أنا المرأة القوية التي جمعت كل أحزاني السوداء ثم تكحلت بها، وحينما تنظر داخل عيناي سترى أحزاني صامدة بقوة كي أضعفك. أنا التي تقبلت سم الكلام من فمك، ثم مزجته بدموعي ووضعته في إناء قلبي وتجرعته بعقلي، حتى أهز ثقتك وأجعلك تهابني ألف مرة قبل أن تجرحني. أنا المرأة التي لا يشغلني غائب ولا أطيق انتظارك، فأنا امرأة تاج العزة يزين رأسها، وتلبس ثوب العفاف والوقار، عقلها عقل ناضج وقلبها صندوق من الأسرار.
تستند مها على تختها وقد قررت أن تعلن ارتباطها بـ "جاسر" على الفيس بوك، ونشرت صورة يديهم بخاتم الزفاف ودونت فوقها: "ليس فقط جمالك الخارجي يجذبني، بل أيضًا عمقك وروحك الرائعة، أنت مصدر السعادة في حياتي، وأصبحت رفيق دربي نحو الأمان والحب، كيف يلتقي أحلامي؟ فهنيئاً لقلبي بك أيها الرائع."
دونت رسالتها وفعلت إشارة المتابعين، وكان من ضمن المتابعين ذاك عامر الذي ما إن رأى ذاك المشهد حتى تحسر قلبه بشدة، وعلم الآن أنه خسرها للأبد، ولكن حرضه عقله أن يحادثها حتى لو كانت تلك محادثتهم الأخيرة، وهو يلومها بتلك الرسالة: "دلوك عرفت سبب رفضك ليا إيه؟
إنك لقيتي الحب اللي كنت هتستنيه، زي ما أنا لقيتك قبل كده واستنيتك كتير واتمنيتك أكتر بكل ما فيا، وأني كنت عايزك، وفي الآخر برضه قلبي اتحرق من جواه في بعدك، ودلوقتي في خسارتك يا أغلى ذكرى عشتها في حياتي."
كانت جالسة تستقبل تلك الإعجابات على منشورها، ووجدت رسالته التي صدمتها للتو، فقرأتها وهي تشعر لأول مرة بالشفقة تجاهه، ثم وجدت أنها لابد أن ترد عليه كي تغلق صفحته للأبد تجاهها، وبعدها تقوم بحظره، فهي امرأة الآن على اسم رجل، عاشقة له ولن تخونه أبداً حتى ولو بالكلام: "يا ريت تنساني يا عامر وحاول تطلعني من دماغك وقلبك زي ما أنا ما عملت من سنين.
ودور حواليك هتلاقي الحب زي ما أنا ما لقيته، واقفل الماضي اللي بيني وبينك وما تحاولش تنبش فيه تاني.
أنا عارفة إن انت عمرك ما هتفضح اللي بينا، وعارفة قد إيه رجولتك في الحتة دي بالذات، هشيلها لك في قلبي، اللي بيدعي لك كأخت لأخوها، ربنا ينزع حبي من قلبك ويرزقك زوجة طيبة وحنينة تقدر تنسيك كل حاجة مرت بينا، أرجوك يا عامر ما تبعتليش تاني لأني بجد بحب خطيبي جداً، وما صدقت الدنيا فتحت لي أيامها الحلوة، فمش عايزة أخسر تاني، كفاية الخسارة اللي خسرتها وخلتني عايشة أيامي بلياليها وجع على الغاليين لحد دلوقتي ما بردش. أرجوك انسي مها من حياتك يا عامر."
عند الفراق اترك لعينيك الكلام، فسيقرأ من أحبك سوادها. واجعل وداعك لوحة من المشاعر يستميت الفنانون لرسمها ولا يستطيعون، فهذا آخر ما سيسجله الزمن في رصيدكما. فما أصعب أن تبكي بلا دموع، وما أصعب أن تذهب بلا رجوع، وما أصعب أن تشعر بضيق وكأن المكان من حولك يضيق.
فبعد الفراق لا تنتظر بزوغ القمر لتشكو له ألم البعاد، لأنه سيغيب ليرمي ما حمله، ويعود لنا قمراً جديداً. ولا تقف أمام البحر لتهيج أمواجه وتزيد على مياهه من دموعك، لأنه سيرمي بهمك في قاع ليس له قرار ويعود لنا بحراً هادئاً من جديد. وهذه هي سنة الكون، يوم يحملك ويوم تحمله. بعد خيبتها العاطفية الأولى، لم تعطِ قط نفسها كلياً، خافت الألم والخسارة والفراق، وهي أمور لا مفر منها على طريق الحب. ولاجتناب المعاناة ينبغي التخلي عن الحب، الأمر أشبه بأن نقتلع أعيننا كي نغض النظر عن بشاعات الدنيا. فإذا ما جاء الفراق يوماً، وجاء بعد الفراق العيد، فلا تنس أن تفرح، ولا تنس أن تضحك، ولا تنس أن تلبس الجديد.
فما كان منه إلا أنه وضع ملصق قلباً منقسم إلى نصفين، وكأنه بذاك الملصق يعبر عن حالته له تجاه كلماتها، وما كان منه إلا أنه فعل مثلها وقام بحظرها في نفس اللحظة التي قامت هي الأخرى بحظره، وانتهت أخيراً قصة عامر والمها، وكل منهم يشق طريقه بعيداً عن الآخر طالما اختار القدر ذلك.
تهبط زينب الأدراج وهي تنتوي الخروج كي تذهب إلى ابنتها رحمة، التي أصبحت شغلها الشاغل وملهاها، وكل تفكيرها أصبح الآن منصب تجاهها، فاليوم موعد جلستها مع الطبيبة، وفي كل جلسة لم تتركها وتقف بجانبها. رآها سلطان وهي تتجه إليه وتردد بطريقتها الحادة معه منذ ثلاثة أشهر وهي لن تجعله يمسها، فقد جرحها وأصابها بسم الكلمات ما يجعلها غاضبة:
"أني رايحة حدا رحمة الداكتورة جاي لها النهاردة، الوكل عندك في المطبخ لأني هقعد معاها النهار بطوله ومش هفوتها." زمجر "سلطان" بضيق وهو يسألها بفقدان صبر: "لحد ميتة هتفضلي مقفلة دماغك ومنشفاها بالقووي يازينب، وأنا وانتي كل واحد فينا في ركن لوحده؟ الطريقة دي متنفعش ولا ترضي عبد ولا رب." نظرت له بنصف عين وهي تتشبس بعنادها معه وأجابته بنبرتها الجليدية:
"لحد ما تعترف إنك غلطت في حقي لما مديت يدك علي وأهنتني، وأني مرة حرة مقبلش الإهانة واصل، ولولا ظروف بتي واللي حصل لها مكنتش قعدت معاك هنا يوم واحد بس. معملتش كده علشان خاطرها هي بس علشان نفسيتها متتأثرش بيا وبيك، لكن أني خلاص زهدت فيك وزهدت صنف الرجالة كله." حاول أن يستدعي الهدوء كي يجابه تلك الشرسة، ورغم كبرها إلا أن عقلها ما زال عقل امرأة مراهقة، فتحمحم متسائلاً إياها بنبرة باردة: "أممم.." يعني عايزة إيه يا زينب؟
مكفاكيش الشهور دي؟ كلماتها عند ومكملة برضه وهتهلفطي بكلام وخلاص! رفعت قامتها لأعلى بشموخ اعتادت عليه، للأخذ بحقها، فهو أهانها، ومهما كان السبب، ما كان ينبغي أن يمد يده عليها، مجيبة إياه بمكر:
ــ والله إنت اللي استقويت وافتريت ومديت إيدك علي وكسرتني، وأنا في السن دي، مع إنك المفروض كنت تحتوي الموقف وتاخدني في حضنك وتهديني، إن ابني الوحيد ومراته خرجوا من البيت. ومهما كان حجم المشكلة، وكل واحد فينا بيفكر إزاي عشان يحلها من وجهة نظره، كلنا وقت المشكلة بنشوف إننا مش غلطانين. وأي إنسان أكده، لكن إنت أسهل حاجة عندك الضرب والإهانة. وآديني أهو قاعدة أنا وإنت لوحدنا في البيت، ولا حد بيقولنا باب ريحكم فين.
وأكملت بأسى، وهي تشعر بالحسرة وتنظر حولها من فراغ منزلها بعد أن كان مملوءًا بأنفاس أبنائها حولها:
ــ وولادي اللي عشت أحابي عليهم العمر كله. واحدة خلفت وانشغلت مع جوزها وحماتها، وما بشوفهاش إلا كل شهر مرة. والتانية ربنا ابتلاها وبقت قاعدة على كرسي متحرك. والوحيد اللي كنت حاطة أملي فيه هيملأ لي البيت عيال. ربنا قدره له الوحدة والسن بيجري بيه. والراجل اللي أنا اتجوزته لو طال يموتني هيموتني ومش حاسس بنار قلبي القايدة على ضنايا اللي فر وسابني. وبعد ده كله مش عايزني أنقهر يا سلطان!
أحس بكل ما تحكيه وتشكيه، وهو ينظر حوله هو الآخر ويشعر بنفس وجعها، ثم قام من مكانه وجذبها من يدها برفق، وهو يقبلها من رأسها مرددًا بندم: ــ طب معلش، حقك عليا إني مديت إيدي عليكي. كانت ساعة شيطان وراحت لحالها، مش هتتكرر تاني يا أم عمران. وبعدين أنا كمان زيك بالظبط، وفارق معايا فراق العمران ومراته وخروجهم من البيت. بس هي دي سنة الحياة، ومسيرهم كل واحد له طريق هيمشيه. بس إنت ما تكركبيهاش على دماغك وفوتي عشان المركب تمشي.
أنهى تطيب خاطرها بكلماته، ثم جذبها بين أحضانه وهو يتلهف شوقًا لها، فقد شنت عليه مكر الأنثى بجدارة. ولكنها أبعدته عنها وأدارت ظهرها، وهي ترفض هدنة صلحه لها، لتقول بتصميم: ــ هو بمزاجك ولا إيه يا سلطان؟ وقت ما أضرب تضرب، ووقت ما شوقك يغلبك تحن وتقدم فروض الولاء والطاعة، وأنا المفروض أقول سمعًا وطاعة!
ثم أدارت جسدها إليه، ثم ناظرته بكل ما أوتيت من قوة بفم مملوء بالرفض. لو رآها أحدهم، للقبها بامرأة الجبروت، ولكنها امرأة أُهينت على يد سكنها الآمن: ــ له يا سلطان، مش أنا اللي تنضرب وتعمل فيها أكده وتتصالح بسهولة؟ أنا كرامتي عندي فوق كل اعتبار، فوق أي عشرة، فوق أي قوانين فرضها الراجل القوي على ست ضعيفة. ولو فاكر إنك لما تبوسني من راسي إني هحن لك وهنسى، تبقى بتحلم. إنت حطيت حاجز كبير قوي بيني وبينك، عمري ما هنساه.
كان واقفًا يستمع إليها باندهاش، فمن أين عرفت ذاك الكلام الكبير الذي ألقته على مسامعه للتو؟ وظل ينظر إليها بعين ونصف، حتى استشف ما عرفها ذلك، هاتِفًا لها: ــ أه، مانتي بقيتي قاعدة على المخروب اللي اسمه الفيس بوك دي، وتتفرجي لي على النسوان اللي هتقوي الستات على رجالتها وهتعلمهم يهجروا أجوازاتهم! ثم أكمل بتحذير، وهو يقسم لها صدقًا مما جعل داخلها يهاب من قسمه:
ــ أنا رضيتك وبوستك من راسي عشان ما كانش ينفع أمد إيدي عليكي. لكن قسما عظيمًا هتظيتي فيها وهتفضلي نافرة وهاجرة. لا هعمل اللي ما تحبينهوش، وأنا قسمي مش هينزل ولا هتراجع عن اللي في دماغي. أنا بقالي تلت شهور بطبطب شوية وساكت، وسايبك على راحتك شوية ومكبر دماغي. عشرة، لكن هتزيدي فيها أكتر من كده هتلاقي مني اللي تكرهيه، وإنت حرة يا زينب، متطوليش أكتر من كده. وخلي في معلومك، لأنك بقي ليكي غيري ولا إني بقي ليا غيرك. العيال اتجوزوا واستقروا في بيوتهم، الله يعينهم على شقي الحياة. فخلينا نبقى حلوين مع بعض عشان الدنيا تمشي، وخلينا ونس لبعض أحسن ما نبقى أعداء.
ارتعب داخلها من تهديده، وهوى قلبها بين قدميها، فهو لن يقسم هباءً. ثم اصطنعت الكبرياء كي لا يرى ضعفها، فيكمل ما بدأه، لتقول بقوة واهية، وهي تستعد للمغادرة: ــ لما نشوف هتعمل إيه يا سلطان، وهتكسرني بأنهي طريقة تاني. أنا ماشية رايحة لبيتي. ــ مع السلامة، ومتقطعيش الجوابات يا بتاعت النت والنتيت إنت!
جملة ساخرة نطقها "سلطان" لـ "زينب" جعلتها تغتاظ منه، وهرولت من أمامه وهي تدب أرضًا، ولكنها تشعر بالسعادة كثيرًا، فقد أرضت غرورها ناحيته وجعلته يعتذر لها ويقبل رأسها. وبدورها قررت أن تتعامل معه بمكر حواء، تلين مرة وتشُد عشرة، كي لا تجعله يكرر فعلته معها أخرى. أما هو، فور خروجها، نطق بغيظ وهو يضرب كفًا بكف:
ــ يقطع النت على النتيت على اللي هينتتوا عليه، على صنف الحريم كله اللي خلاهم هيتفرعنوا على رجالتهم. نساوين عايزة حش رقابيها. ثم أكمل متوعدًا وهو يشعر بالغيظ منها: ــ الله الوكيل يا زينب، لو ما اتعدلتي وسيبتي اللؤم ده، لا هكون مقطع لك سلك المخروب ده خالص، وما هخليكي تطوليه بعد كده.
أما في الخارج، صادف خروج زينب دلوف عمران، فهو قد صلى الجمعة، وقبل أن يسافر هو وزوجته، ذهب ليطمئن على والديه. وعندما رأته، دق قلبها شوقًا لوحيدها الذي أصبح غريبًا عن أحضانها، وتراه كل يومين بعد أن كانت تراه صباحًا ومساءً، وفي كل وقت.
نظرت إليه بلوم مغلف بالقهر وقلة الحيلة، ووجهت أنظارها للناحية الأخرى عن قصد كي تداري شوق عينيها التي حتمًا ستفضحها. وقلبها حزين منه بشدة. ثم اقترب عليها وهو يجذب رأسها كي يقبله، وما كان منها إلا أنها أبعدت رأسها عنه بقصد، جعله حزن للغاية: ــ طب ليه يا أمي؟ هان عليكي تنفري عمران ولدك اللي نفسه في حضنك ومحتاجه قوي عشان يقدر يكمل! بزيادة جفا يا حاجة، أنا اللي فيا مكفيني، وربك أعلم بما في الصدور، وأكيد إنتي حاسة بيا.
لم تستطع أن تستمر في معاملتها الجافة، وجذبته إلى أحضانها وهي تقبله من رأسه ووجهه، وسحبته لأحضانه بحنو واشتياق. لو رآه أحدهم لأجزم أن وليدها ذاك مسافر منذ زمن بعيد. وهي تشهق في أحضانه بشدة وتشعر بأن الشوق لولدها الوحيد يمزق داخلها.
أما هو، حزن بشدة لبكائها الشديد وشعر بالخزي من حاله، من أنه أحزنها وجعلها تشعر بالوحدة والاستياق له بتلك الدرجة. وخُيّل له أن ولده الذي يترجاه من ربه سيفعل به يومًا من الأيام ويتركه لأي أسباب مهما كانت معضلة. وإلى شعر بالحزن الشديد، وأنه أصبح قاب قوسين أو أدنى، والموقف في قلبيهما صار متأزمًا للغاية. ثم أخرجته من أحضانها واحتضنت وجنتيه بين كفّيها، وبعينين باكيتين دعت له قبل أن تتركه سريعًا وتهرب من شوقها الجارف له:
ــ ربنا يراضيك ويرضيك ويرضي عنك يا ابن عمري يا ابن قلبي. دعت له وفرت هاربة من أمامه بقلب يخفق من ألم فراقه، فخروجه من أحضانها كان هادمًا لها. وهو وقف ينظر على أثرها بحزن شديد، ثم وقف قليلًا يستجمع شتاته المفرق قبل أن يدلف إلى والده. ثم هدأت أعصابه ودخل إلى والده الذي رآه يحدث حاله ويبدو عليه الانزعاج الشديد، فاندهش لحالته تلك، فألقى السلام وتساءل متعجبًا من حالته: ــ عليك السلام والرحمة يا حاج. إيه مالك؟
مين مزعلك قوي ومخليك هتكلم حالك وانت مخنوق كده عاد؟ نظر إليه "سلطان" وهو يجيبه ساخرًا: ــ آه، ماهو إنت تعيش في العسل لحالك وإنت ومرتك، وأنا أتحمل فراق من هنا يا حيلتها! زمجر "عمران" برفض مصطنع لشكوى أبيه ليهتف باستنكار: ــ وإيه وأنا مالي يا حاج باللي هتعمله زينب وياك؟ مانت اللي مش عارف تبلع عقلها بكلمتين وهتلاقيك زي عوايدك هتشخط وتنطر! أكمل بنصح وهو يجلس بجانبه:
ــ يا أبويا، الست كائن ضعيف، مش عايزة إلا المعاملة الزينة، وصدقني هتلاقيها وياك فل الفل وميت عشرة. سيبك من أسلوب الزعيق والتهديد، وكمان بتوصل مد اليد. وأمي ما هتجيش معاك بالطريقة دي أبدًا. اتعامل وياها بهدوء وبلين، وصدقني هتلاقيها معاك حاجة تانية خالص. الست عمومًا هتحب اللي هيدلعها ويطبطب عليها، حتى لو كانت غلطانة كده هتريح وتستريح. ضم "سلطان" حاجبيه بعبث وهو يهتف برفض:
ــ وإنت يا ابن امبارح هتعلمني كيف هتعامل ويا مرتي؟ أمك هتدلع على كبر، وأنا دماغي ما لهاش في الحديث دي واصل، وزهقت من عمايلها وقربت أطفش وأهج منها خالص عشان تستريح. ضرب عمران كفًا بكف باستنكار من تصميم أبيه على المشاكل: ــ يا أبويا حاشا لله، إني هعلمك، بس دي أمي وأنا ما أحبش أشوفها مقهورة بالشكل ده. وأكيد حصل منك إنك زعلتها أو مديت إيدك عليها، خليتها بالشكل ده، وأنا لازم أزعل عليها.
اتسعت مقلتا "سلطان" مما قاله "عمران"، هادرًا به: ــ ده إنت طلعت ابن أمك بصحيح! وأنا اللي عملت ده كله عشان تعيش إنت مرتاح وهادي البال، وفي الآخر تزعل على أمك وما تزعلش على أبوك! أسفخس عليك يا ابن زينب، تصدق طلعت عيل واطي وخسارة فيك اللي كنت هأجاهد فيه عشانك. لوي "عمران" شفتيه بامتعاض ليقول بهدوء:
ــ متشكرين يا حاج، أي حاجة تطلع منك هأقبلها مهما تقول. بس إنت روّق بالك كده واجمد. الست عايزة الراجل طويل البال عشان يتحمل النكد بتاعها عمال على بطال. مش قصدي إنك تزعل مني. أجابه بإقتضاب: ــ حاضر يا ابن امبارح، يا اللي هتدي أبوك درس في معاملة الحريم اللي ما يعزاش غير حش رقابيها، والله. وأكمل وهو يهدئ من نبرة غضبه ويسأله عن أحواله: ــ كيفك إنت ومرتك عاملين إيه؟
ورحتوا للدكتور اللي قلت لي عليه قبل كده ولا لسه مأجل الموضوع يا ولدي؟ أجابه عمران مطمئنًا إياه: ــ إحنا بخير يا أبويا، اطمن علينا. إنت عارف كنت مأجل الموضوع ده عشان اللي حصل لرحمة أختي، بس أنا قلت أجي لك وأعرفك إننا مسافرين النهاردة رايحين للدكتور إن شاء الله، وربنا يجعل القبول من حظنا ونصيبنا. ابتسم "سلطان" تلقائيًا وهو يدعي له ويربت على ظهره بحنو:
ــ على بركة الله يا ولدي، ربنا هيراضيك إن شاء الله عشان إنت ولد حلال، وهيراضينا كلنا. ربنا العالم إني مستني الحفيد ده قد إيه، أكتر من زينب ميت مرة. بس ادي الله وادي حكمته، وواجب علينا نصبر. ربنا يجعل تعبكم في سفركم على خير إن شاء الله ويجبركم ويجبرنا. أنا متفائل خير يا ولدي. أمن عمران بلهفة لدعاء والده:
ــ يا رب يا أبويا يسمع منك يا رب. بس أمانة عليك يا أبويا ما تجيب سيرة لأمي، إنت عارف ما عايزهاش تتعلق بأمل لسه ما عرفناش عنه حاجة. خلينا كده على الحياد، وهي هتعرف إننا مستنيين أمر الله وفرجه علينا. كفاية اللي حصل لحد كده. وقت ما ربنا يريد هتعرف كل حاجة في وقتها.
حرك والده رأسه بموافقة وظل يدعو له، وتحدثا قليلًا، ثم استأذن عمران في المغادرة كي يذهب إلى سكون ليستعدوا إلى رحلة المجهول بالنسبة لهم، والتي تعتبر أهم رحلة في حياتهم، والتي بدورها ستكون لهم إما آمنة وجابرة لقلوبهم، وإما محطمة لآمالهم. والله المستعان لهم.
استعد "عمران" و"سكون" للسفر أخيرًا، وصعدوا إلى السيارة وهم يرددون دعاء السفر، والذي لابد أن يردده الإنسان عند سفره ليأمن شر الطريق، فهو دعاء يرزق الإنسان السكينة والاطمئنان. فبهذا الدعاء يستودع الإنسان نفسه وعائلته في أمان الله. فقد علمته له سكون، وبدوره في كل مرة يسافر فيها يردد الدعاء وهو يتذكرها بالخير دائمًا. فألقاه عمران بصوت عالٍ وهي تؤمن وراءه بصوت منخفض:
ــ بسم الله توكلت على الله، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. سبحان الذي سخر لنا هذا، وما كنا له مقرنين. وإنا إلى ربنا لمنقلبون. اللهم أنت الصاحب في السفر، اللهم هون على سفري هذا، واطوِ عني بعده.
اللهم اهدنا فيمن هديت، وعافنا فيمن عافيت، وتولنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقنا شر ما قضيت، إنك تقضي ولا يقضى عليك، وإنه لا يذل من واليت، ولا يعز من عاديت، تباركت ربنا وتعاليت. يا رب أسألك في سفري هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى. يا رب احمنا من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل. اللهم ارزقنا في سفرنا هذا أمنًا وسلامة ورزقًا طيبًا وعودة حميدة.
اللهم اجعل التوفيق حليفنا في سفرنا هذا، ويسر لنا طريقنا، وجنبنا من كل سوء. اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل، توكلت على الله ولا حول ولا قوة إلا بالله. يا رب استودعتك روحي ونفسي وجسدي، فردني إلى أهلي سالمًا، وأعوذ بك من وعثاء السفر. بعد أن انتهى عمران من إلقاء دعاء السفر، توجهوا في طريقهم. ولكن كان عمران صامتًا طيلة الطريق بسبب لقاء أمه وما فعلته معه، ولم يشعر بالارتياح. وأحست سكون بذلك، فسألته
وهي ترى حالته المتغيرة: ــ مالك يا عمران؟ حاسك متغير، في حاجة مضايقاك أو مزعلاك؟ ما كنتش كده الصبح، وشك قالب خالص! تحمحم كي ينظف حنجرته وتحدث بنبرة جادة لملامح وجه منهكة ارتسمت رغما عنه:
ــ مش عارف، ماما مش راضية ترضى بالأمر الواقع لحد دلوقتي، وكل أما أقابلها ما ترضاش تسلم علي، وتحسسني بالذنب ناحيتها. مع إن اللي أنا عملته ده طبيعي لأي إنسان بيعمله لما بيتجوز، بيستقر في بيته اللي هو عمله عشان يبدأ فيه حياته. ولحد دلوقتي مش متقبلة الوضع خالص. بقى لنا كذا شهر والعناد والزعل. ما قالوش بل بالعكس، مش عارف أعمل معاها إيه تاني!
أخرجت تنهيدة حارة وأنزلت بصرها، وأردفت قائلة بنبرة محملة بأثقال من الهموم وهي تحمل حالها ذنب فراق الابن وأمه: ــ غصب عنها يا عمران، ابنها الوحيد فاتها وساب لها البيت فاضي عليها، وهو كان أملها إنه هيملأ البيت عليها من تاني. لازم نتحملها ونتحمل أي طاقة زعل تخرجها من قلبها لحد ما تستسلم للأمر الواقع. وبصراحة كده، الذنب مش عليك إنت، الذنب عندي أنا عشان إني السبب في كل اللي بيحصل ده.
ضم حاجبيه وعبس وجهه وسأل مستفسرًا بدهشة ظهرت على وجهه وهو يستنكر ما نسبته إليها: ــ ليه الذنب عندك إنتِ!
من البداية أنا بنيت البيت ده من قبل ما نتجوز، وكنت عامل حسابي إننا هنستقر فيه. ولولا الظروف اللي حصلت كان زماننا متجوزين فيه من البداية وما كنتش زعلت أصلًا. يعني اللي إحنا فيه ده كان أمر واقع، بس اتنفذ متأخر شوية. ما تحاوليش تحملي نفسك أكتر من طاقتها إنتي كمان يا سكون، كفاية اللي إنتي فيه. وبعدين ما تشيلنيش ذنبك إنتي كمان، كفاية عليا أمي، أرجوكي.
تنهدت بثقل وألم نفسي انتابها جراء كلماته، ثم وجدت أن تغير مجرى الحديث كي لا تجعله يحزن، فكفاهم من الهموم ما كفى: ــ ولا ذنب ولا يحزنون يا حبيبي، قل لي بقى قدامنا قد إيه في الطريق على ما نوصل؟ تنهد وتحدث باستجداء معلمًا إياها: ــ بإذن الله قدامنا خمس ساعات ونوصل على خير. أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بهدوء وعرضت عليه بشغف:
ــ حلوين قوي، يلا نقرأ سورة البقرة تسميع مع بعض، وإحنا ماشيين. إنت صفحة وأنا صفحة لحد ما نخلصها. هتاخد مننا ساعة تقريبًا، وبعدين ندخل على يس، وبعدين على الملك والواقعة. وما تقولش لأ، عشان إحنا ما سمعناش مع بعض بقى لنا كتير. ودلوقتي بقى هختبر مدى حفظك يا سيد عمران.
ابتسم وأومأ برأسه بموافقة على اقتراحها بصدر رحب، وبالفعل بدأ كلاهما بالقراءة والترتيل بصوت عذب. والساعات تمر عليهم كالدقائق وهم مشغولون بالتسميع، ويتناسون الطريق في حضرة القرآن الكريم. وأي حضرة هذه؟ فهي تعطي القلب راحة وخشوع وهدوء لم يشعر بهم الإنسان إلا في ذكر الله. "ألا بذكر الله تطمئن القلوب".
وأخيرًا وصلوا للمكان الذي ستجري فيه الفحص، وهم يقفون أمامه بقلب ينبض بالخوف تارة وبالأمل تارة أخرى. ومشاعرهم تنعكس على وجوههم، فأحيانًا يبتسمون، وأحيانًا يتوهون، وأحيانًا ينظرون إلى السماء يترجون من الله أن يكون معهم.
ثم احتضن عمران كف يدها بحنو ودلفوا إلى العيادة، وقام بالاستعلام عن دوره. وإذا بها تقف تلك المسؤولة عن الأدوار لتقول لهم بترحاب واسع وهي تتمشى معهم في بهو المشفى الواسع الممتلئ بالأناس من مختلف الأشكال والألوان. وهم ينظرون إلى ذاك الجمع باندهاش، وداخلهم يردد أن من المعقول كل هؤلاء الناس يشكون مثل ما هم يشكون! أشارت لهم الممرضة:
ــ اتفضل بعد إذنك يا فندم، أنت والمدام. الدكتور قدامه حالة، وأنتم اللي هتدخلوا وراها على طول. وكل الأشعة المطلوبة هنعملها جوه عند الدكتور على طول، هو مستنيكم ومنبه علينا أول ما توصلوا ندخلكم فورًا، ما تستنوش دور. نظروا لبعضهم بدهشة. وبعد أن تركتهم الممرضة، نظر عمران لسكون مرددًا بذهول: ــ دي فريدة صاحبتك طلعت واصلة بقى. دي المستشفى، أمم، يعني لو هنمشي بالدور والحوارات دي، هنقعد هنا اليوم بحاله.
ثم تابع بتحقيق جال في باله بطريقة دعابية أضحكت سكون: ــ ولا الدكتور اللي جابنا هنا أصلًا، إيه حكايته هو وهي؟ حاسس إن الموضوع فيه. هي مش فريدة دي صاحبتك؟ ومش المفروض تكوني عارفة التفاصيل دي، ولا إيه؟ ولا أنتِ صاحبة أكده وخلاص لقب وبس ومش مسيطرة يعني؟ حاولت كتم ضحكتها على استفساراته، ثم هدأت وهي تجيبه: ــ وه أنت هتعمل المفتش كرومبو على صاحبتي ولا إيه؟
مش المفروض نشكرها برضه على الواجب الكبير اللي عملته معانا دي، ولا نقعد ندور وراها في حوارات في خيالك أنت يا عمران أفندم؟ رفع حاجبه بغيظ من ردها، ثم ظل يشاكسها إلى أن أتى دورهم. فشعرت بدقات قلبها تنبض سريعًا بين ضلوعها. وهو الآخر حالته لا تقل عن حالتها. ثم احتضن كف يديها بقوة وهو ينظر داخل عينيها محاولًا بث الهدوء والطمأنينة فيها:
ــ ممكن نهدى بقى، عايزين ريلاكس، أعصاب هادية. مش عايزين توتر، عايزين نقعد قدام الدكتور بثقة. والخوف ودقات قلبك اللي مش مبطلة دي، نهدى يا ماما عشان الدكتور يشوف شغله مظبوط. عايز ثبات انفعالي تمام يا سكوني. حركت رأسها للأمام وهي تأخذ نفسًا عميقًا تستدعي فيه الهدوء، ثم دلفوا إلى الطبيب وهم يدعون ربهم أن يجبرهم على يد ذاك الطبيب بفضله سبحانه وتعالى.
ثم دخلوا إلى الطبيب الذي قام واستقبلهم بنفسه، وقلما يحدث ذاك مع الحالات التي تجري الكشف عنده. وهو يسلم على عمران: ــ أهلًا وسهلًا يا باشمهندس، نورتوا العيادة. أهلًا وسهلًا يا دكتورة سكون. ثم ابتسم وهو يشير إليهم للجلوس مكملًا ترحابه بهم: ــ ما تستغربوش إني عرفت المعلومات دي. فارس موصيني عليكم جامد، وفارس ده زي ابني بالظبط، يمكن أكتر كمان. فعايزكم تعتبروا نفسكم في مكانكم بالظبط.
بادلوا ترحيبه بابتسامة تنم عن راحتهم لذاك الطبيب البشوش ولمقابلته لهم. ثم فحص الطبيب الأوراق إلى أن أنهاها، ثم نظر إليهم قائلًا:
ــ طبعًا وصل لك إنك لازم تعملي أشعة الفور دي لما بلغت فارس يبلغك، وعملتيها. وآشعة رنين. تشخيصي لحالتك إنك ما عندكيش أي سبب إن حملك يكمل. غير إن أشعة الفور دي بينت إن انتي عندك فيروس هو اللي مسمم الرحم بتاعك. هنعمل عملية بسيطة جدًا مع بعض الأدوية المستوردة اللي موجودة هنا في المركز، وطبعًا اللي أنا هقول لك عليه والخطوات اللي هنمشي بيها لازم تعمليها زي ما أنا ما بقول بالظبط عشان نأمن المفاجآت. ده أولًا.
ثانيًا، أنا مستغرب إنك إزاي طبيبة أمراض نسا وتوليد وفقدتي الأمل وما بحثتيش كتير في حالتك دي. والمفروض إنك درستي في كلية الطب إن ما ينفعش المريض يفقد الأمل تمامًا في الشفاء، ودايمًا تبثي الطاقة في المريض اللي قدامك إن ربنا سبحانه وتعالى عنده المزيد والمزيد من الخير. واللي وصل لي إنك ما عملتيش كده، ممكن أعرف إزاي يا دكتورة؟ نظرت لعمران كي تستشف منه القوة. فرمش بأهدابه وهو يشجعها أن تتحدث مع الطبيب بأريحية. فأجابته
وهي تفرك بيدها بتوتر: ــ أولًا، تشرفت بمعرفة حضرتك يا دكتور، وشرف عظيم ليا إني أقعد قدام حضرتك. ثانيًا، الطبيب لما يكون هو ذات نفسه المريض، بينسى كل اللي هو ذاكره وكل اللي هو عرفه وبيشوف إنه فاقد الأمل زيه زي المريض العادي بالظبط. وكمان الجو اللي كان حواليا كنت حاسة بالضغط منه في الموضوع دي بالذات، وعلشان أكده ما قدرتش أوصل لنتيجة أو إني كنت ضعيفة زي ما حضرتك ما بتقول. ابتسم الطبيب بوجه بشوش ثم طمأنها:
ــ تمام، انتِ حالتك بسيطة جدًا. الرحم بتاعك كويس جدًا، التبويضات عندك ممتازة، وكمان بطانة الرحم لا غبار عليها. كل الحكاية الفيروس هو اللي عمل القلق ده كله. وطبعًا انتِ ما عملتيش أشعة الفور دي ولا جت في بالك أصلًا، علشان لو كنتي عملتيها كنتي اكتشفتي الفيروس ده بكل سهولة. وأوعدك أربع شهور بالظبط والجنين هيتثبت في بطنك بإذن الله.
طبعًا هنعمل منظار، والمنظار اللي عندي مش موجود في مصر كلها لأني بجيب أجهزتي الحديثة أول بأول. فإن شاء الله هنعمل حبة أشعة وتحاليل، وبعدين العملية هتبقى كمان يومين. حركت رأسها برفض ولسانها نطق على الفور: ــ ما ينفعش كمان يومين يا دكتور. ممكن نخليها الأسبوع الجاي؟ لأن فرح أختي كمان تلت أيام. ممكن أعمل الأشعة والتحاليل وكل حاجة تطلبها حضرتك مني، وممكن أعملها هنا في المركز كمان قبل ما أمشي، بس نأجل العملية كمان أسبوع.
أومأ مع الطبيب بموافقة، ثم تحدث مع عمران بأن يجري تحاليل هو الآخر. وأكد عليه أنه لابد من تلك التحاليل. وبعد جلسة دامت أكثر من نصف ساعة، غادروا غرفة الطبيب وهم يبتسمون ويشعرون أن مشكلتهم أتى من تكون. فلم تكن تتوقع سكون أن يكون لديها فيروس، وذلك لأن ما أجرته من أشعة وتحاليل لم يبين ذاك. ويبدو أن ذاك الطبيب ماهر بحق.
ثم خرجوا من العيادة بعد أن أجرت جميع الأشعة التي طلبها منها الطبيب هي وعمران، وذهبوا إلى مطعم لكي يتناولوا طعام العشاء في جو من البهجة والسعادة. ومضوا تلك الليلة في نزهة في كثير من الأماكن في القاهرة التي ودت سكون أن تذهب إليها، ولم يحرمها عمران من زيارتها. ثم حجز ليلة في الفندق كي يستريحوا من عناء السفر ويعودوا إلى بلدتهم صباحًا بجسد منعش بعد أن أخذوا قسطًا كافيًا من الراحة.
بعد يومين قررت مها أن تذهب لرحمة مع سكون كي تقوم بعزيمتها على زفافها بنفسها. فهي تحبها كثيرًا ولم تستطع أن تفرح بدونها. وبالتأكيد استأذنت سكون من مها لزيارتها. ففرحت جدًا لتلك الزيارة. فذهبوا إليها، وكانت في تلك الوقت في غرفتها على تختها. وفضلت عدم الجلوس على الكرسي المتحرك، فهي لا تحب أن يراها أحد على ذاك الكرسي الذي لم تعتاد عليه أمام أحدهم إلى الآن غير والدتها وزوجها.
دلف إليها مها وهي تستقبلها بالأحضان، وما كان من الأخرى إلا أنها احتضنتها بسعادة لتردد بمرح كعادتها: ــ يا خراشي يا ناس، علطول أكده ريحتك حلوة وهدومك كانها جاية من باريس. يا أم الزين والجمال والأناقة عنوانك. حرام عليكي ياشيخة، هتعقدي الستات من حلاكي اللي هيزيد كل يوم، والله ليه حق جاسر ولد عمي يسيح على حاله أول ما يبص لك بس.
كانت تحدثها وهي تشدد على احتضانها. ثم تحدثت "مها" بمشاغبة لتلك الصغيرة التي دومًا تدخل السرور على قلوب الجميع رغم حالتها الصعبة: ــ وه هتحسديني إياك؟ أقوم أتكسر وابن عمك اللي هيسيح على حاله كيف ما هتقولي يجرى له حاجة! قهقه الجميع على مشاغبتهن. فلأول مرة تضحك رحمة من قلبها بعد ما حدث لها. ثم تحدثت سكون بنفس المرح وهي تجذب الغطاء من على رحمة:
ــ طب بقول لك إيه، إني ماليش في جو أوض النوم والقعدة فيه دي. إحنا هنقوم ننزل تحت نفطر مع بعض. إحنا جايبين فطار معانا معتبر من اللي أنتِ هتحبيه في الجنينة تحت، وكمان نشرب الشاي بتاعنا في الهواء الطلق بدل الخنقة اللي أنتِ قاعدة فيها دي. تبدلت معالمها من الضحك إلى الحزن وهي تتمتم بخفوت: ــ معلش خلينا هنا علشان ماهر مش موجود، هو اللي بينزلني لتحت.
حزن الاثنتين لأجلها ولأجل نظرة الحزن النابعة من عينيها. لتقول مها بأريحية كي تخرجها من حالة الحزن التي اعترتها: ــ أمال إحنا لازمتنا إيه يا رحوم! بعون الله إحنا نشيلك على عيوننا، مش بس نتحرك بيكي على سلم. يا جميلة، إنتي مستهونة بجنس حواء ولا إيه؟ دي الست منا تقدر تطلع الأهرامات وهي شايلة عيلين على كتفها، مش درجتين سلم. ثم احتضنتها بحنو يليق بشخصية تلك المها، فهو امرأة حنون بدرجة امتياز:
ــ هونيها على حالك يا غالية، وربك شافي السقيم من أشد الوجع. وإنتي قوية وهتقدري، إني عارفة إنك قدها وهتعدي من أزمتك داي على خير وهترجعي تهدي الدنيا تاني. ابتلعت ريقها بصعوبة وقد لمعت عينيها بغشاوة الدموع، ولسانها ينطق بضعف وقلة حيلة: ــ والله إني مش معترضة على أمر ربنا وحكمته في اللي حصل لي، لكن لسه مش قادرة أتأقلم على الوضع، ولا عارفة أصلًا هتأقلم كيف. بس كل اللي إني محتاجاه دلوقتي.
ثم نظرت إليهم وعينيها اللامعتين بالدموع انهمرت أخيرًا بعد أن حاولت حبسها، لتسترسل بشجن: ــ إنكم تكونوا جاري ومتسيبونيش وحدي، والأيام تلهيكم عني وتنسوني. أنتو اللي ليا أصحاب وأهل. متنشغلوش في حياتكم وتسيبوني لضعفي. إني محتاجاكم قوي أكتر من أي فترة في حياتي. انذرفت دموعهن هن الأخريات، فقد كانت طريقتها مؤثرة جدًا. واحتضنتها كلتاهن والبكاء أصبح سيد الموقف. ثم هدأت سكون وهي تلقي عليها عبارات الصبر:
ــ أنتِ أكتر حد في الدنيا دعمني وقت محنتي، وقفتي جنبي وسندتيني وكنتي حصن حصين للي هيتكلم عني، وتهدي من نار اللي حواليا وتردي غيبتي. كنتي زي ضلي اللي أول ما فارقك ألاقي نسمة كلامك البلسم ملاحقاني في أي مكان. انتي مش بس أخت الغالي، إنتي بالنسبة لي حاجة عظيمة وكبيرة قوي. يا رحمة، أرجوكي متتهزيش ومتضعفيش علشان إني هتقوى بيكي في ابتلاءي اللي ربنا قدره لي. إني كمان، إحنا كلنا مبتلين وصدقيني في ناس أكتر مننا أنا وانتي، وسبحان الله البسمة مهتفارقش وشهم. أما إحنا بنستسلم بسهولة. أرجوكي اجمدي يا رحمة علشان إني واخداكي قدوة للست القوية.
وظلت كلتاهن تبكيان. فحاولت مها أن تربط جأشها وتسيطر على بكائها كي تساعد تلك البائستين في نوبة آلامهم. لتمسح دمعة فرت من عينيها لتنطق بدعابة وهي تمنع الدموع إجبارًا عنها، وكأن الله قد ساعدها على ذلك، فهي كانت من المبتلين وبشدة:
ــ وه منكم لله انتو الاتنين علشان إني عروسة يا ناس، وأخواتها اللي هرمونات النكد طفحت عليهم هينكدوا عليها وهيبكوها. والله لاشتكيكم لحقوق المرأة ومنظمات حقوق الإنسان، وأخلي اللي مايشتري يتفرج عليكم. علشان هتنكدوا علي، واني أكتر واحدة في الدنيا ربنا ابتلاها لما شبعت. ثم أكملت دعابتها وهي تترجاهم بنبرة حزن مصطنع مما أضحكهم:
ــ انتو أكده هتثبتولي إني نحس من الدرجة الأولى، وإن جزء الدلع والفرفشة والحوارات بتاعت الستات داي إني وش فقر. ياناس، إني وش فقر يا عالم، ومليش حظ في الجواز ولا الرجالة ولا حتى أصحابي ولا أختي. ارحموني، إني أستغيث. استطاعت بالفعل تبديل حزنهم إلى مرح وضحكت الثلاث فتيات، وتبدل بكائهم إلى ضحكات وهم يحتضون بعضهم بسعادة تليق بقلوبهم.
ثم قامتا بحمل رحمة كالطفل الصغير وهم مازالوا يضحكون بسعادة. وعدلوا من وضعية الكرسي المتحرك كي يهبط الأدراج بمساعدتهن. فقد كانت مها من الخلف وسكون من الأمام يمسكون بالكرسي فقط، وهي تتجه به بزر الكهرباء الذي يحركه كيفما تشاء. فقد جلبه لها ماهر من الخارج كي تستطيع التحرك في كل مكان في المنزل حتى لا تشعر بالتقيد.
ثم هبطوا للأسفل، ودلفت سكون للمطبخ وبدأت بطهي طعام الفطور بمساعدة هانم. ثم خرجوا للحديقة ودعوا هانم لتناول الطعام معهم، وجلسوا يتسامرون بسعادة تليق بقلوبهم الجميلة. ثم أنهوا إفطارهم، وقرروا أن يلهوا في الحديقة بعيدًا عن المسبح كي تستطيع رحمة التحرك بالكرسي معهم. وبالفعل ظلوا يتسابقون ويمرحون كالأطفال، ورحمة تتشجع معهم وهي تعلي من سرعة الكرسي المتحرك الكهربائي. وبعد أن أنهكوا من السباق، ارتموا جميعًا مستلقين على
ظهورهم في الحديقة وهم يلتقطون أنفاسهم بإنهاك راق لهم. واستطاعوا تبديل مزاج رحمة السيء وأشعروها بأن الحياة يستطيع فيها الإنسان وهو في أشد حزنه أن يبدله إلى لحظات سعيدة، وحينما يجبر يتذكرها وحينها يبتسم ويحن لتلك اللحظات. ويرجع هذا لفضل الله وفضل تلك الشقيقتين اللاتي خففا عنها وجعها. وبعد عدة ساعات وعدتها رحمة أنها ستكون بجانبها يوم زفافها، وأنها ستجعل ماهر يأتي بها إليها منذ الصباح، وأنها ستقضي معها اليوم بأكمله.
فالصديق أحسن وقاية من الصدمات، لأنك في كل مرة تكاشفه فيها، تتحلل نفسك ثم يتم تركيبها من جديد في سياق سليم. فهناك من يكون حضوره في حياتك يجعلك لن تستطيع إكمال الحياة بدونه. فهنيئًا لمن وجد خليلًا يبعث في نفس خليله معنى الوفاء.
وأخيرًا أتى اليوم المنتظر، حفل زفاف "جاسر" و"مها". اليوم الذي سيتقابل فيها قلبان ترددا في العشق بخزي مرات. اليوم الذي لن ينسوه أبدًا، لأنه بالتأكيد سيكون مميزًا للغاية. إنه اليوم الذي يطلق عليه "ليلة العمر"، وما أجملها تلك الليلة.
حيث استيقظ "جاسر" منذ الصباح الباكر وأدى فريضة الفجر، ثم جلس وقرأ من القرآن ما تيسر منه، وقرأ أذكار الصباح حتى شعر باطمئنان صدره وهو كان في معية الله. ثم قرر أن يهاتف تلك التي سلبت لبّه كي يسمع صوتها الناعس فيزداد شوقًا ولهيب الاحتياج لها يتأجج في كل كيانه، حتى آتاه ردها بصوت رقيق متحشرج من أثر نومها، مما جعله استند على التخت باستمتاع وهو يردد بوله:
ــ يا حلاوتك يا جمالك يا أم الزين، لما دي صوتك بس وأنتِ هتصحي من النوم، آمال الهيئة كيف! أكيد مختلفة وبارعة، دي صوتك بس على ليفل الاشتياق عندي والود ودي تبقي دلوقتي جاري وأنا كنت هسقيكي العسل يا عسل. ابتسمت بحالمية وهي لم تفق بعد وظنت أنها ما زالت تحلم به وهي تردد في غفوتها: "والله أنت اللي أجمل حاجة في دنيتي يا جاسر وأنا هعشقك وهدوب من كلامك."
اعتدل في نومه وهو لم يكاد يصدق ما استمعت أذناه، فقد اعترفت "أم الزين" بعشقها له بنبرتها الهامسة النائمة وشعر بأن جسده الآن أصيب بالقشعريرة من همسها، وفورًا نطق بهيام وهو ما زال متأثرًا بهمسها وكلماتها وكل خلية تدق شوقًا واشتياقًا لتلك الحبيبة العاشقة: "والله ما عارف مين أجمل حاجة في دنيا مين، بجد يا مها أنا نفسي في وجودك جنبي قوي، نفسي أجرب طعم الحب في حضنك حاسس إنه هبقي وقتها أسعد راجل في الدنيا."
وأكمل هيامه بها حتى أنها فاقت من حديثه المعسول وهي تستند على تختها كالمراهقات وتتحدث مع خطيبها وحبيبها واليوم سيصبح زوجها حديث العشاق: "والله ما عارف أتخيل اللحظات الحلوة وإنتي في حضني عشان مديش للتخيل مساحة إنه يسحبني، وبعدين وقت الجد لما تكوني بين إيديا ومعايا تبقي اللحظات دي متخيلتهاش حتى من جمالها ورقتها وجمالك معاهم."
تاهت في سحر كلماته العذبة وكأنها أعذب الألحان، ترنيمات ساحرة ألقاها ذاك التو على مسامعها لتقول بنبرة يملؤها همس الشجن المغلف بالعشق:
"ياه يا جاسر عمري كله حلمت أن حبيبي يكلمني الصبح وأصحى على صوته وهو بيسمعني كلامه الجميل وأحس إني كنت بحلم بيه، وبعدين صوت قلبي يفوقني ويقول لي اصحي وفوقي وافتحي قلبك إنتي حبيبك بيناديكي، ركزي عشان ما توحشكيش اللحظات الحلوة دي اللي مش بتتكرر كتير، بس لو سمعتيها هيفضل صوت قلبك يرددها لك علطول فأقع في حبه أكتر." واسترسلت بهيام: "باختصار يا جاسر أنت حبيب العمر والقلب، أنت حبيبي اللي اتمنيته يكون ليا."
أجابها بنفس الهيام وقد شعر بتخدر أعصابه من كلامها وجسده أصبح يهتز بالشوق لها: "تصديقي أحلي وأجمل كلام سمعته في حياتي كلها يا روحي أنا. باختصار يا أم الزين الليالي الحلوة والشوق والمحبة، من زمان والقلب شايلهم عشانك." ثم أغلق الهاتف، كليهما وهما يشعران بأنهما طائران يحلقان في سماء العشق والغرام المتيم، ثم عادت لنومها وهي تبتسم بشوق أوصلها له ذاك العاشق الولهان الذي لا ينفض عن بث كلمات الشوق داخلها وأنسها مرار الأحزان.
أما هو بعد أن أغلق الهاتف فتح صورتها وقبلها بهيام وكأنه بذلك يريح توتر جسده الثائر داخله الذي يريدها بشدة الآن بين أحضانه، ولكن مهلاً أيها الشوق مهلاً، لم يتبق من الزمن سوى القليل كي تحظى بمعشوقة القلب والروح ومن ملكت الفؤاد والكيان. مر اليوم سريعا في ترتيبات الفرح والجميع فرحين لهذين العاشقين بسعادة بالغة، واتت اللحظة التي ستتوج فيها مها كعروس.
يضرب الليل أطنابه ويفتح السهر أبوابه عندما تبدأ الشمس بجمع خيوطها معلنة دخول قمر الليلة بزفاف "أم الزين" المبارك على رفيق دربها "جاسر"، فكانت مثل القمر اليوم وقد هلت كل عيون الناس على النبي المختار صلت (عليه الصلاة وأزكى السلام) من جمالها الآخاذ، وطيور الفرح غنت وعصافير الحب غردت، وبديارنا علا وبعرسهم عساهم خير مولد.
ذهب إليها بأقدام تسابق الزمن ثم وقف أمامها وهو ينظر إليها بهيام بعد أن عقد قرانهم أخيرًا، والآن يحق له احتضانها، يحق له أن يشم رائحتها عن قرب. كان الجميع ينظرون إليه وهم يلقون عبارات التكبير والتسمية لتلك العروس التي تشبه البدر في ليلة تمامه. كانوا يقفون حولها ينثرون الورود الحمراء والبيضاء والبينك بسعادة غامرة، ثم تركوهم وحدهم بعد أن هنئوهم وباركوا لهم.
اقترب منها وجدها تنظر للأسفل بخجل شديد مثلها كمثل العروس في زفافها الأول بوجهها الأحمر من شدة حيائها. نظر لشفتاها وابتلع لعابه وبدأ صدره ينتفض ويعلو ويهبط من شدة احتياجه لها. وما كان حالها أفضل منه، كانت تنظر عيناها لأسفل بفم مفتوح مرتعشة وقلب يرتجف يريد الارتماء داخل أحضانه ونسيان خجلها منه، ولكنها لم تستطع.
بقيا مدة على وضعهما هذا، كلا منهما يحترق شوقًا للآخر، فكيف لا يقف أمام حسنها صامتًا، فالصمت في حرم الجمال جمال، والصمت في حضرة عيون المها سحر فاق الخيال، وتوقف الزمان على تلك الطلة من ذاك العاشق الولهان، وأنيِر المكان ببسمة ذات الحسن والجمال، وعدد دقات القلوب تعدت الخيال.
ثم اقترب منها أخيرًا وهو يضع يده أسفل ذقنها كي يجبرها على أن تنظر لعينيه، فالشوق قد أنهى على صبره، ثم جذبها من يدها برفق وهو يتمسك بهم بين يديه ويدلكهما بقوة كي تشعر بلمساته، فما كان منها إلا أنها أغمضت عينيها كي تستشعر سحر اللحظة، مما راق له شعورها الهائل بدفء يده، فتحدث هامسًا بصوت أجش:
"ياه مكنتش أعرف إن اللحظة دي هتبقي بالجمال والروعة دي قبل أكده يا أم الزين. فتحي عيونك ومتشليهمش من عيوني خليني أشوف لهفتك جواهم زي ماني ملهوف دلوقتي لأهم حاجة هعملها في حياتي، فتحي عيونك عشان هتجربي حضن الأمان يا أم الزين." رفع رأسها برفق، ثم فتحت عينيها الهائمتين بعشق ذاك الحنون الراقي، وحينما رأى حاله داخل عينيها اللامعتين جذبها لأحضانه أخيرًا، ويديه تحتضن خصرها بتملك قوي للغاية وهو يهمس بجانب أذنها:
"دي إنتِ مش بس قربك إدمان ولا حضنك أمان له، دي إنتِ ريحتك بس تجنن يا مها." وكانت هي الأخرى ساكنة داخل أحضانه تجرب حضن الأمان الذي وصفه لها، وياله من إدمان بالفعل، الحضن الحلال أيتها المها، الحضن المتغلغل بنيران شوق الرجل لأنثاه الذي لم تجربيه أبدًا في حلال الله، الحضن الدافئ الذي جعل كل خلية في جسدها تطالبه بالمزيد والمزيد.
ثم أخرجها من أحضانه المتشبسة بها واحتضن وجنتيها بين كفي يديه وهو يتلمسه برفق، تارة يصعد إبهامه لعينيها وتارة لشفتيها، والذي ما إن وصل إليها حتى لم يستطع التحمل فاقتنصها على حين غرة، مما جعلها تتفاجئ من قبلته المباغتة لها، حتى تأوهت بخفوت مما أثاره وجعله ينجذب أكثر وأكثر، حتى أبعدته يدها برفق وهي توقظه من غفلة المشاعر التي تأججت في جميع جسده لها:
"الناس مستنيانا برة وحجابي اتبهدل واحنا لسه مخرجناش الفرح، لسه الليلة طويلة." أخرجها من أحضانه ثم أسند جبهته بجبهتها وأنفاسهم مختلطة بثورة اقترابهم وهو يهمس لها بنبرة مبحوحة مصاحبة للمشاغبة: "دي هتبقي ليلة ولا ألف ليلة يا بطل، ما يهزك ريح، دي إنتِ عليكي حضن يسفر الكائن الحي لرحلة الفضاء الرومانسي ويخليه يغادر كوكب الأرض ومعايش يرجع له تاني." ثم داعب أرنبة أنفها مكملاً بشغف عشقها المتغلغل في جل كيانه:
"لما إنتِ أكده مبهرة وإنتِ بكامل احتشامك، أمال لما نكشف عن المكنون إيه اللي هيحصل في الغلبان اليتيم." ثم غمز لها بكلتا عينيه ليسترسل بدعابة مغلفة بالعشق وهو ينظر لجسدها بنظرات أخجلتها ويمسك يدها ويجعلها تدور كالفراشة حول حالها، مما أسعدها بشدة: "طلع لقب أم الزين مش لقب دي حقيقة قلبا وقالبا ومحتوى، على رأي المثل ما هيقول القالب غالب يا حلو الليالي والأيام."
أوقفها بعد أن تدللت، ثم قررت أن تلقي على مسامعه من شهد لسانها هي الأخرى، فهي قررت أن لا تترك للخجل بابًا يفسد عليها اللحظات: "إذا كنت أنا حلو الأيام والليالي فانت على رأي الست ما بتقول هقول لك قد إيه من عمري قبلك راح، راح عدي يا حبيبي قد إيه من عمري راح ولا شاف القلب قبلك فرحة واحدة ولا داق في الدنيا غير طعم الجراح." "إبتديت دلوقتي بس أحب عمري إبتديت دلوقتي أخاف، أخاف لا العمر يجري كل فرحة اشتاقها من قبلك خيالي."
ابتسم بغرام وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوان، ثم نظر إليها وقال: "دي هتبقي ليلة رايقة هيشهد فيها علينا فيها الليل وسماه ونجومه وسهره وقمره، وإنت وأنا ولا حدش زينا."
ثم عدل من حجابها مما راق لها فعلته، ثم جعلها تضع ذراعها بين ذراعيه وهو يخرج بها كالأميرة المتوجة أمام الجميع، والزعاريد تتهافت عليهم من كل مكان، وانطلقوا جميعًا إلى اليخت الذي يقيم فيه حفل الزفاف، وتلك المفاجأة أبهرتها وجعلتها تشعر بأنها تملك سعادة العالم أجمع. كانت ترقص معه بسعادة على أنغام الموسيقى والجميع حولهم يصفقون لهم والفرحة تخرج من قلوبهم لذاك الثنائي المميز بجماله، ومن يراها تقف بجانبه لا يظن أنها تزوجت قبل
ذاك، والجميع يحسدونه على تلك الحورية التي تشبه حوريات الجنة من جمالها الملائكي الآخاذ ورقتها في رقصها وحركاتها، فقد كانت كتلة جمال تتحرك برشاقة وخفة على سطح اليخت وكأنها تداعب أمواج البحر كحورياته، مما جعل ذاك جاسر يشدها لأحضانه لينهاها بغيرة وهو يهمس في أذنها أن تهدأ فقد كانت جميع العيون مسلطة عليها منبهرين بها، وعندما قربها من أحضانه تصنمت أعين المقربين وجميع من باليخت لحركته تلك، فمنظرهم جعل الرجال الذين لم
يتزوجوا يشتهون
الزواج بسبب هذان العاشقان: "إهدى يابطل مش عايز حد ينشك عين على سحرك وجمالك فالليلة تنضرب وبعدين أنا هغير عليكي من العيون فبزيادة رقص." احتضنت رقبته هي الأخرى وتناست الجميع وهي تردد على مسامعه وبجانب أذنيه: "عايزة أبسطك وأخليك متنساش الليلة دي وأعوضك عن إني رفضت فرح كبير في القاعة، عايزة أعيشك التفاصيل الحلوة زي ما إنت ما توجتني ملكة على عرش قلبك الكبير الراقي شبه أخلاقك."
"يخربيت جمال همسك ياشيخة بقولك إيه يابطل جيلك، إهدى عليا بقي خلينا على الهادي مش هتوريني الحلا كله في يوم واحد، أني كدة هدوب... " تلك الكلمات التي ألقاها في أذنها هو الآخر، مما جعلها ضحكت بدلال داخل أحضانه، فجعلته يهمس ثانيًا: "طب أنا بقول إيه كفاية بقي فرح ولمة، أني أصلا كنت غلطان في حوار الفرح دي، يعني أقول لك كفاية همس يا أم الزين تضحكي بدلال ورقة تدوبيني أكتر، ربنا يسامحك على اللي هتعمليه."
ظلوا بحالتهم تلك، حديث العشاق صار مبتغاهم، وجميع من بالحفل منبهرين بجمال ذاك الثنائي الآخاذ المميز. وأخيرًا، بعد مرور ساعة أخرى انتهى حفل الزفاف وانفض الجميع من حولهم، فهو قد حجز اليخت له، فلا يوجد عليه غير سائقيه فقط، فذهب بها إلى الدور العلوي لليخت في غرفة جانبية جهزها بجميع ماسيحتاجونه من مأكل وملبس وكل شيء. وما إن وصل حتى احتضن وجنتيها مباركًا لها:
"مبروك عليا البطل بحلاوته وشقاوته وعبيره وهناه، مبروك عليا "أم الزين"."
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!