مازالت تداعب رقبته من الخلف حينما شعرت بتأثره فنطقت بدلال أثاره: ــ يعني هو اني اللي هقول لك يامتر هيقولو ايه ! قول بقي انك حافظ مش فاهم. ابتسم لمشاعبتها ثم ضغط على خصرها بشدة جعلتها تأوهت بصوت خفيض: ــ آاااه وجعتني. غمز لها بطريقة أذابتها بين يديه كقطعة الشوكولا التى انصهرت في كوب من الحليب الساخن الممتزج بالقهوة التي تظبط المزاج فهي تظبط لها مزاجه مثل ذاك الكوب بالتمام:
ــ لا احنا لسه هنقول يا هادي وهوريكي الحافظ مش فاهم دي هيعمل فيكي ايه بس يتقفل علينا باب واحد وأنفرد بيكي بس. كانت تتنقل بين يديه كالفراشة ثم سألته بمشاغبة: ــ مين قال اكده انت متعرفنيش على فكرة بعرف أصد الهجمات كويس بس انت تكون متدرب كويس علشان المنافس صعب وعنيد وشرس. ــ ياراجل قول غير كده... كلمات مشاكسة نطقها ماهر وقد ارتسمت على وجهه ابتسامة جانبية من مشاغبة رحمة له وأكمل بنفس المشاكسة:
ــ يا جامد هات أخرك معايا وملكيش صالح بقي بس مترجعيش تعيطي وتقولي انا مش هقدر أكمل المباراة ياماهر اصل تعبت ياماهر واعملي حسابك بعون الله تسع شهور بالدقيقة من دخولنا هيشرف "سفيان ماهر البنان". كانت تنظر له بخجل في بداية كلامه ثم انقلبت معالم الخجل الي مقلتيها اللاتى اتسعتا من ما قال وهي تردد بذهول: ــ "سفيان" مين دي إن شاء الله اللي هتقول عليه؟ غمز لها مكملا شرحه لها عن معرفة كنية "سفيان":
ــ اول ولد ليا منك ياحلوة بإذن الله بعد تسع شهور من دلوك. ابتسمت له لتقول بعيناي عاشقة: ــ طب سيبك من ثقتك اني هجيب الواد بعد تسع شهور داي مين قال اني هسمي أول طفل ليا سفيان ياموري؟ قرصها من خصرها بلطف خفيف ناهيا إياها: ــ بلاش موري دي في الليلة المفترجة دي علشان لما هتقوليه بتقلب نكد وبعدين اه هسميه سفيان ودي مفيهش كلام دي امر مفروغ منه ياأستاذة. ضمت شفتيها بعبث ناهية إياه:
ــ طب متقوليش يا أستاذة داي خالص انت عارف بتجيب لي ضيق تنفس ياماهر. حرك رأسه مبتسما بمكر: ــ لما تبطلي موري دي هبطل أستاذة وأناديكي ياصغنن قلبي اللي منور الدنيا بجماله وحلاه مغطى على القمر والنجوم اللي في السما كلاتهم. ــ بجد ياماهر اني عروسة حلوة النهاردة وعجبتك؟ جملة استفهامية نطقتها رحمة بقلب يخفق عشقا لذلك المتمكن من قلبها بل كيانها ثم أجابها صريحا بلهفة عاشق لامرأة بغرامها متيم:
ــ هو دي سؤال ياقلب ماهر وعمر ماهر داي انت طلتك بالأبيض النهاردة مختلفة عن كل نساء الدنيا في عيوني قولي لي يارحمتي هحبك وهتمناكي اكتر من اكده ايه حاسس إن نبضات قلبي قربت تخلص على حبك انت وبس. اعتلت أنفاسها المتسارعة داخل جسدها من فرط تأثيرها بكلام ماهرها له فكيف لاتعشق تحكمه وهو لها نبض القلب الذي تعيش به ولأجله؟ ثم رددت بعيناي عاشقة وبغرام ذاك الماهر هي أيضا متيمة:
ــ من القلب للقلب يا حبيب أيامي وحلم السنين ربنا يخليك لقلبي ياقلبي. ثم تابعت وهي تطلب منه برجاء قبل ان تدلف معه إلى عش الزوجية: ــ خلي بالك على قلبي متزعلهوش ودايما طبطب عليه ومتقساش عليه ابدا هو سلم واستسلم ليك بكامل إرادته يا ماهر. ابتسم لها بعشق جارف ثم اقترب علي وجهها وأسند جبهته بجبهتها وتحدث وهو ينظر داخل عيناها ويتنفس أنفاسها مرددا بغرام:
ــ متوصنيش على قلبك وتأكدي لحد اخر يوم من عمري وعمرك مفيش غيرك ست هتقدر تحتل موطنك ولو حتى عندها جيوش من الأنوثة اللي هتحرك أي راجل علشان وطن ماهر الريان مش للجميع دي لرحمته بس خاص جدا جدا. ثم انتهت الغنوة وقبل أن يستمع إلى تصفيق المدعوين حملها وظل يدور بها في المكان بسعادة كبيرة جمعت قلبيهما الجميل. ثم احتضن كف يدها بين يديه وخطى بها إلى مكانهم المخصص لهم كي تستريح بضعة من الوقت ليكون لديها القدرة على تكملة الحفل.
تجلس سكون على تلك الطاولة وعلى وجهها الابتسامة الباهتة فسألها عمران بقلق: ــ مالك ياسكون حاسس انك متغيرة من بقى لك يومين في حاجة تعباكي ياحبيبي؟ ضيقت نظرة عينيها ثم رمقته بنبرة هادئة: ــ كان شكلك حلوو قووي اللهم بارك وانت يدك في يد رحمة وداخل بيها تسلمها لعريسها بسم الله ماشاء الله شكلكم يفرح القلب. ثم أكملت بنبرة حزينة وهي تنظر له وغشاوة الدموع تلتمع في عينيها:
ــ كان نفسي يوم فرحي يكون ليا أخ يسلمني ليك وأشوف وألمس منه الحنية اللي شفتها في عيونك لرحمة اللهم بارك حتى مكانش ليا أب يسلمني ليك ويبوسني من راسي ويحضني وهو بيقول لك خلي بالك منها زي مانت ما عملت اكده من شوي. الحاجة دي كانت مقصرة فيا قوووي.
شعر بحيرتها وتخبطها وحزنها فجذبها من يدها وجعلها تقوم من مكانها تحت اندهاشها وخرج بها إلى الخارج إلى مكان منعزل عن الجميع وما إن اختفيا عن أعين الجميع حتى جذبها إلى أحضانه بشدة فهو شعر الآن باحتياجها الشديد إليهما من نبرته الحزينة وشعور الاحتياج الذي استشفه من نبرتها وما كان منها إلا انها تمسكت بأحضانه بشدة وبكت كثيرا وكثيرا مما جعل جسده يصاب بالرهبة لأول مرة. تركها تبكي وتخرج مافي صدرها إلى أن استمع اليها تردد أخيرا بما قضى على
أخر ذرة صبر تجاه وجعها: ــ حتى مهيكونش ليا ولد من صلبي وصلبك أحس معاه بالحرمان اللي هحسه دلوك ياعمران. على صدره صعودا وهبوطا من فرط حزنه منها وعليها ثم اخرجها من أحضانه وحاوط وجنتيها بكف يديه الحنونتين ورمقها بنبرة لائمة وهو يجبرها على النظر داخل عينيه: ــ كد اكده حضن عمران مش هيخليكي تحسي بالأمان ومخليكي تحسي بالحرمان والفقدان ياسكون؟ حركت رأسها بين يديه برفض لما قاله ثم عللت له ما تشعر به:
ــ له ياعمران متفهمنيش غلط في حاجات منقدرش نداريها العيون فضاحة بيها انت مليكش ذنب وانت ولد وحيد انك تعيش عمرك كمان وحيد مليكش عيل من صلبك يكون سندك وضهرك وقوتك زي مانت سند وضهر وسد منيع لأمك وأبوك. ما أن انهت كلماتها التي أنهكت قواها ألتقطت أنفاسها بصعوبه اقترب منها أكثر ليقف أمامها يرمقها بدون أي تعبير من كلماتها التي لاتنفض عنها:
ــ اني تعبت منك وليكي ومعاكي ياسكون. تعبت علشان فهمتك كتيير قووي إن الموضوع دي مش فارق معاي وانك الوحيدة اللي فارقة معاي. يعني انت شايفة ان دي وقت بكا ونكد وحزن؟ النهاردة عندنا فرح ياسكون فرح رحمة أقرب حد ليكي ادخلي اقفي جمبها وافرحي معاها وفرحي قلبك بيها. ادخلي وانت هتدي لقلبك فرصة ميضيعش لحظات السعادة والفرح وتخلي عقلك ينكد عليه في كل وقت.
انسى ياسكون انسي يابابا الوجع والهم وسيبك اللي جواكي كلاته لربنا وهو أدرى بتدابير أمور حياته. هرولت إليها وارتمت داخل أحضانها الحانية وتحدثت وهي تتمسح بنبرة باكية وهي تتذكر كلمات زينب: ــ والله انت بيهم كلاتهم ياعمران بأبويا وأخويا وسندي وحتى ابني اللي هترجاه من ربنا متتخلاش عني وخليني في حياتك حتى لو هبقى في ركن صغير في قلبك. ضمها أكثر وقربها لصدرها وتحدث بنبرة صادقة مؤكدة لها وهو ينفي احساسها
الذي يصيبها بذاك الحزن: ــ ركن صغير ايه ياسكوني؟ انت كلّي، إنتي ليكي في قلبي الأركان كلها، ركن الأم والأخت والزوجة والحبيبة والبنت والابن. وكمان ليكي ركن عشق روحي لروحك، وركن راحتي وأماني ومأمني ليكي انتِ بس. انتِ بيهم كلهم، بكل ست مفكرة إن عندها حاجة هتعطيها لي مش عندك. مش محتاج وجود أي حد غيرك، كل يوم وكل وقت هقول لك الكلمتين دول يا سكوني. ثم رفع وجهها إليه وقبلها من عينيها الباكيتين وأكمل بعشق
كي يدخل السرور على قلبها: ــ أما بقى ركن الدلع والدلال لعمران، مش ركن في قلبي بس لاااا، دي ركن في عيوني اللي هتشوفك أجمل ست في الدنيا. وركن في إيدي اللي هتلمسك بعشق وتحسسك بحبي ليكي. وركن لكلي اللي ميحبش غير سكون اللي هتدلعه وتخليه واصل لأعلى قمم السعادة والراحة وياها.
أنهى كلامه ووجد شفاها تناديه بشراهة، فاقترب منها واقتنصها بحب تحت تململها بين يديه لعدم شعورها بالراحة معه في ذلك المكان المكشوف. وأخيراً حاولت إبعادها عنه وهي تنظر حولها تستكشف بعينيها إن أحداً رآهم أم لا: ــ انت مجنون ياعمران، كيف تتهور أكده واحنا في مكان عام. أجابها بمشاغبة وهو يضع يديه في جيب بنطاله: ــ أه مجنون وأتهور مكان ما يعجبني يا سكوني. زمت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال وتحدثت
بنبرة استيائية مفتعلة: ــ وإيه مخايفش حد يشوفنا يقول علينا إيه بنعمل فعل فاضح في الطريق العام. رفع منكبيه باستكانة وبنبرة تقطر عشقا تحدث: ــ وماله، هقول لهم كنت بشوف عيونها اللي دوبوني بيوجعوها كيف. ابتسمت بخجل من تبرير ذاك العمران الذي مد يده لها آمراً إياها: ــ طب يلا ندخل الفرح بقى علشان ما حدش ياخد باله من اختفائنا.
ولا بقول لك إيه، ماتيجي أخْدَك ونروح على البيت على طول، بلا فرح بلا بتاع، ونشغل الحكمدار وتبقى ليلة ولا ألف ليلة وليلة يا سكوني. شهقت بشدة من طلبه الغريب، ثم أسرعت بخطواتها إلى داخل الحفل مما جعله يبتسم وهو يردد: ــ والله انتِ الخسرانة، كنت هروّق عليكي وأفرفشك وأخرج لك الاكتئاب في دقيقة، بس يلا بقي ملكيش نصيب في ساعة الحظ الحلوة. غمزت له وهي تدير وجهها إليه مرددة له صراحة لأول مرة دون أن تخجل:
ــ مين قال إن ما ليش نصيب، لما نروح هاخد نصيبي كله كامل مكمل يا حبيبي. حرك لسانه داخل فمه بانتشاء لغمزتها وهو يعلمها: ــ يخربيت جمال غمزتك اللي أول مرة أشوفها يا دكتورة، ابقي كَتّري منها بقي في الليلة المفترجة الحلوة دي. ثم نظر إلى السماء داعياً بجدية: ــ يارب اكرمنا والفرح يخلص ومحدش يبص لنا في الليلة دي علشان القمررر دي خلاني هفرقع دلوقتي ومحتاج مطافي.
ضحكت بدلال أثاره، فنهاها بعينيه عن دلالها ذاك وهم دالفون إلى القاعة. رأتهم زينب من بعيد قادمين، فعينيها تتبعتهم منذ خروجهم وشعرت بوجود خطب ما وانتابها القلق من هيئتهم وقتها. ثم شعرت بالراحة اجتاحت أوصالها فور دلوفهم إلى القاعة وعلى وجوههم علامات الابتسامة، فوجهت أنظارها إلى ابنتها وقد زال القلق من صدرها، فهي كانت خائفة أن تحكي سكون لعمران ما قيل بينهما، ولكنها لم تقل له مما جعلها تطمئن وتشعر بالارتياح بأن ما تخطط له يسير على ما يرام بوجه مبتسم.
ما زالت أجواء الزفاف مستمرة. كانت مها تقف على الاستيدج تصفق بيدها وهي سعيدة لأجل رحمة، وبعض من عيون الرجال تتابعها كما يحدث في حفلات الزفاف، وكثير من الأقارب يعرف أنها الآن وحيدة وأصبحت متاحة للجميع أن يطلب يدها. وكان من ضمن العيون ذاك الجاسر الذي كل همه في ذاك الوقت أن يراقب عيون الجميع المتجهة صوبها ولم يرتكز مع أي من الموجودين في الزفاف غيرها. ثم وجد حاله يمسك هاتفه ويرسل لها رسالة:
ــ تعالي برة في الكافيه بتاع القاعة، عايزك في كلمتين مهمين في السريع يا أم الزين، متتأخريش. اهتز الهاتف بين يديها ففتحته ووجدت رسالة على الواتساب من جاسر، فقرأتها ثم التفت حولها ولم تجده، فذهبت إلى ماجدة قائلة لها وهي تختلق أي سبب كي لا تسأل عنها: ــ هروح الحمام يا أمي، هظبط الطرحة وجاية طوالي، متقلقيش علي.
حركت ماجدة رأسها بموافقة مع ابتسامة هادئة ارتسمت على وجهها، ثم تابعت الفرح مرة أخرى وبجانبها مكة التي لم تتركها منذ أن أتت، وكأن آدم ألقى عليها تعاليمه أن لا تتحرك من مكانها نظراً لتعبها في حملها، كما أنها تشعر بالدوار الشديد.
أما في الخارج، وصلت إلى الكافيه المتنحي قليلاً عن القاعة، فأشار إليها أن تصعد إليه، فعرفت مكانه وذهبت إليه على استحياء. وما إن وصلت حتى قام من مكانه وأفسح لها المجال أن تجلس في حركة راقية منه يفعلها معها لثاني مرة، مما جعلتها تكن له امتناناً ورقياً. استقرت في مكانها وهي تنظر حولها بخجل وتنتظر منه أن يخبرها سبب استدعائها له، حتى أنه رأى علامات الخجل تجوب وجهها، فهتف مشاكسًا إياها كعادته: ــ إيه يا أم الزين، في إيه.
اندهشت من استفساره وسألته هي الأخرى: ــ إيه، انت في إيه. انت اللي باعت لي على فكرة. ارتسمت ابتسامة جانبية على جانب شفتيه وأجابها بعينين عاشقتين: ــ هتبطلي تخطفي قلبي كل لما بشوفك، ميتة. هو انتِ مسلطة أسهم عيونك عليا بالقووي أكده ليه، وحاسس إني بحارب في ساحة حياتنا وحدي. نظرت عينيها أرضاً تلقائياً وهي تراه ينظر لها نظرته الولهة بها، ثم تحدثت بخجل راق له:
ــ انت ندهت لي دلوقتي علشان تقول الكلمتين دول يا متر، إني قلت في حاجة مهمة حصلت. نظرها بنظرة متفحصة هائمة: ــ هو في أهم من إني هقول لك إيه القمر دي كله، وإني هغير عليكي من عيون الناس اللي تحت دي والستات قبل الرجالة. ثم أكمل طالباً منها برغبة ألحت عليه: ــ بقول لك إيه، ماتيجي نتجوز بقى علشان يرتاح ويهدى. ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة من خجلها، ثم سألته: ــ هو مين دي اللي يرتاح ويهدى. ــ قلبي... كلمة واثقة
نطقها من فهمها وأكد عليها: ــ آه قلبي اللي مش قادر يصبر، فا إيه رأيك إنزل جمب ماجدة جدة العيال واستغل وجودها في الفرح وأقول لها أنا عايزك تبقي جدة عيالي من أم الزين يا ماجدة. ضحكت بخفوت على طريقته، ثم قالت: ــ هو انت طريقتك دي مبتتغيرش خالص في الكلام، انت بجد بتضحكني، متزعلش مني. شبك كلتا يديه في الأخرى وهتف: ــ طب وماله، أعيش أضحكك وأبسطك كمان، هو في أحسن من إن الواحد يدخل السرور والبهجة على قلب حبيبه يا بطل.
ضحكت مرة أخرى، فهي معه وحده دوناً عن العالم أجمع يستطيع إخراج الضحكة من قلبها دون أي تكلف، ثم هدأت من ضحكاتها وتبدلت معالم وجهها الضاحكة إلى أخرى حائرة لتقول له: ــ عارف من وقت كبير مضحكتش من قلبي قوي أكده. وأقول لك على حاجة كمان، أنا عمري ماسمعت كلمات الغزل وحسيت بالمشاعر اللي أنا حساها معاك دلوقتي طول حياتي. نظر لها بتمعن منتظراً تكملة حديثها، إلا أنه قاطعها متسائلاً إياها:
ــ طب هتحسيني إيه وأنا معاكِ، ومشاعرك تجاهي حساها بردو إزاي؟ احكي لي نفسي قوي أسمع منك وبكل صراحة وبدون خجل، كأنك بتتحدتي مع حالك. أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم:
ــ حاسة معاك إني لسة بنوتة صغيرة مش ست كاملة، بمعنى قلبي بيدق قوي أول ما أشوف اسمك على تليفوني وبقيت بحب آخد جنب وإني هتكلم معاك. حاسة إنك عايز تخليني سعيدة ومرتاحة ومتخلنيش أفكر في أي حاجة تزعلني. بحس كمان إنك خليت نفسك مسؤول عني وبتخاف عليا من الهوا الطاير، ولما دخلت عليا المرة اللي فاتت المكتب حسيت إني مش طبيعية من مجرد سلامي البارد وقتها. ثم رفعت عينيها ودققت النظر داخل عينيه وسألته بنبرة متوترة:
ــ هو انت بجد حقيقي وموجود في حياتي، ولا إني بتخيل إني هكلمك وقاعدة معاك وإني أنا اللي رسمت شخصية وجودك في حياتي وفي عقلي الباطن يا جاسر. أصل مش معقول ربنا يبعت لي حد يحبني ويشوفني ويتمناني زي ما عيونك شايفني أكده.
لأول مرة يتجرأ وتتحرك أصابع يديه حتى وصلت إلى كف يدها الصغيرة ووضع كف يده على يدها وضغط عليها بحنو حتى أصابها القشعريرة في جسدها من لمسة يده، وأغمضت عينيها بتأثر من دفء يده مما أصابه الآخر بشعور الاحتياج لوجود يدها ساكنة داخل كف يده وأن لا يتركها. بشعور الاشتياق لضمته لها بين ضلوعه حتى تسكنها دوماً ويسقيها من عشقه لها أنهاراً. ماذا بها تلك المها حتى ينجذب إليها بتلك الدرجة؟
ماذا بها عن نساء العالم حتى يشعر بأنه يريد أن يسحقها بين أحضانه ويسقيها من شهده الحلال عشقا مسكراً لكليهما؟ ثم فجأة سحبت كف يدها من يديه وهي تبتلع ريقها بصعوبة بالغة، ثم نهته عن فعلته تلك معها: ــ ممكن بلاش الحركة دي تاني، مش حابة أي لمس مش من حقنا، متخلينيش أحس بحاجة مش حابة أحسها إلا لما يأذن ربنا. ود أن يقبل يداه التي احتضنت كف يدها كي يشتم رائحة عبيرها بين كفه، ثم علل فعلته تلك لها:
ــ إني لمست يدك علشان أحسسك إني حقيقي وإني موجود وإنك فعلاً مرغوب فيكي وبالقووي كمان. علشان تحسي من لمستي إني هحبك بجد يا أم الزين وإنك مش مرحلة وخلاص ووقت وهيمر أو إنك نزوة لواحد لسه مدخلش دنيا الجواز. إنتي تستاهلي إن يكون في حياتك حد يحبك ويخاف عليكي ويحسسك إنك أهم حاجة في حياته، صدقيني مش هتلاقي حد يحبك قدي يا مها. ــ أول مرة تنطق اسمي من غير أم الزين أو يا بطل...
قالتها مها بعينين تلتمع شغفاً لاسمها الذي خرج من شفتيه وأثر بها، وعقب عليه هو: ــ بناديكي بأم الزين علشان أعرفك إني حابب اللقب ده قوي ومش فارق معايا إنك كان ليكي حياة قبل كده ولا لأ، وبناديكي ببطل علشان انتي فعلاً بطل. وأكمل بدعابة كي يدخل السرور على قلبها: ــ ومش بس بطل ومهلكة كمان، وإني غلبان يتيم وعايز قلب يحتويني. ضحكت على طريقته التي حفظتها منه، ثم حملت حقيبتها وهاتفها كي تترك له المكان مرددة بنفس دعابته:
ــ طب قوم يا غلبان يا يتيم علشان ماجدة متخرجش تدور علي وتلاقيك قاعد تغازل أم الزين بكريتها اللي هتغير عليها من الهوا فتقوم مطيراك. انتصب واقفاً ثم غمز لها مجيباً على كلامها: ــ وماله، ماهي هتطيرني وأقوم ألبس في بيتها، وتوبقى أحلى لبسة دي ولا إيه يا بطل جيلي.
حركت رأسها بغلب من كلماته التي لا ينفض عنها أبداً، ثم تحركت هي الأول وقام هو بدفع الحساب للكاشير وتحرك ورائها، ولكن مشى في اتجاه غير اتجاهها كي لا يلفت الأنظار إليهما، فهو يخشى عليها من الهمز واللمز بشدة. أما في القاعة وبالتحديد عند العروسين، صعدت شمس إليهما، ثم مدت يدها وسلمت على رحمة وباركت لها، وجاء دور تسليمها على ماهر الذي مد يده لها بذوق تحت استشاطة رحمة التي تود اختناقها الآن، وهي تخرج هاتفها طالبة منه:
ــ ممكن نتصور مع بعض يا أبيه، حابة نتصور مع بعض وانت عريس. إلى هنا واكتفت رحمة بسماجة تلك الشمس، ثم رمقتها بتحذير وهي تجز على أسنانها بغضب: ــ شكلك عايزة تتهزقي قدام العالم ده كله، لمي نفسك وخذي موبايلك واخفي من وشي يا باردة، بدل ما أكسره لك هو كمان زي اللي فات واخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكي، إني مجنونة ومهمنيش. اتسعت مقلتا شمس من قلة ذوق رحمة معها، ثم اشتكتها إلى ماهر الذي نفخ بضيق من ذاك الثنائي:
ــ شايف يا أبيه بتتكلم معايا إزاي، وأنا مجيتش ناحيتها أصلاً ولا جريت شكلها علشان تتكلم بالطريقة بتاعتها دي معايا. اعتذر لها ماهر: ــ معلش يا شمس، حقك عليا، إني بلاش تصوير لو سمحتي، واتحملي كلامها علشان خاطري إني. دبت في الأرض بغيظ من رحمة، ثم بدلت غيظها وابتسمت لها بسماجة لاعتذاره لها: ــ علشان خاطر غلاوتك عندي يا أبيه، مش زعلانة وربنا يتمم لك على خير.
أنهت كلماتها ثم تحركت من أمامه، وما إن مشت حتى سخرت منها رحمة وهي تقلد كلماتها الأخيرة باستهزاء، ثم توعدت لماهر: ــ وبتعتذر لها كمان يا ماهر، طب قابلني بقى لما نروح إن شفت بس شعراية مني يا بتاع شمس. اهتز فكه بسخرية من وعيدها، ثم أفسده عليها: ــ دي بعدك يا هانم، من أول ما نركب العربية ونروح على بيتنا هيوبقى خلاص زمام أمورك في يدي، وبقول لك إيه، عدي ليلتك على خير يا رحمة، علشان انتِ عارفاني عصبي وخلقي ضيق.
رفعت حاجبها بغيظ، ثم قالت: ــ طب لما نشوف يا ماهر. في خارج القاعة، توجد تلك السيارة التي اتفق معها حافظ أن يأتوا له بابنة أخيه، يتحدث ذاك الرجل: ــ خلاص ياباشا، الفرح قرب يخلص، وأكيد هي هترجع لوحدها وهجيبها، يعني هجيبها. حذره حافظ قائلاً: ــ على الله تيجي من غيرها، مش هيحصل طيب.
طمأنه ذلك الرجل، وبعد مرور نصف ساعة بالتحديد، انتهى حفل الزفاف وانطلق العروسان، ومن سوء الحظ هؤلاء الرجال، أن السيارة التي أعطوها ماهر لشمس كي تأتي بها الزفاف تسير وسط السيارات التي ذهبت خلف سيارات العريس وعروسه، فهي أحبت أن ترى هذه الأجواء، حتى وصلوا إلى منزلهم وشاهدت الزفة التي قاموا بها لرحمة، وبعد أن دلفا العروسان إلى منزلهم، انفض الجميع من حولهم، ولكن عمران استأذن سكون:
ــ معلش يا حبيبي، اركبي مع عربية الحاج والحاجة، فرسة تعبانة جداً والسايس كلمني هروح أشوفها، هو طلب لها الدكتور، وبعدين هبقى أجي لك. أوعي تنامي. ربت على ظهره بحنو وهي تحرك رأسها بموافقة مع ابتسامة مصاحبة لوجهها وهي تطمئنه على فرسته العزيزة على قلبها: ــ متقلقش ياعمران، هتوبقى زينة، هستناك متقلقش.
ابتسم لها وعرف والديه وصعد إلى سيارته وانطلق بها إلى مزرعتهم. بعد أن تحركت السيارة مسافة طويلة، إذا به يرى شيئاً غريباً من بعيد، سيارة أحدهم تعترض سيارة أخرى على الطريق الزراعي المظلم ذاك، ففتح درج سيارته وشد أجزاء سلاحه ليستعد لمساعدة السيارة الأخرى، ثم زاد من سرعة سيارته وهو يرى اقتحامهم لتلك السيارة وإخراج تلك الأنثى منها، وما إن رأوه من بعيد حتى أسرعوا في جذبها، ولكنه لحقهم سريعاً. ولكن حدث ما لا يحمد عقباه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!