مر عشرة أيام على تلك الأحداث بأكملها، وحال أبطالنا مع نبض الوجع قاسي عليهم. في منزل مجدي، تدهورت حالته الصحية بشدة، فهو قد علم ما به والمرض الذي أصابه، ورفض العلاج بشدة، ومهما حاولت معه كثيراً، فهو مصمم على رأيه. تجلس معه في غرفتهم وهي ما زالت تتحايل عليه: "لازم تتابع العلاج يا مجدي، مينفعش أكده. إنت أصلاً سكت الفترة دي كلها إزاي! والأعراض اللي كانت بتجيلك إزاي كنت بتطنشها! ليه أهملت في نفسك وفي صحتك دي كله يامجدي.
كان يشعر بالإرهاق الشديد فقد زاد تعبه تلك الأيام، وخاصة أن أعراض الحمى أثرت على ذاك المرض اللعين وجعلته وصل به للمرحلة الرابعة. ثم تحدث بصوت متعب بشدة وكأن نواكب الحياة قررت أن ترصده وحده، لا أحد غيره: _أني ولا هروح ولا هاجي، أني خلاص بودع وأيامي معدودة في الدنيا، وعايز أموت على فرشتي، ولا أنتي ناقصة مرمطة وبهدلة وياي. كفاية تعبك معاي دلوقت، أني والعيال وحياتك كلها بقت علاج وأدوية وتشليني وتحطيني.
وأكمل من بين لهثانه بلوم لحاله عما فعله بها طيلة السنوات الماضية: _تعبتك وياي يا أم الزين، وخلّيت حياتك كلها مرار. ويوم ما أفوق ألاقي الهموم والأمراض رصداني من كل مكان. شكل ربنا مقدر لك الشقاء في الدنيا علشان رزقك بواحد زيي. أمسكت يداه بحنو، فهو مريض، وقبلته بحنان وعيناه تلتمع بالدمع. فقد تأثرت بحالته. ففي ضعفه ومرضه نسيت كل شيء. نسيت ما فعله بها. كم كان قلبها جميل. ثم حسته للمرة التي لم يعرف عددها:
_مليكش صالح بيا يامجدي. والله العظيم لو عضم في قفة ما هتخلي عنيك وأنت مريض. ولازم تتعالج يامجدي، إن ما كانش علشان خاطرك، يبقى علشان خاطر زين وزيدان. لازم تفوق وتكمل علاجك الطبيعي وتروح معايا تتابع الجلسات وتعمل زرع النخاع الشوكي. الدكتور قال لي ينفع في حالتك يامجدي. أدمعت عينا مجدي وبكى لأول مرة كالأطفال وهو متشبث بيدها بوَهن، وكأن مرضه أضعفه بشدة. ثم تحدث من بين شهقاته:
_مكنتش عايز أمـ.ـوت دلوقت. كنت بكوش على الفلوس على قد ما أقدر من غير حسبان لرب العباد. عملت كل حاجة وحشة. سلّفت المحتاج بالربا. رشوة وارتشيت. ناس دخلتها السجن علشان مقدروش يسدوا الدين بالربا. وحاجات كتير خيالك ما يتوقعهاش. وفجأة ربنا ابتلى بكل الأمراض اللي في الدنيا، ودلوقت بقيت على مشارف الموت. وربنا استجاب دعوة مظلوم محتاج فيا. سبحانه يمهل ولا يهمل.
وأكمل من بين شهقاته التي جعلتها تمسد عليه بحنان. فهو مهما حكى عن قذارته التي فعلها، مجرد أن رأت دموعه حزنت لأجله: _حتى ولادي مرحمتهمش. وكنت دايماً أدعي عليهم ربنا ياخدهم ويريحني منهم علشان مخلينك منكدة عليّ لما كنت دايماً بتطالبيني أكون جارهم. دق قلبها وجعاً الآن على أولادها، وتذكرت أنه لم يكن أبيهم، ولذلك لم يشعر بأبوته لهم. فسبحان مسبب الأسباب. ثم حاولت تهدئته وهي تمسح دمعه وتربت على ظهره:
_خلاص يامجدي، اللي فات مـ.ـات. وأني مسامحاك من كل قلبي ومش زعلانة منك خالص. أما بالنسبة للناس، استغفر ربنا كتير وتوب يامجدي وصلي، وهو غفور رحيم. بس إنت دلوقت لازم تتعالج، لازم. أغمض عيناه وهو رافضاً العلاج ومنهياً النقاش في ذاك الموضوع: _له، ولا هروح ولا هاجي، ومتتكلميش في الموضوع ده تاني. سيبي ربنا يخلص ذنوب الناس مني وينـ.ـتقم، ماهو المنتـ.ـقم الجبار.
أخذت معه وقتاً طويلاً تحاول إقناعه، ولكن رأسه يابسا كالحديد، لا يستجيب أبداً. وجدت أنه نام من أثر الدواء، فدثرته بالغطاء ثم خرجت من الغرفة. أمسكت هاتفها ووجدت أكثر من خمس مكالمات من عامر. فلوت شفتيها بامتعاض من كثرة اتصالاته. فدخلت غرفة جانبية وقامت بالاتصال عليه، وأتاها الرد منه ملاماً لها: _إيه يا مها؟ داي كله عشان تردي عليّ. بقالي ساعة برن عليك! حللت أصابعها بين خصلات شعرها، ثم استدعت الهدوء وأجابته:
_هو أني فاضية لحوارات التليفون دي ياعامر؟ أني اللي فيا مكفيني. واسترسلت وهي تذكره: _وبعدين انت مش لسه مكلم الأولاد من يومين بالظبط؟ في إيه بقى؟ مش كل شوية اتصال. أني مش ناقصة حرب أعصاب. عايزة أفوق لولادي ومراعيتهم. ذكرها هو الآخر مردداً بنبرة تصميم: _ما هم ولادي برضه، ولا شكلك عايزة تنسي ومصممة أني مفكرش فيهم ولا أكلمهم؟ ومش عايزاني أجي ناحيتهم.
نفخت بضيق من حالة الروع والتشتت النفسي التي تحياها تلك الأيام. ما بين مرض زوجها ورعاية أبنائها، فهي أصبحت تبعد عنهم كثيراً هذه الأيام ولم ترعاهم كيفما كانت. والأخير ذاك العامر الذي لم يتركها وشأنها ومستمر بالضغط عليها. ثم انفـ.ـجرت باكية هي الأخرى وقواها لم تعد قادرة على تحمل كل تلك الأعباء. وتحدثت من بين شهقاتها: _حرام عليك ياعامر. حرام عليكم كلكم. اللي بيحصل فيا دي كـ.ـتير والله العظيم فوق مستوي طاقتي.
انفـ.ـجر بها هو الآخر ولم يراعي حالتها. فهو أب حرم من أبنائه. فهو كان يحبهم حباً جماً، وهو عمهم، والآن عرف أنه أبيهم. فقد أجرى لهم تحليل "DNA". فقد أخذ أحد شعيرات أحدهم خلسة دون أن تعرف مها. والنتيجة ظهرت أنهم أبناؤه. فازداد حبهم له وعاطفة الأبوة اشتـ.ـعلت داخله بجدارة وأصبح يشتاقهم أكثر من ذي قبل. وأوقاتاً كثيرة يندم حاله أنه ابتعد وتركهم. أوقات يؤنب نفسه أنه لم يدافع عن حقه في وجوده بجانبهم.
ولكن اصمت أيها العامر وأخـ.ـرس عاطفتك بداخلك وتحمل عاقبة كبيرة من الكبائر نتج عنها طفلان لم يكن ذنبهم في الحياة غير أن والداهم أنجبوهم من رحم الكبيرة. ولكن ذاك العـ.ـذاب الدنيوي، فما بالك بالعـ.ـذاب الأخروي. ثم هتف بحزن شديد: _يا مها، أني بنهار أهنه وأني عارف أني سايب حتة مني ومش قادر أني أشوفهم كل يوم وأطمن عليهم. مش قادر مشفش بسمتهم ونظرة عنيهم وأتابع خصوصياتهم. ثم استرسل نبض وجعه وهو يحاول يذكرها:
_مش فاكرة زمان لما كنا بنتكلم مع بعض وأقول لك إن لما يبقى عندي ولاد ههتم بيهم قوي وهصاحبهم وعمري ما ههمل فيهم. هلبسهم زي ما بلبس بالظبط. أي مكان رايحة هاخدهم وياي. هيبقوا هما ولادي وأصحابي وأخواتي. هيبقوا هما كل دـ.ـنيتي. وزين وزيدان كمان، أني اللي مختار أسمائهم. والإختيار كان نابع من قلبي. ليه مش قادرة تشوفي كم المعاناة اللي أني عايشها.
التوى ثغرها بحسرة على حالها وحال أبنائها وحال زوجها وحال ذاك العامر هو الآخر. لم تعرف هم من فيهم تتحمل. كل تلك الضغوطات تتحملها فوق أعصابها المتماسكة بهش الآن. وبكت هي الأخرى بدموع تخرج من قلبها وكل جسدها المنهك وليست عيناها. مما جعله هو الآخر لن يستطيع تحمل دموعها وحاول تهدئتها: _خلاص يامها، أهدي. والله غصب عني بشيلك الهم. والله العظيم لو بإيدي أعمل حاجة ولا إنك تنهاري أكده هعملها.
خلاص لو مش عايزاني أكلمهم كل شوية ومزعجكوش، مش هعملها، بس متعيطيش يامها، كفاياكي وجـ.ـع ودموع. أغلقت الهاتف معه وارتمت على التخت تبكي بحـ.ـرقة على حالها ككل. والمستقبل أمام عينيها لا يبشر بالخير. ثم رددت بدعاء وهي تضع يدها على صدرها المتألم بنبض وجـ.ـع يفوق الأوجـ.ـاع بمراحل: _يارب ريحني من اللي أني فيه. يارب أني تعبت ومقدرش أتحمل أكتر من كده. يااااارب.
وكأن أبواب السماء كانت مفتوحة في ذاك الوقت وحدث مالم تكن تتوقعه مها يوماً ما. في المالديف عند ذاك العاشقان المجروحان والموجوعان. وكلاهما حالته يرثى لها. فمنذ تلك المرة وذاك اللقاء المغتصب من آدم لتلك المكة، وهي تغلق على حالها بشدة ولم تسمح له بالحديث معها. تعيش على فتات من الطعام البسيط حتى ضعف جسدها.
أما هو يتألم داخله في صراع بين قلبه وعشقه وبين عمله وموهبته المحببة لقلبه. لم يعرف كيف يحل تلك المعضلة كي يراضيها. ويزيد عليهم جفائها وابتعادها عنه ونظرة عينيها الحزينة.
يجلس أمامها يحدثها ولم تتفوه ببنت شفة أمامه. يطلب منها أن تأكل وتراعي حالها ولم تجيبه. فهو قد جرح مشاعرها وأنقض وعده معها. أكثر من عشرة أيام وهي على حالتها تلك. والآن لم يستطع صبراً أكثر من ذلك. فهو قد اشتاق لصوتها. اشتاق لحديثها. اشتاق لضحكاتها. اشتاق لقربها وأن يتنعم بأنفاسها. ثم دلف إليها الآن وهو عازم على أن يخرجها من صمتها ولن يتركها ويترك الجفاء يدمـ.ـر علاقتهم قبل أن تبتدئ.
دلف إلى الغرفة لم يجدها. كانت في ذاك الوقت تأخذ شاور. علم وجودها في الحمام فجلس على الكرسي ووجه أنظاره ناحية النافذة المطلة على الحديقة. فذاك الكرسي وذاك المكان كان جلستها المفضلة طيلة العشرة أيام. وبجانبها مصلاها ومصحفها وسبحتها. أمسك المصحف بين يداه، فهو لم يعتاد على قراءة ورد معين. ثم فتح المصحف ثم وجد أمامه سورة يوسف. وبتلقائية بدأ في القراءة بصوت هادئ جميل ملائكي. ثم تعمق في القراءة وبدأ صوته يعلو ويتوه في جمال تلك السورة.
ومن خشوعه في القراءة بدأ يتدبر تلك القصة بتفهم. فذلك النبي عليه السلام تعرض للأذى منذ أن كان طفلاً لا يفقه شيئاً من أخواته اللذان فعلا به فعلتهما الشنعاء كي يتخلصوا منه. ولكن إرادة الله أن يـ.ـربى في منزل عزيز مصر ويـ.ـحرم من أبيه وإخوته. ثم تتناوبه نكبات الحياة وتطمع به النسوة ويـ.ـسجن. لقد ذاق المرارات من الحياة غـ.ـدر به وهو طفل ولم يعترض. حـ.ـرم من العائلة وربي في بيت غريب ولم يعترض. سجن ظلماً وهو نبي ولم يعترض على حكم الله.
كان من أجمل خلق الله حـ.ـسناً وأحسنهم أخلاقاً. وبالرغم من كل ذلك سامح أخواته مما فعلوه به. وأصبح عزيز مصر ويملك خزائن الأرض بأكملها. ورجعت إليه عائلته بعد سنوات العجاف والصبر. كان آدم يقرأ تلك السورة بتتمعن شديد وغاص في أعماق جمالها. تلك آيات الله تلاها بخشوع أثلج صدره. فصلته عن العالم بأكمله. أراحت صدره. أشعرته بالأمل والطمأنينة. أشعرته بأن بعد الليل بزوغ فجر يحمل بين طياته أقداراً جميلة لا يعلمها إلا الله.
أما هي خرجت من الحمام بذاك المعطف الخاص بالحمام وصـ.ـدمت عندما رأته. ولكنه كان متعمقاً في قراءة القرآن. فجذبها صوته. خـ.ـطفها إليه دون أن تدري. صوت عذب يريح القلب والأعصاب في القراءة. خشوعه وتلاوته المتعمقة جعلتها اقتربت منه وجلست بجانبه دون أن تشعر. وجلست أسفل قدميه تـ.ـطرب أذناها بأعذب الكلمات.
أنهى قراءة السورة وشعر براحة غريبة اغتالت جسده. لأول مرة يتدبر قراءة القرآن بذلك الخشوع. كم كان عذباً وفيه راحة تكفي العالم أجمع. أغلق المصحف ثم نظر بجانبه وجدها جالسة بهيئتها الخاطفة لأنفاسه تلك. أما هي رددت لأول مرة منذ خصام لها منه منذ أكثر من عشرة أيام وهي تخاصمه: _صوتك جميل قوي وأنت بتقرأ. صوتك خـ.ـطف قلبي. نزل من على الكرسي وهبط لمستواها قائلاً بوحشة وهو يتعمق النظر في عينيها:
_وأنتِ كمان صوتك وحشني قوي. متحرمنيش منه تاني. أخفضت نظرها خجلاً من نظراته الهائمة بها وتركيزه الذي خصصه كله لأجل عينيها. وهي تتمتم بخفوت: _وأنت كمان متحرمنيش من صوتك الجميل وأنت بتقرأ القرآن تاني. ابتسم لخجلها ثم رفع وجهها إليه مجبراً إياها النظر في عينيه مردداً بشجن عاشق حرم من معشوقه: _وحشتيني قوي قوي قوي. هنت عليكِ يامكة تبعدي عني المدة دي كلها؟ بنفس نبرة الشجن لامته بعينيها وكلامها:
_واني هنت عليك تجـ.ـرحني بالطريقة دي وتغصبني وتفاجئني بحاجة مكنتش متوقعاها دلوقتي وتخليني أكره اللحظة دي. اعتذر لها بأسف حقيقي نابع من قلبه. فهو لم يكن يوماً شهوانياً كي يفعل ما فعله بها وأنه أغصبها على قربه مردداً بندم: _لا والله عمرك ما تهوني عليا أبداً ياحبيبتي. حقك عليّ قلبي إني مشيت ورا الشيطان في لحظة تهور مني ومحسبتش نتيجتها. بعينيها تبتسم له أردفت وهي تقبل اعتذاره بصدر رحب:
_واني قبلت اعتذارك وحابة نفتح صفحة جديدة مع بعض. ونبدأ من جديد نقطة ومن أول الصفر. واللي بيربطنا ببعض في البداية الحب الكبير. إيه رأيك. احتضن يداها بين يداه وشعر بحرارتهما التي تولدت فوراً من قربه منها هاتفا بموافقة: _تصدقي دي أحلى حاجة قلتيها. أنا مستعد جداً نبدأ من الأول وجديد بس أهم حاجة متبعديش عني.
لأول مرة تشد على احتضان يداه بين يديها مما جعل قلبه يخفق داخله من غرامه بها في تلك اللحظة. فقد شعر الآن بمدى احتياجها لوجوده بجانبها. ثم أكدت على كلامه وقالت الكلمات التي أراحت صدره: _مش هبعد خلاص يا آدم. بس محتاجة منك حبة تنازل شوية. ممكن. أغمض عيناه وهو يتنفس أنفاساً من هولها وصل زفيرها إليها. ثم فتح عيناه وطلب منها راجياً: _طب ممكن منتكلمش في الموضوع ده دلوقتي؟
وأوعدك إني هفكر فيه وهشوف همشي إزاي. بس دلوقتي عايز فترة نقاهة أعيشها معاكي بدون زعل بدون اختلاف بدون خناق.
لم تعانده تلك المرة. كما أنها فكرت كثيراً أن تستغل حبه لها لصالحه. قررت أن تسحبه لدنيا الصلاح والتقوى بالهدوء والسكينة وليس الإكراه. فكرت في الأيام التي جلستها كثيراً وحدها حتى اهتدت لأن تسحبه لذاك العالم بحبها وليس بنفورها. فهو لم يأتي بالعناد مهما كان. ثم بادرت لأول مرة منذ أن عرفها بالاقتراب وهي تحتضن وجنته بين يديها مما جعل داخله ثائراً غير مصدق. عزفت على أوتار قربها منه. دغدغت مشاعر الصبر في الاقتراب منها لديه من مجرد احتضانها
لوجهه فقط وهي تهمس له: _موافقة يا آدم. مفيش زعل ومفيش خناق ومفيش بعد كمان. اتسعت مقلتيه بذهول من كلمتها الأخيرة. ثم أمسك يدها وساعدها على القيام والوقوف أمامه وهو يتساءل بنبرة متعجبة: _انتِ قلتي إيه دلوقتي؟ وأكمل وهو يجيب على حاله أمامها: _قلتِ مفيش بعد صح؟
هزت رأسها بابتسامة خجلة. فهي تحدثت مع سكون أختها وقصت عليها كل شيء. والأخرى نهرتها بشدة من عدم إعطائها لزوجها حقوقه. وكيف أنها متدينة تعرف الله وتتمنع عليه بتلك الدرجة. وفهمتها أن قرب الزوج من زوجته حق شرعي له. حتى لو اختلفا على نقاط في مسار طريقهما. ولكن حقه الشرعي ليس لها الحق في منعه إياه منه. ونبهتها أن ذنب النظرة منه لامرأة غيرها سوف تصب على رأسها هي لأنها حرمته وهو يريدها.
رأى رغبتها به في عينيها لأول مرة. لم يصدق حاله الآن. مكة راغبة به. يالها من لحظة لا تنسى. لحظة يريد أن يوثقها الآن بختم العاشقين ويحتفظ ببهاها بين ثنايا قلبه. ثم سألها وهو ينزع تلك المنشفة من على رأسها حتى انسدلت خصلاته على ظهرها بهوجاء أعطتها شكلاً جعله راغباً بها. وهو يدفن يداه بين رقبتها ويتحسسها برغبة آذابتها: _يعني مستعدة نعيش مع بعض زي أي اتنين متجوزين طبيعي دلوقتي؟
أغمضت عينيها من شدة خجلها وهي تهز رأسها للأمام دون أي كلام. فهي متوترة في قربه الآن. تشعر بأن قدميها لم تستطيع الوقوف أمامه ومشاعرها تتخبط داخلها وجسدها مفكك من اقترابه وهمساته ولمساته.
وعلى حين غرة جذبها إلى أحضانه حتى ارتطمت بعظام صدره القوية. ثم حملها أرضاً وبدأ يدور بها في الغرفة بأكملها. وهو لم يصدق الآن ما وصلا إليه معها. فهو الآن يملك سعادة العالم أجمع. ثم أنزلها أرضاً وهدأ من أنفاسه الثائرة داخله. ثم همس بعينيها راجياً: _بحبك ونفسي أسمعها وشفايفك بتنطقها. قررت أن تعترف بها الآن. فهي بالفعل عشقته مثله وتريده مثله. فقالتها وهي لم تقوى على النظر في عينيه من خجلها: _بــ حــ بــ كــ.
ظل ينظر إليها ولم يستطيع التحدث. فقد ثار القلب وهدأ في آن واحد وتضاربت المشاعر داخله. ظل القابع بين أضلعه الآن ثائراً ويطالب بالمزيد منها. لم يتخيل أن لنطقها سحراً جذاباً سيلقى به في أعماق هواها أكثر من ذي قبل. ثم سألها بأنفاس متلهفة لأن ينالها الآن بكامل رضاها: _يعني مش خايفة دلوقتي ومش هتلوميني تاني وتزعلي. حركت رأسها برفض وتمتمت بخفوت: _له مخيفاش. انت جوزي وحقك عليّ الطاعة واني ممنعكش من حقوقك.
حزن لردها ثم نطق بملامة: _مكنتش عايز الرد كده يامكة. ثم داعب وجهها بأنامله وبحركته تلك جعلها تشعر بالإثارة والتلهف لقربه وهي تهمس: _أمال إيه بقى. أجابها وهو مازال يداعب وجهها بأنامله كي يجعلها متلهفة لقربه طالبة بالمزيد: _عايزك تردي تقولي آه محتاجة حضنك وقربك ياحبيبي. لكزته بخفة في صدره قائلة: _انت طماع قوي على فكرة. داعب أنفها بوجهه وهو يهمس لها بمشاغبة: _وماله. هو أنا بطمع في حد غريب. أنا بطمع في حلالي وحبي وقلبي.
وأكمل وهو يغازلها: _بس بجد شكلك زي القمر وأنتِ واخدة شاور وتجنني. أكملت بمداعبة مماثلة: _هو إنت ناقص جنان يادومي. ضحك بشدة على مداعبتها ثم نطق بتكبير: _الله أكبر. بدأت تندع أهي. وأخيراً يابن المنسي جربت حبة دلع من اللي عنك اتمنع. ضحكت هي الأخرى قائلة: _الله. ده انت واقع ودايب وكل حتة فيك قربت تولـ.ـع. حرك رأسه للأمام ثم غمز لها بشقاوة: _آه والله. ده القلب والروح وكله كله خلاص جاب آخره منك يابنت قلبي. قررت أن
تشاغبه فابتعدت عنه قائلة: _طب أخرج بقي علشان عايزة أغير هدومي. جذبها لأحضانه مرة أخرى وهو يهتف برفض قاطع: _أخرج مين ياحلوة؟ هو بعد بحبك دي فيها خروج من الأوضة دي إلا واحنا راجعين مصر. شهقت باندهاش وتحدثت بنبرة ذهولية مصطنعة: _نعم. مصر إيه! هتقعدني في الأوضة أسبوعين بحالهم. غمز لها بعينيه وهو يشدد من احتضانها: حقي يابنت الجندي ولا مش حقي. ابتسمت له ابتسامتها الساحرة مرددة بموافقة: حقك طبعًا.
الآن استراح قلبه وسيبدأ معها رحلة عاشق محروم، منذ أن أحبها لم ينعم بلحظة صافية معها. الآن سيقترب منها وفي هواها سيتنعم وبرضاها سينالها، وحتمًا ستذوب بين أضلعه من قربه الشديد الذي أهلك قلبه. ثم تحدث بشفاه تتلذذ لاقترابها: مش عارف هتبقى عاملة إزاي وإنتِ راضية، حاسس إنك هتبهريني. ضحكت بمشاغبة ثم هتفت: متتأملش قوي إني لا أفقه شيئًا في حديث المحبين. رفع حاجبه ماكرًا ثم ردد بنفس المشاغبة:
له متقلقيش، ما أنا هخليكِ معلمة وإحنا منكِ نتعلم. خجلت بشدة من تلميحاته ثم همست: انت قليل الأدب على فكرة. لااا، هو إحنا لسه عملنا حاجة؟ لسه بنقول يا هادي. طب امشي بقى علشان انت كسفتني خالص بطريقتك دي. غمز لها قائلًا بمداعبة تليق بذاك العاشق: وماله الخجل مطلوب برضه، بيعلى ليفل الجولة شوية. شهقت بشدة من طريقته التي أخجلتها، ثم دفنت رأسها في عنقه، فاستغل الفرصة في قربها مرددًا بجانب أذنها وهو يلوي خصلات شعرها بين يديه:
يا هلا بالزين. وابتدأت معركة عشق الآدم لحبيبته التي سكنت ضلوعه برضاها لأول مرة. سافر معها إلى رحلة العاشقين التي حلم بها كثيرًا وكثيرًا، وأخيرًا نالها ذاك الآدم مع حبيبته التي قررت أن تستخدم معه أسلوب الرفق لا العند، وهي واثقة كل الثقة أنه سيجبرها وينسحب من ذاك الطريق الذي يؤرق حياتها معه، وقررت أن لا تعاند القدر في زواجه منها. رحلا إلى عالمهم الذي قاده آدم بحنو جعلها ذائبة بين يديه.
الحياة لن تعطيك إلا إذا طلبت وألححت. فأسعَ وابحث عن الحب والحياة حتى تحقق كل ما تمنيت. كن محبًا للحياة ومتفائلًا حتى تنعم بالسعادة، ولا تضيع قدرًا كبيرًا من الزمن بحثًا عن التعاسة. لا تتحدث كثيرًا وافعل كثيرًا، فهذه هي سمات العظماء من يطمحون وينفذون. اقتنص الفرص التي تأتيك واستغلها بأفضل الطرق، ولا تنتظر كثيرًا حتى لا تضيع منك، فقد لا تأتي مرة أخرى.
تلك الكلمات التي دونتها رحمة على صفحتها الشخصية عبر الفيسبوك، فهي تعشق التحدي. وكالعادة ذاك العاشق لن يضيع أي شيء تدونه تلك الصغيرة المشاغبة، فقام بالتعليق لها: كي نستمر في هذه الحياة، يجب أن نقضي مزيدًا من الوقت في الاستمتاع بما هو جميل ومحبب لنا، على حساب الأشياء الأخرى التي لا نحبها، وكل منا يعرف جيدًا ماذا يحب وكيف يستمتع ومع من.
قرأت تعليقه بابتسامة لذاك المشاغب المختلف، المتأني في مشاعره وكبرياؤه ذلك وتمرده يجعلها تذوب فيه أكثر من ذي قبل. وأثناء شرودها في ذاك الماهر، جائها اتصاله، فأجابته على الفور بمشاغبة: عم الفيلسوف اللي ماشاء الله عليه عميق قوي في ردوده. بقامة عالية وشموخ اعتاد عليه ذاك الماهر: طبعًا أنتِ مش مع أي حد، أنتِ مع ماهر البنان. ضحكت بشدة على رده، ثم تحدثت بنفس الفخر والشموخ:
أه عارفة، ماهو إني برضه مش أي حد يا متر، وحاسب لا تقع في البير اللي ملهوش قرار بتاع رحمتك. ابتسم برزانة، ثم قام بتبديل المكالمة لفيديو كي يراها، فقبلت مكالمته وهي تضع الحجاب بإهمال على رأسها. رآها أمامه بملابس المنزل وهي تجلس في الحديقة بذاك التريننج الملتصق بجسدها. تفحصها جيدًا ثم قال: أه قاعدة واخدة راحتك على الآخر، ولابسة لبس مينفعش تخرجي من أوضتك، ورامية طرحتك كمان. وأكمل بهدوء، فهو لن يتعصب كي لا يحزنها وسيكتم
غيرته ويفهمها ما يريده: على حد علمي إن جاسر بن عمك ممكن ييجي في أي وقت ويدخل البيت عادي، وطبعًا حضرتك بتقعدي قدامه كده باللبس الضيق. فأنا بكل هدوء يارحمة بقولك حالا تطلعي أوضتك تكلميني منها، وممنوع تمامًا تنزلي الجنينة إلا بعبايتك وحجابك ملفوف بإحكام على رأسك. زمت شفتاها وأنزلت بصرها للأسفل بحزن ممزوج بدلال، وتحدثت بنبرة استيائية مفتعلة: الله ياماهر، بقى انت بتركز في كل حاجة قوي؟ متعقدهاش قوي كده.
ضيق نظرة عينيه، ثم رمقها بنبرة هادئة بكل تصميم: مش هنكمل كلامنا غير لما تعملي اللي طلبته منك دلوقتي يارحمة. وخلي بالك إني بتكلم بكل هدوء ومن غير انفعال زي ما طلبتي مني. وخلي بالك إني من النوع اللي بيغير على اللي منه قوي، وغيرتي صعبة ووحشة، وممكن تكون خنيقة في وجهة نظرك، بس دي طريقتي. دي انت بتتلكك بقي يا سي ماهر ولما بتصدق. حرك رأسه للأمام مؤكدا كلامها:
_وماله لما اتلكك علشان اشوف الجمال اللي بيخطف ده والشقاوة اللي تدوب. أخجلها بشدة من نبرته ونظراته ثم تحدثت بهمس راجي: _لاا اهدي علي اني مش حمل مكرك دي وارجع لماهر الغيور الصلب. ابتسم برجولة أذابتها: _الله كنت من يومين عاملة نفسك هيرو ووحش ومحدش هيقدر عليك من كلمتين جبتي لورا في ثانية واعصابك وقعت. واسترسل وهو مازال يشاغبها:
_اكده لما تدخلي المباراة هتخسري من أول هجمة يارحمتي واني مش عايز اكده عايز مبارزة قوية تهلك وتخليني اجري طول المباراة ومدخلش الجون بسهولة. أنهى كلامه وهو يباغتها بغمزة شقية وجعلت القابع بين أضلعها يدق بعنف من طريقته الجديدة كليا معها ثم قالت وهي تداري وجهها بعيدا عن الهاتف: _ماهر بطل بقي طريقتك دي أني بتكسف بجد. _طب بتداري وشك ليه ياحب خليني اشوف ملامحك اللي بتتكسف القمر دي.
مازالت مبتعدة بوجهها عنه ثم أغلقت الهاتف فورا مما صدمه منها فهي خجلت بشدة وهو لم يتوقع ذلك منها وبات يجزم أنها ستكون رائعة حينما تكون بين يديه فحقا لقاؤها سيكون مزيجا من العشق الجامح لكلتيهما والمشاعر الرقيقة البدائية منها فحقا يليق بك الفخر والاعتزاز بالنفس والكبرياء رحمتي. ثم أرسل لها رسالة: _دي انت طلعت لاعبة فاشلة خالص يارحمتي. ابتسمت بحالمية لمشاغبته واحتضنت الهاتف بين يديها وداخلها يردد:
لم لم أترك ضعفي بين يديك حبيبي وأتوه معك في دنياك الرائعة. اريد أن أكسر حواجز الصد وأقتحم قلعتك العاشقة وأشيد داخلها مبنى عشقي ولن أجعل أحدا يقترب من أسواره العالية. فبك القلب يحيا ومعك العين تتمنى وإليك الروح تفيض شوقا وأتمنى أن أعيش معك روعة حياتي القادمة.
في منزل سلطان وبالتحديد في شقة عمران تدور سكون حول نفسها باختناق فما زالت حبيسة تلك الشقة وعمران أخذ لها إجازة من المشفى ومصمم على عدم خروجها ويخرج من الصباح الباكر ويعود بعد منتصف الليل دون أن يراها أو تراه. لقد رباها عمران ببعده عنها وجموده عليها. لم تكن تتوقع أن غضبه صعب بتلك الطريقة وأنه شديد لأبعد الحدود في وقت خصامهم.
وفي إحدى الليالي قررت أن تنتظره حتى لو أتى فجرا فهي لن تتنازل على أن تتحدث معه اليوم وتصل معه إلى أمر نهائي فعقابه مرير. ظلت تنتظره حتى الساعة الثانية بعد منتصف الليل إلى أن جاء أخيرا ومع دقة الباب تصارعت دقات قلبها داخلها. فقد شعرت بأنه يشتاقه كثيرا. وبالرغم من أنها تطل عليه كل يوم وتتشبع برؤيته خلسة وهو نائم إلا أنها لم تعد قادرة على التحمل الابتعاد. فالاشتياق له وصل إلى مرحلة لم تتحملها. والابتعاد مرير.
ما إن دخل تلك الغرفة حتى وجدها في انتظاره لم يكن يتوقع أنها تنتظره إلى الآن. ولكن إحساسه هو الآخر ضاعف إحساسها بمراحل ووحشته لها زادت أضعاف الأضعاف. فقد اشتاقها فوق الاشتياق اشتياقا. تحدث بجمود اصطنعه يأعجوبة دون أن ينظر لها وهو يعطيها ظهره: _عايزة ايه وايه اللي جايبك هنا؟ تنفست بصعوبة بالغة فقد عبئت رائحته صدرها وصارت تتنفسها أكثر وأكثر حتى يقل اشتياقها له ولكن ما زادها إلا احتياج لحضن عمرانها.
ثم اقتربت منه ولمست أكتافه من الخلف فجعلت جسده يشعر كأن الكهرباء مسته من كثرة وحشته للمسة سكونه. كفاك قلب العمران! كفاك إذلالا لي! كفاك ذاك الشعور المميت داخلك! كل ليلة تزورك في أحلامك وتشعر بوجودها بين أحضانك. كفاك عذاب لصاحبك فهي خانت العهد والوعد وقتلتك دون رأفة أو رحمة. كل ذلك من مجرد لمسة أصابعها لكتفك!
ثم استمعت أذناها لهمسها من الخلف فأغمض عيناه فصوتها هو الآخر فتت مشاعر الجمود داخله. يريدها بشدة. كل خلية في جسده تطالبه بالاقتراب منها. _هتفضل حابسني لحد ميتة ياعمران وأني مبتكلمش واكده هتضر في شغلي وهنفصل ومستقبلي كله هيضيع؟ أجابها وهو موجوع منها وهو على نفس وضعه دون أن يواجه عيناها:
_مانت كمان مرحمتيش ولدي وضعيتيه ومستنتيش لما تتأكدي من الحقيقة واهه كل شيء انكشف وبان والملعونة اللي كانت بتوقع بيني وبينك وعايزة تخرب علينا نجحت في اكده وشيلتني منك شيلة تقيلة قوي ياسكون ودلوقتي الإعدام مستنيها واكيد اتأكدتي إن اللي تقتل تقدر تفترى بردو وإن الفيديو اللي بعتته كله ظلم وافتراء. أغمضت عيناها هي الأخرى من وجع حبيبها على يدها وغير قادرة على التبرير. ثم تحدثت بصوت خفيض كي تجعله يستريح:
_أنا عمري ما شكيت فيك لحظة ياعمران. إلى هنا أعطاها وجهه ونظر إليها نظرات قاتمة وغضبه وصل عنان السماء ثم هزها من كتفيها قائلا: _أمال عملتي في ولدي كده ليه ياسكون لما انت واثقة في عمران قوي كده؟ لم ينطق لسانها ولكن نطقت دموعها وشهقت بشدة ولم تستطع تبرئة نفسها من تلك التهمة الشنيعة تهمة قتل النفس.
قتلته دموعها. شقته إلى نصفين نصف يريد أن يحتضنها ويحنو عليها ولا أن يراها تبكي ونصف يريد أن يسحقها بين يديه دون رأفة أو رحمة. ماذا بك أيها القدر تصفعني دون رحمة؟ ماذا بها حكمتك ربي من عذابي الذي أتعبني وأرهقني؟ ثم نظر في عينيها وترجاها: _لو مخبية حاجة عني عرفيها لي ياسكون ومتدمريش اللي بينا واني هفكر بالعقل وهلتمس لك كل الأعذار. لم يجد منها رد غير البكاء ثم ردد بنظرات جامدة بأمر لا يقبل النقاش:
_قدامك ربع ساعة بالضبط تلبسي وتجيبي شنطتك وتنزل لي تحت. وأكمل بنبرة تحذيرية: _هما ربع ساعة بالضبط وتنزلي أكتر من كده هتشوفي وش عمرك في حياتك ماشفتيه قبل كده وادعي ربك ماتشوفيهوش.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!