الفصل 51 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الحادي والخمسون 51 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
14
كلمة
6,884
وقت القراءة
35 د
التقدم في الرواية 68%
حجم الخط: 18

أحيانا تبدو لنا الحياة كالورود الجميلة حين تتفتح، وأحيانا أخرى تبدو لنا كأشواك من نفس الورود الجميلة التي ظننا أننا سنولد على يدها من جديد، ولكن لا بأس، علينا أن نكسر الأشواك حتى ولو كان الأمر يبدو شاقا في البداية، إلا أنه حين الوصول للنهاية سننظر لما رممناه بأيدينا وسنبتسم، وستتبدل أشواك الصد إلى بساتين من الزهور، لن نستريح إلا بجوارها وننعم بظلها.

في المشفى حيث أصبحت الساعة الآن الخامسة صباحا، وهؤلاء القلقين يجلسون على جمر النار منتظرين ساعة الفرج من عند الله، كان ماهر زوجها هو الوحيد المتواجد معها بالغرفة، متمسكا بيدها وهو يجلس على الكرسي بجانب التخت ويغفو برأسه بجانب قدمها، فقد باغته النوم خلسة رغما عنه. أما تلك الرحمة أخيرا تأوهت بشدة وبهمهمات خفيفة جعلت ذاك الماهر انتفض بسعادة غامرة على أثرها، واقترب منها وهو يقبلها من رأسها لينطق لسانه فرحا بتأوهاتها:

"ياااااه أحمدك يارب، أخيرا يارحمة أخيرا ربنا بعت لي رحمته." ثم قبلها من عينيها ووجنتيها وهو يطمئنها: "حبيبتي متقلقيش، إنتي بخير وأني جارك ومش ههملك، بس هروح للدكتور ييجي يشوفك ويطمن عليكي ويطمنا." ثم تركها وهرول بأقدام مسرعة، وكان في الخارج عمران وسلطان، الذين صمموا أن تذهب حريمهم إلى المنزل، فوجودهم ليلا ليس له فائدة. شعر عمران بخروجه من الغرفة وهو يهرول، فهوى قلبه بين قدميه، ظنا منه أن شقيقته أصابها مكروه،

وهو يهتف لماهر بفزع: "هو في إيه يا ماهر؟ هتجري أكده ليه؟ رحمة جرى لها حاجة لا قدر الله؟ أجابه ماهر مبتسما بسعادة: "له الحمد لله، فاقت يا عمران، ادخل لها خليك جارها وأني هنده على الدكتور." ارتاح قلب عمران بدقاته الثائرة بخوف شديد على شقيقته، ثم منعه: "له روح إنت، خليك جار مراتك، وأني هجيب لها الدكتور، هي محتاجالك إنت أكتر من أي حد."

حرك أهدابه بامتنان لذاك العمران الذي هرول سريعا للطبيب، أما هو عاد إليها متلهفا، وما إن دلف إليها حتى احتضن كفي يديها بين يديه كي يبثها الدفء ويجعلها تشعر بالأمان في وجوده، وهو يردد لها بحمد: "حمد لله على سلامتك يا رحمتي، أكده تعملي في ماهر عملتك دي وتزلزلي قلبي عليكي! إنتي معرفتش غلاوتك في قلبي كد ايه!

ظل يلقي على مسامعها عبارات الحب والاحتياج لوجودها بجانبه كي يجعلها لا تتأوه وتنسى ما هي به واللحظات الصعبة التي مرت بها، ثم أتى عمران هو والطبيب، الذي بدأ بالفحص الكامل لها وحقنها كي يجعلها تفيق ويستطيع التحدث معها كي يعرف حالتها، وأول سؤال بدأ به: "اسمك إيه وتعرفي إيه عن نفسك؟ أجابته بوهن بعدما بدأ المصل يجري مفعوله وفاقت من تيهتها رويدا رويدا: "اسمي رحمه سلطان المهدي، متجوزة ماهر الريان." سألها الطبيب

وهو يشير إلى كلاهما: "إنهي واحد في اللي واقفين دول يبقى جوزك والتاني يبقى مين؟ كانوا مندهشين من أسئلة الطبيب، أما ماهر نظر إليها وهو منتظر إجابتها كي يهدأ قلبه، وهو لم يصدق أنها لن تتذكره، أما هي أشارت إلى ماهر بعينين تلمعان بوميض من العشق وهي تردد بدعابة اعتاد عليها لسانها حتى في أشد لحظات مرضها، مما جعلهم ابتسموا جميعا على طريقتها: "وهل يخفى القمر؟ دي ما تتنسيش، في حد يقدر ينسى هولاكو."

ضحكوا جميعا على إجابتها، أما هو نظر إليها بنصف عين بنفس دعابتها وهو يداعب أسفل ذقنه بيديه ويتوعد لها بخفة. وأكملت وهي تشير بيدها تجاه عمران: "ودي عمران أخويا حبيب قلبي، ربنا ما يحرمني منه أبدا."

حرك الطبيب رأسها براحة وبدأ بعمل تمارين ليديها، وجدها تحركها بسلاسة دون أي إعاقة، ثم طلب منها أن ترتفع بجسدها قليلا كي تتكئ على الوسادة دون أن يساعدها أحد، غير أن ماهر عدل من وضعية الوسادة خلفها، فأسندت يديها على التخت، ثم رفعت جسدها على الوسادة، مما جعل الطبيب يطمئن لهذا المؤشر.

ثم استأذن من ماهر أن يتناوب في عمل تمارين لقدميها، فرفع ماهر الغطاء قليلا وعدل من هندامها كي لا تظهر قدميها، فهو يغار عليها بشدة، ثم بدأ بتحريك قدميها، ولكن رحمة لم تشعر بهم على الإطلاق، مما جعلها ردت بذهول: "إني مش حاسة برجلي خالص، هو في إيه؟ انصدم عمران وماهر من ما قالته للتو، مما جعل الطبيب يتنهد بأسى مما شك فيه من البداية، فاستأذن من ماهر: "بعد إذنك ممكن تبعد أشوف شغلي."

ابتعد ماهر وخطى إليها وأمسك كفي يديها واحتضنه بين يديه، وباليد الأخرى يربت عليه ظهرها بحنو كي تهدأ، أما الطبيب بدأ يعمل تمارين لقدمها وهو يسألها، وكل ما تجيبه أنها لن تشعر بشيء أبدا، فقام بشك قدمها بذاك الدبوس، ولكنها أيضا لم تشعر ولم تتأوه، مما جعلهم جميعا منصدمين من عدم شعورها بشكة الدبوس، حتى نطقت بصدمة: "معقولة هو أنا أكده اتشليت يا دكتور!

خطى عمران إليها هو الآخر، ثم شملها بنظرة حانية وهو يربت على ظهرها كي يرزقها السكينة والهدوء، ثم تحدث الطبيب بنبرة حزينة وهو يعلمهم حالتها: "الحمد لله، قضى أخف من قضى، ربنا نجاكي من الموت بمعجزة من عنده، لو كان جوزك اتأخر عنك دقيقة واحدة بس كانت هتفرق في عمرك، فمش عايزين إيه اللي حصل يأثر على نفسيتك، علشان في مشوار علاج لازم هتكمليه، وبإذن الله ربنا بيخلف في قضاه ألف رحمة."

انهمرت الدموع من عينيها بغزارة، وكأنها كانت تعلم كم ذاك الوجع الذي سيسكن قلب تلك الرحمة، وشعرت أن الدنيا اظلمت من حولها. أيعقل بعد أن كانت تلهو وتلعب وتجري بشقاوة وتملأ الكون من حولها بهجة وسعادة، لاااا بل هي صاحبة السعادة بنفسها، أن تقضي باقي عمرها على كرسي متحرك! أما ذاك الماهر هو وعمران انصدموا بشدة، وعمران نطق بلسان غير مصدق: "يعني إيه كلامك ده يا دكتور! هي أكده مش هتقدر تمشي تاني على رجليها!

أجابهم الطبيب بعملية: "مش أنا اللي هقدر أحدد دي لسه هنعمل إشاعات وتحاليل ودكتور عظام هو اللي هيتابع معاها ويعرف حالتها إيه بالظبط وهتمشي إزاي، بس إن شاء الله ما تقلقوش، ممكن يبقى فترة مؤقتة وترجع لطبيعتها تاني، بس أهم حاجة الصبر والحالة النفسية، دول أهم من أي علاج، فانا هبعت لكم دكتور عظام كويس جدا هو اللي هيتابع الحالة بتاعتها."

أنهى الطبيب فحصه لها وإخبارهم بكل شيء يخص حالتها وأجابهم على جميع أسئلتهم، ثم خرج معه عمران وهو يسأله صريحًا بعيدًا عنها: "يعني يا دكتور ممكن تقعد قد إيه في حالتها دي من نظرتك؟ "ولا هي أصلاً هتفضل أكده على طول قاعدة على كرسي متحرك؟ تنهد الطبيب بأسى وهو يصارحه:

"مش هقدر أجزم في حالتها وأريحك بحاجة إنّي ما هعرفهاش ومش متأكد منها، لكن في حالات كانت زيها بالظبط ومع العلاج والمداومة والمتابعة مع دكتور العظام ربنا كرمهم رجعوا يمشوا على رجليهم تاني."

"وزي ما قلت وأكدت، الحالة النفسية هي العامل الأساسي لشفاء المريض، فأول حاجة هتشتغلوا عليها معاها هي إنكم تحسنوا من نفسيتها، وما حدش يزعلها وما حدش يحسسها إن هي فيها حاجة مختلفة، لازم تتعاملوا معاها بحذر جدا، لأن هي الفترة الجاية هتتصرف تصرفات عدوانية جدا، لأنها هتحس بتقلها على كل اللي حواليها، مش هتحب تشوف نظرات العطف ولا الشفقة."

"أنا هقول لك الكلام ده عشان تاخدوا بالكم منها كويس قوي، ولازم تحطوا قدام اعتباركم إنكم هتشوفوا إنسانة جديدة خالص غير اللي أنتم تعرفوها، لأن اللي حصل لها مش شوية، إن الإنسان يكون بيمشي ويجري ويلعب ويروح كل مكان ويعتمد على نفسه في كل حاجة وفجأة يلاقي نفسه قاعد على كرسي متحرك مش قادر حتى يخدم نفسه ولا قادر حتى يعمل لنفسه أقل الأشياء البسيطة، فبالتالي الدنيا هتسود في عينيه، وعلشان كده لازم الدعم النفسي أولًا وأخيرًا وكل شيء، وطالما الدعم النفسي موجود إن شاء الله العلاج هيجيب نتيجة."

"أما المدة قد إيه فلازم ما نعرفهاش للمريض عشان ما يبنيش أمل عليها وبعد كده لما تخلص المدة وما يلاقيش نفسه استجاب للعلاج هينتكس، فنقول للمريض كل شيء بأمر الله واحنا نعمل اللي علينا." "حبيت أعرفك كل حاجة عشان تكون على علم، ولازم تبلغ جوزها بالكلام اللي أنا قلته لك، وربنا يشفيها يا رب وترجع لكم بألف سلامة."

تركه الطبيب وذهب من أمامه وهو يقف مستندًا على الحائط بحزن شديد على شقيقته الصغيرة التي كانت تملأ الكون حولهم بالحب والشقاوة، فحرمت من بهجة حياتها. يقف في حيرة، كيف يخبرها بما قاله الطبيب عن حالتها؟ كيف ستتعامل معهم بعد تحذيرات الطبيب تلك، وخاصة أن رحمة كانت تحب الحركة كثيرًا والخروج وليس من طبعها الكسل؟

أما في الداخل عند رحمة وماهر، كانت تبكي بكاءً شديدًا يقطع نياط القلوب في صدر زوجها الذي التقطها إلى أحضانه الدافئة وهو يحاول أن يهدئها ويطمئنها بأن الأمور ستسير على ما يرام، ولكن ما وصلت إليه الآن وعلى حين غرة لن يستطيع عقلها تحمله، ثم غفت في نوم عميق من أثر الأدوية التي دخلت جسدها ومن أثر البكاء التي بكتها بشدة.

ويجلس ماهر وعمران بجانبها وعلى وجوههم حزن يكفي العالم بأسره، وقد سرد عليه عمران ما قاله الطبيب، وهم ينظرون لهيئتها النائمة كالملاك وقلوبهم تتألم بحسرة على ما حدث لها، ولم يعلموا كيف سيكون القادم وكيف ستكون هي؟ هل ستتقبل الأمر برضا بقضاء الله أم ستكون الصدمة شديدة ولم تتحملها؟ كل تلك الأسئلة التي دارت بمخيلتهم وهم ينظرون إليها، والصمت أصبح سيد الموقف من كليهما.

بعد مرور ثلاثة أشهر على الأحداث، حيث أن سكون لم تذهب للطبيب نظرًا لظروف رحمة، وأجلت الموضوع قليلا. العلاقة بين شمس وعامر تتطور بسرعة رهيبة، وهم يأتون كل يوم في نفس الموعد عند غروب الشمس، والكلام يأخذهم حتى اعتادوا على الحديث مع بعضهم بشدة، وهي تعلقت بالطفلين بطريقة لا توصف، فقد شعرت معهم بالإحساس بالعائلة التي تفتقده، حتى بات يومها يفقد طعم اللذة بدونهم إن اختفوا عنها.

وكذلك فارس وفريدة، فقد أصبح فارس إنسانًا جديدًا بشخصية واحدة بعد محاولات فريدة الشرسة في الوقوف بجانبه، وصار متعلقًا بها بشدة ولم يستطع الإبعاد عنها، وهي الأخرى هكذا. أما ذاك العاشقان جاسر ومها، حيث أنهم قد قرروا تأجيل كتب الكتاب حتى تستقر حالة رحمة، فقلوبهم لم تستطع الفرح ورحمة بتلك الحالة. ولكن اليوم أتى عمران خصيصًا لجاسر، وبعد أن جلسا يتحدثون في أمور عامة، تحمحم عمران متسائلًا:

"أمال هتتجوز إمتى أنت وأم الزين بزيادة تأجيل عاد يا بن عمي؟ أومأ جاسر عينيه للأسفل بخجل، فهو لم يستطع التحمل أكثر من ذاك، وكأن الظروف تعانده في راحته، ولكن لابد عليه أن يصبر، فرحمة ليست ابنة عمه فقط، ولكن هي من كانت صاحبة النبض الأول من الحب في قلبه، ومكث كثيرًا كي يخرجها من قلبه ويعتبرها مثل أخته، وبالتأكيد هو حزين لأجلها، ثم أجابه بتأنٍ:

"مش وقته يا عمران، لما نطمئن على رحمة الأول وبعدين نشوف الموضوع ده، أصلًا الواحد ما لوش نفس يفرح بسبب اللي حاصل، بس آه قدر ربنا وتدابيره في خلقه." قوس عمران فمه بأسى لينطق بامتنان لموقف جاسر النبيل في ذاك الموضوع:

"ده العشم برضو يا بن عمي، بس إن جيت للحق ما ينفعش إننا نتأخر أكتر من كده، أنت كان زمانك متجوز من أول شهر خطبت فيه، وكمان موضوع الفرح ده هيوبقى كويس لرحمة، هيخرجها من جو الاكتئاب اللي هي دخلت فيه من ساعة اللي حصل لها، عشان كده هاخدك ونروح لأم مها ونخلص الموضوع ده وتتجوّزوا على خير وتتهنى أنت وأم الزين اللي الدنيا حالفة تعطّل فرحتها بالقوي."

كان جاسر من داخله يريد أن يقفز فرحًا من قرار عمران له، فهو ينتظر زواجه عاجلًا غير آجل، فقد زهق الصبر من صبره، فهو بات يحلم بها ليلًا ونهارًا، فقد شغفها حبًا حتى ظهرت معالم الفرحة على وجهه، مما جعل عمران ينطق مداعبًا إياه: "إيه يا عم جاسر؟ إيه يا عم النحنوح؟ إش حال ما كنتش عمال تقول لا مش وقته، وأنت الفرحة هتطق من عينك؟ بالراحة على نفسك شوية يا عمنا، بكرة تتجوّز وتبقوا في بيت واحد وتعمل ما بدالك."

ابتسم جاسر وهتف بدعابة مماثلة اعتاد عليها مع عمران: "إيه يا عمنا؟ ما هو أنتم السابقون ونحن اللاحقون، ولا أنت عايز تدوق العسل لوحدك من غير ما تسيب لغيرك حبة يحلو حياته؟ ضم عمران حاجبيه باقتضاب وهو ينظر للناحية الأخرى مكبرًا في وجهه بنفس الدعابة: "يا أعوذ بالله! هو الواحد هيرتاح يوم بسبب العيون اللي هتلاحقه كل شوية؟

ده مش عارف الواحد هيلاقيها منين ولا منين، والله مش كفاية اللي أنا عايش فيه له، وكمان مستكترين علينا حبة عسل." ثم أكمل وهو يكبر في وجهه بأصابعه العشرة بطريقة مشاكسة له: "خف عننا يا أبو عمو، خليها ماشية كده مستورة، حكم الواحد شاف بلاوي ما يعلم بها إلا ربنا، وادعي ما يوقعك فيها يا جدع."

وطال الحديث بينهم وقد اتفقوا على كل شيء، ما بين مداعبتهم لبعضهم ومشاكستهم، وما بين الجد، واتفقوا على أن يبلغ مها بأنهم سيذهبون لها اليوم كي يتفقون على موعد زواجهم، وهو بدوره سيبلغ ماجدة، فلا داعي للتأجيل، مما جعل قلبه يكاد يقفز من السعادة بين ضلوعه. وبالفعل أبلغ مها عما اتفق عليه هو وعمران، ورغم اعتراضها هي الأخرى لأنها تحب رحمة حبًا جمًا، ولكن لم تستطع بسبب ملاحقة جاسر وراءها، فوافقت على مضض.

وبالفعل مرت الساعات سريعة، ويجلس هؤلاء الجمع يتحدثون بسعادة لاتفاقهم على موعد الزفاف بعد أسبوع من الآن، ولكن سألتهم ماجدة السؤال الذي حيرها كثيرًا: "طب ما قلتوليش يا ولاد، هتعملوا فرح ولا هتمشوا دنيتكم كيف؟ أحست مها بأن موضوع الفرح ثقيلًا على قلبها، فهي ستخجل بشدة، فمجمل الأمر صعب بالنسبة لها، فهي كانت أمًا. ولكن استمعت إلى جاسر يجيب بتأكيد مما صدمها:

"طبعًا يا خالة ماجدة، هنعمل فرح وفي أحسن قاعة فيكي يا قنا، إيه اللي ما يخليناش نعمل فرح؟ أنهى كلماته وهو ينظر إلى مها كي يستشف رد فعلها، فوجد أن وجهها متغير ويبدو عليها الانزعاج، فسألها مندهشًا: "مالك يا مها؟ هو أنت عندك اعتراض على الفرح؟ ممكن تقولي رأيك؟ هنا قام عمران وهو يشير إلى ماجدة وسكون آمرًا إياهم: "طب نقوم إحنا بقى ونسيبهم يتكلموا على راحتهم ويتفقوا على كل حاجة، وأيًّا كان قرارهم هم حرين فيه."

أطاعوه وقاموا خارجين وتركوا لهم المكان كي يتناقشوا بحرية، فاقترب منها جاسر قليلًا مع حفظ المسافات، وهو يسألها عن ذاك الأمر وهو يرى التوتر بادٍ على وجهها: "مالك يا أم الزين؟ من ساعة ما سيرة الفرح جت وأنتِ متغيرة، وشك قلب وحاسس بالتوتر اللي أنتِ فيه على الآخر. هو أنتِ مش عايزة الفرح؟

ابتلعت ريقها بصعوبة بالغة وهي خائفة أن تخبره برفضها لذاك الحفل، فهي خجلة بشدة ولن تستطيع أن تقف بين حشد من الناس بمظهر العروس، لأن ظروفها مختلفة عن أي أنثى في حالتها تلك. ثم فهمته مقصدها بهدوء، وخاصة عندما رأت هدوء أعصابه معها وطريقة سؤاله بعيدة كل البعد عن الانفعال، وخاصة أنه استشف رفضها وتوترها. ولكن ذاك الجاسر دائمًا يفاجئها برجولته معها وعدم عصبيته وتلقيه منها جميع الأمور بسلاسة، مما جعلها تهدأ قليلًا وهي تخبره بما تريد دون خوف. وهكذا هي العلاقات المريحة لكلا الطرفين، علاقات خالية من التعقيد وخالية من الجبن، حيث أن الطرفين فيها يشعر دائمًا بالأمان، والأمان هو سبب نجاح أي علاقة بين رجل وامرأة، فحينما وجد الأمان، وجد الحب، ووجدت السعادة.

"أنت من حقك طبعًا تعمل فرح، لأن دي أول مرة ليك في الحياة الجديدة دي، بس مش عارفة حاسة إني هبقى مكسوفة أو مش مستريحة أو مش هعرف أتعامل مع الجو، لأن إني ظروفي مختلفة. مش حابة أشوف في نظرات الناس لوم. مش حابة أشوف نفسي في عيونهم الست اللي جوزها مات، ولادها ماتوا، فراحت اتجوزت ونسيتهم. مش حابة أشوف في عينيهم إني ما عنديش دم، حاسة وقتها النظرات دي

هـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.ـ.

... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ...

ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ...

ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ...

ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ... ـ... ... ـ... .ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ...

ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ...

ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ...

ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ... ـ ما تظبط لسانك دي يا ماهر وانت هتتحدت وياي. تبسم ضاحكاً بعدما استطاع إخراج رحمة الشرسة الآن وهو يباغتها بقبلة سريعة جانب شفتيها:

ــ ياه أخيراً ياعمنا سمعنا صوتك الشرس يابتاع الكنتالوب والتوب انت. ابتسمت لتذكره تلك الكلمة ثم قالت: ــ ياه انت لسه فاكر يابتاع الأسد اللهم لا حسد. ضحك بشدة ثم حرك رأسه للأمام وتحدث بنبرة مشاكسة: ــ يعني انت نسيتي علشان أني أنسى ياصغنن وبعدين هي داي لحظات تتنسي عاد! ثم غمز لها بطريقة أذابتها:

ــ طب بقول لك ايه ماتيجي بقي نطلع فوق أوضتنا ونشهيص شوية ونروق الجي ونظبط الدي وأنعنشك اكده أصلك مش عجباني خالص وكمان أني مشتاق بالجامد. أومأت له وهي تربت على وجنته وقد ارتفعت دقات قلبها الرنانة ودقت في أرجاء قلبه وأردفت بدلال: ــ هو انت مبتزهقش والاشتياق عندك مبيبطلش؟ أووو تصدق نسيت انك الأسد اللهم لا حسد. اقترب منها ليزيح خصلة فوق عينيها يتلمس وجنتها نزولاً إلى فكها ثم صعد إلى شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه

وهو ينظر لها باشتياق جارف: ــ ماهو انت السبب يارحمتي كل يوم هتزيدي حلاوة وجمال وهتجنيني أكتر من اليوم اللي قلبه وأني بضعف قدامك قووي. ثم حملها وصعد بها إلى غرفتهم ووضعها على التخت برفق وقبلها من جبينها وتركها وذهب إلى الحمام كي ينعم بحمام دافئ يستعيد به نضارة جسده وحيويته وكي يترك لها وقت لكي تستعد نفسياً للقائه فقد قالت له الطبيبة أنهم يستطيعون أن يعيشوا حياتهم الزوجية الطبيعية دون أي عائق.

بعد مدة مضت قضاها هؤالاء الكابل الشرس يتنعمون في أحضان بعضهم كانوا يجلسون على التخت وهو يحتضنها برعاية ويخبرها: ــ في خبر حلو قوي هقول لك عليه جاسر كلمني وقال لي ان فرحه كمان اسبوع عمران أصر إن هو يعمل الفرح علشان خاطر كفاية تأجيل وكمان فرصة حلوة ان انت تخرجي من الجو الكاتم اللي حابسة حالك فيه وتحضري الفرح مع حبايبك.

فإيه رأيك نبدأ من دلوك نشوف هتلبسي ايه او هتجيبي اللوك منين او اجيب لك ديزاينر هي اللي تعمل لك اللي انت عايزاه اهنه فقولي لي رايك نعمل ايه يا حبيبي؟ انقبض قلبها من فكرة تواجدها بين جمع من الناس وهي بحالتها تلك من ناحية ومن ناحية أخرى سعدت لأجل إتمام زفاف جاسر ومها أخيراً فهما يستحقون السعادة بحق. لاحظ تشتتها ذاك فسألها: ــ مالك ايه اللي خلاكي سرحتي اكده وريأكشناتك قلبت مرة لمحة حزن ومرة بسمة؟

ابتلعت غصتها بمرارة مثل مرارة الصبار وتركت لسانها يتفوه: ــ مش عارفة. مش متقبلة فكرة ان اني أكون في تجمع مع الناس دلوك ما عنديش استعداد نفسي لحاجة زي دي وفي نفس الوقت عايزة أفرح مع مها وافرحها ومش عايزة أحسسها ان هي عملت حاجة تزعلني في وقت زي ده لأني بجد فرحت لهم قوي فمتلخبطة ومش عارفة افكر. إبتسم بهدوء وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوان ثم نظر إليها وأخبرها بما عرفه له جاسر مما جعلها تبتسم وتطمئن:

ــ له ما تقلقيش من النقطة دي جاسر قال لي ان الفرح هيوبقى في نطاق ضيق أهل يعني في بعض لأن خطيبته هي اللي طلبتك دي عشان ظروفها اللي انت عارفاها فبالتالي مش هيوبقى في قلق كل اللي هيبقوا موجودين في الفرح حبايبك وفرصة حلوة تتجمعي معاهم.

وبعدين يا رحمة عايزك تنسي وتتعايشي على الوضع وتعيشي حياتك وما تضيعيش الفرص السعيدة اللي هتخرجك من الجو المقفول دي وتديكي تفاؤل انك تكملي مشوار علاجك وانت عندك طاقة إيجابية والحاجات اللي زي دي بتفرح قلوبنا وبتخلينا ننسى شوية اللي احنا فيه. وضعت كفاي يداها الحنونتان وحاوطت بهما وجنتاي ذاك الرائع وتحدثت بحب صادق ظهر بينا داخل عيناها وهي: ربنا يخليك لقلبي وتوبقى طول العمر جنبي.

وكل حاجة حلوة ليا منك بتأكد لي إني اخترت صح انت اللي جنبك ببقى حاسة بالأمان. انت جيت حياتي تملى كل سنيني فرح. من حسن حظي إني قابلتك. احتضنها بحب جارف وتحدثت عيناهم بحب وهم يدعون الله أن يجعلهم يشعرون دوماً بالسعادة وأن لاتفرقهم الأقدار.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...