الفصل 38 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثامن والثلاثون 38 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
16
كلمة
5,088
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 51%
حجم الخط: 18

انتفض عمران مرددًا بذهول: ــ حامل في الشهر الرابع ومقلتيش! تعرض حياتها للخطر بالطريقة دي ليه! أما زينب فهتفت باستنكار له: ــ يعني مراتك عندها مشكلة وشكلها كبيرة كمان ومقولتليش وسألتك وسألتك مليون مرة! مسح عمران على شعره وهو ينفخ بضيق بالغ ثم رد لوالدته: ــ مش وقته الكلام ده عاد يا أمي، مراتي جوه في العمليات دلوقتي بين الحياة والموت، وبدل ما قلبك يرجف عشانها تقعدي تتحسري وتقولي قالوا وقلنا! هز سلطان رأسه بموافقة

وهو يربت على ظهر ابنه: ــ عين العقل يا ولدي، امضي على الورقة الأول عشان مراتك. ثم نظر إلى زينب وعنفها على طريقتها: ــ هو ده وقته يا ولية انتِ؟ اهدي كده لما نطمن عليها وبعدين نفهم بهدوء إيه. صمتت زينب إجباريًا، ولكن داخلها يتآكل من تخبئة عمران عليها، والقلق عليهم كان ينهش بها، فهو ولدها الوحيد وقارب على الأربعين إلا بضع سنوات قليلة.

مضى عمران على الإقرار ويداه ترجف خوفًا على سكون، ثم ناولها الورقة بعد أن انتهى، وهو يسألها بلسان خائف على زوجته: ــ هي العملية دي فيها خطر على سكون يا دكتورة؟ حركت رأسها برفض وحاولت طمأنته على عجالة: ــ لا، متقلقش، سكون هتطلع منها بخير إن شاء الله، بس دعواتكم، عن إذنكم. تركتهم ودلفت إلى الغرفة وبدأت بإجراءات تهيئتها لدخول العمليات أولًا. والجميع في حالة تأهب شديد، فسكون قبل أن تكون حالة في المشفى، فهي زميلتهم.

أما في الخارج، كان عمران يجوب الطرقة ذهابًا وإيابًا، وهو يحدث حاله بصمت، والهلع على سكون ضرب بأوردته مجرى الدم في العروق. ــ لما حبيبتي فعلت في حالك كده؟ كيف لكِ أن تؤدي بشأنك إلى الجحيم وتجعلي القلق ينهش داخلي عليكِ سكون؟ لم أتذكر أنني جرحتك يومًا بكلماتي كي تفعلي ذاك الجرم بنفسك وتجعليني الآن أتعذب عليكِ هلعًا وقلبي يشعر بالدمار! لم أريد سواكِ في الكون كله، فأنتِ لي أما وأبًا وزوجة وأختًا وخليلة، أنتِ كلي سكوني!

الجميع يقفون خائفون عليها، فأتت رحمة إليهم بعد أن أنهت إجراءات الأوراق المطلوبة في المشفى، ثم ربتت على ظهر أخيها بعدما علمت من والدها ما قالته فريدة:

ــ هتبقى زينة يا عمران، متقلقش يا خوي، إن شاء الله، مش عايزك تاخد على أعصابك الموضوع وتهدي حالك عشان لما مراتك تخرج من العمليات مش عايزة هجوم ولا منك ولا من ماما ولا من أي حد فينا، مش عايزها تشوف غير الابتسامة على وشنا، وبعد ما ربنا يشفيها خالص وتتعافى من اللي هي فيه، تتعاتب أنت وهي براحتكم. غامت عيناه بالحزن على زوجته، ثم سأل شقيقته بنبرة حزينة وداخله مرتعب: ــ هي ممكن يحصل لها حاجة لا سمح الله!

أصلك ما شفتيش الدكتورة فريدة قالت إن هي كانت بتاخد أدوية تثبيت وعملت انعكاس معاها، وكانت ممكن تفجر الرحم بتاعها، وتقريبًا حالتها صعبة، أنا بجد خايف عليها قوي، خايف يجرى لها حاجة وحشة، ووقتها مش هتحمل والله العظيم مش هتحمل. ابتسمت بوجهه كي تحاول بث الهدوء النفسي بداخله، ثم هتفت بكلماتها الودودة:

ــ لا، تفائل بالخير تجده يا خوي، وربك بإذن الله هيشفيها وهيجبرها وهيفرح قلوبنا كلياتنا بعوضك يا حبيبي، بس أنت ميوبقاش على لسانك دلوقتي، يااااارب هو الوحيد اللي بيده فك الكرب. أخذ نفسًا عميقًا ثم نطقه من أعماق قلبه برجاء من رب السماء: ــ يااااارب، يااااارب، استودعتك إياها وأنت خير مودع.

مر ساعة كاملة وسكون داخل غرفة العمليات، وقد نفذ الصبر من صبر عمران الذي يقف الآن أمام الغرفة، وأخيرًا خرجت سكون على ذاك التخت المتنقل، وكأن عقرب الساعات توقف عند تلك الدقيقة، ولم تندهشوا، فذاك رجل عاشق لامرأة ولد قلبه الموجوع على يدها.

فور أن رأته عيناها، أمسك يدها واحتضنها بين كفّي يديه باحتواء، وهو يتسابق بقدميه مع التخت المتحرك إلى أن أوصلها غرفة الإفاقة، وما إن توقفوا بالتخت، حتى رفع كف يدها ولثم باطن يديها بقبلة عميقة أدفأت يدها المثلجة من سخونة أنفاسه. بعد مرور دقيقتين، بدأت تتوجع وتهذي من أثر البنج، وهي تردد بألم وهي تشير أسفل بطنها وتتأنى بوجع: ــ آااااااه، أنا فين؟ هأحصله إيه؟ مسح عمران على شعرها مجيبًا إياها بصوت متحشرج أثر حزنه على

وجعها الذي يقطع نياط قلبه: ــ أنتِ بخير يا حبيبتي، متقلقيش، حمد الله على سلامتك يا سكون. حركت رأسها بهدوء إلى مصدر الصوت وتمتمت وهي تنظر برؤية مشوشة إلى عمران وعقلها الذي لا يزال لم يستوعب بعد ما بها: ــ آاااه، بطني بتوجعني قوي، حاسة بسكاكين فيهم. وأكملت وهي تشير بأصبعها إلى أماكن متفرقة في بطنها: ــ آاااه، وجع هنا وهنا وهنا وهنا، خليهم يدوني مسكن.

اللمعت عيناه بغشاوة الدموع وهو يقف عاجزًا أمام وجعها ولم يستطع التخفيف عنها وهي تتأوه كثيرًا، وما إن وقع بصره على فريدة، حتى هرول إليها آمرًا إياها: ــ تعالي بسرعة، اديها مسكن عشان بتتألم قوي. حركت فريدة رأسها برفض وفهمته: ــ طبيعي الوجع اللي هي فيه، ومينفعش مسكن دلوقتي خالص، لازم تفوق الأول وأقومها تتمشى، وبعدين هديها مسكن، الصبر بس يا عمران. واسترسلت حديثها وهي تنظر إلى صديقتها ورفيقة العمر والأيام بحزن

نمى عن دمعة سكنت وجنتيها: ــ دي يا حبيبتي عملت في نفسها كده وعرضت حياتها للخطر عشان تسعدك وعشان تجيب لكم ولي العهد اللي يفرح قلوبكم، وبالتحديد الحاجة زينب، كانت بتشوف اللهفة في عيونها وكلامها، فمقدرتش تتحمل. انصعقت ملامح عمران وتهجم وجهه، ثم سألها: ــ يعني انتِ كنتِ عارفة اللي بتعمله في نفسها، وممنعتيهاش أو مقلتليش؟ حركت رأسها برفض قاطع: ــ لا، والله العظيم ما كنت أعرف، إني اتصدمت زييكم بالظبط.

سمع كلتيهما تأوه سكون، فنظرا إليها بشفقة، فتحدثت فريدة: ــ روح اقف جنب مراتك وخلي بالك، نفسيتها اليومين دول هتبقى متدمرة جدًا، فمش ناقصة كلام ولا لوم من أي حد، فممكن تعمل في نفسها أي حاجة، دي أم فقدت جنينها بعد ما عرضت حياتها للخطر. زفر أنفاسه بقوة وهو ما زال مثبتًا أنظاره عليها، وهو يطمئنها: ــ متقلقيش يا دكتورة، مش هفارقها لحظة واحدة. خطت فريدة إليها، ثم هبطت لمستوى وجهها وقبلتها من رأسها، ثم مسحت على

شعرها المغطى لتقول بحنو: ــ حمد الله على سلامتك يا حبيبتي، ربنا يرزقك الخير كله عاجله غير آجله، ويتمم شفاكي يارب. كانت سكون ما زالت تتوجع بألم، ولكنها انتبهت لكلام فريدة، فنظرت إليها نظرة حزينة مطولة تحوي آلامًا وحرمانًا، ولكنها إرادة الله، ففهمتها فريدة على الفور، وما كان منها إلا أنها تبسمت بثقة من رب السماء وتفوّهت بتأكيد:

ــ متقلقيش يا حبيبتي، اللي خلقنا عمره ما هينسانا، بيبتلينا عشان يختبر قوة صبرنا، بيختار من عباده أولى العزم عشان لما نصبر ونتحمل ونقول الحمد لله، بيعطينا من عنده اللي من كتر عطيته وقتها مش هنصدق نفسنا. واسترسلت حديثها وهي تنظر إلى عمران الواقف بقلق ينهش معالمه عليها، وهي تشير إليه بيدها: ــ كفاية إني عندك زوج حنين هيحبك يا سكون وهيعشقك ويتمنى لك الرضا، دي كلها يا حبيبتي بالدنيا واللي فيها.

وأخيرًا، وجهت سكون أنظارها إلى عمران وهي تشعر بالخزي مما فعلته بنفسها، وإلى هنا تبدلت آهات الألم إلى دموع صامتة، وكبتت ألمها الجسدي الآن واستسلمت لألمها النفسي، مما جعله يشعر بها في نفس اللحظة. ومن يشعر بعاشق متألم غير معشوقه؟ من يتألم بداخله ويتفهم دموع عاشق غير خليل روحه؟

رأت فريدة اقترابه، فتركتهم وابتعدت وبدأت في تجهيز المحلول لها كي تترك لهم مساحة لمواساة بعضهم البعض. جذب الكرسي الموضوع بجانب التخت وأقربه منها، ثم جلس عليه وأمسكها من يدها اليسرى واحتضنهما. شعرت بدفء يده، فتمسكت بكفيه بأصابع يديها المرتعشة، فنطق هو أخيرًا بدعابة كي يجعلها تبتسم: ــ يعني ينفع كده يا سكوني اللي عملتيه فينا؟ كنت مجهز لك الليلة سهرة خاصة من بتوع عبد الباسط حمودة، ضيعتيها على عمرانك.

ابتسمت له بوهن، ثم تبدلت ابتسامتها إلى حزن عميق وهي تعتذر له: ــ حقك عليا يا عمران، كان نفسي أفرحك وأفرح ماما زينب وبابا، كان نفسي أجيب لهم الحفيد اللي من صلبك واللي متشوقين لرؤيته ويحملوه بين يدهم. يالله منكِ سكوني، لا تتوجعي، لا تبكي حبيبتي، فدموعك الغالية تلك تحطم داخلي. ثم مسح على رأسها بحنو ويده ما زالت تحتوي يدها:

ــ أنتِ عندي بالدنيا واللي فيها يا حبيبتي، كفاية عليّ إني أتصبح كل يوم على بسمتك وأنام بالليل وأنتِ في حضني وأشكيلك همي. وأكمل بكلمات جعلتها تلوم حالها على ما فعلته في نفسها ظنًا منها أنها من الممكن أن تخدمها الصدف ويعيش جنينها، ولغت العقل والمنطق الذي وهبهم لنا الله بحكمته كي نزن بهم الأمور:

ــ أنتِ بصيتي لحاجة واحدة بس ناقصاكي وناقصاني، ونسيتي حاجات كتيرة قوي من نعم ربنا اللي محوطانا. نسيتي نعمة السكن والمودة والرحمة اللي هنعيش بيهم بفضل ربنا ومش موجودين في أغلب البيوت. نسيتي إني هحبك أنتِ لشخصك أنتِ مش عشان نجيب عيال تربطنا ببعض. نسيتي إني مهتمناش في الدنيا غير بسمتك وسعادتك اللي أنتِ هتعيشيهم لي كل يوم بقلبك الأبيض الكبير. واسترسل حديثه بنبرة مترجية وهو يتعمق بالنظر داخل عينيها:

ــ أرجوكي يا حبيبتي مش عايزك تتهوري تاني وتمشي رحلة علاجك بالراحة، وللمرة المليون إني مش متعجل، والراجل ممكن يخلف وهو عنده سبعين سنة مش ٣٦ يا سكون. ظل يهون عليها رحلة آلامها وهي تستمع بأذنيها عاتبة لها على ما فعلته بحالها. أما في الخارج، فقد سألت زينب الطبيبة عن حالة سكون وعلمت منها حالتها بالتفصيل، مما جعلها هلعت وهي تردد لسلطان: ــ يعني ولدك ومرته تبقى عندهم دي كلها وما يعرفوناش!

كل يوم والتاني أسأله بقلب أم مفطور على ضناها ونفسها تتطمّن عليه وتشيل عوضه بين يدها. ويقول لي: "داي مسألة وقت ياحاجة، واني وهي زين مفيناش حاجة". ويكدب علي ويقرطسني! هنا تحدثت رحمة وهي تنهي والدتها عن الكلام بتلك الطريقة:

ــ عمران معملش حاجة غلط يا حاجة. هو عيمل الصح، مينفعش يخرج سر مرته لأي مخلوق ولا حتى لامها اللي خلفتها، إلا إذا هي قالت لها لحالها. اخوى راجل بيحافظ على هدوء بيته بالطريقة اللي هيشوفها صح ومش من حقنا ندخل خالص. وتابعت نهيها بنصح: ــ له كمان والواجب علينا نقف جاره هو ومرته بالبسمة والكلام الزين علشان هي عرضت حياتها للخطر وكانت احتمال كبير تشيل الرحم علشان خاطر تسعد اخوي وتفرح قلوبكم.

ضربت زينب كفا بكف وتكاد تجلب رحمة من رأسها على نهيها اللاذع لها من وجهة نظرها: ــ اكتمي يابوز الأخص انت. كل الكلام دي مايفرقش معاي، كل اللي يفرق لي أشوف عوض ولدي على يدي. دي ولدي الوحيد ياناس وداخل على الأربعين كمان، ليه مش مقدرين نـ.ـار قلبي اللي قايدة جواي واني كل يوم بحلم أشيل ولده على يدي وأفرح بيه. أجابها سلطان بتعقل: ــ مالك يازينب مكبّرة الموضوع ليه؟

مالدكتورة خبرتك إنها مسألة وقت وإن حملها مش مستحيل ولا صعب، بس محتاج صبر هبابة. وبعدين أني ولدي راجل يخلّف لو عنديه تمانين مش أربعين. لا دي وقته ولا دي مكانه خالص، واكتمي يازينب وحذاري البونية المرمية جوة داي تحس بحاجة. الله الوكيل أقـ.ـطع خبرك النهاردة، لا هي ولا ولدي ناقصين، كفاية اللي فيهم. ثارت زينب من تحذيرات سلطان لها ثم على صوتها وهي تعترض على كلامه: ــ وه كيف أعملها ازاي دي ياسلطان؟

أعرف إن ولدي مهيخلفش وإن مرته يا عالم ربنا يكرمها ولا له، واتحمل وأسكت؟ حاولت رحمة تهدئتها ناهية إياها: ــ يا امي وطي صوتك، إحنا اهنه في المستشفى وسط زمايلها. اهدي بقي الله يرضى عنيكي. وبعدين حطيني مكان سكون لو اني اللي حالتي زيها، بردو هيوبقي دي رد فعلك؟

حطيني مكانها يا حاجة وادخلي دلوك بنفس راضية بقضاء الله وخديها في حضنك وواسيها وحسسيها إن سلامتها بالدنيا واللي فيها. واعرفي يا امي إن كل تأخيرة وفيها خيرة من عند الله. نفخت زينب بضيق وهي تحاول أن تهدئ من نوبة الخوف التي انتابتها جراء ما حدث. هي مقتنعة تمام الاقتناع بكلامهم، ولكن ما يحزنها أنها سألتهم كثيراً وكثيراً، وكانوا لا يشفون صدرها بالإجابة، وفوجئت بما حدث. لما لا يراعون نوبة خوفها على ولدها الوحيد؟

لما لا يتركوها تنفث عما في صدرها الآن من ألم أم ينكوى على حرمان ابنها من نعمة الأبوة؟ لما يتحدثون معها بتلك الطريقة وكأنها ليس لها الحق في الحزن على ما جرى الآن؟ تلك الكلمات التي ظل داخلها يرددها وتـ.ـنهش بها، ثم حاولت أن تنظم أنفاسها الثائـ.ـرة بسبب نوبة عصبيتها، وبعد قليل هدأت، ثم دلفوا جميعاً، بعد أن علموا بإفاقتها تماماً، فقد مر ساعة كاملة على خروجها من العمليات.

انطلقت رحمة مسرعة بأقدامها إليها كي تطمئن عليها وهي تردد بدعابة كي تدخل السرور على قلبها: ــ اها شكل القمررر أهي ووشها زاده النور، مرت أخوي على البنج والمستشفى. ثم هبطت لمستواها وهي تتحسس رأسها بحنو: ــ إلا قولي لي يامرت أخوي، هو المستشفى عنديكم البنج اللي فيها دي بيوبقي في علاج تنظيف بشرة؟ أصلك اللهم صل على النبي في عيني وشك أبيض ومنور وكأنك خارجة من الكوافير دلوك.

ابتسمت سكون وكادت أن تضحك، ولكن منعها جرحها الذي أوجعها من حركتها الغير محسوبة نظراً لتفاعل جسدها مع دعابة رحمة. ثم كبر عمران في وجهها: ــ الله أكبر في عنيكي يابت انتِ. هتحسدي مرتي قدامي وقدامها اكده عاد ومهتختشيش. ثم نظر إلى سكون وهو يسمي في وجهها بدعابة مماثلة لرحمة: ــ اسم الله عليكِ، ياغالية من عين رحمة وكمان من عين رحمة. ضحكوا جميعاً، وأولهم زينب التي تقدمت عليها واحتضنتها وهي نائمة:

ــ الف سلامة عليكِ يابتي، ربنا يقومك بعافية وترجعي بيتك ومـ.ـطرحك بالسلامة. كانت سكون خائفة من رد فعل زينب بالتحديد، والآن شعرت بأن خوفها في محله من سلامها الممتلئ ببعض البرود، ولكن ليس لها ذنب، فكل ما بها ما هي إلا إرادة الله. ثم نطقت بخفوت: ــ الله يسلمك يا ماما. وتسلمي من كل شر. أما سلطان تقدم بخطواته وبوجه بشوش أردف: ــ حمد لله على سلامتك يابتي. وعكة وتزول وربنا يديكي الخير من عنديه.

علمت سكون الآن أن حـ.ـربها الآن ليست مع أيا منهم غير زينب، وأنها الآن سوف تعاني من ملامها هي وحدها، وعرفت ذلك من سلامها البارد غير سلام سلطان ورحمة الممتلئين بحرارة الاطمئنان عليها. مر الوقت وأتت مها أختها وماجدة والدتها، فقد أبلغتهم رحمة. وما إن وصلوا حتى هرولت إليها ماجدة وقد أدمعت عينيها من منظر ابنتها: ــ الف سلامة عليكي ياحبيبتي. ايه اللي جرى لك ياغالية؟ ابتسمت لها سكون وطمئنتها:

ــ متقلقيش ياماما، اني زينة قدامك أهو. الحمدلله عدت على خير. أما مها وقفت جانبها وقد أفسح لها عمران المجال، وقد شعرت بالشفقة على حالتها: ــ معلـ.ـش ياحبيبتي ربنا يعطيكي من عنده الخير كلاته. متزعليش ياسكون ربنا مبيعملش حاجة وحشة ابدا. وظلوا بجانبها يواسوها ويدخلوا الطمئنينة على قلبها إلى أن مر نصف اليوم وجاء موعد خروجها، فاستأذنت ماجدة من عمران: ــ معلش ياعمران بتي هاخدها على عندي علشان اعرف اراعيها و آخد بالي منيها.

وتابعت استئذانها وهي توجه باقي كلماتها الي سلطان وزينب: ــ بعد اذنكم طبعا. ياحاج سلطان انت والحاجة زينب. رأت رحمة وجوم عمران فاستغلت انشغال ماجدة مع والديها ونصحت عمران: ــ سيبها ياخوي تروح مع امها هتوبقى هناك وسط أمها وأخواتها مرتاحة أكتر، وكمان علشان رد فعل أمك ليك لما نعاود بيتنا مش مطمني بعدها الأسبوع دي خالص. شعر عمران بالاحتـ.ـراق داخله، أليس من حقه الخصوصية هو وزوجته؟

أليس من حقه أن يحتضن زوجته ويخفف عنها في شقتهم الخاصة! ثم فكر سريعا. في نصح رحمة ووجد أنه الأفضل لها، ولكن أجاب ماجدة: ــ مطرح ما سكون ترتاح تختار، مهغصبهاش على حاجة واصل. هنا شعرت سكون بمدى حزنه من طلب والدتها، ولكنها خافت أن تسمع من زينب كلمات توجعها فتؤثر عليها هي وعمران، فابتلعت ريقها وهي تستأذن بخجل من عمران: ــ معلش ياعمران وديني عند ماما أسبوع بس. ابتسم عمران لها وداخله حزين، ولكنه راعى خوفها، ثم ردد بموافقة:

ــ روحي ياحبيبي مكان ما ترتاحي، وأني مش هسيبك وهكون وياكي. ووافق أيضا. سلطان بدون أدنى اعتراض، وبدأوا في تجهيزها لمغادرة المشفى، فقد دخلتها متألمة وخرجت منها مكـ.ـسورة الخاطر، وما تشعر به الآن لن يشعر به أحد سوي من ذاق مرارة الفقدان من الأمومة.

في نفس المشفى كان ذاك الفارس يبحث بعينيه عن الدكتورة فريدة، فهو قد أحس بالحنين إليها، فمنذ الموقف الذي حدث بينهم لمس فيها الاختلاف عن أيا منهن، وبالتحديد أنها لن تتمسح به كباقي الفتايات. ظل يبحث عنها أكثر من نصف ساعة، فهو يشعر وبشدة أنه يريد التحدث معها. وبالصدفة علم ما حدث لصديقتها سكون، فهو قد سأل عنها كثيراً وعرف أن سكون صديقتها المقربة، فبالتالي بدأ بفحص حالة سكون واستكشف ما حدث لها، ووجد حجة كي يتحدث مع فريدة،

ولكنه لم يجدها. إلي أن وقعت عيناه أخيراً. عليها، فقد صال وجال في المشفى بأكملها كي يراها، إلى ان وجدها تجلس في استرخاء تام في حديقة جانبية للمشفى، ويبدوا على ملامحها التعب الشديد والإرهاق. ساقته قدماه إليها بقلب يخفق تطلعاً للحديث مع تلك الفريدة، ثم وقف أمامها واستند على جذع الشجرة، ثم ربع ساعديه أمام صدره، وغروب الشمس آنذاك انعكس على ملامحه الشقراء. وجدها تغمض عينيها وهي تستند على ذاك الكرسي برأسها للخلف، وقدميها

مرفوعتين قليلا. على ذاك السور الأرضي،

ثم تحدث بصوت رجولي هادئ: ــ دورت عليكِ كتير يا دكتورة لحد ما لقيتك. أصابتها رعشة خفيفة اجتازت جسدها فور ان

ترجم عقلها لمن يكون هذا الصوت، فشعرت بالغثيان وأن معدتها تكاد تنقلب الآن، فقد أصبح صوته أبغض صوت تسمعه. ثم فتحت عينيها رويدا. رويدا. ووجدته يقف أمامها، فعبئت صدرها بزفير وفير كي تستعد لمجابهة ذاك المصابي. ثم سألته بنفس نبرته الهادئة، وحتما. ووجب عليها أن تتعامل بكل هدوء مع ذاك الفارس حتى لا تفقد طاقتها معه من اول وهلة، فهو يحتاج الكثير من الطاقة والكثير من فراغ الذهن: ــ ليه يا دكتور؟

أني خلصت الشفت بتاعي، بس بستريح شوية قبل ما أمشي. ابتسم ابتسامته العذبة وبوجه بشوش أردف: ــ مش علشان شغل خالص يادكتورة. وبعدين أنا هنا زي زيك بالظبط، ما ليش اوامر عليكِ، علشان اكلفك بشغل. ــ امال في ايه جابك لحد عندي وخلاك تدوّر عليا؟ جملة استفهامية نطقتها فريدة بنفس هدوئها، فأجابها وهو يجذب الكرسي الموضوع جانبها وجلس مقابلها:

ــ عرفت بحالة الدكتورة سكون، وبجد أنا زعلان عليها قووي، فجيت أتكلم معاكي وأقول لك اني عندي حل ليها ولحالتها، وكمان في اسرع وقت باذن الله. استطاع جذب انتباهها حينما رأى اللهفة في عينيها بعد أن عرض عليها حلا لمشكلة صديقتها، مما شرح صدره كثيرا. أما هي سألته بلهفة: ــ بجد! طب إزاي يا فارس؟ دق قلبه بوتيرة سريعة عقب استماعه لاسمه يخرج من بين شفاها كترنيمة ساحرة بدون لقب "دكتور". فتلقائيًا تحدث قائلًا بنبرة صوت متحشرجة

أثر تعلقه بنطقها له: "اسم فارس طالع منك جميل قوي من غير دكتور." ثم سألها بلهفة: "هو إحنا ممكن نبقى أصحاب يا دكتورة؟

هنا استشفت أنه يتعامل معها كزميل راقي. طريقته المتأدبة في الأخذ والرد، نظرة عينيه، رقيه في التعامل معها الآن. فعلمت أنه لم يدخل قوقعة الانفصام في ذاك الوقت. فحثها عقلها أن توافق على صداقته وأن تستغل وقت هدوئه النفسي ووقت تعامله كإنسان منضبط. فقررت أن تتحدث معه كثيرًا وتسأله عن حياته، لكن بطريقة ذكية لا يستطيع كشفها. فمريض الانفصام أذكى مما يكون، فلا بد أن تأخذ الحيطة والحذر منه. ثم سألته عن سكون أولًا:

"طب ممكن تفهمني، أنت تعرف تساعد سكون كيف الأول، وبعدين نشوف موضوع الصداقة دي؟ ابتسم سناه مما أظهر أسنانه البيضاء اللامعة ببريق. بدا لها اهتمامه بحالها لأبعد الحدود. ثم طمأنها: "حالة الدكتورة سكون سهلة جدًا. زميل بابا الدكتور سلامة المحمدي شاطر جدًا في جراحة المناظير والحقن المجهري، وعنده مركز كبير قوي في مصر."

"دكتورة سكون تروح له وهو مفيش حالة بتاخد في إيده أكتر من تلت شهور بإذن الله. لأنه كل أجهزته حديثة من بره. وأكيد هي عندها حاجة هي اللي بتسبب لها موت الجنين وإنها تسقط بعد الشهر الأول من الحمل. فيه ممكن يكون ميكروب، أو عندها بطانة رحم مهاجرة، أو عندها تليف."

"وهو الأجهزة اللي عنده حديثة جدًا. وكل أسبوعين تقريبًا بيسافر بره يجيب أجهزة جديدة. فتروح له هي وجوزها. وأنا هوصي عليها توصية جامدة إنه ياخد باله منها. وكمان هحجز لها الكشف بنفسي. لأن الحالات اللي بتروح له بتاخد حجز من قبلها بأسبوعين. لأن المركز عنده مزدحم جدًا بسبب قبول الناس عليه من جميع أنحاء العالم. وكمان العلاج اللي بيكتبوا للمرضى بيتاخد من الصيدلية بتاعته. لأنه مش موجود في أي مكان، بيجي من بره برضه."

"أي نعم طريقة العلاج غالية والدوا ذات نفسه غالي، بس بيعمل مفعول. وحالات كتير جدًا عنده خرجت وهي حامل. ممكن كمان تبحثي عنه على جوجل وأنتِ هتتأكدي من كلامي. لأنه مشهور جدًا." شعرت بالأمل غزى صدرها فشكرته بامتنان: "بجد بشكرك قوي على إنك حابب تساعدنا. هكلمها في الموضوع دي كمان يومين، أكيد تكون نفسيتها هديت شوية من اللي حصل لها، وكمان جسمها يكون خف من التعب شوية." حرك رأسه للأمام بموافقة ثم طلب منها:

"طب ممكن نتبادل أرقام بعض علشان لما ما تلاقينيش هنا في المستشفى تكلميني وأنسق مع الدكتور ومعاكم؟ فتحت فاهها على وسعه باندهاش من طلبه الغريب. فهو معه رقم هاتفها. أيعقل أن يكون متناسيًا أنه حدثها في الهاتف أكثر من نصف ساعة والآن يطلب رقمها! أما هو، لاحظ اندهاشها الشديد من طلبه فسألها بغرابة: "هو أنا ممكن أفهم إيه سبب الاندهاش الشديد ده لما طلبت الرقم؟ "معقولة أنتم كصعايدة لسه عندكم مبدأ مفيش بنت تدي رقمها لحد غريب؟

بس إحنا يعتبر زمايل هنا في المستشفى، فعادي يعني أصدقاء العمل يتبادلوا الأرقام للضرورة. وأظن مفيش ضرورة أكتر من موضوع صاحبتك."

حركت رأسها بتيهة موافقة على كلامه. ثم نطق لسانها الرقم وهي تشعر بالتوتر الشديد والخوف ضرب جسدها من حالته. والتي أوقعها الله هي بالتحديد بين يدي ذاك الفارس. فحاولت تهدئة حالها. أما هو، دون الرقم على هاتفه ثم ضغط زر الاتصال كي يظهر رقمه عندها. وللعجب، رأى رقمه على شاشة هاتفها مدونًا باسم "المجنون". مما أثار حفيظته وسألها وقد بدا الحزن في نبرته: "ممكن أعرف ليه مسجلة اسمي بالطريقة دي؟ وأصلا جبتي رقمي منين؟

ارتبكت بشدة. فهي لم تكن تتوقع أنه سيهاتفها. فهي كانت ممسكة بالهاتف بيدها وشاشته واضحة أمامه. ثم ابتلعت أنفاسها بصعوبة قبل أن تجيبه. ففكرت سريعًا لتقول بتعليل:

"له أصل إني بالصدفة عرفت إن رقمك مع الدكتور هاني. فطلبته منه علشان خاطر أكلمك وأسألك ليه اتعاملت معايا بالطريقة المهينة دي أول ما شفتني. لكن حصل اللي حصل وتقابلنا في نفس اليوم لما اعتذرت لي أنا والدكتور هاني. فنسيت إني مسجلة الرقم أصلًا بالاسم دي. متأسفة جدًا، هغيره حالًا." ثم أمسكت هاتفها بيداي ترتعش. وآتت برقمه وعدلت الاسم إلى "الدكتور فارس" أمام عينيه. فقبل اعتذارها ببسمة بشوش:

"خلاص يا ستي مش هنعملها موال. أنا قبلت اعتذارك بسرعة أهو عشان قلبي طيب. بس عشان تعرفي الفرق بيننا." "المهم هروح أجيب قهوة أشربها. أجيب لك حاجة معايا. ومتقوليش أنا همشي علشان أنا حابب أتكلم معاكي. إحنا اتفقنا إن احنا هنبقى أصحاب. أرجوكي ما تمشيش. بس قولي لي الأول حابة تشربي إيه؟

فكرت سريعًا أن تمشي كي تبتعد عنه. فهي تشعر بحبس الأنفاس في الاقتراب منه والجلوس معه. ولكن لابد أن تعرف عنه كل شيء كي تستطيع التعامل معه في حاله دخوله عالمه الموازي والذي أقحمها على الدخول معه رغما عنها. فطلبت منه: "له عادي، ممكن قهوة زيك بالظبط يا دكتور؟ "من عيوني يا أجمل بنوتة."

تلك الكلمات التي نطقها ذاك الفارس بعفوية جعلت القابع بين أضلعها يدق من تغيره السريع. مما نما عن شعور بالشفقة تجاهها. فبالتأكيد أنه يعاني من عقدة مريرة جعلته يتحول إلى شخصيتين مختلفتين تمامًا. إحداهما راقية جادة تساعد الغير بكل ما فيها من قوة. والأخرى عكسها تمامًا تشعر أنه لا ينتمي للرجولة بصلة.

ظلت الأفكار تدور في خلدها كثيرًا. ثم فتحت تطبيق جوجل وبدأت بالقراءة عن الانفصام. فهي قد بدأت بالبحث عنه منذ أن استشفت ما به. وساعدها على ذلك أنها طبيبة. ففهمت أكثر من مقال قرأته عن حالته. إلى أن لمحته قادمًا من بعيد بكوبين من القهوة. فأغلقت التطبيق وأغلقت هاتفها ووضعته في حقيبتها. وصل إليها ذاك الفارس وناولها الكوب الخاص بها ومعه قطعة من الشوكولاتة الفاخرة. وقدمها لها بذوق رفيع. راق لها معاملته تلك:

"طبعًا عارف تعلق البنات الشديد بالشوكولاتة مع القهوة. فحبيت أعمل هدنة معاكي وجبت لك الشيكولاتة دي. يارب يعجبك النوع اللي أنا اخترته." مدت يدها وتناولت منه الكوب وهي تشعر بالخجل. فهي الآن أمام رجل يتعامل معها بأنها أنثى فريدة بالفعل. وبأنه يريد التحدث معها كثيرًا هي لا غيرها. تلك العلاقة الهادئة البريئة التي تكون بين أي رجل وامرأة في بدايتها. ولكن لما تلوثها بيدك يا ذاك الفارس؟

ثم بدأ الآن الحديث بينهم. هي تسأله عن حياته الشخصية وهو يتجاوب معها بكل أريحية. وهو الآخر يسأل عن حياتها وهي تجيبه باختصار شديد. مما أحزن داخله فسألها: "أنا ليه حاسس بتحفظ في إجاباتك معايا؟ هو أنا ضايقتك في حاجة؟ أنتِ حاسة إن أنا اتدخلت في حياتك زيادة عن اللزوم؟ استشفت حزنه الشديد من استفساره وعلامات وجهه التي يبدو عليها الوجوم، ثم أجابته وهي تحرك رأسها برفض:

ــ له خالص، بس انت عارف طبيعة المجتمع اللي احنا عايشين فيه بتحتم علينا كبنات إننا نتعامل بحدود مع أي شخص لسه متعرفين عليه، سواء ست أو راجل، مش اللي فهمته خالص والله. تفهم ما قالت بكل قلب كبير وعقل ناضج، ثم عاد يتناول أطراف الحديث من جديد إلى أن انتهت قهوتهم، فاستأذنت منه برتابة كي لا تشعره بشيء:

ــ إني مضطرة أقوم أمشي دلوك يا دكتور بعد إذنك طبعًا، أنا من الصبح هنا مع سكون وحاسة بالارهاق الشديد وكمان جاية هنا المستشفى من بدري، فمعلش هضطر أمشي.

تعمق بالنظر في مقلتيها كثيرًا مما جعلها هي الأخرى تنظر داخل عينيه، وكأن عيناه بهما سحر يجذبها إلى النظر إليهما والتطلع بهما كثيرًا، وهي تقف كالمسحورة أمامه وبيدها حقيبتها، في لحظات من الصمت وكأنه ألقى بتعويذة النظر إليه في وجهها، مما جعل قدميها لم تقو على الحراك أمامه وداخلها يتخبط كثيرًا، أما هو فلم تكن حالته بأهون من حالتها، فقد كان يشعر بأن أنفاسه ستبدأ تنسحب من ضلوعه بمجرد ابتعادها عنه، ماذا بهما هما الاثنان؟

فهل للعيون متاهة تدخل مبتدئين العشق داخل عالمهما؟ فتحدثت عيناهما بوله في لحظة لم تكن بالحسبان لكليهما: لها هالة من النور والبهاء الذي أضاء قلبي المعتم. هي شمعة مضيئة في ليل كاحل لا أرى فيه سوى عيناها السوداء في حلمي المظلم. حينما وقعت عيناي داخل عينيها ذاب الجليد وانصهر، واشتقت للخوض في بحر عشقها كي أتنعم. فقد لخصت لحظات غرامها في رواية كانت فيها بطلي الأول والأخير، كانت هي شخصيتي المفضلة وبغرامها أصبحت متيم.

تلك الكلمات التي أهداها لها ذلك الفارس بعد أن تقدمت خطوة وفادت من تيهتها، وهي تردد باستئذان: ــ عن إذنك، مضطرة أمشي. تنفس بعمق وهتف لها بنبرة متيمة: ــ في رعاية الله يادكتورة، والمرة الجاية قعدتنا تبقى أطول من كدة.

مر أسبوع كامل على تلك الأحداث، وعمران لم يتخلى عن سكونه ويرعاها بمشاعر زوج عاشق لزوجته المحببة إلى قلبه، مما جعل نفسيتها قد تحسنت، وبالتحديد في ظل تواجد أختيها معها، فقد أتت مكة من سفرها هي الأخرى، وتنعم الفتيات الثلاث بوجودهم في أحضان والداتهم، وحتى لو أنهن كلهن مصابات بالوجع الخاص بها، إلا أنهن يشعرن براحة نفسية اجتاحت أوصالهن بسبب تواجدهن في منزل أبيهم.

ومها هي الأخرى أحبت العمل كثيرًا ووجدت فيه ملاذًا خاصًا ينسيها آلامها المريرة، وكما أن صحبة "منة الله" ومعاملة جاسر الحنونة معها جعلت قدمها تتسابق كل صباح إلى العمل.

أما اليوم فهو يوم الجمعة، وقد قامت منة الله بعزيمتهم في مقهى الأدباء كي تشعر مها بمدى جمال الجلوس فيها والراحة النفسية التي ستجتاحها في الوجود هناك، فهي قد حكت لها كثيرًا عنها. فاستأذنت من والدتها لمقابلة منة، ولم تقل لها أن جاسر سوف يكون معهم، فقد شعرت بالخجل من أن تعلمها تلك النقطة.

ودعت أختيها ببسمتها وحملت مفاتيح سيارتها وغادرت المنزل بطلتها المحتشمة الراقية اللائقة بها، فقد كانت ترتدي فستانًا باللون الأبيض الممتلئ بخطوط الطول من اللون الأزرق، دون أن يتوسطه حزام، فقد اختارته كي تظهر بمظهر كلاسيكي يليق بالمقهى، ويعتلي رأسها حجاب باللون الأزرق بنفس لون خطوط الطول التي تملأ الفستان، وعينيها يزينها الكحل الأسود، وباقي وجهها لم تزينه بشيء قط، فهي تحبذ المحافظة على بشرتها من مستحضرات التجميل. ثم استقلت سيارتها وذهبت إلى المقهى، فهي قد أخذت عنوانها من منة.

وعلى الصعيد الآخر، كان جاسر مرتدياً تيشيرت باللون الأبيض المحبب إلى قلبه وبنطالًا باللون الكحلي، ناثرًا عطره بسخاء، وذهب هو الآخر إلى تلك الجلسة المحببة إلى قلبه. وصلا كلتاهما في نفس الوقت أمام المقهى، مما جعله يبتسم تلقائيًا فور رؤيتها، فخطى إليها مرددًا بصوت مرحب بها: ــ ياهلا بالزين. راق لها تحيته وذوقه في التعامل معها، ثم أجابته ببسمة جعلته ذاب تأثرًا بها: ــ ياهلا والله، متشكرة جدًا لذوقك يا متر.

أشار إليها أن تدلف إلى المقهى قائلًا بترحيب مرة أخرى بنبرة تصاحبها الدعابة: ــ ده العادي بتاعي يا بنتي، بحب أعمل للناس الشيك البرستيج بتاعها اللي يليق بيها، وانت طبعًا برستيجك عالي قوي علشان أكده لازم يتقدر وبالقوي كمان. ضحكت بصوت خافت على طريقته، ثم هتفت بنبرة معترضة قليلًا ويصحبها الدعابة المماثلة: ــ مش للدرجة دي يا متر، إحنا غلابة والله مش زي ما انت فاكر. حرك رأسه للأمام متحدثًا باستنكار:

ــ انت بتخزي العين عنك بقى؟ ما تخافيش يا أم الزين، ما هحسدتكش واصل، إني عيني لازم تشوف الحلوين حلوين ولازم أقول للحلو في وشه يا حلو. شعرت بالخجل من طريقته المخبأة بإعجابه لها، فهي ليست امرأة صغيرة مراهقة وتفهم نظرات الرجال وكلامهم لها ببساطة، ثم عقبت على كلامه: ــ متهيأ لك، في حلوين كتير في الدنيا وحواليك، ما تخليش نظرتك ضيقة ودور واتعب علشان تلاقي اللي يستحق نظرتك.

أشار إليها ناحية المكان الذي سيجلسون فيه، ثم سحب الكرسي لها بذوق عالٍ، راق لها، فهي تشعر أنه يتعامل معها كأنها كقطعة البسكويت الرقيق، وتشعر أنه يراها أيضًا رقيقة هشة، ولم يعرف ماذا فعلت بحياتها جعلها تتهرب من ماضيها بخوف ولم تريد تذكره، ثم رد على كلامها بنبرة تأثرت بالحزن، وكانت منة الله لم تأت بعد، فهو حبذ تأخيرها كثيرًا كي يجد مساحة من الوقت بعيدًا عن العمل كي يتحدث معها:

ــ مانا تعبت قبل كده، فقررت أسيب نفسي لربي يسيرني بمشيئته كيف ما يريد. ثم أبدل نبرته الحزينة حينما تذكر ما مضى إلى أخرى مرحة، فهو لا يريد أن يجعل وقتهم هنا يسحبه الحزن: ــ بس مقلتليش إيه رأيك في المكان هنا؟ محسيتيش بالراحة النفسية أول ما دخلتي؟ نظرت إلى المكان بعينيها منبهرة، فقد أشغلها معه بحديثه وخطـ.ـفها للانجذاب معه، ولم تعبر عن مدى جمال ذاك المكان وهدوئه ورُقيه:

ــ له بجد جميييل قوووي، حاسة فيه براحة وروح حلوة، حاجة مختلفة مشفتهاش قبل كده. ثم تبدلت نبرتها المنبهرة إلى أخرى شاردة فيما مضى: ــ أو كنت هشوفها إزاي ومع مين؟ وجد حاله يسألها وهو يريد الخوض في عالمها أكثر: ــ حاسس إن فيكِ حزن كبير طافي ملامحك ومخليكي شايفة الدنيا ضيقة ومقفلاها على روحك قوي.

تنهدت بأنفاس متسارعة إثر كلماته، فما حدث لها ليس بالهين، وما عاشته دمر حياتها الماضية وعواقبه ستؤثر على حياتها القادمة، ولن يُشفى قلبها بعد، ثم نطقت بشرود: ــ الناس بيحكموا على بعضهم بالمظاهر، يعني يشوفوني مثلًا بلبس وبهتم بنفسي وعندي عربية وبخرج كل يوم بطقم شكل ويفكروا إني نسيت اللي راحوا طالما بخرج وبألبس، ميعرفوش إن الدموع ساكنة العيون مهتمتشيش ولا هتفارق.

ميعرفوش إن ورا اللبس فيه قلب عمره ما هيخف ولا هيشفى من ندوب علمت فيه وخليته مقفول من التعامل مع أي حد. المظاهر خداعة قوي يا متر، عاملة زي ترعة مغطيها الريم من كل مكان، واللي يشوفه يفتكره أرض خضرا ومنظرها جميل وممكن رجله تسوقه يروح يقعد فيها عشان يتنعم بجمال خضارها، وهوب يلاقي نفسه وقع وغرق. كان متمعنًا في كلامها بشدة وشعر بمدى حزنها الشديد وأنها تحمل هموم الجبال فوق رأسها يكاد يخسف بها، ثم هدأها بكلامه الذي أحبته:

ــ متحمليش هم، بعد الصبر جبر، وكلنا وقت أزماتنا بنشوف إننا موجوعين وإن الوجع ملوش مثيل ومهيخفش، لكن ربنا رزقنا نعمة النسيان. نعمة الأهل. نعمة الصحاب. نعمة حب جديد يروح عن قلوبنا، ووقتها بيبقى دي العوض من عند ربنا، ومش بس عوض له، دي الحياة الحقيقية بعد الوجع الكبير.

نظرت له بابتسامة وقد استطاع تبديل حزنها، ثم وصلتها رسالة من منة الله أنها لم تستطيع المجيء نظرًا لمرض والدتها المفاجئ، مما جعل ذاك الجاسر فرحًا لعدم مجيئها، وظل يتحدثون، وقد استطاع جذبها إليه دون مط أو حشو فارغ، وحقًا تلك الجلسة بدلت من حزنها كثيرًا وأحست بأنها امرأة مرغوبة. أحست بوجودها. أحست بأنوثتها التي أضمرت أعوامًا وأعوامًا.

إلى أن استمع كلتاهما إلى الأغنية التي استغلت في المقهى تليق بحالتهما، وكأن صاحب المقهى ساحرًا ليس إلا، مما جعلهم يستمعون إليها بإنصات محبب إلى قلبهم والبسمة مرتسمة على وجههم، فحقا من يراهم يظن أنهم عاشقان، فكانت تلك الغنوة: عم الطبيب جنبي الشمال ده بتجي له شكة من حالي طول الليل بتشكى عرى وكشف شاف الهموم بص بأسف وقال لي قوم ما تروحش يا ابني لطبيب يطبك إنت علاجك حبيب يحبك ما تروحش يا ابني لطبيب يطبك إنت علاجك حبيب يحبك

عم الطبيب جنبي الشمال ده بتجي له شكة من حالي طول الليل بتشكى عرى وكشف شاف الهموم بص بأسف وقال لي قوم ما تروحش يا ابني لطبيب يطبك إنت علاجك حبيب يحبك ما تروحش يا ابني لطبيب يطبك إنت علاجك حبيب يحبك عم العطار إعملي من عندك تحبيشة أحلي بيها مرار العيشة بص وسأل فين يوجعك فرح وزعل مين يسمعك أنا قلت بلوتي في الكتمان قال لي دواها أصحاب جدعان أنا قلت بلوتي في الكتمان قال لي دواها أصحاب جدعان يا لالالي يا لالي يا ليل

آه يا لالالالي يا لالي يا ليل شيخ العرب أديني مدة دايخ مدوخ هات الخلاصة أنا وضعي بوخ قال لي دواك وبلاش تقاطع عند العجيب أبو سر باتع قال لي دواك وبلاش تقاطع عند العجيب أبو سر باتع أنا قلت إيه قال لي يا متعوس كل العلل دواها الفلوس أنا قلت إيه قال لي يا متعوس كل العلل دواها الفلوس يا طول غلبي يا طول توهتي يا آهة جديدة على آهتي دواك لاذذ ونفسي أذوق لكن عازز ومش في السوق

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...