الفصل 61 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الحادي والستون 61 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
19
كلمة
5,820
وقت القراءة
30 د
التقدم في الرواية 81%
حجم الخط: 18

وضعت كفها على كفي، وبنفس طريقته ونظراته نطقت: _كل كلمة ووعد وتهديد وتحذير وجهته لي دلوك لك زيه وأكتر، وزيد عليهم كيد النسا اللي تدعي ربنا ينجيك منه. صار كليهما يدوران في نفس المكان، ونظراتهما تحوي آلافًا من تحدي العناد وجيوش الغضب. وكل منهما يظن أن الآخر قد غدر به ونسي عشقه، وكل منهم يردد داخله نفس المقولة: "على الباغي تدور الدوائر". وبنبرة تحذيرية هزها بعنف مهددًا إياها:

_اعملي حسابك، خروج من البيت دي ممنوع لحد ما تتربي، يا سكون، تتعلمي إزاي مع جوزك. تحدثت برفض قاطع: _مش من حقك تمنعني من الخروج ومن شغلي. أنا هسيب لك البيت خالص يا عمران ومش هعيش فيه ثانية واحدة بعد اللي شفته بعيني. احمرت عيناه بغضب شديد من عصيانها له، ثم ألقاها على التخت هادرًا بها: _طب جربي تعتبي عتبة الأوضة دي يا سكون وتخالفي كلامي. ورب الكون لا تشوف وش عمرك ما شفته على عمران قبل كده. وأكمل وهو

يقفل أزرار حلته بنفس غضبه: _وبكرة تتأكدي إن الفيديو الأهبل ده مش حقيقي، وإن كل اللي في دماغك عني وهم. وساعتها عقابك على تنزيلك لولدي اللي في بطنك، والحبوب اللي بتاخديها دي علشان متخلفيش مني، عقاب ما تحمليهوش يا سكون. عقاب عمران قاسي قوووي. وتركها وغادر الغرفة والمنزل بأكمله. فارتمت بجسدها على التخت ودفنت رأسها في الوسادة وهي تبكي بغزارة، وتتذكر ما حدث منذ الأمس إلى الآن، جعل حياتها انقلبت رأسًا على عقب.

كانت سكون تشاهد الفيديو مرارًا وتكرارًا، ودمع عيناها يهبط بغزارة على وجنتها. ثم رمت الهاتف أمامها على المكتب، وما زال الفيديو مستمرًا في التشغيل. سمعت شهقاتها فريدة، صديقتها في الخارج، وهي آتية إليها. فدَلَفت على الفور وهُلِعَت من حالتها المزرية. ثم اقتربت منها وهي تسألها بخوف: _مالك يا سكون، في إيه يا حبيبتي؟

وكادت أن تكمل سؤالها، إلا أن عيناها رأت ذاك الفيديو. فوضعت يدها على فمها تكتم شهقتها، ثم أغلقت الهاتف فورًا، ثم جذبتها إلى أحضانها وهي تحاول تهدئتها: _بسسس، متعيطيش، مش كفاية اللي انتِ فيه يا حبيبتي. ظلت تبكي في أحضان صديقتها وهي تردد من بين شهقاتها: _شفتِ الفيديو واللي فيه عامل إزاي! مش عارفة ليه عمل كده. خان أبوه. ومعرفنيش ماضيه ولا أي حاجة عنه. ثم أكملت بنحيب: _ليه كسر قلبي بالطريقة دي؟

آااه يا قلبي اللي اتوجع واتقهر. آااه يا حب السنين. آااه يا عمررررران ليه؟ _يا سكون، متظلميهوش، الله أعلم هو عمل كده كيف. وكمان ملكيش حكم على ماضيه. _إزاي مليش حكم على ماضيه؟ ده مرت أبوه وعايشة معانا في نفس البيت. أتاري كنت أشوف نظراتها ليه وكنت بكذب نفسي. إزاي هقدر أتحمل ده كله؟ ازاااي يا فريدة؟

لم تفصل بكاؤها، وظلت تبكي على حبيب قد غدر، وعلى مرض لن تشفى منه، وأصبحت حياتها قاحلة الآن في وجهة نظرها. ثم رددت وهي تمسك جبهتها من صداع الرأس الشديد التي تشعر به الآن: _هي خلاص اتقفلت بينا، لا أنا عدت تنفعه وهو هدم جسر الثقة ما بينا. سألتها فريدة بخوف: _معناته إيه كلامك ده؟ تنهدت بحسرة وألم نفسي انتابها، ثم تحدثت: _معناته إن خلاص حدوتة الشاطر حسن خلصت على كده.

ثم حملت حقيبتها وغادرت مكتبها والمشفى بأكملها، وعقلها يدور بتفكير فيما هو قادم، وكيف ستسير أمورها مع عمران. وصلت إلى المنزل وحمدت ربها أنها لن تجد أيًا منهم، وصعدت على الفور إلى شقتها، وهو لم يأتِ بعد. جلست تفكر كثيرًا وكثيرًا حتى اهتدت لما ستفعله بقلب انشطر حزنًا وألمًا. سمعت صوت سيارته قد جاء، فدخلت حمام غرفة نومها، ثم أمسكت هاتفها واتصلت بفريدة، صديقتها، وما إن أتاها الرد حتى طلبت منها:

_شوفي بقى إنتي تسمعي مكالمتي وتتماشي معايا فيها. _يعني إيه يا سكون؟ مفهماش حاجة واصل. استمعت إلى صوت قفل الباب وصوت أقدامه دلف إلى غرفة النوم، فاعتلى صوتها: _انتِ اتجننتي يا فريدة؟ عايزاني أقول له كيف إني كنت حامل ونزلت الجنين علشان ما عايزااش عيال دلوك؟ ولما يسألني عن السبب أقول له إيه؟ كده هيشك إني لسه مش بثق فيه. كانت فريدة تستمع لها بغرابة، ثم تابعت سكون وهي تعلي صوتها مرة أخرى:

_أمال لما يكتشف إني باخد حبوب منع الحمل كمان هيعمل إيه في؟ كان عمران يبحث عنها، ثم سمع صوتها تتحدث في الحمام، فاندهش، فليست عادة سكون أن تتحدث في الحمام. فكاد أن يدق الباب كي يطمئن عليها، إلا أنه استمع إلى كلمتها "نزلت الجنين" فاتسعت عيناه بذهول ووقف يستمع إلى مكالمتها بإنصات شديد، إلى أن ذكرت حبوب منع الحمل، فذهب إلى الأدراج كي يبحث عن تلك الحبوب التي تتناولها، وذهل بشدة عندما وجدها.

لو لم يستمع بأذنيه إلى حكاها، لم يصدق أبدًا مهما حُكي له من ألف حاكي. لو لم يستمع بأذنيه ما قالته الآن، ما كان مصدقًا. الآن وصلت سكون لما أرادته، ثم أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تخرج له كي تواجه أشد وأصعب مواجهة في حياتها. مواجهة الفراق. مواجهة الألم. سلام الله على البريء قلبي من الألم، من الاشتياق لك عمراني. ثم دقت على قلبها تنهره: كفى قلبي، ما زلت تنعته عمرانك!

تعلم القسوة كي تواجه فراق العمران، فكل الطرق سُدَّت أمامك الآن، ولم يعد غير الذكرى بيننا. استجمعت شتاتها المفرق وأخذت نفسًا عميقًا، ثم خرجت إليه وداخلها منهار. خرجت، وجدته يضع وجهه بين يديه وهو مصدوم فيها مثلها. يالها من لعبة الأيام، فقد قصدت وجعه كي تبتعد بسهولة دون أن يؤنب ضميره. الآن ارتدت قناع الجمود. قناع النسوة اللواتي يتمرسن الكيد كي تخرج من مواجهة عمران بكلمة واحدة تنهي ميثاق الحب والعهد على البقاء.

رفع رأسه أخيرًا وهو مصدوم منها. فتلك صغيرته التي عشقها فوق العشق عشقًا ذبحته بنصل بارد. إلى الآن يدور في خلده عن أسباب يقنع حاله أن ما استمع إليه أوهام. ولكن ما أبشع تلك الحقائق، من لم نتوقع منهم الغدر. فرفع ذاك الدواء أمامها وسألها: _إيه دي يا سكون؟ بيعمل إيه في دولابك؟ رأت عيناه اللامعة بدمع الصدمة فيها، وكادت أن ترتمي تحت قدميه وتحكي له كل شيء عنها. ولكنها تذكرت ذاك الفيديو، فقست قلبها كالحجارة أو أشد قسوة،

وأجابته: _دي حبوب منع الحمل، ما عايزااش أخلف منك يا عمران. انتفض واقفًا مكانه بحدة، ووقف أمامها، وبعينين مظلمتين هتف بهدوء ما قبل العاصفة: _وايه تاني يا ملاك؟ كملي تقطيعك في عمران علشان لما يقسى ويدوس، يبقى عندي حق. ضمت شفتاها بغضب مماثل له، ثم أحضرت هاتفها وفتحته أمامه وعرضت الفيديو أمام عينيه وهي تهتف بنبرة مماثلة: _مش لما تفهمني إيه دي أنت كمان؟

اتسعت مقلتا عمران وهو يشاهد ذاك الفيديو القذر، فلأول مرة يراه. ثم جذب منها الهاتف وأعاد تشغيل الفيديو مرة بعد مرة، وإذا به ينصدم حتى اكتشف أنه كان نائمًا وخارجًا عن الوعي، وتلك الوجد استغلت خلوته، ومن الواضح أنها كانت تضع له شيئًا في المشروب غيبه هكذا. فكم تذكر عدة مرات شعوره بالدوار وأنه نام مكانه في الاسطبل دون أن يشعر، ولكنه حينما يستيقظ كان يجد ريحتها المقززة لقلبه تملأ جسده، حتى كشفها تلك المرة وصفعها صفعات عديدة، ولم يعد يأكل أو يشرب أي شيء من يدها.

أما هي، اندهشت بشدة من صمته وهو يشاهد الفيديو مرة بعد أخرى وعيناه مصدومة، فتحدثت: _إيه لسانك سكت دلوك يا عمران؟ وما عادش قادر تتكلم دلوك وانت شايف نفسك هيمان في أحضان مرت أبوك وبتخونه. لم يتحمل كلمتها تلك وطريقتها ووصفه له بذاك الوصف الشنيع. وفجأة، ومن شدة غضبه، صفعها على وجهها صفعة قوية وهو يهدر بها بعيني قاتمتين:

_اخرصي. أوعاك تقولي الكلام ده تاني يا سكون. انتِ مفهميش حاجة واصل. اللي في الفيديو ده غلط، وبكرة تعرفي كل حاجة. استقبلت صفعته لها بعينين دامعتين بصمت، وقلب انشق إلى نصفين داخل جسدها، وما عادت قادرة على تجميعه مرة أخرى، فقد ذاب الحجر. ثم سألته بنبرة مستميتة وهي تترجاه أن ينفي ما في الفيديو بتاتًا وأنها خدعة من تلك الماكرة:

_طب قول لي الفيديو متفبرك، وإني مش انت اللي بتتمرمغ في حضنها بالطريقة المثيرة دي. آهاتك وانت مغمض عينيك ومستمتع جوه أحضانها قتلتني يا عمران. ثم أكملت وهي تضع يدها على قلبها، وكأنه خائفة عليه أن يقع صريعًا بين يديها: _اااه يا قلبي اللي اتوجع منك بالجامد وبيتممنى الموت ولا إنه ينصدم الصدمة دي.

مش مسامحاك يا عمران، وقلبي اللي أنت جرحته وخنته مش مسامحك. قلبي اللي كان مستعد يدوس على نفسه ويتقبل أي فعل شين من أهلك علشان خاطر يفضل جنبك هادي ومطمن، مش مسامحك. وأكملت وهي تضع يديها نصب عينيها تبكي بغزارة: _ليه خنت العهد والوعد! ليه كسرت قلب كان مستعد يضحي بعمره كله عشانك؟

لم يتحمل بكاءها ولا فهمها الخطأ للأمور، ولكنه تذكر أنها أجهضت جنينه، ويزيد عليهم تناولها لتلك الحبوب التي تمنعها من أن تحمل في أحشائها جنيناً منه. لم يهمه أن يصلح مفهوم ذاك الفيديو أمامها، لأنه لن يحكي لها عن أسرار عنائه بسبب تلك الوجد سنوات، فهو لن ينقص من رجولته أمامها مهما حدث، ولكنها ستتأكد حينما تخرج تلك الوجد من ذاك المنزل أنها أخطأت به وبحقه. أما عنها، كيف له أن يسامحها فيما فعلته به؟

لقد جعلته يشعر بأنه ليس رجلاً في عينيها. دمرت كبرياء رجولته، هزمت جنود العشق لها في قلبه. ثم نطق بوجع: "طب أنا وكل حاجة هتعرفيها وعن قريب، وهتعرفي إن الست دي شيطان مدمر بتعمل أي حاجة عشان توصل للي هي عايزاه."

"منكرش إنها عرضت نفسها عليا كتير، بس أنا كنت برفض لإني مبطيقهاش، بس دي كانت مرت عمي، ودلوقتي مرت أبويا. ولو خدت أي رد فعل غير محسوب هنتقاتل أنا وأبويا، وأنا مهعملش كده. كنتِ اصبري واتأكدي الأول قبل ما تقتلي ابني اللي بترجاه من الدنيا. ومكفكيش كمان بتاخدي حبوب منع الحمل يا سكون عشان متخلفيش من عمران؟

ثم أمسك ذاك الدواء وقام بتفتيته بين يديه، ثم اقترب منها وهو غاضب، وعيناه لم ترى شيئاً سوى أنها خدعته وكسرته وأنقصت رجولته، وهو يتحدث بما ينوي فعله: "طب أنا همارس معاكي حقي الشرعي دلوقتي من غير ما تاخدي الحبوب، وهكررها غصب عنك مرة واتنين وتلاتة لحد ما تحملي تاني، ومش هتخرجي برة عتبة الأوضة دي غير لما تولدي وأشيل ابني اللي بترجاه من الدنيا يا سكون، وبعدها فارقي كيف ما انتِ رايدة. انتِ مصنتيش عمران."

كادت أن تعترض، ولكنه لم يمهلها فرصة الاعتراض واقترب منها وهو يمارس حقه فيها، ولم يأبه لرفضها. وانقلبت موازين العشق الآن لدى عمران وسكون إلى حرب ضرارية فتكت بقلوبهم البريئة في العشق. هبط عمران للأسفل ووجد الزغاريد تملأ المكان، فقد كانت والدته وأختاه تجلسان بجانبها وهم يهللون فرحاً. فحاول ضبط نفسه كي لا ينكشف أمره ورسم البسمة على وجهه: "صباح الخير عليكم. إيه اللي مفرحكم قوي كده؟ ردت والدته وعلامات

السعادة تنطق على وجهها: "تأشيرات الحج بتاعتي أنا وأبوك جت أخيراً، والمشكلة اللي كانت تبعه في الباسبور بتاعه اتحلت وهنمشي كمان يومين يا ولدي. عقبالك إنت ومراتك، ووقتها تكون جابت عيل صغير تسيبهولي هنا حتة منيكم تونسني." وأكملت وهي تنظر للأعلى: "الله، أمال فين سكون؟ كل دي مسمعاش الزغاريد وتنزل تفرح ويانا." تحمحم عمران وابتسم كي لا يظهر عليه أي حزن، فلو علمت زينب ما بهما لن تصمت حتى تعرف ماذا حدث:

"اممم.. هي منزلتش النهاردة ولا راحت الشغل، بتقول إنها همدانة وعايزة تريح النهاردة وسايباها نايمة فوق." هنا انفرجت أسارير زينب ثم تفوهت بسعادة: "يانهار الهنا يا ولدي، لا تكون مراتك حامل والهمدان دي من الحمل." حزن داخله بشدة ما إن ذكرته زينب بالحمل، وبات غاضباً حينما تذكر جنينه الذي أجهضته سكون بدون رحمة أو رأفة به، وباشتياقه لأن يكون له قطعة منه بعد كل ذاك العناء والعمر يمر به. وبات داخله يردد:

"كم كنتِ قاسية معي يا سكوني، وخانتني عيناي في برائتك المزيف." ثم عاد من شروده واحتضن والدته قائلاً بنفي: "له يا حاجة مش حامل، وبعدين دي دكتورة نسا يا أمي يعني ميخفاش عليها الحاجات دي." أما في الأعلى، تحدثت سكون مع فريدة وهي تستنجد بها: "يا بنتي بقولك أخد الحبوب وكسرها وحابسني في الشقة ومش راضي يخرجني. فأنتِ اعملي نفسك جاية تطمني عليا وهاتيلي حبوب غيرها." رفضت فريدة ما قالته: "وه عايزاني أعمل كده كيف يا سكون؟

ولو جوزك عرف وقتها يطخني عيارين يجيب أجلي." دبت سكون في الأرض غيظاً منها: "وهيعرف منين يا فريدة؟ متجننينيش. أمي. أنا مش هخليه يشوفها واصل. وبعدين أنتِ عارفة إني لازم آخدها عشان لو حملت هسقط، وأكده الرحم بتاعي هيتفيرس، وبدل ما أعالج حاجة هدخل في حوارات تانية أنا في غنى عنها." ثم أكملت برجاء وهي تدمع من حالتها الصعبة:

"ارجوكي يا فريدة، أنتِ الوحيدة اللي عارفة إني بيا إيه، متتخليش عني. وعمران دلوقتي عامل زي الطير المذبوح من ساعة ما عرف إني نزلت اللي في بطني، ومهيموش أي حاجة غير إنه يعاقبني على اللي عملته." نفخت فريدة بضيق ثم هتفت باستنكار: "طب وبالنسبة للي عمله هو، برر موقفه بإيه إن شاء الله؟ أجابتها وهي ترجع خصلاتها للخلف:

"بيقول إن الفيديو ده مش صحيح، وإن البت دي شيطان، وإنه مبحبهاش وعمره ما قبلها، وإن كل حاجة هتبان، ووقتها هعرف إني ظلمته." "وه انتِ صدقتيه يا سكون؟ أكدت لها وهي تثق في عمران عندما جلست مع حالها وفكرت في الموضوع من كل جوانبه: "وأنا أصدقه ليه؟ أنا قلبي عمري ما كذب عليا، وقلبي صدقه وبالثلت كماني. عمران ميخونش سكون أبداً، ولا عمره يعمل العملة المهببة اللي في الفيديو دي." "الله، أمال اللي إحنا شفناه ده إيه يا بت الناس؟

"معرفش يا فريدة، في حاجة غامضة في الموضوع ده، بس اللي أنا واثقة منه إن عمران عمره ما يخوني، ولا يخون أبويا أبداً. عمران ولد حلال." "طب لما هو أكده، خربتي على حالك ليه؟ وخسرتيه وخسرتي حياتك الهادية يا حبيبتي." شهقت سكون وهي تتذكر مابها وتحدثت من بين شهقاتها:

"انهارت يا فريدة أول ما شفت الفيديو، ووقتها معرفتش كنت عاملة كيف المضروبة على دماغي ومتخبطة في كل حاجة. وحسيت إنه خان العهد والوعد، وخصوصاً إن اللي حصل في الفيديو حاجة مقززة قوي. قلبي متحملهاش، فعملت اللي عملته، وقلت له إن الفيديو ده معايا من كذا يوم. لكن لما قعدت شوية مع حالي وهديت هبابة، جبت الفيديو تاني وقعدت أتفرج عليه كذا مرة. حسيت إنه مغمض عينيه وشكله ما يكون نايم. وبعدين الست دي دايماً بتبص له نظرات غريبة لمحتها كذا مرة، بس بعمل نفسي مش مركزة عشان لو اتكلمت فيها، قطع رقاب دي."

واسترسلت حديثها وهي تفهمها: "عمران نفسه يبقى أب، وأنا حرمته من كده. واللي حصل هيخليه يكرهني ويطلقني، واكيد هيتجوز ويعيش حياته مع واحدة غيري تفرح قلبه وتجيب له العيل اللي بيترجاه من الدنيا." "يا بت الناس، متخربيش على نفسك وعرفيه كل حاجة عن حالتك، وهو واجب عليه يقف جارك ويساعدك وميتخلاش عنك. ماهو عنده أسرار وغموض هو كمان ومرضيش يتكلم، فاستغلي الفرصة وعرفيه يا سكون." أخذت نفساً عميقاً ثم زفرته بإنهاك وقالت:

"الكلام دلوقتي فات أوانه يا فريدة، لازم تاجي النهاردة وتجيبي لي الحبوب الأول، وبعدها هشوف هعمل إيه." "حاضر يا سكون، في حالة ولادة هنا هخلصها وهعدي عليكي." أما في الأسفل، أرسل عمران رسالة لرحمة أن تأتي وراءه على الإسطبل، فذهبت إليه. رأته يحتضن وجهه بين كفي يديه، فارتاعت من هيئته واحمرار عينيه عندما رفع وجهه إليها، فسألته بخوف عليه: "مالك يا عمران، حصل إيه مخلي حالتك ما يعلم بها إلا ربنا كده؟

تنهد بحسرة وألم نفسي مما حدث معه وسكون، ثم حكى لها ما حدث من البداية للنهاية مع سكون. فضربت على صدرها ونطقت بذهول: "كيف دي؟ سكون كانت حامل وأجهضت الجنين." "بتقول إن الفيديو ده جالها من يومين، وفي نفس اليوم عرفت إنها حامل وقررت إنها متخلفش مني وأخدت حبوب منع الحمل. هي شايفة إني خنتها مع مرت أبويا. سكون بقت شايفة عمران غدار وخاين وعامل علاقة مع مرات أبوه يا رحمة." وأكمل وهو يود أن يختنق تلك الرحمة بين يديه:

"الله الوكيل محيشنيش عن البت دي غير أبويا، بس ورب الكون، لاهندمها على الفيديو ده وهخليها تكره اليوم اللي جت فيه الدنيا." طلبت منه رحمة أن تشاهد الفيديو، فرفض قائلاً: "له يا رحمة، كيف هتشوفي الملعونة دي وعمايلها معايا! داي بت فاجر ومتعرفش أخلاق ولا اتربت واصل. _طب كيف ياعمران صورتك الفيديو دي؟

_ماهي الهانم كانت أمك مقعداها وسطينا وبتدخل فينا، وشربنا، واكيد حطت لي حاجة غيبتني عن الوعي وعملت اللي عملته. ولما ملقتش فايدة معايا من السحر والأعمال، استغلت الوقيعة بيني وبين سكون علشان تنتقم لقلبها المريض. _طب ليه ياعمران لما عرضت نفسها عليك مرة واتنين مضربتهاش بالجزم وعملت لها فضيحة وخلصت منها، بدال الأذية اللي أذيتيهالي دي كلها يا ولد أبوي.

_كنت متربط يارحمة وحاسس إن لساني أخرس، ومكنتش أعرف حالتي ولا بيا إيه وقتها. كانت ماسكة مفاتيح رجولتي بيدها من سحرها الأسود، وكانت دايما تلمح لي بحاجات أكده. ولما ربنا شفاني من سحرها الأسود، كنت جاي أهد المعبد فوق دماغها، لقيت بوكي قال إنه هيكتب كتابه عليها، وإن دي قرار محدش يفتح بوقه ولا يمانع فيه. ومهما قلت له على عمايلها وقتها، ما كانش هيصدق، وهيفكر إني بقف في طريق جوازه منها، ومش بعيد كان يتهمني إني عيني منها، أو إني بجيب سيرة الولايا بالباطل. كأنك مواعية لدماغ الحاج سلطان، ولما يبقى حاطط حاجة في دماغه، بينفذها من غير كلام.

جزت رحمة على أسنانها بغضب من تلك الوجد، ثم هتفت: _ودلوقتي بت الجزم دي استغلت الفيديو ده وبعتته لسكون وجننت البونية، وخلتها عملت اللي محدش يصدقه واصل. خليتها تنزل ابنك وتكرهك يا ولد أبوي. سألها عمران: _بقول لك تعرفي تجيبي لي بت الجزم دي الأسطبل هنا من غير ما حد ياخد باله، عايز أشوف هي عايزة مني إيه؟ عايز أفعصها بيدي دول، وآخد تار وجع السنين منها. نصحته رحمة قائلة:

_متتعجلش يا ولد أبوي، كلها يومين وبوك وأمك يسافروا للحج، واعمل فيها مابدالك وخد تارك منها، بس من غير ما تضر نفسك قانونًا. نفخ بضيق ثم أردف: _مهأتحملش أصبر يومين على بت الجزم دي، عايز دلوقتي أطبق في زمارة رقبتها، أخلص عليها خالص. _مينفعش يا خوي، أهدي على حالك. سألها عن الكاميرات وعن ماذا وصلت إليه الآن: _طب مفيش أخبار عن الزفت المراقبة اللي عملتيها دي؟

_والله، إني لحد امبارح مراحتش للدجالة دي، وكل قعدتها في البلكونة مبتعملش حاجة. لسه هشوف أكده، عملت حاجة تاني ولا كلمت حد إمبارح بالليل، بس لما أروح المكتب دلوقتي علشان متأخرش وماهر في الشغل، ما يعرف أمه من أبوه. ودعته وهي تربت على كتفه بحنان ناصحة إياه:

_متزعلش من اللي سكون عملته يا خوي، هي أخطأت في وقت غضب شديد، واللي شافته في الفيديو على حكاويك، مافيش ست تتحمله واصل. ولولا إنها عاقلة وراسية، كانت قادت البيت حريقة وفضحت الدنيا، وكانت ورت الفيديو لامك وأبوك، وما سكتتش. لكن كل اللي قدرت عليه، تجهض نفسها وتطلب الطلاق وتبعد عنك، لما حست بالخذلان وكسرة قلبها البريء. دي سكون، وأنا عارفاها كويس، عقلها وزها تبعد وتسيب لك الجمل بما حمل، وما يكونش ليها ذكرى منك يتوجع طول العمر من بعادكم.

_غصب عني مقدرش مزعلش منها يا رحمة، هي عارفاني كويس، مكانتش تصدق. _يا خوي، دي شافت بعنيها، محدش قال لها. وكمان انت مخبي عنها كل الحاجات دي، ومتعرفش أي حاجة واصل عن تعبك ولا عن اللي عمليته فيك الحرباية دي. كنت المفروض صارحتها عن كل حاجة في حياتك، ورميت أسرارك ووجعك ليها، علشان لما يحصل اللي حصل، ما كانتش عملت أكده. ضرب بقبضة يده على المنضدة وهتف لها بتصميم قلب موجوع: _كنت عايزاني أروح أقول لها إني مكنتش راجل يارحمة؟

عمري ما هعرفها، وعمري ما بين ضعفي قدامها. _يبقى تسيب اللي حصل ما بينكم في يد ربنا، وتسامح وتغفر، علشان ماضيك هو السبب في اللي حصل، وهو اللي سبب الشرخ ما بينكم. وياما بيحصل في البيوت بين الراجل ومرته يا خوي، وانت طول عمرك طيب وقلبك كبير. وأكملت وهي تحمل حقيبتها: _إني هروح الشغل بقى، ما يعزش حاجة مني قبل ما أمشي. _له تسلمي يا خيتي، خلي بالك من نفسك.

ودعته وذهبت إلى عملها مشيًا على الأقدام، فالمكتب لا يبعد عن منزلها بعشر دقائق. بعد مرور عدة دقائق، وصلت إلى مكتبها وبدأت في عملها بكل جد ونشاط. وبعد قليل، وصل ماهر إلى المكتب، وجدها منكبة على عملها، ولكن لفت انتباهه شيئًا ما في ملابسها، فطلب منها دون أن يلقي السلام عليها: _حصليني على المكتب دلوقتي.

أمرها بذلك ودلف إلى المكتب على الفور، فارتعب داخلها من هيئته وطريقته، فقد دخل المكتب دون أن يلقي السلام عليها، وطريقته لا تبشر بالخير. فنطق لسانها تلقائيًا: _أستر ياللي بتستر، ماله دي داخل بزعابيب أمشير أكده ليه. لملمت الملف الذي بيدها وأمنت مكتبها كما هي معتادة، ثم دلفت إليه وقلبها يدق رعبًا من طريقته. ثم سألته: _خير ياماهر، ياترى قالب وشك أكده ليه، وداخل من غير سلام ولا كلام، كأني بايتة معاك من امبارح.

أشار إليها أن تجلس أمامه مرددًا بغموض: _اقعدي. اتسعت مقلتيها بذهول من طريقته، ثم جلست وانتظرته يتحدث، وتعاملت معه بنفس طريقته، ولم تسأله مرة أخرى ماذا به. ثم ناولها الهاتف متسائلًا إياها: _ممكن أعرف إيه ده يا هانم؟ رأت ما بالهاتف، ثم توترت حينما استشفت بذكائها سر غضبه: _اممم... ده تعليق عادي على جروب الشغل هنا. _انت شايفة إن ده تعليق عادي يا هانم! _الله، هو في إيه يا ماهر؟

ما بنات كتير داخلين معلقين له وبيباركوا له على الماجستير، اشمعنى أنا يعني؟ جرى إيه، إني باركت له من باب الذوق. ضرب على المكتب بقبضة يداه، والغيرة تشعبت برأسه، ناهرا إياها: _يا أم قلب حنين، وما بيفوتكيش واجب صح. واستطرد حديثه بنبرة ساخرة: _وماله، لما تروحي كمان الحفلة اللي عملها الدكتور علشان تكملي الواجب. انزعجت من طريقته الساخرة وهتفت وصوتها على بعض الشيء: _هو في إيه يا ماهر؟

ما كانش حتة تعليق عملته لزميلي من باب الذوق، زيي زي بقيت زمايلي. اياك هتعلق لي عليه المشنقة. انتفض من مكانه وهدر بها: _متعليش صوتك وانت بتتكلمي معايا. هو ينفع الست تعلي صوتها بالطريقة دي يا أستاذة! وأكمل وهو على نفس غضبه، وهو يتحرك ويقف أمامها: _ثم إيه حكاية زميلي دي، إن شاء الله!

إنت متعرفيش إني مقبلش حتة زميل عمل وحوار المباركات دي والاختلاط، وحتى السلام عليكم متقوليهاش لصنف راجل على وش الدنيا غير لبـ.ـوكي وأخوكي بس، غير كده ممنوع تمشي في طريقك، مترميش سلامات ولا هـ.ـباب. ارتعبت من نبرته ونظراته لها، لم تكن تتوقع أنه يغار بتلك الدرجة، لقد أدهشها بطلبه، ثم أدمعت عيناها من طريقته وانقلابه ورددت من بين شهقاتها: _طب ليه بتزعق لي دلوقت؟

ماتفهمني براحة ياماهر واني هراعي غيرتك عليك وهفهم كل حاجة هتقولها لي، مش كل حاجة زعيق كده وتحمر لي عينيك وترعبني منك. ثم أكملت ببكاء جعله يندم على غيرته العمياء، ولم يستطع أن يمسك لسانه ويتحدث معها بهدوء، ولكنه ذاك الماهر في غيرته لن يرى. ثم جلس أمامها وهدأ من أعصابه قائلاً لها: _خلاص يارحمة، متبكيش، حقك علي، بس والله غصب عني لما شفت التعليق اللي انتِ كاتـ.ـباه له اتجننت من غيرتي عليكِ. رفعت عينيها المغشية بالدموع

وهتفت من بين شهقاتها: _ياماهر، إني مش عايزة أخسرك ولا حابة أكون لراجل غيرك، لإنـ.ـي مش هعرف أكون مع راجل غيرك، أعمل إيه في قلبي اللي كانه اتوشم بوجودك جواه؟ ارجوك ياماهر خلي بالك مني، خليك أمين علي وعلى مشاعري. تنهد بضيق من حاله وفي عدم تحكمه في نفسه حينما يقترب أي جنس رجل منها: _حاضر ياحبيبتي، خلاص بقى متزعليش وامسحي دموعك الغاليين دول، قلبي بيترج من جواه وبيـ.ـلومني قوي لما أحس إني السبب في دموعك دول. جففت دموعها

بالمنشفة الورقية ثم أردفت: _بس انت غيرتك صعبة قوي ياماهر، ومتحبـ.ـكهاش قوي كده. حرك رأسه برفض قاطع: _مش هعرف، ومعاكي انتِ بالذات يارحمة، عشقي ليكي بحسه مختلف، بحس إني عايز أخبيكي عن كل العيون، عايزك تفضلي قدام عيني طول الوقت علشان مـ.ـخليش أي حد يقرب منك، جننتيني معاكِ يارحمة ورجعتيني كأني شاب مراهق وعيل صغير مش راجل داخل على الأربعين.

أخيراً ابتسمت من حنوه عليها في الكلام، فذاك الماهر مهما اشتد غضبه ولكن قلبه أبيض كاللبن الصافي، يهدأ بسهولة، فهي حفظته عن ظهر قلب وأصبحت تتفهمه بشدة. ثم تحدثت بعشق وهي تضع يدها على وجنتها وتستند بجذعها على المكتب: _عارف ياماهر بحس معاك بإيه؟

بحس معاك إني عيلة صغيرة عايزة تتشعبط فيك ومتسيبكش خالص، بحس إني عايزة أهرب منك ليك، بحس إن ورا صلابتك دي حنية تكفي العالم كله، وورا غيرتك علي رجولة مبقتش موجودة، كان عندي حق أحبك وأتعلق بيك، كان عندي حق أتمسك بوجود راجل في حياتي زيك يا ماهر. بنفس نظراتها العاشقة همس لها هو الآخر: _طب مش خايفة على نفسك من حب ماهر المتهور؟

مش خايفة لما تبقي معاه في بيت واحد وتبقي حلاله، من اشتياقه وحبه ليكي هتقدري تتحملي قربه القوي منك يارحمتي؟ رفعت حاجبها بمكر وأردفت بعينيها تنظر له بمشاغبة: _له دي أنا رحمة المهدي، يعني الجمدان والاختلاف عن أي ست، يعني لما اخترتك عارفة ومتأكدة إنك هتقدر على شراستي وشقاوتي، عارفة إني مش عايزة راجل طيب وينفذ لي كل اللي أنا عايزاه بسهولة، عارفة إن دماغي ناشفة ومتعبة، من الآخر فرسة جامحة قوية ومش عايزة أي خيال يراودني.

وأكملت وهي تغمز له بشقاوتها المعتادة التي أوقعتـ.ـته فيها: _علشان كده متقلقش علي، وإني معاك وفي بيتك بس سد انت قصاد رحمة ومتجيبش آخرك. ابتسم برجولة لمكر تلك الصغيرة ثم هتف: _وه وه دي انتِ مش سهلة بقى يارحوم، بس متأكدة إنك هتقدري ومش هتنخي وتقولي ارحمني يا ماهر وإني مش قدك. ضحكت بأنوثة مهلكة طارت مع قلب ذاك الماهر وأردفت بتأكيد:

_الأيام بينا ياماهر وهنشوف مين اللي نفسه أطول، بس لما أكسب جولة من جـ.ـولاتي معاك تعترف، وأني بردو حقانية لما تكسب جولة معايا من جولات المشاغبة اللي هتشوفها على يد رحمة، هعترف وهديك حقك، حكم إني حقانية موت. _شوفي أهي شقاوتك دي اللي هتهلكك وياي وهتخليكي تبطليها لوحدك علشان متقعيش انتِ تحت يد الأسد.

ثم قام من مكانه وأخرج علبة قطيفة ذات اللون البرونزي من حقيبته، ثم عاد وجلس أمامها وفتحها، وهي مندهشة، ثم أخرج منها ذاك الخاتم اللامع الرقيق الذي يليق بصاحبته وقدمها لها بغرام: _أحلى هدية عيد ميلاد لرحمتي علشان متقوليش إني بخيل ومبهتمش بالتفاصيل وإني فاقد الشم. انبهرت من رقة ذاك الخاتم ثم نظرت له بعشق وبعينيها لمعت بغرامه: _اممم... الجمال والرقة دي كلها لرحمة! وأكملت وهي تشكره بامتنان:

_حبيت قوي ياماهر، بس كلفت نفسك قوي وباين عليه غالي. طلب منها أن تمد يداها كي يلبسها إياه مردداً: _مفيش حاجة تغلى عليكي، ياروح قلبي الدنيا كلها تحت رجليكي، ياحبيبتي وكل حاجة تهون قصاد ابتسامتك وفرحتك وأشوف عيونك الحلوين دول مبسوطين. _ياه ياماهر ومش عايزني أتمسك بقربك، ولمتني كتير على تصميمي عليك، كنت هبقى هبلة قوي لو مكنتش قاومت معاك وانسحبت، كنت هخسر كتير قوي. _طب مدي يدك علشان ألبسك الخاتم.

مدت يدها المرتعشة من خجلها، ثم مد يداه هو الآخر، وبدون أن يلمس إصبعها وضع الخاتم على طرفه وعيناه متسمرة عليها، ويود أن يـ.ـختطفها الآن بين أضلعه من سحرها وجمالها. ثبتت هي الخاتم في يدها، وكم كان جميلاً، وازداد جمالاً حينما زين إصبعها. أراد أن يمسك يداها ويقبلها قبلة عاشق متلهف لحبيبة أتعبت قلبه، ولكن تمهل قلبي، فلقد فات الكثير وما بقي غير القليل، وستسكن رحمتك حياتك وستنيرها.

أما هي احتضنت يداها بسعادة لا توصف، فتلك الهدية الأولى لها من حبيبها ومعشوق روحها، فستحفظها بين ثنايا قلبها ولن تفرط فيها أبداً مهما كان. بعد مرور أكثر من خمس ساعات انغمست فيهم رحمة في عملها، ولم تراجع الكاميرات الخاصة بتلك الملعونة. أنهى ماهر هو الآخر عمله، ثم خرج إليها قائلاً: _يالا علشان أوصلك في طريقي وأنا مروح. ابتسمت له ثم قالت:

_له مفيش داعي، إني هتمشي لحد البيت، وبعدين طريق الزراعية أوله صعب ومطبات وكمان ضيق، وانت مأخذتش على إنك تمشي فيه، فبلاش أتعبك وياي. صمم على أن يوصلها: _خلاص هنزلك على أول الطريق وانتِ كملي، يالا قومي. أطاعته وحملت أشياءها وخرجت معه وركبت السيارة بجانبه.

أما في ذاك المكان المظلم الخالي من الناس، تقف ثلاث سيدات ذوات جسد ممتلئ على أول الطريق الزراعي، ينتظرون موعد رجوع رحمة حسب الزمان والمكان التي اتفقت معهم، ووجد، وأعينهم تترقب الطريق كالكشافات. وصلت السيارة أول الطريق، فاستعدت رحمة للنزول، فودعها ماهر: _هتوحشيني قوي. _وانت كمان هتوحشني قوي، خلي بالك من نفسك. _وانتِ كمان خلي بالك من نفسك، ومتبصيش يمين ولا شمال في طريقك طوالي، ولا أنزل أمشي معاكي الحتة دي.

_قد كده بتحبني وخايف علي؟ _طبعاً، إن مكنتش هخاف عليكي انتِ هخاف على مين؟ مليش غيرك. _متقلقش علي، إني أسد في الحديد وعضمي ناشف، ولو حد فكر يقل معي يبقى أمه داعية عليه في ليلة قدر. _ياواد ياجامد، وإني أحب الجامدين قوي التعامل معاهم في تحدي. هبطت من السيارة ثم نصحته: _يالا همشي بقى علشان متأخرش، وزينب تعمل معي الجلاشة، ودي بالذات مقدرش أسد قصادها، بس خلي بالك، امشي الحتة دي براحتك علشان مليانة مطبات والدنيا ليل.

ابتسم لها ثم حول السيارة ببطء كي يعود إلى منزله، وعيناه تراقبها من المرآة حتى ابتدت سيارته في الاختفاء. أما هي، تحركت بضع خطوات، وعلى فجأة اعترض طريقها تلك السيدات الثلاث ووقفن أمامها وهم يرددون: _أهلاً يا حلوة. بفطنتها استشفت غدرهم من أكمامهم التي يشمروها، ففوراً تحدثت بذكاء: _ينهار أبيض، اجروا بسرعة في تعبان وراكم. استطاعت تشتيت انتباههم بالفعل، وعلى حين غرة ضربتها في قدمها ودفعتها بمهارة سريعة في الترعة.

أما الأخريتان، تقدمت إحداهن منها، وقبل أن تقترب منها، أخرجت زجاجة البرفيوم الخاص بها وسكبته في عينيها بغزارة، وصارت تتحرك بهوجاء في المكان، وقبل أن تفيق، جذبت حجارة ثقيلة من الأرض وقذفتها في قدمها. كل ذلك مع عويل السيدتين من ستغرق في الترعة، والأخرى من ألم عينيها وقدمها. سمع ماهر ذاك العويل وهو يحاول الخروج بسيارته من ذاك المكان الضيق، فانتابه القلق على رحمتها، فترك السيارة مكانها وهرول إليها.

أما عند رحمة، كانت تصارع تلك السيدة الثالثة، فقد تشتت مما حدث لزميلاتها على يد تلك الرحمة، والتي كانت تحاربهم في تلك المعركة بمهارة عالية. وظلت هي والسيدة في عراكهما، ورحمة تصد هجماتها ببراعة، ولكن تلك السيدة ذات جسد قوي عن الأخريتان، ولكنها ما زالت تهاجمها، حتى شعرت أن قواها ستخور منها، والأخرى قاربت أن تقوم ووجعها هدأ، فقررت أن تجري وهي خفيفة الجسد.

ولكن تلك السيدة متشبثة بها بشدة، فعلى الفور خلعت دبوس رأسها وغرزته في وجهها عدة مرات، فتركتها السيدة وهبطت أرضاً وهي تتألم، فقد غرزتها رحمة بجانب عينيها، فشعرت بأنها عميت، ثم ضربتها بيديها وأقدامها كثيراً، وهي تردد لها: _مين اللي باعتكم لقضاكم يا ولية منك ليها، دي أنا هعمل منكم بطاطس محمرة النهاردة ومش هخلي فيكم حتة سليمة.

ثم أتى ماهر يهرول من بعيد وهي ينادي عليها، فقد رآها من بعيد وقلبه هلع، أيعقل أنه سيفقدها هي الأخرى كما فقد أغلى أحبابه؟ وما إن وصل إليها حتى جذبها إلى أحضانه بدون تفكير، فذاك حضن الخوف من الضياع، الخوف من الفراق، وتلك الرحمة لن يتحمل فراقها. ثم أخرجها من أحضانه واحتضن وجنتيها متسائلاً إياها بهلع: _انتِ كويسة. هزت رأسها بابتسامة: _دي أنا تمام قوي. ثم نظرت إلى تلك السيدات وهي تلفت انتباهه:

_شوف عملت في العتاولة دول إيه، هههه، علشان تعرف إني جامد قوي.

ابتسم على مشاغبتها في عز تلك الخناقة، ثم أخرج سلاحه المرخص وهددهم بالاقتراب من بعضهم، وحذرهم من التحرك، وطلب الشرطة، وبعد بضع دقائق وصلت الشرطة المكان، وكانت الواقعة في الترعة، استطاعت الخروج منها، وتم القبض عليهم، وذهب ماهر معهم، وأمرها أن ترجع بيتها، بعدما فهم منها الظابط المسؤول، ووعدته أنها ستأتي إليهم صباحاً كي تتهمهم في محضر رسمي، وعادت رحمة إلى المنزل وهي تشك أن تلك الـ.ـوجد لها علاقة.

فقررت أن لا تجلبها لعمران كي ينتقم منها، ثم أرجعت الكاميرات، وبالفعل وجدت اتفاقها مع هؤلاء النسوة عبر الهاتف، وبالتأكيد الظابط سيجعلهم يعترفون بكل شيء، خاصة أن ماهر قد وصى عليهم بشدة، ولن يتركوهم قبل أن يعترفوا، وبالتأكيد سيجدون مكالمات تلك الـ.ـوجد بينهم من خلال رقمها، والوقوع بها أصبح سهلاً.

بعد مرور يومان من الهدوء الذي يعم المنزل، فعمران يبعد عن سكون كي لا ينتبه أحداً لهم ولخناقهم، ووالدته ذاهبة إلى العمرة، فهو لن يعكر صفو مزاجها. وفريدة أتت لسكون في اليوم التالي بالحبوب وخبأتها سكون جيداً كي لا يراها عمران. والآن أتى موعد سفر سلطان وزينب إلى بيت الله الحرام في أعظم وأطهر رحلة.

وتلك الـ.ـوجد علمت بأن السيدات لن يفلحوا مع تلك الرحمة الشرسة، وداخلها هلع رعباً، لذلك قررت أن تذهب لتلك الدجالة بعد مغادرتهم المنزل للسفر مباشرة، وسكون ما زالت في المنزل وتتعامل مع عمران وكأن الفيديو لم يؤثر بها، وكل ذلك وهي تزداد حقداً. ودعتهم سكون بمحبة نابعة من قلبها، ثم خرجا بسيارتهم منطلقين إلى المطار، ورحمة معهم. وبعد ساعة تقريباً، وصلا إلى المطار، وسلم عليهم عمران بحرارة وهو يودعهم السلامة.

وعندما انتهيا من التسليم على عمران، جاء دور رحمة، سلمت على أبيها بحب وودعته، ثم احتضنت زينب وأدمعت في أحضانها، وهي الأخرى أدمعت ورددت باشتياق: _هتوحشيني قوي يازوبة، مش عارفة هعيش من غيرك إزاي لحد ما ترجعي من الحج. ربتت زينب هي الأخرى على ظهرها بحنو: _متعيطيش يا اللي تنشكي وتعيطني معاكي، دي أنا رايحة للنبي الغالي، وأني لما صدقت ربنا دعاني فرحت ألبيـ.ـه. أنهت ما قالته، وكلتاهما بكت بصوت عالٍ بعض الشيء.

ثم طلبت رحمة من والدتها: _ادعي لي ربنا يوفقني في حياتي يازوبة ويبعد عني الشر. وأكملت بدعابة كي تدخل السرور على زينب: _وإني أتـ.ـجوز ماهر بقي، علشان خللت جنبـ.ـك وشكلي بقى عفش قوي، والبنات اللي من دوري اتجوزوا وخلفوا بدل العيل تنين وتلاتة، وإني لسه قاعدة في أراضـ.ـيكِ يازينب. لكزتها زينب بخفة على ظهرها ثم جففت دموعها وهي تضحك من مشاغبة تلك الرحمة وأردفت:

_والله هتوحشني مناكفتك يا مصـ.ـيبة انتِ، كنتِ بتهوني علي يومي يا مزغودة على قلبك. غمزت لها رحمة بشقاوة ثم هتفت بدعابة: _بس بقى دي انتِ رايحة أحسن رحلة في العمر مع أبو السلاطين وهترجعوا سمنة على عسل. وأكملت وهي تغمزها من جنبها: _أقول لك يازوبة انتِ تروحي المالديف مع البت مكة وآدم بعد النيولوك ده وتعملي شهر عسل من أول وجديد وتعيشي حياتك يا بطل جيلك. اتسعت عيناي زينب بخجل من مشاغبة تلك الرحمة، ولكزتها

على كتفها ناهية إياها: _اتحشـ.ـمي يا بت انتِ. وأكملت وهي تتحمحم: _اممم... إني لولا إننا كنا مقدمين على الحج قبل جوازته من مخفية الاسم والصورة دي، إني كنت عمري ما هروح وياه في أي مكان. واسترسلت حديثها بشوق: _بس إني رايحة عند أبو فاطمة القلب والروح (عليه الصلاة والسلام) ، وطالما دعاني هلبيه وهروح لحد باب بيته وأدعي بقلبي لحبايبي، دي زيارة العمر يا بتي. هنا تحدث سلطان:

_يالا يازينب، الطيارة خلاص فاضل وقت بسيط، بزيادة كده يارحمة، عاد هنتعطل بسببك. ودعاهم بقلب ينفطر ألماً وفرحاً في آن واحد لغيابهما عنهما، وسعادة لزيارة بيت الله الحرام. بعد نصف ساعة في سيارة عمران، فتحت رحمة ذاك التطبيق الموصل بالكاميرات في ملابس تلك الـ.ـوجد وانصدمت مما رأته. فجذبت أنظار عمران قائلة: _الحق ياعمران اقف على جنب كده. اندهش عمران من طريقتها الملحة ثم سألها: _مالك يا خيتي في إيه عاد؟ أجابته وهي

توجه شاشة الهاتف أمامه: _شوف كده اللي ماتتسمى داخلة بيت الدجالة اللي شفناه في الصور رايحة تعمل إيه دي في وقت متأخر زي دي. تو ما بوك خرج من البيت، خلعت بنت الجزمة في أنصاف الليالي. كان عمران ينظر إليها بقلب يدق بعنف، ويود أن يذهب إليهما الآن ويـ.ـخنقهما بيده كي ينقذ العالم من شرهن. ثم فكر بسرعة بديهة قائلاً وهو ينظر إلى هيئتها المرتعبة وهي تنظر يميناً ويساراً:

_البت دي مروحها في الوقت ده وراه مصـ.ـيبة هتحصل، واني لازم ألبسها لها دلوقتي وأخليها تبات في السجن النهاردة هي والدجالة بتاعتها دي. سألته رحمة باندهاش: _كيف يعني دي! بتفكر في إيه؟ لم يكن لديه وقت يشرح لها ماذا يفعل. ثم قام بالاتصال على صديقه الذي يعمل في قسم الشرطة. ولأن الوقت متأخر، آتاه الرد بعد مدة. وما إن استمع إلى رده، شرح بعد السلام والتحية:

"بقول لك إيه، في حاجة عايز أبلغ عنها. لو ما لحقتهاش دلوقتي هيحصل كارثة. في واحدة دجالة بتعمل أعمال للناس. ودلوقتي فيه ست لسه داخلة عندها حالا، أنا شايفها. وبعدين المفروض الناس اللي زي دي ما تسيبوهاش تأذي خلق الله. وأنا حاسس إن فيه مصيبة هتحصل هناك دلوقتي لو ما لحقتهاش يا حضرة الظابط."

"أنا كنت ماشي بعربيتي وشايفها داخلة البيت تتلفت يمين وشمال وشكلها أكده وراها حاجة كبيرة. أنا قلت أبلغك. إحنا أصحاب، تعمل مصلحة من ورا الشغلانة دي ويترفع اسمك بين أصحابك." "تشكر يا صاحبي. إحنا أصلاً مراقبينها الست دي من بقى لنا كذا فترة. أنا هخرج دلوقتي بعربية الدورية ومعايا الأمناء بتوعي أشوف أكده الأحوال هناك إيه، وما نحرمش من اهتمامك يا صاحبي." أنهى الكلام مع صديقه، ثم سأل رحمة التي فهمت كل شيء:

"قولي لي يا رحمة، هي عقوبة الدجل والشعوذة إيه في القانون لو امسكوا متلبسين دلوقتي؟ أجابته سريعًا: "دي أقلها تلات سنين سجن. بس براوة عليك يا عمران، استغليت الوقت الصح اللي اتكلمت فيه مع الظابط. بس يا رب ما تفلت وتخرج من عندها قبل الظابط ما يروح بدوريته، يبقى كانك يا أبو زيد ما غزيت." ثم انتبهوا إلى الهاتف عندما سمعوا صوت وجد وهي تتحدث بنبرة عالية مع تلك الدجالة قائلة لها:

"يعني مش عارفة جاية لك ليه دلوقتي يا نصابة يا حرامية؟ اطلعي بالـ 40 ألف جنيه اللي خدتيهم مني وما عملتيش بيهم حاجة. ده أنا هخلف فضيحتك مسمعة في الكفر كله." انقلبت معالم وجه تلك الدجالة وهي تهدر بها بحدة: "تتفلسفي في جنابك يا مرة يا سوء انت؟ غوري يابنت من هنا، مالكيش ربع جنيه حداي، كفاية اللي كان هيجرالي بسببك." "نعم نعم يا عمر، دي أنا هاخد فلوسي منك ويا قاتل يا مقتول النهاردة."

ثم ظلت كلتاهن تلقي سبابًا لاذعًا للأخرى. واشتد الخناق بينهما أكثر من نصف ساعة. وانتهوا على أن أمسكت وجد تلك الحديدة الموضوعة على المنضدة وبطحت كل الدجالة في راسها أكثر من مرة، مما جعلت الدماء تسيل منها وهي تردد بهوجاء: "مش هسيبك يا ولية إلا لما تديني فلوسي يا حرامية يا نصابة."

وظلت تبطحها على رأسها حتى فارقت روح تلك الشريرة الحياة. والأخرى تهذي بكلمات من الغل المعتاد عليه، وكأن نار الانتقام من عمران وأخته وأمه تجمعت أمام عينيها الآن. ثم دخلت الشرطة المكان وهي تبطحها للمرة الأخيرة حتى قسمت رأسها إلى أشلاء لم يعرف عددها. فقاموا بالقبض على تلك الوجد سريعًا. وكل ذلك وعمران ورحمة يشاهدون ذاك المنظر بقلب مشمئز من هاتان المرأتان ومنظر الدماء جعلهم في موقف لا يحسدون عليه.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...