تمضي بنا الأيام ونحن حائرون نقف على مفترق الطرق، لا نعرف هل نعود أم نتقدم؟ أرواحنا أُرهقت، مشاعرنا ذبلت، فقدنا طاقة الشغف في الحياة. ليس أمامنا غير كلمة "يارب" في كل وقت كي ينعم علينا براحة البال، فكلنا متعبون، كلنا شاردون، كلنا نمتلئ من الهموم ما يكفي ويفيض. كلنا نبحث عن السعادة، فهل منكم من حصل على السعادة مطلقًا دون أي شوائب؟ وقتاً فائضاً يتذكره طيلة عمره؟
عادت سكون إلى شقتها منذ البارحة، ولكن تشعر بالحزن الشديد لطالما فشلت محاولتها في وجود جنينها داخلها وعرضت حياتها للخطر. دلف إليها عمران وبيده كوبان من الأعشاب الطبيعية التى أوصت الطبيبة أن تحتسيهم، ثم وضعهم على المنضدة الموجودة في الشرفة بعد أن انتهيا من صلاة الفجر، فقد أمَّها عمران في الصلاة وهي من طلبت منه ذلك أن يشاركها اليوم صلاة الفجر. ناولها الكوب بابتسامة تنم عن مدى راحته في وجودها الآن بجانبه، فقد كان يشعر
بالوحدة في ابتعادها بشدة: "تعرفي، مكنتش عارف آكل ولا أشرب ولا أعيش من غيرك ياحبيبي طول الأسبوع دي. وجودك في المكان مهم قوي." واسترسل حديثه بنبرة يملؤها الترجي: "أرجوكي تهدي شوية، معايزينش عيال إلا لما تتحسني ومتتهوريش تاني." التمعت عينيها بغشاوة الدموع وهي تحتضن الكوب الساخن بين يديها الصغيرتين، وهي تردد بطاعة مجبرة عليها: "حاضر ياعمران."
شعر بالاختناق من رؤيته للمعة الدموع في عينيها وملامحها المنطفئة وشغفها الذي قل، ثم تحرك بالكرسي وجلس بجانبها واحتضن وجنتيها بين كفيه وهو يمسح بسبابته دمعة شاردة من عينيها لينطق بعتاب: "طب ليه الدموع؟ ليه الحزن؟ ليه البكا؟ "والله والله قلبي ما مامتحمل كل الوجع الساكن ضلوعك دي ياسكون. فين بسمتك؟ فين إيمانك الكبير اللي اتعلمته علي يدك؟
"إنت حركتي جبل جوايا ماكان يهزه الريح بفضل ربنا ووقوفك جمبي. علمتيني إن معنى السعادة الحقيقي في وجودنا إحنا الاتنين جار بعضنا مرتاحين البال. ليه بقى تخلي الموضوع دي بقي شغلك الشاغل؟ لا انتِ هتركزي في شغلك ولا هتركزي في الدكتوراة اللي فاضل لك حاجة بسيطة وتنهيها." وأكمل مداعبا إياها وهو يغمز لها بكلتا عينيه:
"ولا مركزة خالص معاي، ووراكي منهج بالكوم كد أكده وانتِ عارفاني عندي ضمير في منهجنا بالقوي، وبصراحة بقى أنا قربت أفرقع من بقالك أسبوع بحاله وانتِ بعيدة." ضحكة خافتة أطلقتها أخيراً من دعابته، ثم عقب عليها وهو يجذبها من رأسها مقبلاً إياها: "أيوة أكده اضحكي ياشيخة، خلى الدنيا تنور." ثم سألها كي يطمئن عليها: "طمنيني عليكِ، عاملة كيف دلوك؟ لسه جرحك هيوجعك؟ بللت شفتاها الجافة بلسانها ثم طمأنته:
"الحمد لله، اتحسنت كتير والعلاج اللي باخده فيه مسكنات وبقيت كويسة." ربت على ظهرها بحنو ثم هتف بحمد: "الحمد لله. طب إيه مش نجهز بقى فرح رحمة، فاضل عليه أسبوع، عايزين نجيب لبس ليكي وليا أنا كمان على ذوقك أكده." تنهدت بعمق وهي تشعر بفقدانها للشغف في الحياة، ثم تحدثت بنبرة بائسة أوجعت عمران: "هلبس أي حاجة من عندي، في حاجات كتير جبتها وملبستهاش غير مرة واحدة أو مرتين." ضيق ملامحه عابثاً من نظرتها البائسة:
"طب ليه بقى ياسكون؟ بقى إني عايز أخرج معاكي وأخليكي تغيري جو وأحاول أخليكي تفكي شوية وترفضي! زفرت أنفاسها بثقل ورددت بألم نفسي شديد جراء حالتها المتخبطة: "معلش ياعمران، ممكن رحمة تروح معاك عشان أنا مودي مش مظبوط ومش عايزة أشيلك همي وحزني، كفاية مشاكل شغلك اللي مابتنتهيش." رفع حاجبه مستنكراً ما قالت: "وه! كيف يعني مش أشيل همك؟ وكيف يعني مشاركيش حزنك؟ "إنتِ هتقولي كلام مخربط مهيعجبنيش واصل."
وضعت الكوب من يدها ثم استأذنت منه بفتور وقامت من مكانها متجهة إلى الغرفة ومنه إلى التخت: "معلش، حقك علي. هروح أكمل نوم عشان حاسة بصداع مش مخليني مركزة." نفخ بضيق وهو يمسح على خصلات شعره من تغير سكون وحزنها الدائم، ولم يعرف كيف يتعامل معها، ثم نفث همه وأخرج سجائره وبدأ بحرقها وهو يجلس على الكرسي مستنداً برأسه، وقد أوشكت شمس النهار أن تشرق لتعلن عن ميلاد يوم جديد.
ظل على حاله هكذا حتى أصبحت الساعة السابعة صباحاً، فدخل إلى الحمام وأخذ حماماً بارداً كي يهدأ من ثوران جسده الذي تغزوه الحرارة.
بعد قليل انتهى من ارتداء ملابسه وارتدى زوجاً من الأحذية الرياضية البيضاء، فذاك اللون أغلب ألوان الأحذية المفضلة لديه. ثم خطى تجاه سكون وجدها نائمة، فأزاح خصلاتها الشاردة من على وجهها وأزعجه كثيراً رؤية ملامحها الباكية، مما جعله ينفخ بضيق. شعرت به من أنفاسه الساخنة التى لفحت وجهها، ولكنها مازالت مغمضة العينين، فدفن كف يده بين خصلات شعرها هامساً بجانب أذنها بنبرة متعبة:
"والله حرام عليكي اللي هتعمليه فينا دي. إني عارف إنك سمعاني ياسكون. متحاوليش تدخلي روحك في حالة اكتئاب وتبقى من القانطين لإرادة ربنا. ارضي ياحبيبي عشان ربنا يرضى علينا."
ما زالت مغمضة العينين كما هي وهي تعطيه ظهرها، ولكن خانتها عينيها بدموعها التى هبطت على وجنتيها حتى استقرت على كف عمران، مما أرعبه عليها، ولكن ما بيده شيء يقدمه لها الآن، وما فعل سوى أنه جذبها إلى أحضانه الحانية وخبأها بين ضلوعه. وما كان منها إلا أنها تمسكت بأحضانه بشدة، وقد زادها هم الحكم عليهم بالفراق، فهي أصبحت متيقنة الآن أن زينب لم تتحمل الصبر ولن تصمت. تود أن تظل داخل أحضانه، تود أن يأخذها ويعيشا في مكان بعيد لم
يعرفهم أحداً فيه كي يستطيعا مداواة بعضهم البعض، ولكن ليس كل ما يتمناه المرء يدركه، فمن المستحيل أن يترك عمران أبويه وهو ابنهم الوحيد، لذلك كلما صال عقلها وجال تزداد الدموع سقوطاً. وحقاً من يرى عينيها الآن يطلق عليها لقب "مدينة الدموع". ظل في أحضانها وهو يربت على ظهرها بحنو ويحثها بكلماته الراقية الناعمة لها أن تهدأ، حتى شعر بانتظام أنفاسها، ويبدو أنها غفت من كثرة الدموع التى أشعرتها بالثقل في رأسها، فوضعها على
الوسادة ودثرها بالغطاء بعناية، ثم قبلها من رأسها ومن ثم عينيها المنتفختين بالبكاء ليقول لها بهدوء وهو يتعامل معها كما أنها طفلته الصغيرة التى يخشى عليها من نسمة
الهواء أن تصيبها بالبرد: "نامي وارتاحي يابابا، ربنا يريح قلبك يارب." ثم قام من مكانه وهو يحمل أشياؤه وخرج من شقته وهو يشعر بأن هموم الدنيا تكومت فوق رأسه من حالتهم هو وزوجته، ولكنها إرادة الله، وما إن أراد رب العباد في شؤون عباده، فما علينا إلا الحمد والرضا بما قضاه علينا.
فور نزوله وجد والدته تجلس في بهو المنزل تمسك مسبحتها وبيدها ذاك الكتيب الصغير، ويبدو أنها تقرأ أذكار الصباح. وما إن شعرت بوجوده الآن ورأته قادماً عليها، حتى وجدت أنها أتتها الفرصة كي تتحدث معه وحدهم دون وجود زوجته أو أبيه أو حتى إحدى أختيه. أقدم عمران إليها وقبلها من رأسها وهو يلقي عليها تحية الصباح: "صباح الخير ياحاجة. كيفك؟ ربتت على ظهره بحنو وردت صباحه: "صباح الخير يا حبيبي." ثم أكملت وقد تبدلت معالم وجهها الباسمة
إلى أخرى لائمة إياها: "بس مش زينة خالص ياعمران وزعلانة منك انت ومرتك وشايلة في قلبي منيكم شيلة تقيلة قوي يا ولدي." تنهد بثقل وألم نفسي شديد، فهو ما كان ينقصه عتاب ولوم والدته الآن، فما فيه من تعب وهموم يكفي العالم أجمع، ولكن حاول تهدئة حاله ونحى همه على جانب، فذاك طبع الرجال في شدتهم أقوياء وعاطفتهم لابد أن يتغلبوا عليها مهما بلغ حزنهم، ثم سألها بنبرة تبدو أكثر هدوءاً: "ليه أكده ياحاجة؟
إحنا صدر منينا إيه عاد يزعلك دي؟ حتى ولا إني ولا مرتي نستجري نعملوها ياست الناس؟ "وه يا ولد بطني هتاكل بعقلي حلاوة اياك! " نطقتها زينب بنبرة استنكارية نظراً لما تفوه به، واستدعائه الجهل الآن وهو يفهم مقصدها، وتابعت بسخط:
"إنت عارف إني بتكلم عن إيه بالظبط، ما تلفش وتدور على زينب ياعمران، إنت فاهمني زين يابن بطني. ليه تحرق قلبي عليك وتخليني كل عشية أقعد أدعي ربنا يعجل بالفرح ليك ولمرتك ولقلبي قبليكم، وانت هتخبي علي إن مرتك تعبانة؟ أمك مصعبتش عليك ياعمران وانت هتبلفها كل يوم والتاني بأي كلام علشان تريح راسك انت والحلوة مرتك؟!
أخذ نفساً عميقاً وهو ينظر للجهة الأخرى كي لا ترى والدته ملامحه الغير المتقبلة لعتابها. كيف سيلاحق من الهموم الآن التى تأتيه من كل صوب وحدب؟ لم يعرف أيحزن على حاله هو وزوجته وما قدره الله لهما، أم على نفسيتها المدمرة، أم على الحرب الضارية التي بدأت والدته الآن بشنها عليهم؟ "دلوك ساكت ومعرفش ترد علي ياعمران، ولا بتشوف لك أي حجة تهدي بيها أمك... " تلك الكلمات الغاضبة التي ألقتها زينب في أذن ولدها، وما كان منه
إلا أنه ردد بروح منهكة: "الكلام مالهوش فايدة يا حاجة، اللي يخص مرتي وتعبها ليها هي وبس. مكانتش حابة تشغل بالكم ولا تقلقكم عليها، وخصوصي اللي فيها دي بيد ربنا سبحانه وتعالى مش بيد عباده، فالكلام فيه لا هيقدم ولا هيأخر." انتفضت زينب وقد أصابها الغضب الشديد من رده اللامبالي عليها وهدرت به: "إنت هتجنني يا ولد انت بردودك دي! "اوزن الكلام واعقله قبل ما تقول دي، ولية خرفانة هقولها أي هري وخلاص." "إنت ناسي سنك كام ياعمران؟
واسترسلت حديثها بصوت غليظ وهي تطيل الكلام بلسانها كي تجعله يتذكر عمره الغافل عنه: "إنت عندك ٣٦ سنة، عارف يعني إيه! يعني فاضل أربع سنين وتدخل الأربعين، هتستني إيه تاني يا عمران؟ وياريت حاجة ليها وقت محدد. له دي يابني في علم الغيب. اندهش عمران من نبرة اليأس التي تتحدث بها، ثم سألها بتخوف من حديثها:
ــ سيبك من إن كل حاجة بإيد ربنا، وإن العبد ملهوش يد في اللي مقدّره ربنا عليه، وإننا مطالبين بالرضا في الأول وبعدين السعي. إني مطلوب مني إيه أعمله يا أم عمران علشان أرضيكي؟ أو في إيدي إيه أعمله ومعملتوش؟
ــ هو حل واحد مفيش غيره، تتجوز ياعمران. نطقتها زينب بفم متجبر دون أن تراعي وجعه على زوجته وعلى حالتها، دون أن تراعي أنه رجل عاشق متيم بغرام امرأة في عينه، أما وأبا وابنة وزوجة وأختا في عينيه بنساء العالم كلهم. فنطق لسانه هو الآخر برفض قاطع كي يجعلها تفقد الأمل:
ــ لو مخلفش خالص يا أمي، مهتجوزش على سكون. لو هعيش بطولي أنا وهي طول العمر وما أرادش ربنا، مهتجوزش ولا هعاشر غيرها. أصلك مفهمتيش حاجة عن ولدك كيف كان وكيف صار. مفهمتيش إنها غير أي ست في الدنيا كلها. فريحي بالك، يستحيل لو آخر يوم في عمر عمران تدخل درة على سكون وأقهرها. رفعت حاجبها بغيظ شديد، ولكن حاولت كظمه وهتفت بحزن عميق لم تستطع تخبئته: ــ هتعصي أمك ياعمران وتقهرني وتموتني ناقصة عمر علشان عايزة أشيل عوضك على إيدي؟
عايزة أحفاد ليا من صلب ولدي الوحيد؟ زفر أنفاسه بحنق شديد من إصرار والدته على دماره، وزاده عليهم التوقيت ذاته في ذاك الحديث. كأنها تريد أن توصل له رسالة واضحة وضوح الشمس في كبد النهار، أنها لن تتنازل عن حفيد لها. فهو الآن يقف بين والدته وبين عشقه الأول والأخير، بل والأبدي. ثم حاول تهدئة حاله كي لا يدخل النقاش منطقة العناد، وهو يعلم والدته ومدى إصرارها. فهتف محاولاً إقناعها: ــ طب نفترض يا حاجة، إن أنا بدال...
قبل أن يكمل كلمته التي فهمتها على الفور، أشارت بيديها أمام فمه أن يصمت، هاتفة بنفي مصاحب للقوة: ــ متكملش افتراضك طالما مش موجود ومدخلهوش في الحوار من أساسه. ولو عايز تفترضه، ربنا شرع للراجل يتجوز مرة واتنين وتلاتة طالما قادر. وإحنا قادرين قووي الحمد لله، وطالما عادل. واني سكون هحبها وهعتبرها كيف بناتي وربنا العالم. مهسمحلكش تميل بكفتك، وهشيلها على راسي من فوق، ومهسمحش بإهانتها واصل لحد آخر نفس فيا.
شتت شمل قوته ودقت عليها بقوة، ولكنه سألها: ــ طب وهي يا أمي ذنبها إيه تتحمل وجود مرة تانية في حضن جوزها؟ وانت ذات نفسك متحملتيش اللي عايزاها تتقبله وهديتي الدنيا وقومتيها مقعدتيهاش؟ شبكت كفها في الأخرى، وعللت: ــ إني غير مراتك، إني مخلفة الولاد والبنات. ربيت وكبرت وعلمت وسندت وياه كتف بكتف، معنديش نقص في أي شيء علشان بوك كان يتجوز. فطبيعي وقتها إني أثور وأقلب الدنيا وأرفض اللي إني مستحقوش.
ــ جبتي القساوة دي كلها على سكون منين يا أم العمران؟ كيف جالك قلب تطلبي مني أكده؟ طب حطي رحمة مكانها، كنت هترضي عليها أكده؟ تلك التساؤلات والافتراضات التي ألقاها على مسامعها بعتاب قلب متعب. فلو سمعت سكون ذاك الحديث أو شعرت به، ما بقيت. وعند تلك النقطة التي وصل لها عقله، نقطة فراق سكون للعمران، هتف بقوة وهو يقوم من مكانه قاصداً إنهاء ذاك الحوار الذي حتماً سيشعل لهيباً سيؤدي به وبقلبه وبسكونه إلى نيراناً
لن يستطيع إخمادها بعد:
ــ طب يا أمي، دي حياتي واختياراتي وأنا بس المسؤول عنها. ماهو محدش هيتحرق غيري، محدش هيتوجع غيري، محدش هيدوق مرار الفراق اللي قلب ولدك ميتحملهوش غيري، محدش هيجافيه النوم ويهجر لياليه الحرمان من روحه غيري. عمران ولدك مهتلاقيهوش وقتها، هيوبقى جسد بلا روح. فمتحاوليش، علشان وقتها هتتحسري على، والراحة مهتدوقيش طعمها واصل. وبدل ماللي إنت بتخططي له علشان يسعدك ومفكراه هيسعدني، هيوبقى غميق عليك قبل ما يكون على فكري. في كلامي كويس، وهتلاقي إن اللي قلته لك عين العقل والراحة لينا كلاتنا يا أم ولدك الموجوع، واللي هتزودي وجعه أكتر وهتكملي عليه وهتدوسي بيد من حديد. إني ماشي لشغلي، ومتنسيش تطلعي للغلبانة المقهورة اللي فوق داي تطيبي خاطرها.
ألقى كلماته وتحرك من أمامها، ويبدو أن القادم سيكون ليس بأفضل على الإطلاق. يبدو أنه يحتاج إلى قوة وصبر شديد كصبر أولى العزم، كي يستطيع الوقوف بجانب سكونه نبض قلبه، كي يخرجها من ظلمات الحزن الشديد. ثم تصدي والدته وإكبات محاولة التفرقة بينه وبين سكون بزواجه من غيرها. ولكن هي والدته ويحفظها عن ظهر قلب، ويعلم مدى قوتها. أنها لن تستكين مهما كان ومهما سيكون. ولكن ماذا إن فقدت الأمل في محاولتها معك عمران، وحولت جبهة حربها مع سكون واستغلت تأثيرها كأم تريد حفيدا لولدها الوحيد على سكون؟
كل تلك الافتراضات التي عصفت بعقل عمران، وجعله أمسك رأسه يدلكه وكأنه ينهى أن يصمت عن فكره المهلك، وهو يحدث نفسه وينهرها: ــ اصمت أيها العقل وكف عن هرائك ذاك وتفتك ذرات الصبر داخلي. وأنت يا ذاك اللسان، دافع ولا تسمح للفراق أن يهزمك ويفقدك الأمل. وأنت يا ذاك القلب، انبض بعشقها وتمسك بقربها. وقف وقفة الفرسان في الدفاع عن أمانها.
كل تلك الكلمات والأفكار التي ظلت تتهاوى بعقله، ولكن تعب كل الحياة. فما عجب إلا في ازدياد. فمن منا لم يتألم؟ ومن منا يعيش هانئ البال خال الفكر؟ فكل منا يغني على ليلاه. **********************
في منزل ماهر الريان، حيث أتى ظهراً إلى المنزل كي يأخذ بعض الأشياء الخاصة به ويطمئن على شمس ويخبرها بالخطوات التي فعلها في موضوعها الخاص. أرسل إليها رسالة كي تخرج إليه في الحديقة ومعها كوبا من القهوة لشعوره بالصداع النصفي. فامتثلت لطلبه وقامت بصنع كوبان من القهوة وخرجت إليه. وما إن وصلت إليه حتى زارت الابتسامة وجهها، ثم ألقت السلام: ــ هاللو يا أبيه. أنا مبسوطة قووي إنك جيت النهاردة وكمان طلبت مني أعمل لك قهوة.
ابتسم لها برسمية شعرت بها، ثم رد سلامها بما أزعجها: ــ وعليكم السلام ورحمة الله. دي تحية الإسلام يا أبلة. سيبك بقى من شغل الغرب اللي اتعلمتيه هناك وشغل العيال الصغيرة دي. انت خلاص كبرتي وبقيتي آنسة. زمت شفتيها للأمام بحزن مصطنع كما الأطفال، ثم هتفت وهي تتذكر ما مضى منذ أعوام وعينيها تلتمع ببريق الذكريات الجميلة:
ــ بس مهما كبرت، هشوفني شمس اللي كانت بتقعد على رجلك وهي في ابتدائي وتشيلها ترفعها للسما وتنزلها وهي. كلنا تتشعبط في رجلك ومتسيبكش إلا وأنت مكفيها طيران في السما. ذكرته بأيام شبابه وأيام جامعته وحياته التي قضاها في منزلهم كصديق لأخيها الذي توفي في عامهم الأخير من الجامعة إثر حادثة سير. بالفعل، كانت ما إن تراه تركض إليه، وبالتحديد عندما كان يناولها الشوكولا المحببة إلى قلبها كي تتركهم ينعمون بوقت مذاكرتهم.
ثم تذكر معها تلك الأيام: ــ أه، وفاكر كمان لما كنت هرشيكي بالشوكولاتة علشان تحلي عن سماي إني وأخوكي الله يرحمه وتسيبينا نذاكر. من زمان وانت غاوية تعب ليا يا بنت انت. ناولته كوب القهوة وهي تبتسم بحالمية لتذكرها أيام الطفولة، وراق لها كلماته، ثم تعمقت في الحديث معه: ــ بس البنت كبرت لحد ما دخلت ثانوي، وكنت اتجوزت فرح ودخلتوني معاكم في خناقاتكم اللي كانت مبتنتهيش. ثم ذكرته بشيء ما:
ــ بس انت بصراحة كنت غيور قووي يا أبيه ماهر، وكنت بتقف لها على الواحدة. وبصراحة بردو اختي كانت منفتحة شوية وجننتوني معاكم وقتها. تنهد بأنفاس طويلة وهو يشعر بالاستياء لذكر تلك الفرح في الحديث بينهم، ثم نهاها: ــ طب متجيبيش سيرتها الله يرضى عنك، علشان مهحبش أتكلم عنها خالص. ربنا يرحمها ويسامحها. هزت رأسها للأمام بموافقة، ثم سألته عن رحمة: ــ طب طمني، رحمة هديت ولا لسه؟
ارتشف القهوة بتلذذ، فهي لديها نكهة مميزة بالقهوة منذ صغرها، ثم شكرها على صنيعها: ــ لساتك هتعملي القهوة زينة، وسفرك لبرة منسكيش عمايلها. ابتسمت لشكره لها، ثم هتفت بنبرة حماسية: ــ بجد عجبتك ياماهر؟ نادته باسمه بتلقائية دون ألقاب، فلم يعقب على ذلك، ثم أجابها في سؤالها عن رحمة: ــ كنت بتسأليني عن رحمة؟ هي كويسة الحمد لله. بتسألي ليه بقي؟ المفروض إنك تزعلي منها ولا إيه؟ سألها ذاك السؤال بدهاء كي يستشف ما وراءها،
فأجابته: ــ عادي، علشان خاطرك استحمل. بس إيه اللي عجبك في رحمة دي بالذات؟ حساها مش لايقة عليك بصراحة، ومتزعلش مني. ابتسامة جانبية زينت ثغره لما قالته، ثم ردد مدافعاً: ــ مين قال أكده؟ يعني فرح اللي كانت شبهي! لو بصيتي من جميع النواحي، هتلاقي إن أنا ورحمة شبه بعض قووي، علشان أكده قلوبنا اتقابلت، وهي اتحدت الصعاب وكسرت حاجز الصد المنيع اللي كنت حاطه على قلبي من عشر سنين. ومفيش ست غيرها قدرت تعمل أكده.
ــ ياه، ده إيه الحب الكبير قووي ده يا متر.. تلك الجملة التي نطقتها شمس بنبرة أشبه للحسرة وعقبت عليها: ــ يابختها والله اللي تلاقي راجل يحبها زيك ويتكلم عنها في غيابها كده. يابختها بيك يا ماهر. ابتسم لها ثم أخرج ورقة من جيبه مناولا إياها وهو يتجاهل كلامها: ــ طب سيبك من الحوارات دي. خدي الورقة دي فيها عقد إيجار شقة في الكومباوند. أهه على بالليل تكوني جاهزة هوصلك هناك.
وكويس إن موبايلك القديم اترمي علشان عمك ميقدرش يوصل لك. وكمان أنا رفعت قضية إعلام وراثة علشان تشوفي حقك في بيت باباكي. وشفت لك شغل عند واحد معرفتي هتشتغلي عنده بمؤهلك. وقبل أن يكمل كلامه وجد الحارس المسؤول عن الفيلا الخاصة به يهرول إليه مرددًا: ــ ماهر بيه. في واحد بره جاي ومعاه حرس وبيقول إنه مدير مكتب محافظ القاهرة وعايز حضرتك. نظر إليها ماهر نظرات ثاقبة ثم أعاد بصره إلى ذاك الواقف وطلب منه: ــ خليه يتفضل.
انصرف الحارس ثم أعاد النظر إليها متسائلًا إياها بشك: ــ عمك عرف منين إنك هنا وباعت مدير مكتبه لك؟ توترت بشدة من مجيء عمها إلى هنا وشعرت بالخوف الذي وصله الآن من رجفة يدها وعينيها الزائغة وأجابته: ــ ماهو عارف إن مليش حد أروح له غيرك وأكيد دماغه وصلته لهنا عشان كده باعت مدير مكتبه. ثم سألته بتوتر: ــ هو انت ممكن تسيبني ليه وتتخلى عني عشان أنا عملت لك مشاكل مع رحمة؟
تنفس بضيق من مجمل الموضوع ولكنه لم يعهد الخوف أبدًا لطالما خطواته سليمة وبعيدة كل البعد عن الشبهات. ثم طمأنها:
ــ لا مش هسيبك متقلقيش. بس ملكيش دعوة برحمة نهائي وياريت متشغليش بالك بيها. وحاجة كمان مهمة قوي حطيها حلقة في ودنك متشغليش بالك في الدنيا دي. كلماتها غير بحالك وبشغلك ونجاحك. متبصيش على مشاكل غيرك وتشغلي نفسك بيها وتعطلي وقتك على حد أنت شغالة بالك بيه وهو مش بيفكر فيكي أصلًا ولا شايفك. ثانيًا ركزي في إنك تتقدمي في طريقك ومتبصيش وراكي عشان كل اللي بصوا وراهم فضلوا مكانهم. يعني بالمختصر يا شمس نجاحك ثم نجاحك ثم نجاحك أنت بس.
أراد بتلك الكلمات أن يوصل لها معانٍ عدة ومن أهمها بث الثقة بداخلها وعدم انشغالها بأحد مهما كان. قطع حديثهم وصول ذاك الضيف فقام بالترحاب به بكل وقار. ثم بعد تعريف الضيف لشخصه نظر إلى شمس قائلًا: ــ سعادة الباشا بعتني آخد الآنسة شمس بكل هدوء ومن غير ما نعمل شوشرة. نظر ماهر إلى شمس متسائلًا إياها: ــ إيه رأيك يا شمس عايزة تروحي لعمك ولا تفضلي؟ كل حاجة بإرادتك أنت مش قاصر ومحدش يقدر يغصبك على حاجة واصل.
كان يتحدث معها بقوة جعلت ذاك الجالس يشعر بفشل محاولته. ثم ردت شمس بقوة اكتسبتها من كلام ماهر لها: ــ مش هاجي معاك وقول لعمي بيني وبينه المحاكم في الوصول لحقي ومش هرجع بيتي إلا لما المحكمة تسلمني حقي فيه. هتف ذلك الشخص بتهديد مغلف بالحكمة فهو في حضرة محامي داهي:
ــ طيب ليه تعملي عداوة ومشاكل بينك وبين عمك وتفتحي طرق مش هتقدري عليها ولا حد في الدنيا هيقدر يسد قصاد الباشا حافظ الهنداوي. ومهما كان أنتم لحم ودم متدخليش الغريب بينكم. هنا أجابه ماهر وهو يرجع رأسه بكبرياء للخلف بنفس طريقته:
ــ له متشغلش بالك أنت بموضوع حمايتها وبلغ حافظ باشا إن ماهر الريان مبيتهددش. وإذا كان هو له مكانة كبيرة في منطقته فإحنا لينا مكانة كبيرة في البلد بحالها وبرة البلد كمان. ولو حابب يجرب تمام معندناش مانع والبقاء للأقوى. استدرك ذاك الشخص مدى قوته من طريقة في الحديث ثم قام مستأذنًا وهو يبلغها مرة أخرى: ــ تمام يا آنسة شمس طالما ده ردك هبلغ عمك وهو حر في اللي هيعمله معاكي. أنا مجرد فاعل خير. عن إذنكم.
ودعه ماهر وهو بنفس مكانه دون أن يتحرك فهو قد هددهم بطريقة مخبئة في منزله فلابد أن يتعامل معه بكل حسم لأنه سينقل كل شيء لذاك حافظ. ــ مع السلامة يا فاعل الخير وبلغ سيادة المحافظ إني هرد له زيارة فاعل الخير ده عن قريب وكل واحد وطريقته بقى في فعل الخير.
ابتسم له الآخر بسماجة ثم غادر المكان. وفور خروجه هاتف عمها وأبلغه بما سمعه من ماهر مما جعله يزداد غضبًا وهو يتوعد له ولابنة أخيه التي هربت يوم زواجها من ابنه وفضحتهم بفعلتها تلك. أما في الداخل تحدث ماهر: ــ عمك بدأ المشاكل ومش هيسكت. فأنا هعرض عليك عرض. إيه رأيك أشوف لك شغل بره مصر خالص وتبعدي عن هنا لحد الأمور ما تهدى؟
شعرت بالاختناق من عرضه فهي لا تريد الهجرة أو بالتحديد لا تريد الابتعاد عنه فهي وجدت فيه الرجل القوي الشهم الذي سيتصدى كل الصعاب لأجلها. ولكن عقلها ينهرها على تفكير قلبها بتلك السذاجة فهو رجل عاشق لامرأته وما تفعله الآن بالتودد إليه لا يسمن ولا يغني من جوع. ولكن ما زالت عقول الفتيات تنسج أوهامها بقصة لا تمت للواقع بصلة وتعيش داخل عالم تلك القصة. لاحظ صمتها على عرضه وتبدل ملامحها للحزن فسألها:
ــ مالك قلبتي وشك أكده ليه؟ لو مش حابة السفر خلاص براحتك بس إني قلت أريحك من وجع الدماغ دي خالص لحد ما قضية حقك في بيت باباكي تخلص وكمان تضمني أمانك من جبروت عمك. على صدرها صعودًا من أنفاسها العالية ثم تحدثت بما يؤرق صدرها:
ــ أنا مش عايزة أسافر يا أبيه ماهر. أنا عايزة أقعد في بلدي وأستقر فيها وأشتغل وأعمل كيان لنفسي وألاقي الإنسان اللي يحبني ويقدرني. ووقتها هبيع الدنيا بحالها وهكون له أحسن زوجة في الدنيا. لأني بجد نفسي أكون عيلة. زهقت من السفر وسن المراهقة اللي أنا كنت عايشاه. أنا عايزة أستقر في بلدي فاهمني. إلى الآن لم يستطع فهم شخصية تلك الشمس وما ورائها ولكنه سيكمل شهامته معها إلى النهاية. ثم هز رأسه للأمام ليقول بتعجل:
ــ تمام زي ما تحبي. جهزي نفسك بالليل هعدي عليكي تكوني جهزتي نفسك. همشي دلوقتي لأني ورايا مواعيد كتير مش عايز أتأخر عليها. نظرت إليه بحزن لمفارقته إياها ثم سألته: ــ طب هو أنا مش هشوفك تاني لما أروح الشقة دي وأستلم الشغل؟ نظر إلى ساعته باستعجال ثم هتف: ــ له أكيد هتواصل معاكي وهسأل عنك وقت بعد وقت. تفهمت كلامه ثم أخفضت بصرها للأسفل مرددة بحزن حقيقي بصوت رقيق: ــ طب متنسانيش أرجوك عشان أنا هنا لوحدي.
وأكملت بعيني لامعة: ــ عشان ماليش غيرك يا ماهر. اهتز داخله من نبرة الضعف التي تتحدث بها ثم طمأنها: ــ متقلقيش يا شمس مش هسيبك إلا لما أوصلك لبر الأمان. ودي وعد وعدته لك قبل كده. أنهى كلماته وحمل أشياءه وتحرك بخطواته. ولكنها تحركت بجسدها قليلًا وعلى حين غرة أمسكته من يده وهو يعطيها ظهره مما جعله ينفخ بضيق من حركتها تلك. فالتفت إليها متسائلًا إياها بنبرة رجولية حادة قليلًا وهو ينظر إلى أصابعها المتمسكة بيديه:
ــ في حاجة يا شمس؟ بنبرة مستكينة راجية وعيني استقرت بقصد داخل عيناه: ــ شكرًا قوي على كل اللي بتعمله معايا. ربنا يخليك ليا يا أحن راجل في الدنيا.
سحب يداه من يدها ثم اتكأ على أهدابه بابتسامة باردة. فهو الآن بدأ يشعر بأن مشاعرها ليست مجرد احتياج وأنها تتبدل كل حين. فضرب الخوف برأسه في تعلقها الغير مسؤول عنه ذاك. ثم تحرك بخطواته وهو يجزم بأن القادم صعب جدًا للغاية لثلاثتهم. أما هي فور مغادرته أسندت رأسها على الكرسي وما يدور في عقلها لا يفهمه أحد غيرها.
في غرفة مها تجلس على تختها وهي ممسكة بهاتفها كي تنشر قصتها اليوم التي اعتادت عليها منذ أن أصبحت وحيدة. واليوم قررت أن تنشرها بصورة لها قد التقطتها بهيئة جميلة كعادتها. ثم دونت على قصتها: ــ في الوجه هدوء غريب لا أمتثله. هل هي الشيخوخة وبعد المسافة؟ أم حكمة في نهاية المطاف؟
ولكن أحيانًا لا أعلم من أكون. كل ما أعرفه أنه هناك شيء بداخلي أحبه وأشعر بروعته وهو الهدوء والصمت. أجهل السبب لكنهما نجاتي من ضجيج البشر وازدحام التفاهات.
ثم قامت بنشرها عبر قصتها على الفيسبوك وقامت بإعلانها للعامة كي ترى بعض الآراء فيما دونته وداخلها يشعر به. أو كي ترى ما إذا كان أحد يشعر بوجودها أو بأهميتها في الحياة. فتلك الصراعات التي يتخبط داخلها بها. وبعد قليل حصلت على كثير من التفاعلات. ولكن كان أحدهم يغلي داخله فقام بمهاتفتها وهو يشعر ببعض الغضب. رأت نقش اسمه على الهاتف وتلقائيًا نظرت إلى الساعة ووجدت أنها لم تتأخر وموعد عملها لم يأت بعد. ولكنها أجابته
بصوتها الهادئ الرقيق: ــ السلام عليكم. أجابها باقتضاب: ــ وعليكم السلام. كيفك؟ أحست بأن نبرته في الرد عليها فيها بعض الجمود فسألته بتخوف: ــ زينة الحمد لله. هو في حاجة يا متر؟ لم يحبذ المماطلة معها فيما يريد قوله وسلك طريق الصراحة معها لا غيرها هاتفًا بانزعاج: ــ بصراحة. أه فيه. واسترسل بسرد ما يزعجه مما أدهشها: ــ أنتِ ليه بتنزلي صورك على قصصك دي؟ حاجة مش حلوة وبتضايقني. ــ بتضايقك!
طب ليه إن شاء الله يامتر ممكن أفهم أكتر؟ جملة استنكارية نطقتها بتعجب، فأجابها هو الآخر بما يشعر به دون تحوير: ــ علشان خايف عليك، مش حابب حد يشوف صورك أو متنزليهاش تاني من الأساس. سألته بعدم فهم لتدخله في أمر خاص بها: ــ بمناسبة إيه حضرتك خايف عليا؟ أعتقد دي حرية شخصية وشغلي معاك ملهوش علاقة باللي أنزله أو حياتي الخاصة عموما! خلل أصابعه بين خصلات شعره الأسود ثم هتف بنبرة حزينة ولكن يغلفها الهدوء حتى
لا تشعر بأنه يضغط عليها: ــ يعني أنتِ زعلانة من خوفي عليكِ وإني مش حابب حد يحتفظ بصورك عنده؟ تفهمت حديثه وظل عقلها يتساءل لماذا يخاف عليها. لم يهتم بأمرها هكذا. لم يهتز فور أن نشرت قصتها وهاتفها على الفور، فنطقت بحيرة: ــ طب الخوف ده نابع من أنهي إحساس بالضبط عندك يا متر؟ ــ متقوليليش يا متر إلا لما نكون في المكتب ومعانا زملاء، قولي لي يا جاسر زي ما أنا بقول لك يا مها، ممكن؟ كلمات راجية طلبها منها، مما
أثار فضولها فردت باستفسار: ــ هو أنا ليه حاسة من أول مقابلة ليا في المكتب بحاجة غريبة؟ تنهد بأنفاس طويلة، فهو لا يريد التسرع في إظهار مشاعره، فتلك المرة لابد أن يتأنى، فعبر لها عن وجهة نظره: ــ طب الحاجة الغريبة اللي أنتِ حاسة بيها دي مزعجة بالنسبة لك أو مش لطيفة ومحبيتيهاش؟ ابتسمت لتفهمه وأحبت طريقته في الحديث معها وصراحته وذوقه الراقي في معاملتها، فهي لم تقابل رجل مثله يتعامل معها بتلك الرقة دون أن يتغشم معها،
ثم طمأنته: ــ له خالص يا متر، يعلم ربنا إني مشفتش منكِ غير كل ذوق ولطف، بتحسسني بحاجات عمري ما حسيتها قبل كده. دق قلبه بوتيرة سريعة عقب استماعه لمدحها في شخصه، فأحب طريقة الحديث معها وبدايتهم الرائعة، فطلب منها: ــ طب إيه رأيك نبقى أصحاب؟ لما تلاقي حاجة مضيقاكي تحكي لي، وأنا برضه لما تلاقي حاجة مضايقاني أحكيها لك. فركت أصابع يديها بخجل من طلبه، فهي لم تصاحب أحدا قبل ذلك، لا رجل ولا امرأة، فتحدثت بما تخافه:
ــ مش عارفة أرد بإيه، بس أنا مكانش عندي أصحاب قبل كده، كنت مقفلة على حالي قوي، فمش هتستفادي من آرائي بحاجة، لأني باختصار مليش تجارب تدل على أنك تثق في كلامي. راق له مشاعرها الصريحة الممتلئة بالرقة والرقي، ثم حاول التعمق أكثر داخل عالمها: ــ طب ما تدي لنفسك فرصة تتعرفي وتتعلمي وتخرجي نفسك من الدوامة المقفولة دي، وبالمرة تكسبي ثواب في الغلابة.
قال كلمته الأخيرة بمشاغبة يعشقها معها، مما أثار انتباهها وجعلها لم تفهم مقصده، وسألته: ــ يعني إيه بقي جملتك الأخيرة دي عاد يا متر؟ بنفس طريقته المشاغبة قايضها: ــ مش هفهمك حاجة إلا لما تبطلي كلمة يا متر دي. ضحكت برقة جعلته ذاب غراما بها وطاب قلبه بالحديث معها، فتابع هو: ــ أهو بدينا في السرقة والخطف، براحة علينا يا أم الزين، اسرقِ بالراحة، ووحدة واحدة. ضحكت مرة أخرى لغرابته في الحديث، ولكنها تفهمه عن ظهر قلب،
مما جعلها تقول: ــ لاااا، دي أنت هتتكلم وياي باللف والدوران بتاع المحامين بقي وتدخلني في دوامة ما أفهمهاش. رفع حاجبه الأيسر وهتف مبتسما بمكر: ــ مين قال ده؟ أنا غلبان والعبد لله مفيش أطيب مني عاد، بس أنتِ ركزي معايا وأنتِ هتعرفي لحالك. تنفست براحة اغتالت أوصالها من الحديث مع ذاك الجاسر المريح للغاية، ثم وجدت أنها اقتربت على موعد المكتب، فاستأذنت منه بلطف مصاحب بمشاغبة مماثلة له:
ــ طب مضطرة أقفل عاد علشان متأخرش على شغلي والمدير بتاعي يرفدني بسبب التأخير أو يغرمني حتى. ــ على كيفك ياباشا، ده المدير بمكتبه بحاله ومحتاله، مديكي تصريح تعملي اللي يريحك.
نطقها جاسر بمحبة نابعة من قلبه المولع ببداية عشقها، مما جعل داخلها يدق بعنف، فهي لم تجرب تلك المشاعر قبل ذلك، لم يلاطفها أحدهم يومًا لذاتها، لم تشعر بأنها أنثى مرغوبة ولها قلب يتوق لمشاعر المحبين وحديثهم وكلامهم، تجربة جديدة للغاية تمر عليها بعد سنوات العمر الطويل ذاك، مما جعلها تبتسم ويطالبها داخلها: هل من مزيد منك أيها الجاسر؟ ثم شكرته على ذوقه، وقبل أن تغلق طلب منها برقي مغلف بالدعابة دون تعنت
أو تشبث حتى لا تخاف منه: ــ طب شيلي الصورة بقى، أخاف عليكِ من الحسد ياباشا، ولو اتحسدتي هتقعدي في البيت وبعدين شغل المكتب يتعطل علشان القمر اللي بتنوريه هيغيب عن عنيا. ضحكت تلك المرة بشدة، مما جعله غازلها: ــ له يا أم الزين، مش من أولها كده بالشكل ده؟ أني اللي هتعب وهقعد في البيت ومهلاقيش حد يسأل عني، أصل أنا يتيم أب وأم وكمان وحيد. وجدت أن الحديث مع ذاك الماكر لن ينتهي، فقررت إنهاء المناقشة:
ــ لاااا، أني كده هقفل لأنك سحاب قوي، مع السلامة يا متر. أودعها سلامته هو الآخر، وأغلقت الهاتف، فاستند هو على سريره بانتشاء وهو يشعر أن سعادة العالم أجمع تملأ قلبه، ودعا ربه: ربي قلبي مغلوب فارزقه الانتصار.
أما هي، فكرت في أمر الصورة وترددت كثيرًا، ولكنها وجدت حالها تحذفها وتستبدلها بصورة من الطبيعة، فلأول مرة تشعر أن أحدهم يغار عليها، وراق لها كثيرًا ذاك الإحساس، بل وتمنت المزيد والمزيد، ثم ألقت الهاتف على الكومود وبدأت بتجهيز حالها للذهاب للمكتب وهي تشعر بحيوية أنثى صغيرة في سنها العشرين. أما هو، ظل مراقبًا تلك القصة إلى أن وجدها بدلت تلك الصورة، فشعر براحة توغلت أعماقه تجاهها أكثر وأكثر.
في المشفى، وبالتحديد في الساعة الرابعة عصرًا، كانت فريدة متعصبة بشدة في مكتبها وهي تدور حول نفسها، فقد أرسل لها فارس رسالة منذ ساعة جعلتها جن جنونها، فكان محتوى تلك الرسالة: ــ إيه يا فوفا، وحشتيني يا روحي، ووحشني قوي النقار بيني وبينك، وأنا بقى مزاجي متعكر وعايزك تجي لي مكتبي دلوقتي ندردش مع بعض شوية يا مزتي، واوعي متفكريش تيجي علشان هزعل، وأنتِ مجربتيش زعل الفارس قبل كده.
ظلت تقرأ رسالته مرارًا وتكرارًا لكي تفهم معناها، ومن طريقة كلامه في الرسالة فهمت أنه داخل تلك الحالة التي تنتابه، ولكنها الآن في المشفى، ومع أنه يعلم ذلك وأنهم في مكان عمله، إلا أنه من الجائز دخوله إلى ذلك العالم المنطوي المرعب عندما يبدأ عقله الباطن بتذكر شيء ما سيء حدث له، فلم يستطع وضع كنترول على عقله واختار الدلوف إلى ذلك العالم في ذلك التوقيت والمكان.
ولكنهم في المشفى، والمرة الماضية التي صفعها فيها وفعل ما فعله بها، لم تتحملها، ومن ستر الله عليها أنها كانت أمام زميل لهم واحد فقط، فماذا إن تطورت حالته وتطاول باليد أو بأي أسلوب عليها، وحينها لم تستطع الدفاع عن نفسها. ظلت تفكر كثيرًا وكثيرًا، وعقلها يجوب العقل والمنطق والأسباب، إلى أن وصلت إلى حل ستفعله حينما يشتد حصاره عليها. ولكنها قررت أن تتأخر كثيرًا حتى يمر وقت كافٍ من حالته التي دخل بها، وبالفعل نفضت عن بالها ومضى تقريبًا نصف ساعة، ثم سمعت هاتفها يعلن عن وصول رسالة منه،
وكان محتواها: ــ تحبي أجيلك أنا يا فوفا لحد عندك ولا حاجة؟ انتفضت فور استلام رسالته، ثم وضعت في كنزتها تلك الزجاجة وخرجت من المكتب بأقدام ثقيلة وهي تتلفت يمينًا ويسارًا كما السارق، وقلبها يدعو خالقه أن ينجيها من براثن ذاك المريض عاجلًا. وصلت إلى مكتبه المتنحي في حجرة جانبية، ويبدو أنه انتقاه بذاته لغرض ما في نفسه، ثم وقفت قليلًا في الشرفة التي أمامه تعبئ داخل صدرها بعضًا من الهواء، فهي الآن ستدخل مكتب كاتم أنفاسها.
ظلت حوالي عشر دقائق حتى استمعت إلى صوت أنثوي مضحك، فالتفتت على الفور، وجدت إحدى الممرضات تخرج من غرفته، فانصدمت من هيئتها المبعثرة وهي تعدل بنطالها، ومن ثم حجابها التي ترتديه بإهمال، ناهيك عن ضحكتها التي كتمتها فور رؤيتها للدكتورة فريدة، التي سألتها بعينين متسعتين: ــ أنتِ كنتِ بتعملي إيه هنا؟ إيه يا هانم، وإيه منظرك دي؟ تلعثمت الأخرى في الرد وابتلعت حلقها بصعوبة بالغة، ثم نطقت أخيرًا:
ــ أممم.. هه، له، قصدي يعني كنت بجيب تقارير للدكتور فارس. واسترسلت تبريرها وهي تستأذن سريعا من أمامها: ــ عن إذنك يا دكتورة، عندي شغل كتير. هرولت من أمامها سريعا، ووقفت هي الأخرى بذهول لما نسجه عقلها الآن واستجمعه، وبات صدرها يعلو ويهبط من شدة اشمئزازها من هذا القذر، وكاد الغثيان أن يصيبها، وللأسف لم تستطع تكملة أفكارها حتى استمعت إلى صوت الباب ينفتح، وما كان إلا هو حينما استمع إلى كلماتها مع الممرضة.
نظرت إلى هيئته بقميصه المفتوح من الأعلى، وهو يشير إليها بأصبعه أن تدلف بطريقة تعامل كالجارية، فعقلها لم يستطع فهمها غير ذلك. ولكنها استدعت قوتها، ثم شملته بنظرة مذرية فهمها عن ظهر قلب، وقبل أن يتحدث أمرته: ــ اقفل أزرار القميص لو سمحت لو عايزنا نتكلم مع بعض. ضحك بطريقة مستفزة لها، ثم غمز لها بطريقة أخجلتها: ــ بتتكسفي يا مزة؟ أموت أنا بقى في الجو ده.
ثم أغلق أزرار قميصه وأكمل بطريقته تلك التي لم ترها في عمرها بأكمله إلا في الأفلام والروايات، وظنت أنه عبث منهم في تجسيد المشهد، ولكنها رأته الآن: ــ تعالي يافوفا، تعالي، ده أنتِ مسلية قوي، والظاهر كده هننبسط مع بعض يا بيبي.
خطت بأقدام مرتعشة لمصيرها المجهول مع ذاك المصاب، وحاولت جاهدة رسم القوة وعدم الظهور بمظهر الضعف أمامه، فهي قرأت ذلك في كيفية التعامل معه، وفور دلوفها سمعت صوت إغلاق الباب، مما جعل كل خلية بداخلها تدق خوفًا من فعلة ذاك الفارس.
كانت تعطيه ظهرها، فاقترب منها بضع مسافات، ثم همس بجانب أذنها دون أن يلامسها، ولكن أنفاسه لفحت عنقها وشعرت بسخونتها من تحت حجابها، فبات قلبها يدق سريعا بنبضات متتالية لشيء من الخوف الجديد الكلي على مراحل عمرها بأكمل، فأغمضت عينيها وكتمت أنفاسها كي تستمد قوتها من فعلتها تلك، حتى استمعت إليه ناطقًا بجانب أذنها: ــ وحشني لون شعرك الأحمر الناري يا بيبي.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!