قدامك هي، اسألها. لم تنظر إليه رحمة ولا تعي لكلامها أدنى اهتمام. ثم أدارت جسدها ووقفت مقابل تلك الشمس وهي تنظر لها بتحدي أمامه. وأكملت كي لا تشعرها بالخوف منه ولو بهفوة:
ــ والبعيدة طلعت ما عندهاش دم عاد وفرقتنا. إلا لسه واقفة زي ما هي تحكي له اللي حصل عشان توقع ما بينا. ثم نظرت إلى ماهر وربعت ساعديها وتحدثت بنبرة باردة: ــ قول لها روحي يابيبي اشتري لك واحد من الفيزا المفتوحة اللي أنا عاطيهالك. وروح طبطب عليها وخد بخاطرها من قليلة الذوق اللي شتمت الكيوتة وطردتها. اغتاظ ماهر من طريقتها. ثم أمسكها من كتفها هادرًا بها بسبب تصرفها العنيف: ــ انتِ بتعملي كده ليه يا رحمة؟
فوقي بقى. أنا لحد دلوقتي ما أخدتش تصرف أهوج قدام أفعالك اللي هتجن. نفضت يده بحدة من على كتفها وهدرت به هي الأخرى ونار الغيرة تأكل صدرها: ــ ولما تجيب البت دي هنا وتكون معاك في بيت واحد وتديها فيزا مفتوحة تسميه إيه يا حضرة المتر المحترم؟ تجمعت شياطين الإنس والجن من كلماتها اللاذعة وتشعب الغضب في رأسه وتكاثر بلا رادع. ثم هدر بها:
ــ محترم غصب عنك يا رحمة. وقسمًا بالله إن ما هديتي وظبطي لسانك واحترمتي جوزك لا هتشوفي وش عمرك ما شفتيه. أثار حنقها فقالت بتحدي العناد: ــ والله لو مش عاجبك طلقني يا ماهر. إلى هنا تدخلت شمس واقفة بينهم. ثم رددت لها نفس الكلمات التي كانت تقولها لأختها وهي تتذكرها ماضيًا وهي تشاهد عراكها مع ماهر: ــ بلاش يا رحمة تخلي العناد يخسرك جوزك. ماهر مش هتلاقي زيه تاني. اندلعت ثورة عارمة من الحقد لتلك الدخيلة عليهم. ثم التفت
لها وهزتها من كتفها بعنف: ــ انتِ مالك أصلاً؟ متتدخليش بينا ولا ليكي علاقة باللي بيحصل بينا ياحرباية. كله بسببك. اهتزت داخل شمس حزنًا بسبب كلماتها. ثم هتفت: ــ انتِ أكيد بني آدمة مريضة مش طبيعية.
جحظت عينيها من سباب شمس لها. ثم اقتربت بخطواتها والأخرى تبتعد في موقف مهيب من تلك الثائرة الذي لم يقدر أحد عليها. وكلما ابتعدت هي كلما زادت بخطواتها وهو يقف بذهول لم يعرف كيف يتصرف الآن ولم يجد حلا غير أن يجذبها من يدها ويخرج بها من المكان بأكمله. ولكن قبل أن يصل إليها كانت تلك الرحمة تدفع شمس من صدرها وهي تردد: ــ انتِ هتقولي إيه يازفتة انتِ!
تعثرت قدماي شمس. وفي لحظة وجدت حالها ترتمي داخل حمام السباحة من دفع رحمة لها. مما أصاب ثلاثتهم بالذهول. فلم تكن تتخيل أن يحتدم الموقف بينهم لتلك الدرجة. ثم هدر بها ماهر: ــ انتِ عملتي إيه يامجنونة انتِ؟ أهدي بقى أنا تعبت منك ومن أفعالك.
كان يهدر بها وهو يخلع الجاكيت الخاص به. ثم رمى حاله داخل حمام السباحة وأخرج شمس التي كانت تحاول أن تفادي عمق المياه التي سحبتها فهي لم تجيد السباحة. وقام بإخراجها تحت استشاطة تلك الرحمة وهي تراه يحتضن امرأة غيرها بتلك الحميمية. ثم وضعها على الشزلونج الموضوع وهدر بها وهو يناولها البورنس في يدها: ــ اتفضلي ياهانم نشفي لها جسمها ولبسيها البشكير ده. تثاقلت بيدها الممدودة. فعلى صوته:
ــ انجزي ياهانم مش شايفاها بتترعش قدامك من عملتك المهببة وعصبيتك اللي ملهاش مبرر. انتفضت رحمة من عصبيته وشعرت الآن بخطئها. وأن غيرتها العمياء أوصلتها لتلك الدرجة من التصرفات غير مقبولة. ثم نادى بعلو صوته على هانم التي هرولت على الفور وأتت إليه. فطلب منها: ــ اعملي حاجة سخنة لشمس وهاتي لها أسبيرنة. تحركت من أمامه كي تنفذ ما قاله والموقف أصبح مشحنة بشدة. وشمس قد أصابتها الكحة بشدة. نظرت للمياه التي ابتلعتها غصبًا.
ثم هبط ماهر لمستواها متسائلًا إياها بنبرة حنون جعلت رحمة يجن جنونها: ــ انتِ كويسة ياشموش ولا أبعت أجيب لك دكتور حالا؟ هزت رأسها وتحدثت بوهن: ــ أنا بخير يا أبيه متقلقش عليا. ثم نظر إلى رحمة آمرًا إياها: ــ اتفضلي اعتذري لها حالا عن تصرفك الغير لائق بالضيف واللي حصل ده. ميتكررش تاني. صمتت كثيرًا وحزن داخلها من رده. ولكنه أعاد عليها طلبه مرة أخرى: ــ اتفضلي اعتذري لها يارحمة يا إما مش هيحصل طيب وانتِ حرة بقى.
ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة. ثم اقتربت منها وهي تشعر الآن بأنها أجرمت بحق: ــ إني متأسفة ياشمس. ثم حملت حقيبتها وأولتهم ظهرها. وقد انسدلت الدموع الحبيسة من مقلتيها. دموعًا تعني الكثير. ماذا يريد منها ذاك الماهر؟ كيف يريدها أن تتعقل الأمور وتوزنها وهو يسكن امرأة غيرها منزلها ولو مؤقتًا؟ كانت تخرج من المكان وهي تشعر بالخزي من حالها ومنه ومن الموقف أجمع. أما هو سأل شمس مرة أخرى: ــ انتِ زينة ولا حاسة بحاجة تعباكي؟
أجابته بابتسامة: ــ أنا بخير. معلش روح لرحمة عشان أنا اللي استفزتها في البداية لما هي حدفت لي الموبايل. وأنا لو حسيت بحاجة هانم موجودة. كأنها أعطته قارب النجاة. فهو رأى عينيها تلمع بغشاوة الدموع مما جعل داخله يتأثر لحزنها. ثم ابتسم لها وراق له تفهمها للموقف. وهرول إلى الخارج. ومن ثم لحق بها وجذبها من يدها قبل أن تدلف إلى السيارة. ثم شاهد دموعها الغزيرة التي قطعت داخله إلى أشلاء.
ثم وجد حاله يحتضن وجنتيها وهو يمسح دموعها بسبابته بحنو بالغ. فهو رجل عاشق لتلك المتمردة. ثم جذبها إلى أحضانه وقبلها من جبهتها قبلة عاشقة كي يرضيها رغم حزنه من أفعالها ورغم أنها المخطئة. فتمسكت هي بأحضانه وبكت بشدة. مما جعله اهتز بحزن بالغ متأثرًا بحالتها تلك. ثم هدأها وهو يهمس بجانب أذنها:
ــ والله العظيم هحبك انتِ ومش شايف في الدنيا غيرك انتِ ياحبيبتي. ولا في حد يملى عيني غيرك يارحمة. أرجوكي اهدى بقى وتعالي هوصلك وهبقى أبعتلك عربيتك ونتكلم في التليفون بالليل.
استجابت لما قاله فهي قد فقدت كل طاقتها فيما حدث الآن. فأدخلها السيارة بحنو. ثم صعد هو الآخر وأقفل الزجاج المانع لرؤيتهم. ثم بدأ بالقيادة. وبعد ذلك جذبها من رأسها وأسندها على كتفه بحنو بالغ كي يشعرها بأنها أحضانها هي وهي المالكة لها وحدها لا أحد غيرها. وبعد عدة دقائق وصلا إلى بيتهم. وقبل أن تنزل احتضن كفاي يدها بتملك وفهمها: ــ على فكرة أنا بايت في المكتب بقالي يومين في الأوضة اللي انتِ موضبهالي بنفسك.
وأكمل بدعابة وهو يغمز لها بشقاوته كي يدخل على قلبها المرح: ــ مش عايز أقول لك دلوقتي حالتها كيف بقت عاملة زي السيرك ومستنياكي تيجي تروقي عليها وعلى صاحبها اللي قرب يجي له جفاف من الوحدة والهجر. ابتسمت لدعابته أخيرًا. فهتف بعدم تصديق: ــ أخيرا يا رحمتي أفهم من كده ضحكت يعني قلبها مال. تحدثت أخيرًا قبل أن تهبط من سيارته وهي تضغط بقدمها على قدمه وكأنها تنتقم منه:
ــ متحلمش يامتر أنا أرضائي صعب قوووي. الله يعينك على ما بلاك. تأوه قليلًا من فعلتها المفاجأة لها. ثم عنفها بدعابة: ــ يالا يارخمة يا أم دم تقيل ياعيوطة. نظرت له بغضب مصطنع من كلماته لتقول: ــ أهو انت يا أبو دم تقيل يابارد. ــ هقطع لسانك دي بإذن الله يا شبر ونص انتِ... قالها بتوعد قبل أن يغادر وهو يشعر بإنهاك منها ومن الأمر كله. *******************
في منزل سلطان حيث كان الجميع مجتمعين على طاولة الطعام. فذاك اليوم الذي يجتمعون فيه لتناول العشاء مع بعضهم كل خميس من الأسبوع. كانت سكون ورحمة تخرجان الأطباق على السفرة. وكانت زينب وسلطان وعمران يجلسون في الخارج يتناقشون في موضوع رحمة. أما في المطبخ كانت رحمة تحادث سكون وتنادي عليها. ولكنها لم تنتبه لها نظرا لشعورها بالتعب الذي انتابها طيلة العشرة أيام المنصرمة وزاد عليها هذه الأيام. فوجهت رحمة أنظارها
إليها باندهاش وهي تسألها: ــ مالك ياسكون انتِ زينة ولا حاسة بحاجة تعباكي؟ بقالي يومين كل أما أطلع لك ألقاكي وشك مصفر وحالتك غريبة وبتنهجي كتير؟ حولت سكون وجهها للناحية الأخرى كي لا تلحظ رحمة شيئًا. ثم طمأنتها بكذب: ــ له متقلقيش أنا زينة الحمد لله. ثم حملت الطبق بيدها وأكملت بنبرة متعجلة كي تهرب من حصار رحمة: ــ يالا هاتي صينية الفراخ واخرجي عشان بابا الحاج ميزهقش.
أحست رحمة بوجود خطب ما في تلك السكون ولابد أن تعرف ما بها. فهي قد شعرت بالقلق تجاهها. أما في الخارج على طاولة الطعام جلست سكون بجانب عمران. الذي ما إن أتت بجانبه حتى ربت على يدها بحنو وردد بجانب أذنها: ــ البطاطس ريحتها تجنن. تسلم يدك يا سكوني. ابتسمت له سكون بوهن. فهي الآن قد وصل تعبها ذروته. ولكن تحاول إخفائه ببراعة كما الأيام الفائتة. ولكن اليوم زاد عن حده. ثم هتفت بامتنان مصاحب للاستفسار:
ــ هتفضل لحد ميتة تشكر في وكلي وكل حاجة بعملها وشايفاها حاجة عظيمة متعملتش قبل سابق؟ ربت على فخذها أسفل الطاولة مما جعل جسدها يهتز قليلًا من حنوه البالغ لها. ثم نطق بهمس كي لا يسمعه أحد من عائلته:
ــ الناس كلها هتشوف اللي يدلع مرته واللي يشكر أقل حاجة هتعملها لجوزها ضعف. وإنه مش راجل إلا أنا ياسكوني لازم عيني تشوف كل حاجة حلوة منك. تشوف كل القليل اللي هتعمليه كتير. لأن دي كانت معاملة سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم مع زوجاته. واحنا لازم نقتدي بيه. سرت رجفة في جسدها من حنان ورجولة ذاك العمران. والذي لقبته يومًا فارسا من الفرسان. وها هي الآن لم تندم على اختيار قلبها لذاك الرجل الأعظم في نظرها. ثم
هتفت وهي تنظر داخل عيناه: ــ الحمدلله قوووي. الحمدلله إنك انت موجود جنبي. الحمدلله إن انت نصيبي الحلو. الحمدلله إن دعواتي وأنا بقيم الليل وأطلب من ربنا إنك انت بالذات تبقى شريك العمر. الحمد لله ربنا استجابها. كان يود أن يقوم من مكانه ويقبل رأسها ويحتضنها بين أضلعه كي يعبر لها عن مدى امتنانه هو الآخر لوجوده جانبها. ولكن يعرف أنها تخجل بشدة فلم يريد أن يزيدها خجلًا.
فما كان منه إلا أنه ابتسم لها وهو يربت على ظهرها بحنو. ثم انتبها كلتاهما إلى كلمات زينب لرحمة: ــ اتصالحتي ويا جوزك ولا لسه يامقصوفة انتِ؟ ضحك عمران على طريقة والدته مع رحمة مما جعلها تشعر بالحنق. ثم تمتمت بغيظ: ــ هو أنا مش هعرف آكل اللقمة كمان؟ لازم تجيبي السيرة النكد دي يا ماما! لوت زينب شفتيها بامتعاض وتحدثت بسخرية: ــ ليه وهي البعيدة هيفرق وياها الحاجات دي! والله العظيم ما حد هيجلطني في البيت دي غيرك يابت بطني.
كانت سكون في عالم آخر والوجع بدأ يشتد أسفل بطنها ولم تستطيع التحمل أكثر من ذاك فاستقامت براحة أذهلت الجالسين. فسألها عمران بقلق: ــ مالك يا سكون مكملتيش وكلك ليه؟ وزينب هي الأخرى سألتها مندهشة: ــ إيه يا بتي قمتي فاجأة أكده ليه؟ انت ملحقتيش تدوقي عمايل يدك حتى. اقعدي كملي وكلك حكم انت اليومين دول خاسة ومش عجباني. إلى هنا وقد تملك الدوار من رأسها ولكن لم تعي له أدنى اهتمام.
وضعت يدها أسفل بطنها وكأنها بذلك تمنع الدماء التي تدفقت ساخنة بين أقدامها، ولكن قد فات الوقت. وقبل أن يغشى عليها هتفت بوهن جعل الجميع ينتفض من مكانه: ــ الحقني يا عمران. أمسكها عمران من خصرها قبل أن تقع، ثم مد يده أسفل ظهرها كي يحملها ويضعها على أقرب أريكة. ولكن حينما وضع يده انصدم بذهول مما شعرت به يداه. وتلقائيا نظرت عيناه للأسفل، وجد تلك الدماء تنسدل بغزارة بين أقدامها.
اتسعت عيناه بهلع مما رآه، مما جعل الجميع يتحركون من أماكنهم وينظرون تجاه عيناه وهم يتساءلون جميعًا في فم واحد عن ماذا حدث لها. ثم خرجت شهقة عالية من رحمة وزينب وهم يرون دماءها السائلة أسفل قدمها. فتحدثت زينب برعب: ــ يا حبيبتي يا بتي جرى لك إيه؟ ورحمة هي الأخرى: ــ مالها يا عمران حصل لها إيه؟ كان عمران في عالم آخر وهو يعي ماذا فعلت بحالها تلك السكون، مما جعل قلبه يئن وجعًا عليها. ثم تحدث سلطان وهو يحمل
مفاتيح سيارته على عجالة: ــ هو إحنا لساتنا هنسأل والبنت هتنزف! يالا يا ولدي لف مراتك في العباية دي وشيلها وهاتها وراي، هسبقك أشغل العربية. أما هو كان يشعر بالضياع، يشعر بالانهيار، بالوجع الذي ليس له مماثل. فسكونه فعلت بحالها كما يؤدي حياتها إلى الخطر كي تسعده. ضحّت بصحتها وعافيتها من أجل أن تريح الجميع من أسئلتهم التي لم تنتهي بعد، كي تجعلهم يهدئون تجاهها وهي ونفسها وآلامها من وجهة نظرها، فلتذهب بهم إلى الجحيم.
ثم أفاق من حالة الوجع الذي شتت عقله وحملها سريعا، ثم هرول بخطواته إلى السيارة كي يذهبوا إلى المشفى. وتبعته رحمة بمفاتيح سيارتها وزينب هي الأخرى، وهرولوا جميعًا إلى المشفى التي تعمل بها، حيث هاتف عمران فريدة. وما إن علمت حتى سبقته إلى المشفى، فهي مكثت يومان لم تذهب فيهما نظرًا لحالتها السيئة وما جرى لها. بعد ربع ساعة وصلوا جميعًا وهبطوا من السيارات، وحمل عمران سكون.
وكانت فريدة بانتظارها على باب القسم بذاك التخت ومعها عدد لا بأس من الأطباء للاطمئنان على حالة صديقتهم، وتلك الطبيبة التي تتابع حالتها كانت بمحض الصدفة موجودة في المشفى. دلفوا بها جميعًا إلى غرفة الفحص، وبدأت الطبيبة وفريدة الإجراءات اللازمة لمعرفة السبب الذي أودى بها إلى ذاك النزيف. وللعجب أنهن انصدمن مما اكتشفوه ووصلوا إليه بعد ما يقرب من ثلث ساعة. تحدثت الطبيبة مع فريدة آمرة إياها:
ــ اخرجي بلّغيهم حالا بحالة الهانم واللي عملته في نفسها بالطريقة الغبية دي ويمضوا على إقرار العملية اللي لو اتأخرنا مش هنعرف نسيطر على النزيف واحتمال كبير يجرى لها حاجة منعـ.ـرفش نسيطر عليها بعدين. ابتلعت فريدة ريقها بصعوبة، فسكون لم يعرف أحدًا بحالتها غير عمران، والآن سينكشف سرهم أمام الجميع ولن تستطيع الإفلات منهم نظرًا لتواجدهم في الخارج ولهفتهم على معرفة مابها والاطمئنان عليها. لاحظت الطبيبة تسمرها ذاك،
فهدرت بها: ــ بذمتك ده وقت سرحان دلوك يا دكتورة وحالة صاحبتك خطيرة. وأشارت بيدها تجاه الباب كي تجعلها تتعجل، فالوقت ليس بصالح سكون. ثم خرجت بأقدام واهية، فماذا تحكي لهم وكيف تخبرهم. وما إن وصلت إليهم حتى حدث ماتوقعته، ففي رمشة عين كانوا جميعًا أمامها. ابتلعت ريقها بصعوبة، ثم تمتمت لعمران وهي تمد يدها له بتلك الورقة كي يمضيها: ــ سكون لازم تدخل العمليات حالا، اتفضل امضي على الإقرار علشان مفيش وقت نستنى.
احمرت عيناي ذاك العمران من ذكر كلمة العمليات وحالتها الخطر، ثم سألها بنبرة قلقة للغاية: ــ ليه هي مرتي مالها يا دكتورة؟ زاغت بصرها حولهم جميعًا، ولكن لم يعد وقت الآن لتخبئة أي شيء عن حالتها. ثم أخبرته بصوت خافت وكأنها لا تريد أن يسمعها أحد: ــ سكون كانت حامل في الشهر الرابع والمشكلة الكبيرة إنها كانت بتاخد أدوية تثبيت بمثابة قنابل تخلي الرحم ينفجر، والرحم طبعًا بتاعها حالته خاصة جدًا ومحتاج علاج وصبر، وهي استعجلت.
إلى هنا وانتفض عمران مرددًا بذهول: ــ حامل في الشهر الرابع ومقالتش! تعرض حياتها للخطر بالطريقة دي كيف؟ أما زينب هتفت باستنكار له: ــ يعني مراتك عندها مشكلة وشكلها كبيرة كمان ومهتعرفونيش، وسألتها وسألتك بدل المرة مليون مرة!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!