الفصل 43 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثالث والأربعون 43 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
16
كلمة
5,808
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 57%
حجم الخط: 18

وصلت إلى شقته ثم دقت على الباب دقات هادئة وانتظرت حتى فتحت لها سكون الباب والذي ما إن رأتها حتى شعرت الارتياب والخۏف لأول مرة وهوى قلبها بين قدميها ثم أشارت بيديها إليها أن تدلف بلسان يرجف "اتفضلي ياماما الحاجة دي احنا زارنا النور." خطت زينب إلى الداخل بأقدام واثقة ثم ربّتت على ظهر سكون "تعيشي يابت الأصول يامرت الغالي." أشارت إليها سكون أن تجلس بترحاب "ارتاحي هنا يا ماما هتلاقي رجلك ۏجعتك من السلم."

جلست زينب على الأريكة ثم نظرت أمامها وجدت المسلسل التي كانت تشاهده معروضا علي شاشة التلفاز فسألتها وكأنها لم تكن تعرف "ايه ده هو انتي بتتفرجي على متولى وعيلته والله كنت بتفرج عليه تحت." ابتسمت سكون وهي توجه أنظارها لشاشة الهاتف "اه أصل أني بحبه قوووي وبالنسبة لي المسلسل المفضل هو وعبدالغفور البرعي بعشقهم قووي وأكيد إنتي كمان." حركت رأسها للأمام بابتسامة عريضة

"قوووي بحس فيهم ريحة ايام زمان لما كنت عيلة صغيرة بضافير بس وقتها لما كان بيتعرض ليه ذكرى وحشة معاي ابوي خلاني خدت الاعدادية ومرضيش يخليني أكمل." ربّتت سكون على ظهرها بحنو وهي تردد بفخر لها "بس والله ياماما الحاجة عقلك ماشاء الله كبير وحكيمة جدااا وبتوزني الأمور بميزان العقل أحسن من اللي معاهم شهادات وعلام عالي." أحست زينب بالفخر من كلمات سكون ثم شكرتها بامتنان وأن رأيها عنها في ذاك الوقت أتى بموعده

"منحرمش من لسانك الزين يابتي طمنيني عنك كيفك وصحتك عاملة ايه دلوك." تحمحمت سكون من استفسارها عن صحتها ثم أجابتها باختصار "اممم.. زينة الحمد لله." ثم غيرت مجرى الحديث سريعا وانتصبت واقفة وهي تسألها "تحبي تشربي ايه ولا أعمل لك قهوة باللبن معاي." تحدثت زينب بمغزى "هشرب قهوة معاكي بس سكر بسيط علشان البتاع دي اللي اسمه الرجيم اللي هعمله مينفعش معاه سكر كتير."

ارتسمت على شفتاي سكون ابتسامة هادئة ثم رددت بطاعة مصاحبة للدعابة "عاش ياحاجة زينب عندك إرادة قمرر هدخل اعملها بقى بسرعة وجيالك."

دلفت سكون إلى المطبخ بينما تابعت هي المسلسل بتيهة وهي تفرك مكانها ولا تعرف كيف تبدأ معها في الحديث. جال عقلها كثيرا وكثيرا وكل الطرق تؤدي إلى الطريق المباشر في الاستفسار. ظلت الأفكار والسيناريوهات تتهافت على مخيلتها حتى أرهقتها ولكن صممت على أن تطمئن على ولدها فداخلها يتآكل يرتعب عليه ولم يشعر أحد بتآكلها بالتأكيد هي مؤمنة بإرادة الله ولكن رب العباد بذاته وهبنا من الحلول كثيرا فماذا عن عدله أن ننكره!

ماذا عن عطاؤه لعباده في حل معضلاتهم أن نرميها عرض ظهورنا ولم نضعها كحل منصف يرضي نفوسنا جميعا!

أما عند سكون في المطبخ كانت تقف بأقدام واهية تكاد تكون كهلام على الأرض من شدة خوفها من استفسار زينب فقد قرأت بعينيها الإصرار ومن نبرتها التغير ومن كلامها أنها ستستفرد بها الآن ويبدو أن معركتها معها أشد من معركة صلاح الدين الأيوبي قاهر الصلبيين بذاتها معركة حياتها عشقها الوحيد غرامها المتيمة به لا هي قادرة على الفراق ولا قادرة على أن تشاركها فيه غيرها.

نظرت إلى السماء وهي تقلب الإناء الموضوع على النار بعقل غائب عنه وهي تناجي ربها بقلب يئن ألمًا ورهبة شديدة "قل لي ربي ماذا أنا بفاعلة بأمري مالي بغيرك راجية وأتمنى الحصاد بعد سنوات العجاف. ما لي غيرك أشكو وأدعوا وأطلب وأبتهل في دعائي كي تجبرني فانا غير قادرة على الفراق. فاللهم يا مسهل الشديد ويا ملين الحديد ويا منجز الوعيد ويا من هو كل يوم في أمر جديد أخرجني من حلق الضيق إلى أوسع الطريق فبك أدفع ما لا أطيق."

تلك الابتهالات التي نادت بها ربها المنصف لها دائما ولم يتركها فدوما يرعاها ولم تيأس أبدا. فاقت من شرودها على صوت قدح القهوة فحملت الإناء سريعا قبل أن يفسد صنعها وصبته في الأكواب المخصصة له وقبل أن تخرج أمسكت بالوعاء الذي يحمل الأكواب بإحدى يديها ثم وضعت يدها الأخرى على صدرها في حركة عفوية منها تحاول بها تهدئة صدرها المولع بالخۏف من هدم أمانها.

استطاعت بقدر الإمكان كبت خوفها داخلها ثم خطت بساقيها المرتعشتين إلى الخارج حتى وصلت إليها وهي جاهدة في رسم البسمة على شفاها. ناولتها الكوب بتأدب مصاحب للذوق الرفيع التي تربت عليه ويليق بخلقها. "اتفضلي ياماما دوقي عمايل ايديا هتعجبك قووي وهتظبط لك دماغك." تناولت الكوب منها ثم ارتشفت منه بتلذذ لصنيعها وشكرتها بامتنان. "تسلم عمايل يدك يابتي زينة ومظبوطة زي ما قال الكتاب." واسترسلت حديثها وهي تتحدث عن رحمة ابنتها بسخرية

"مش شكل اللي كانت رحمة اللي تنزغد عاملاها لي من يومين كانت شبه وشها العكر." ضحكت سكون بشدة على طريقة زينب في الحديث عن رحمة ثم هتفت بتبرير بعدما هدأت من ضحكاتها "طب والله لو زي وشها بحق توبقى قمرررر يا أم عمران داي رحمة اللهم بارك حلوة وكيف البدر."

استطاعت زينب إخراج سكون من حالة الړعب التي قرأتها في عينيها من أول وهلة طلت عليها منذ دقائق وهذا ما كانت تسعى إليه فهي تتميز بالحنكة والدهاء وتعرف كيف تغزل خيوط الحديث بذكاء كي لا يفتل منها ثم أكملت طريقتها الدعابية. "والله انتوا هتاخدوا في البت داي مقلب واللي هتتجوزوا كمان يومين دي هيشيل هم تقييل وبدل ما تعمله الزين كلاته هتوكله وتشربه عجن دي ان عرفت تعمل العجن كماني مش المحروق والشايط."

لم تستطع سكون كتم ضحكاتها وهي تنظر إلى طريقة زينب الفكاهية في التعبير ثم تحدثت من بين ضحكاتها "متهيألك البنت مننا بتدلع في بيت أبوها ووقت ما تروح على بيت جوزها بتطلع أحسن ما عندها علشان تبسط جوزها وتريحه على الآخر ورحمة مهتلاقيش زييها زينة البنات واصل ياماما الحاجة." إلى هنا واكتفت زينب بالفكاهة وأمسكت طرف الخيط من كلمات سكون ورددت بوجه حزين والحزن صادق بالفعل

"بس أني نفسي ابني هو كمان ينبسط ياسكون يابتي وأشوف الفرحة في عيونه بدل الحزن اللي طافي ملامحه وروحه اللي هشوفها كاتمة الفرحة جواها طوالي." انقشعت أخيرا غمامة الصبر تجاه زينب وبدت أولى تفجيرات كتمانها لما تشعر به لسكون التي شعرت وكأن دلوا من الماء البارد سكب على وجهها في يوم بارد شديد البرودة في عز وقت الصقيع. ثم ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة لتقول باستفسار واهية كشعورها الآن

"طب وايه اللي هيطفي فرحة عمران يا ماما اللي هتشوفيها وحدك داي." "كانك معرفاش ياداكتورة ولا هتعملي حالك مش واخدة بالك! تلك الكلمات التي نطقتها زينب على رأس هذه السكون دون مراعاة لما تشعر به هي الأخرى ولكن هذا ابنها قرة عينيها وما على الأم في خوفها على وليدها ملام. تحمحمت سكون وهي تفرك في يدها بتوتر بالغ وهي تأتي بآخر زينب "اممم.. ممكن أفهم تقصدي ايه ياماما الحاجة خلينا نتكلم واضح علشان اني مليش في الكلام الملفلف."

أجابتها زينب صريحة وقد فاض الكيل بها "يعني هتعملوا ايه في حوار حبلك يابتي اللي طال وقته بالقووي وعمران ابني سنه مبقاش صغير واني بصراحة اكده أم قلبها م ۏلع على ابنها والوحيد كماني حسوا بيا ياناس." ما إن قالتها صريحة حتى انهمرت الدموع من وجنتاي سكون غزيرة على وجهها من چرح قلبها ومشاعرها.

أتعجب عندما أرى الكثير من الأشخاص يتحدثون عن الحب ولكنهم في الحقيقة هم أكثر الأشخاص الذين قاموا پتمزيق الكثير من المشاعر في قلوب غيرهم وكانوا سبب في ألم نفسي لا يمكن علاجه. فأخطر أنواع الچروح هي چروح المشاعر تلك الچروح التي لا يشعر بها سوى صاحبها تلك الچروح التي لا يقدر أحد أن يداويها بداخل الشخص فقط يكفيه الأنين عند الشعور بها.

فالمشاعر مثل ثوب الحرير أي قطع بسيط به لا يمكن علاجه وفي حالة النجاح في علاجه سوف يترك أثر قوي لا يمكن إخفائه.

المشاعر هي الخيط الرفيع الذي يحافظ على النفس البشرية ففي حالة انقطاعه سوف تنساب النفس البشرية على الأرض ولن تقوم مرة أخرى وجرحها مثل الچرح المخفي تحت سرج الحصان لا يشعر به أحد سوى الحصان ولا يكتفي سوى بالأنين في صمت. والآن سكون أصبحت قاب قوسين أو أدنى بين نيران عشقها لزوجها ورفيق دربها وبين نيران زينب ولهفتها على حفيد. فتلك اللهفة تأكدت منها الآن لهفة واحتياج وشوق تضاهيهم قوة لن تقدر عليها تلك المسكينة. ثم رددت بصوت خفيض وهي تومئ برأسها بالأسفل.

و BMW هذا الارتباط بين سعر الصرف وسوق السيارات يحدد قدرة المستهلكين على اقتناء المركبات. طب وأني ذنبي ايه في قدر ربنا وتدابيره. وأكملت وهي تشهق بشدة تنفطر لها القلوب. يعلم ربنا أني عملت اللي عليا بدل المرة عشرة وحاولت كتير إني أخلي عمران يخليني أمشي لكن مرضيش أبدا، وأخر حاجة عرضت حياتي للخطر علشان أفرحكم كلكم، لكن ما باليد حيلة ربنا لسه ما أرادش.

ما إن رأت زينب دمعاتها حتى جذبتها إلى أحضانها على الفور وهي تنفي على الفور ما قالت وتحاول تهدئتها بقلب حاني صادق. له بعد الشر يابتي، طلاق إيه، كفى الله الهم والغم وخرب البيوت دي، ربنا يخليكي لجوزك وميحرمكوش من بعض أبدا. اتسعت مقلتاي سكون بذهول من كلمات زينب، ثم خرجت من أحضانها وتبدلت معالم حزنها إلى نظرات أمل رحمة من الله، ثم تحدثت بلهفة وبعيني آملة برجاء الله. بجد ياماما! يعني انت مش عايزاني أسيب عمران؟

حركت زينب رأسها برفض وهتفت بنفي قاطع. مين قال سيبان وفراق وبعاد يابتي، أني حبيتك ودخلتي قلبي ومتخيلش البيت ده من غيرك، واعتبرتك كيف حبيبة ورحمة، وربنا يبارك فيكي لجوزك.

كانت معالم الفرحة والسعادة بادية على سكون وكأن اليوم يوم عيدها، وشعرت بأن هم الجبال انزاح من فوق رأسها مع دقات قلبها التي أعلنت الطبول مما استمعت إليه من زينب، ولكن لم تكتمل فرحتها حيث أكملت زينب بما جعل دقات قلبها الفرحة تبدلت في لمح البصر، بل في رمشة عين، بل شعرت بأن أحدهم رماها من أعلى التلال، والآن نظرتها واستماعها لها ماهو إلا حلاوة روح.

في حل تاني يرضينا كلنا يا دكتورة محللة، ربنا يعني عمران أشوف له عروسة بنت ناس غلابة ويتيمة يتجوزها، بس انت مفيش غيرك في قلبي وفي قلبه، معايزاكيش تردي عليا دلوقتي، وطلب كماني متقوليش لعمران حاجة علشان فرح أخته كمان يومين ومش عايزاه ينشغل عنها، لو كنتي هتحبيني أمانة عليكي متجيبيش له سيرة واصل، وموضوع الجواز ده فكري فيه على راحتك وشوفي الموضوع من جميع أبعاده وانت هتلاقي إن دي أنسب حل.

واسترسلت حديثها وهي تربت على ظهرها بحنو صادق وكأنها لم تقل شيئًا يضاهي الموت بالحياة لتلك السكون كي تكسب تعاطفها وتجعل الموضوع هينا لينا عليها، وقد انذرفت دموعها الصادقة أيضًا من عينيها.

انت متعرفيش أني بطلب منك الطلب ده كيف، يعلم ربي إنك كيف بناتي وإني مهتمناش لواحدة فيهم اللي انت فيه، وإنك غالية على قلبي، بس دي ولدي الوحيد ابن عمري، عشت طول حياتي أربيه وأكبره، ولما شد عوده اتمنيت له إنه يلاقي بت الحلال اللي غلبني ليالي جرت سنين طويلة على ما لقاكي ياسكون، ولما ربنا جبر بخاطري واتجوزك كنت هعد الأيام والليالي علشان أشيل عوضه على يدي وأخده بين أحضاني وأقعد أشم ريحة عمران فيه، أصلك متعرفيش أنا بنيت

لحفيدي من يوم ما عمران ماتجوزك بيت في قلبي كبيييييير قوي قوي، اتخيلته هياجي الدنيا وأشيله معاكي ليل نهار لحد مايتعلم يحبي، وأول ما يشوفني يجري علي أقوم فاتحة له دراعاتي على وسعهم وأضم عليه وأدفيه، واتخيلته وهو هينادم علي ويقولي ياستي أني هحبك قوي ويبوسني من خدي علشان يطلب مني حاجة، معايزينش تجيبوها له، وطلبها مني أني اتخيلته هياجي غضبان منك انتي وأبوه ليالي كتيرة ويختار حضني أنا علشان يرتمي فيه ويتمسح فيا ويقول لي

هنام جارك ياستي وههمل بوي وأمي، حاجات كتيرة قوي استنيتها سنين من قبل ماعمران يعرفك أصلا، بس كلها اتبخرت أول ماعرفت اللي بيكي وخبتيه عني وزعلت قوي إنك مقلتليش من الأول علشان أجري معاكي وأساعدك وأدور معاكي، استنيتك سنتين ودخلنا في التالتة وقربت تنتهي ومعرفش اللي بيكي إلا صدفة.

كانتا كلتاهما تبكي بغزارة في أحضان بعضهم وتشهقان بحزن شديد وكل منهم لسببه المختلف كليًا والمضاد للآخر. لكنها إرادة الله يعطي من يشاء وقتما يشاء وكيفما شاء، إرادة الله التي يعجز البشر عن تحديها، ولكن سبحانه وتعالى أحن على عباده، وعندما ينزل البلاء ينزل معه رحمته كي تكون بردا وسلاما على قلب المبتلى، ظلتا تبكيان حتى أخرجتها زينب من أحضانها ونطقت بأسف حقيقي وهي تنظر داخل عينيها الداميتين.

حقك عليا يابتي، حقك علي عيني وراسي وقلبي. ثم أمسكت يدها وحاولت تقبيلها كنوع من التعاطف والتأثير عليها، ولكن سكون استنكرت فعلتها تلك وسحبت يدها لتقول زينب. أبوس يدك يابتي ماتزعلي من طلبي ولا كلامي اللي أكيد وجعك، ومتفارقيش ولدي علشان عارفة إنك روحه وحياته كلها، ولو فارقتي وسيبتيه روحه هتروح وراكي، ومهما عملت مش هيرتاح، أني عارفة إن طلبي صعب قوي عليكي.

بس أني هوعدك إنك والله لا هتفضلي ست دارك ومالية مقدارك، ومهخلكيش تحسي بأن فيه حاجة غريبة خالص، ولا هخليها تعمل شغل الضراير دي وياكي، وهخليها طوع أمرك كماني، بس انت وافقي وريحي قلبي. حاولت سكون ظبط أنفاسها المكتومة من أثر البكاء الشديد، وعقلها مازال لم يستوعب ما سمعته أذناها من زينب، لقد رمتها وسط حريق مشتعل وتطلب منها أن تتحمل لهيبه لأجل العامل المشترك الأكبر والأهم، بل وكل المهم عمران.

يا الله عمراني، لقد أهلكت سكونك وذبلت واقتحم حياتها العذاب النفسي والجسدي والمرئي والمسموع وكل أنواع العذاب. لاحظت زينب تخبطها وصدمتها فقامت من مكانها وهي تسحب منديلا ورقيا تجفف به عبراتها كي تتركها تنفرد بحالها وبعد ذاك يحلها رب العباد، وهي تملس يدها على خصلات شعرها. هسيبك دلوقتي يابتي بزيادة كده عاد بكا وهوني على حالك كيف ما أني ههون على حالي وأصبرها أيام وليالي، وأني وانت على مركب قهر واحدة مش انت لحالك.

ثم قبلتها من رأسها بحنان أم صادق وكأنها لم تقل شيئًا وكأنها لم تعبث هناء السكون وعمران. فور أن خرجت ارتمت جرت سكون على غرفتها تبكي وتشهق بشدة حتى غفت وأجبرت حالها على النوم كي لا يرى عمران وجهها، فهي طلب منها الأنين بصمت، وما أدراكم ما صوت الأنين المكتوم.

كان عمران في ذاك التوقيت جالسًا مع صديقه محمد وقد قص عليه كل شيء منذ أن حدث وعلم ما به زوجته، فهو نعم الصديق الصدوق الخلوق الذي دوما يبدي له نصائحه، ثم عرض عليه بعد تفكير في معضلته تلك. طب عندي راي تاني ليك يحل لك مشكلتك ويبعد عنك المشاكل خالص انت ومرتك، أو على الأقل ما تبقاش عايش فيها ليل نهار. و BMW هذا الارتباط بين سعر الصرف وسوق السيارات يحدد قدرة المستهلكين على اقتناء المركبات. تلهف عمران بنظرة راجية ثم

سأله بعينين تملؤهما الشغف: "طب قول الله يرضى عنك يا صاحبي، حكم إني حياتي اتمررت على الآخر ما بين سكون وأمي." ربت محمد على فخذه ناطقًا بتشجيع: "معلش، كل البيوت على حالك، أكده مرت الابن وحماتها دايمًا. حتى إنت كمان أهون من غيرك، يا عمران، على الأقل مراتك عاقلة وأمك مش من نوع الحموات اللي هيخربوا على ولادهم عشان ينفذوا اللي في دماغهم. ولولا ظروف الدكتورة الخاصة ما كانش حصل مشاكل خالص، بس ادي الله وادي حكمته."

واسترسل حديثه وهو يعرض عليه الحل كي يجعله يهدأ ويطمئن، وهو يرى اللهفة تشع من عينيه:

"إنت كنت في الأول ناوي تتجوز في بيت بعيد عن أمك وأبوك، اللي إنت جهزته من البداية. خد مراتك وعيشوا في البيت دي لحالكم، وبالطريقة دي مش هيحصل احتكاك كتير ما بينك وما بين مراتك والدتك، إلا في أضيق الحدود. وهي هتحس إنها هتعرف تطلع وتنزل وتتحرك وتخرج عشان مش حاسة إنها مراقبة 24 ساعة. وبرضه إنت هتبقى جار أمك وأبوك، والسبب اللي خلاك أصلًا ما تهملهمش كان وجود مرات أبوك الله يجحمها مطرح ما راحت، والحمد لله السبب زال. ف ليه ما تاخدش مراتك وتبعدوا عن المشاكل عشان تقدروا تعيشوا وتقدر تتعالج، لأن نص العلاج على النفسية. إني دكتور وعارف إن النفس بتأثر جدًا في تقدم أي علاج."

لمعت عينا عمران ببصيص من الأمل، ولكن أصابه الإحباط مرة أخرى عندما تذكر رد فعل والدته، ثم سأله بنبرة غير مطمئنة: "طب فكرك لو عملت أكده أمي مش هتزعل ولا هتقلبها مناحة بعد ما جربت إننا قعدنا معاها؟

وكمان هتقول إن بسبب الموضوع ده ابعد عنها، وإنت ما تعرفش أمي واصل. بعد ما عرفت سبب تأخير سكون في الحمل، عمرها ما هتخليني أهمل البيت وهدخل في متاهات تانية خالص. وكمان رحمة هتتجوز، مش هيبقى فيه غيرها في البيت هي وأبويا. الموضوع صعب قوي مش زي ما إنت متخيل." أجابه صديقه بنبرة قوية تشجيعية على ذاك الحل المناسب من وجهة نظره للجميع:

"شوف يا عمران، لما يبقى مشاكل هينة شوية هتقدر تتحكم فيها، لأن الحوارات موجودة أكده أكده على طول، فمش هتفرق وانت موجود في البيت من وانت بعيد. بل بالعكس، وانت بعيد شوية مراتك مش هتسمع حاجة ولا هتشوف ملامات ولا نظرات ولا همسات ولا أي حاجة من الحوارات دي. انت بس اللي هتبقى في وش المدفع، فتتحمل عنها. وكمان الزعلان مسيره هيروق، وأمك عمرها ما هتفضل مخاصماك ولا واخدة جنب منك كتير، مسيرها هترضى بالأمر الواقع، خاصة لو كان ده حقك ما فيهوش عقوق منك ليهم، لما هتلاقيك هتبرهم على طول."

"فكر في الحل ده هتلاقيه مناسب جدًا صدقني، وما فيش حل غيره." تنهد عمران بضيق، فكل الطرق تؤدي إلى المشاكل، ولكن ما قاله صديقه الآن أهون من أن يرى سكون تغير والدته معها وكلامها، ووجد أنه سيبدأ تنفيذ هذا الحل بعد زفاف أخته، فلا يوجد أمامه سوى الفرار هو وزوجته في منزل منعزل عن والدته ووالده، كي تأمن حياتهم ويستطيع البحث والخوض في تجربة علاجها بنفس مطمئنة آمنة، ثم هز رأسه للأمام باقتناع:

"مقداميش حل غير إني أوافق وأعمل أكده. إني فكرت في الحل ده كتير، وكل مرة يصعب عليا إني أهمل أمي وأبويا في السن دي يعيشوا لوحدهم من غير أنيس ولا ونيس. كفاية إني هطلع وهنزل عليهم في اليوم كتير، بس خلاص ما بقاش ينفع. الموضوع بقى معقد جدًا، وربنا يستر من اللي الحاجة زينب هتعمله عشان مش هتمرر الموضوع ده مرور الكرام أبدًا. بس على رأيك، حبة زعل مع حبة مراضية مني ليها وهتتعود بعد كده. الله المستعان يا صاحبي."

تبسم محمد في وجهه ابتسامة أمل كي يجعله ينسى الهموم وهو يردد بطريقة دعابية جعلت عمران هو الآخر يبتسم: "كنا زمان مش عارفين هنجوزك كيف، ودلوقتي مش عارفين هنخليك تخلف كيف." "تكونش وجدت عملتها وهي في السجن المزغوطة على قلبها، ولا قبل ما تخش السجن؟ ولا إيه؟ حاكم البت دي سرها باتع، ربنا يولع فيها البعيدة." ضحك عمران بفتور على دعابته ثم هتف:

"يا شيخ افتكر لنا حاجة عدلة بدل سيرة البت اللي هتغم من نفسي دي، كانت قرفاني في عيشتي وخنقاني طول الوقت. الله لا يخليها تكسب ولا تربح أبدًا." ضحكا كلتاهما وظلا يتحدثان في عدة أمور، ومحمد يحاول التخفيف عنه بطريقته الدعابية كي ينسى الهموم، وتنتهي جلستهم ويذهب لزوجته بحال أفضل مما أتى إليه به كي يهون عليه، ولكن ماذا حدث أيها العمران؟ ويبدو أن الصراعات ستظل خليفتك في كل خطوة تخطوها.

عاد عمران إلى المنزل متأخرًا بعدما جلس مع صديقه كثيرًا وكثيرًا، فهو يريحه بشدة وييسط له الأمور. نظر حوله كي يجد والدته ويلقي عليها تحية المساء ويطمئن عليها، ولكن لم يجدها، ويبدو أنها دخلت إلى غرفتها كي تنام، فصعد سريعًا إلى سكونه، فهو تأخر عليها اليوم في جلسته مع صديقه كثيرًا وهو ليس معتادًا على ذلك.

دخل الشقة لم يجدها في الصالة، ثم دلف إلى غرفتهم وبحث عنها بعينيه، وجدها على سجادة الصلاة تؤدي قيام الليل التي اعتادت عليه كل ليلة. انتظرها حتى تنتهي من صلاتها، وقد أبْدل ملابسه وارتدى ملابس قطنية مريحة. أنهت سكون صلاتها، ثم نظرت إليه بابتسامة عذبة لتقول له بترحاب نال إعجابه: "حمد لله على السلامة يا سي عمران، يا اللي فت مراتك عشان تسهر بره مع أصحابك لنص الليل، وباين أكده ابتديناها بدري."

جذبها من يدها بعدما خلعت إسدال الصلاة حتى ارتطمت بعظام صدره القوية ليقول بنبرة يملؤها العشق: "وماله لما أتدلع على حبيبي عشان أشوف غلاوتي عنده، وأشوف هيسهر الليل يستنى جوزه لما يرجع من برة، وأشوف الشوق في عيونه كمان." ثم احتضن خصرها بتملك مكملًا بعشق وهو ينظر لها برغبة ويغمز بكلتا عينيه بشقاوة: "وجيت لقيت حبيبي سهران مستنيني، وعايز حضن حبيبه ومتلهف كمان، ولا إني بيتهيألي يا سكوني؟

حاولت جاهدة رسم البسمة على شفتيها والتعمق معه في الحديث كي لا يشعر بشيء أبدًا مما حدث بينها وبين والدته، ثم حركت رأسها للأمام بدلال اصطنعته بأعجوبة: "أها طبعًا يا بابا، أمال هسيبك تسهر برة وتيجي تلاقيني نايمة، فتتعود على أكده. أما لما ترجع تلاقيني صاحية ومفنجلة عنيا، مش هتطول في القعدة بعد كده، ولا إيه." ردد بحنو بالغ وهو يتعمق بالنظر في ملامحها الذي يبدو عليها معالم الحزن، ولكنه لم يستطع قراءتها بالكامل:

"طب رني عليا بس وقولي لي اتوحشتك يا عمراني، تعالى دلوقت، وأني لما أصدق، هركب لك جناح الشوق وأطير لعندك يا سكوني، بس انتي معملتيهاش." ضحكت بهدوء ثم مدت شفتيها للأمام بطريقة أثارته: "أه وترجع تقول ده، عملت زي الستات النكدية وتقول لي بتتصلي بيا وبتقوميني من مع صاحبي وحوار كبير سمعته قبل كده من ياجي 20 ممرضة معاي في المستشفى." "وهو إنت سمعتي حوارات الراجل الصعيدي المصري وحرمته دي كتير قبل كده يا سكوني؟ حركت رأسها للأمام

بموافقة بابتسامة بشوش: "يوووه كتير قوي يا عمران، وعندي خزائن كده من حوارات المشاكل الزوجية اللي مبتنتهيش، وفيه حاجات كتير بفتكرها وأقعد أضحك عليها قوي." ضحك هو الآخر على طريقتها ثم تحدث من بين ضحكاته مرددًا بثناء: "يسلم لي حبيبي العاقل الرزين الراسي اللي بيتعلم من مشاكل غيره." ثم استرسل حديثه وهو يغمز لها مرة أخرى بسؤال عابث: "طب كانوا هيحكوا لك المشاكل والنكد بس، مكانوش هيحكوا لك حاجة تانية أصلًا."

سألته بنبرة بريئة: "حاجة إيه دي اللي هيحكوا لي عليها؟ مفهماش تقصد إيه." رفع حاجبه الأيسر باستنكار: "دي إنت طلعتي طوب وطينة خالص يا سكوني، يعني مسمعتيش قبل كده إن الواحدة فيهم اللي سهرانة هتستنى جوزها بتبقى مستنياه بلهفة ولابسة له حاجة من اللي تجيب من الآخر له، وكمان تشغل عمنا الحكمدار عبد الباسط وتروق عليه ليلته وتنسيه الدنيا واللي فيها." رفعت شفتيها الأعلى باستنكار لما قال ثم هتفت:

"آآآه قول كده بقى إنك هترسم لحوار كبير وليلة طويلة، وإني مفيش ليا في الحكمدار ولا لغيره." اصطنع الحزن على معالم وجهه من اعتراضها ثم أقسم عليها: "طب يمين بعظيم يا سكون، لأه تقومي دلوقت وتنصبي النصبة وتبتدي الوصلة، أنا صاحب مزاج وعايز أتكيف." استنكرت كلماته التي استخدمها في التعبير: "أنصب النصبة وأبتدي الوصلة! كأنك هتتكلم مع الغازية اللي هتهز في القهوة، مش مراتك يا عمران." جذبها إليه عنوة فارتطمت بعظام صدره القوية:

"أه انت كيف الغوازي مش هزيتي قلبي أول ماشفتك، وأطلع لك ياحبيبي يالا روّقي الجو ولطفي القعدة أكده، خلي السهرة تحلو والقلب ينتعش والجسم برضه." أنهى كلماته بغمزة جريئة، وما زالت دقات قلبها تدق الطبول عند اقترابه، رغم أنهم متزوجون منذ عمر طويل إلا أنه يستطيع بكلامه سرقة قلبها، ثم هتفت وهي تحتضن وجنتيه: "ياه لو تعرف هحبك كده إيه يا عمران، وبرضه مش هتقدر توصل لمدى حبي وعشقي ليك." "هتحبيني إزاي وكيف وكده إيه يا سكوني؟

احكي لي، نفسي أسمع." "بحبك بجميع المشاعر اللي بحملها، وكأني جيت الحياة عشان أغرق بيك في بحر هواك، وأغرق منك في كلامك الجميل." "إني هحبك بمرك وحلوك، بقليلك وكثيرك، بكل ما فيك، والله هحبك يا اللي غيرت لي حياتي، يا اللي بقربك راضي قلبي ولاقيه نفسي. هحبك لو مالي على وصلك غير الحيلة، وهحبك لو تبطي بيك الأيام عني."

"حبيبي متستغربش من جنوني في حبك، أنا مجنونة لأني هحبك بجد يا عمران، وهعشق ريحتك ونفسك وكل حاجة حلوة في حياتي، هو انت." أنهت وصفها ثم أدمعت عينيها بشدة من روحها المهلكة لما هو قادم ومن كلمات زينب وحوارهم، ولا تعرف كيف القادم سيكون وكيف ستتحمل.

في المشفى، كانت فريدة تجلس في حديقتها تشتم بعض الهواء بعد أن أنهت الفحوصات المكلفة بها. ثم جالت سكون بخاطرها وتذكرت أمر ذاك الطبيب. فقامت بفتح تطبيق جوجل وبحثت عن اسمه. فمجرد أن كتبت الاسم، حتى وجدته يغمر الموقع. فدخلت على إحدى الصفحات الخاصة بذاك الطبيب ووجدت عدد لا بأس به من العمليات التي أجراها. كما فتحت بعد ذلك على صفحته الخاصة على تطبيق الفيسبوك ووجدت نفس الإشادات الإيجابية من كثيرين ممن أجروا معه تلك العمليات

الجراحية والحقن المجهري. فشعرت بأن الأمل يطوف أمامها وقررت أن تفاتح سكون في ذاك الموضوع بعد زفاف رحمة. ولابد عليها أن تشكر ذاك الفارس لأنه عرض عليها ذاك الأمر. وعلى سيرته وجدت هاتفها يعلن عن مكالمة، وإذا به يتصل بها. ثم أجابت بصوت هادئ.

"السلام عليكم ورحمة الله." تحدث هو الآخر عندما سمع سلامها بنبرة دعابية. "ده إيه السلام الجميل المريح اللي كأن الواحد خارج من الجامع ده يا فوفا. مفيش hello يا بيبي. وحشتني. مجيتش المستشفى النهاردة ليه؟ "تطمني عليا وتسألي عني. قد كده وجودي من عدمه مش فارق معاكي. أنا زعلان منك خالص يا فوفا."

توت شفتيها بامتعاض ما إن سمعته يناديها بـ "فوفا". فهتفت على الفور بنفس نبرته كي تزين له أنها على خطاه، كي يبدي لها ما وراءه من شخصيته الغير مفهومة. "معلش يا بيبي، أصل النهاردة المستشفى زحمة قوي وفي حالياً طوارئ كتير. فما كنتش مالكة نفسي خالص إني أكلمك، لكن أنت حقك تزعل. I am so sorry Fares." حرك الكأس بين يديه بهوجاء وقد أعجبه ردها، ثم أمرها.

"طب بقول لك إيه، أنا زهقان وعايز حد أتكلم معاه ومليش نفس أخرج من البيت. ما تيجي كده نقعد مع بعض شوية ندردش وبالمرة نشرب كاسين سوا." اتسعت مقلتيها بذهول من طلبه، فهو يطلب منها أن تأتي إلى منزله، والأدهى يدعوها أن تتناول معه. ذاك الحساء المسكر، ويبدو أنه قد ذهب عقله بالفعل. ولكن حاولت تهدئة حالها قبل أن ترد عليه، ثم فكرت سريعاً وأخبرته بأي حجة.

"له ما ينفعش، أهمل المستشفى، واصل فيه عملية كمان ساعة بيتجهز لها والدكتور بلغني إني هكون موجودة فيها. معلش مرة تانية بقى." تأفأف بامتعاض من حجتها. "أوووف بقى إيه الرخامة دي يا فوفا. ماشي روحي للعملية بتاعتك."

ثم أغلق معها الهاتف وتناول حساءه بملل. فهو كان يريدها في جلسته تلك كي يتحدث معها. فحديثها يشعره بالراحة. ثم ألقى الكوب من يده وقرر أن يدلف إلى الحمام كي يتنعم بحمام بارد. وبالفعل توجه إلى كبينة الاستحمام ومكث ما يقرب من نصف ساعة. ثم خرج وارتدى ملابسه وقرر الذهاب إلى المشفى. فهو يشعر بالاكتئاب دون سبب. فساقته قدماه إلى هناك كي ينعم قلبه برؤيتها، وكأنه أعطاه هذا الأمر أن يذهب إليه.

قبل أن يصل إلى المشفى، وجدها ذاهبة إلى سيارتها. فاندهش وهو ينظر في ساعته كي يرى موعد العملية انتهى أم ماذا. ولكن وجد أن موعدها الآن كما قالت له. واستشف خداعها له. فتحرك بسيارته حتى وقف أمامها بعرضه، مشيراً إليها بإصبعه أن تدلف إلى السيارة. مما أرعبها بشدة. فلم تكن تتوقع مجيئه، خاصة أنها استشفت في صوته السكر.

أما هي تنهدت بعدم راحة، ثم ذهبت إليه قبل أن يفعل أفعالاً جنونية تثير الانتباه إليهم. وخاصة أنه لم يكن في وعيه. صعدت السيارة بجانبه. ولكنه فور استقرارها تحرك بالسيارة بسرعة هوجاء، مما أرعبها وجعلها تستنكر فعلته تلك وهدرت به. "انت مجنون! سوق بالراحة وأنت رايح فين أصلاً. إزاي تتحرك بالعربية من غير ما تقول لي." "ممكن تقف لو سمحت وتنزلني. أنت شكلك سكران."

ما زال على سرعته التي جعلت الخوف يجري بجسدها مجرى الدم في العروق. مما جعلها تمسكت بباب السيارة المغلق بإحكام. ولكنها لم تستطع التحكم به، فلجأت إلى حزام الأمان. وسمعته يهدر بها. "مطلعتيش سهلة ولا قطة مغمضة زي ما كنت فاكرك يا دكتورة! طب قولي لي إنك مش عايزة تيجي مش تخترعي حوارات مشتريهاش بمليم. عيب عليكي ده إنتي مع البابا اللي بيفهمها وهي طايرة يا فوفا."

ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة من كشفه لها. فذاك الداهي لم يخفِ عليه حجتها. ثم تمتمت بنبرة خافتة وهي تحكي سبباً آخر غير مقنع له. "اممم… أصل إني كنت تعبانة وحاسة بدوخة رهيبة ومش قادرة أتحرك. شكلي داخلة على دور برد. فقلت لك أي سبب جه على بالي علشان مقلقكش علي." رفع حاجبه الأيسر والأيمن بعدم تصديق لما قالته. ثم توقف بسيارته ووضع يده على جبينها بحركة مفاجئة وهو يهتف بنبرة عابثة.

"تعبانة قلتي لي. استنى كده لما أشوفك سخنة ولا لا." ثم مرر يده على جبينها ووجنتيها بطريقة جعلت جسدها يتفتت خجلاً وخوفاً معاً من حركاته المفاجئة لها. ثم حاولت نزع يده برفق ناهية إياه. "ممكن تشيل يدك وممنوع اللمس والاقتراب. أنت متفق معايا على كده. ما تخلفش وعدك وياي." ما زال يتحدث بنفس نبرته العابسة. "الله مش بشوفك يمكن دافية ولا حاجة. على حسب مهنتي كطبيب مش كمغرم يا فوفا." يا الله ماذا تفعل هي الآن!

أتتجاوب معه وتترك لمشاعرها أن تنخرط لكلماته المعسولة، أم تقف كصد منيع أمام قلبها وإحساسها تمنعهم أن ينجرفوا وراء ذاك الماكر العابس بقلبها وكأنها لعبة بين يديه. ثم سألته بنبرة متعجبة. "مغرم! يعني إيه بقى يا دكتور." "قولي لي يا فارس بلاش دكتور يا فوفا… جملة راجية طلبها منها ذاك الفارس بمشاكسة. ثم غمز لها بكلتا عينيه متسائلاً إياها وما زال على نفس مكره.

"الا قولي لي يا فوفا هو شعرك الأحمر الناري ده وراثة ولا أنت كده طالعة زي حوريات البحر تجنني يا بيبي." نفخت بضيق ثم عنفته بنبرة حادة بعض الشيء. "يادي شعري الأحمر الناري اللي موريكش غيره. هو باين عليا هصبه أسود مهبب علشان تستريح وتبطل تجيب سيرته تاني."

"طب اعمليها كده وأنا هوريكي. قلبتي على حق. حذاري ثم حذاري تلعبي في لونه ولا تيجي ناحيته. لون شعرك نفس لون شعر عبير وأنا حبيته عليكي زي ما كنت بحبه على عبير. سيبيه زي ماهو." "هي عبير كانت حلوة قوي كده؟ تبسم ثغره وهو يصف لها عبير. "ياه حلوة دي شوية قوي على عبير. كانت جميلة الجميلات وجمالها ينضرب به المثل ورقتها وهدوئها ورقيها يخلوا أي حد يحب يتعامل معاها." ثم تغيرت معالم وجهه المبتسمة إلى حزينة وهو يتذكر والدته.

"بس تصوري ساعات الجمال بيكون نقمة على صاحبه وبيوديه للقبر طوالي." ارتعد جسدها خوفاً من نظرة عينيه المثبتة عليها والمفتوحة على وسعيهما عندما ذكر سيرة القبر المرتبط بجمال الأنثى وبالتحديد والدته. ثم سألته وهي تحاول تهدئة جسدها من التوتر والخوف. "ليه هي اتحسدت على جمالها دي كتير وعلشان كده فارقتك وفارقت الحياة صغيرة؟

حرك رأسه رافضاً. ثم ترك يدها المثلجة من هلعها من يديه ورمى رأسه على الكرسي وأغمض عينيه ودخل دوامة الماضي الأليم.

"ياريته كان حسد. على الأقل لما الإنسان يتحسد بيلجأ لربنا وللصدقة وهيتعافى. لكن أمي كان قدرها حكم بالإعدام. كانت زي النسمة بس كانت فقيرة. كان أبوها بيعلمها بشقاه والقدر وقعها في طريق من لا يرحم. اضطرت إنها تتجوزه وكان جابرها إنها متخلفش منه. هي حكت لي كل الحاجات دي قبل ما تموت وتسيبني لوحدي. لكن كان نفسها تبقى أم. فحملت غصب عنه. لكن ما رحمهاش من اللي كان بيعمله فيها. مخلهاش تعيش شبابها ولا تتهنى بيا ولا أنا أتهنى بيها. ودخلها معركة الجبابرة."

قطعت حديثه وهي تسأله بفضول. "طب أنت عرفت الحاجات دي كلها إزاي واللي باباك كان بيعمله فيها؟ أجابها وهو ما زال على وضعه.

"بابا كان مركب كاميرات في الفيلا بتاعتنا كلها صوت وصورة. وفي مرة وقتها كنت في إعدادي كنت بلعب والكورة بتاعتي وقعت في الأوضة اللي فيها الكاميرات. وطبعاً بابا قافلها جداً. فعملت المستحيل ودخلتها. وببص على الكاميرات بالصدفة لقيته ماسكها من دراعها وبيضربها جامد. شغلت الصوت المكتوم للشاشة وسمعت كل حاجة. كانت بيطلبها منها. ما تتصوريش مدى العذاب اللي ماما اتعذبته معاه وهو مكنش بيرحمها. وبعد كده كل لما يقول لها تعالي عشان عايزك أشوف نظرتها المرعوبة. أدخل من نفس المكان اللي دخلت فيه الأوضة وأشوف كل حاجة وأسمع هو عايز منها إيه."

ما زال الفضول ينتابها وهي تسأله استفساراتها التي لم تنتهي بعد. "طب هي ليه ما سابتهوش أو خدتك وهربت بيك في أي مكان وبعدت عنه حتى لو هتاكل عيش وملح." اهتز فكه بابتسامة ساخرة وهو يجيب. "تفتكري عبير كانت هتعرف تفلت من إيد عماد الألفي ده؟ أنت طيبة! "اصلك ما تعرفيش هو إيه ولا مين ولا وراه إيه ولا وراه مين. حاولت مرة وندمت نفسها على إنها فكرت تهرب. وراها العذاب ألوان فوق ما تتخيلي."

ثم فتح عينيه وأدار جسده إليها وأكمل وجعه المخبأ داخل صدره. "تصوري حرمها مني وحرمني منها شهر بحاله. وأنا كنت صغير وقتها ومحتاجها. محتاج وجودها جنبي. حنيتها اللي ما كانش فيه زيها في الدنيا. ولما ماتت فارس الطيب الأخلاق اللي بيمشي يبتسم في وش أي حد زي ما هي علمتني. مات معاها." ظلت التساؤلات تدور بمخيلتها كي تكشف اليوم الكثير والكثير من أسرار الفارس.

"هي كانت علاقتها إيه بربنا. مش يمكن كانت بعيدة عنه وهو ده اللي خلاها متفلتش من تحت إيده." تبسم وجهه ابتسامة عذبة أثلجت صدرها وجعلتها تأمل في تغير الفارس وهي ترى وجهه الذي يتغير مائة وثمانون درجة وهو يتحدث عنها مجيباً إياها. "عبير علاقتها بربنا كانت جميلة قوي. أنت عارفة كانت عاملة ركن في بيتنا للعبادة. وكانت في كل صلاة تشدني من إيدي وتعلمني إزاي أصلي وإزاي بعد ما نخلص الصلاة نقعد نشكر ربنا ونذكره كتير."

"كانت دايماً بتقول لي إن الذكر بيطمّن القلوب. ودايماً كانت تنبهني إني مش بعد الصلاة آخد بعضي وأجري على اللعب على طول. كانت معرفاني معنى الآية اللي كانت دايماً بترددها لي على طول." "فإذا فرغت فانصب." لكن مش كل الناس بتاخد رزقها في الحياه راحه وماما ما ارتاحتش الا لما قابلت ربنا. ارتاح قلبها لسماع كلامه ولا تعرف ما السبب رغم قساوة ما يحكي، لتقول باستفسار آخر: "طب هي ماتت إزاي يعني؟ قصدي ربنا بعت لها قضاة من عنده؟

"أنا اللي موتتها بإيدي، أنا اللي دفنتها بإيدي، أنا اللي قضيت على حياتها المرة، أنا الجاني والمجني عليه، أنا القاتل وأنا المقتول." أنا يادكتورة أنا…

تلك الكلمات التي نطقها فارس بحسرة ودمع عينيه الغزيرة هبطت على وجنتيه. ولأول مرة يعترف لأحدهم هذا الاعتراف الذي جعل فريدة تتصنم للأمام بهلع ورعب من قاتل أمه الذي تجلس معه الآن ويعترف لها. مما جعلها تتيقن أن ما تخيلته فيما حدث لوالدته لم يكن إلا هفوة، رغم تخيلها الصعب ورسمها للأمور أصبح هينا لينا بجانب ما سمعته الآن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...