الفصل 54 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الرابع والخمسون 54 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
24
كلمة
5,394
وقت القراءة
27 د
التقدم في الرواية 72%
حجم الخط: 18

انحصرت أنفاسها ولم تعد تقوى على التنفس في قربه. يا الله كم من المشاعر المتضاربة التي تطرق على أبواب قلبها كالطبول تطالبه بالمزيد. كم أنت بارع حقًا أيها الآدم في أن تجعل كلي يثور داخلي. رأت نظراته المترجية ويداه الممدودة لها وكأنه مسكين في الغرام ويترجى النظرة كي يجبر قلبه الجائع لها. ثم همست بدون تفكير: _ارفع النقاب يا آدم مش من حقي أمنعك دلوقت.

ابتلع ريقه وأخرج تنهيدة حارة تنم عن مدى غرامه بها، فلقد أذنت لها حبيبته أخيرًا بفك الحصار كي يراها. كم كان ذاك الشعور مرهقًا لقلبهما، فهو عاشق ولأول مرة يرى وجه من عشقها. ثم اقترب منها وكادت المسافات أن تكون معدومة بينهما. أحس بسخونة أنفاسها من تحت نقابها تدل على اضطرابها. سمع صوت نبضات قلبها وهي أمامه واخترقت خلايا جسده. رفع نقابها في موقف حبس أنفاس لكليهما.

وأخيرًا، أزاح الستار عن معشوقة القلب والروح. ودقات قلبه ونظرات عيناه تنظر لها بانبهار وقلب خفقان لصاحبة العيون الزرقاء. يا الله أقسم برب السماء الذي خلقك وسواك، أنك ملكتي الفؤاد وأنرتي الظلام بطلتك ملاكي. اهدأ أيها الآدم. اهدأ قلبي. اهدئي أيتها النفس الضائعة الهائمة في بهاها. فلقد طلعت عليك الشمس والقمر والنجوم في لحظة وضحاها. أخبروها بأنها الأمس واليوم والغد والكل، وهي النفس ومناها.

أخبروها بأن ترفق بحال مسكين عاشق ذاب، فماذا بعد؟ ماذا عساها؟ تسمرت عيناه على كتلة الجمال الطبيعي الذي يأسر النفس ويجعلها تذوب غرامًا. كم رآها في مخيلته كثيرًا بألف وجه، ولكن الآن أجزم أنه لم يتخيل طلتها الخاطفة لأنفاسه، وأن وجهها لم يكن من بين الألف الجميلات اللاتي رسمهن خياله. أما هي، ألقَت نظراتها أرضًا من شدة خجلها بسبب نظراته الهائمة بها.

نعم، لقد فهمت معنى نظراته وتسربت داخلها وجعلت ذاك الساكن الذي لم يتحرك أبدًا، تحرك الآن بنبضات متتالية لم تنفض عنها ولن تصمت عن دقاتها بعد. وأخيرًا، بعد حبس تلك الأنفاس لكليهما، رفع وجهها وأجبر عيناها كي تسكن عيناه، ثم همس بعشق: _حرام عليكي يا شيخة. حرام عليكي بجد. إيه اللي بتعمليه فيا ده! اتسعت مقلتاها بذهول من كلامه وسألته عيناها: ماذا بك؟

فهي من شدة خجلها لم تقو على التفوه. فأكمل هو تلك اللحظة بتلك الأغنية الذي ألقاها لها بصوته الملائكي. وللعجب، أنها لأول مرة تسمعه بدون موسيقى، فقد سحرها بجمال صوته وسحبها لعالمه أكثر وأكثر. أما هو، غنى لها: _عيونك شايفها وحاسس إن أنا عارفها سيبيني براحتي أوصفها مكسوفة ليه كإنك معايا بقى لك عمر ويايا بنفس الصورة جوايا من قد إيه سنين شايفك في أحلامي بنادي عليك ضميني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني

وحشتيني. وحشتيني سنين بعدك على عيني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني وحشتيني. وحشتيني سنين بعدك على عيني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني يا أجمل هدية بعتها القدر لي يا قمري في عز لياليا أوصف لك إيه والله والدنيا بقت في عيني حاجة ثانية هواك قابلته وفي ثانية جريت عليه سنين شايفك في أحلامي بنادي عليك ضميني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني وحشتيني. وحشتيني سنين بعدك على عيني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني

وحشتيني. وحشتيني سنين بعدك على عيني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني بحبك هقولها يا ريت قبل ما أكملها تعالي في حضني ونقولها إحنا الاثنين وحشتيني. وحشتيني سنين بعدك على عيني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني وحشتيني. وحشتيني سنين بعدك على عيني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني وحشتيني وحشتيني.

وفور أن انتهى من أغنيته لها التى دلت على مدى وحشته لها، وعلى حين غرة جذبها إلى أحضانه قبل أن تفيق من حالة التيهة التي اعترتها في همسه ولمسه. تشبث بأحضانها كالغريق الذي وجد قارب نجاته بين يديها. قرر الإبحار في عالمها الخاص. ظل في أحضانها يتنعم بقربها. يشتم رائحتها.

أما هي، كانت متخبطة. مشاعرها البدائية لأول حضن في حياتها لحبيبها وزوجها، حتى ولو كانت إجبارًا عنها، ففي حضرة المحبوب تندثر قوانين الكبرياء والكرامة. ففي حضرة المحبوب تفوز لحظات العشق وتركل أبواب القلوب بمهارة حتى تستقر داخل شباك الحبيب، ووقتها حتماً ستسطر النهاية. قد فاز الحب على الكبرياء. وماتت الكرامة وليس لها عزاء. فهي الآن أعصابها مخدرة، مهلكة، متيمة ليس لها دواء غير أحضانه.

ثم أخرجها من أحضانه واقترب منها ليزيح خصلة شاردة فوق عينيها، يتلمس وجنتها نزولاً إلى فكها، ثم صعد إلى شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه: _طلعتي جميلة حد الفتنة. طلعتي أحسن من أي أغنية غنيتها. طلعتي مبهرة. ثم أمسك يدها ليوضع كفها على صدره وأردف: _شوفي دقات قلبي في قربك عاملة إزاي. شوفي لو بعدت عنك وده إن قدرت، قلبي هيعمل فيا إيه. حياتي هتبقى من غيرك ضياع.

واسترسل حديثه وهو يمرر عيناه على وجهها كأنه يحفظه داخله. مرة داخل عينيها، وأخرى شفتاها، وأخرى وجنتاها، وأخيرًا قرر أن يكشف عن باقي المكنون وهي مازالت في تيهتها.

وفجأة وبحركة خفيفة خلع عنها حجابها وانسدلت الأمواج السوداء الكاحلة على ظهرها، مما جعله ينظر إليها بانبهار وهو يبتلع أنفاسه بصعوبة. أما هي، نظرت بعيد عن عينيه تحاول كبت مشاعرها كي تصد هجومه الضاري على قلبها المسكين. لكنها لم تقدر أن تستعيد قواها وأخفت كل مشاعرها التي تملكت منها لمساته وهمساته بكل ضعف منها.

ثم نظرت له بعيون تخفي ضعفًا يستكين بداخلها وقلب يخفق ألمًا وعشقًا معًا. ترتجف من لمساته التي تجعلها تود أن ترمي على صدره ويدفئها بحرارته المنبعثة من توهج عشقه لها. لكن كبرياءها كان يصرخ بداخلها يحثها بأن تصم أذنيها عن كلماته ورجائه وأن لا تتأثر حتى بأسبابه. ولكن تفوهت بكلمة واحدة وهي تبعد يديه برفق عنها: _آدم أرجوك ابعد ومتستغلش ضعفي في قربك أكتر من كده. كفاية على كده النهاردة.

لم يقدر على الابتعاد عنها وأزاح قميصه من على صدره ليشير إلى موضع قلبه الموشوم أعلاه وأكمل: _بقى يرضيكي بعد الجري وراكي ده كله وقلبي ده اللي اتعذب في جفاكي ونفورك منه الشهور دي كلها، وتيجي لحظة قربك وتقولي لي أبعد! ثم تبسم بهدوء وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوان، ولكن أذابتها من حرارتها المنبعثة من شفتيه، ثم نظر إليها وأكمل:

_لااااا ياعمري مش هيحصل ولو عملتي إيه بالذي أو قلتي إيه بالذي مش هبعد. هو معقولة أبقى في الجنة اللي دخلتها دلوقتي على إيديكي، هسيبك وأبعد! متحلميش يامكة ومش هيحصل أبدًا.

استجمعت شتاتها المفرق في قربه، ثم نظرت جانبًا وجذبت حجابها كي تغطي رأسها، ولكنه لحقها وأخذ منها الحجاب ورماه بعيدًا عنها. ثم اقترب منها وجذب خصلات شعرها بين يديه برفق، ثم قربه من أنفه واستنشقه بهيام وكأنه عبير من الجنة بين يديه، ثم لف خصلاته على إحدى يديه ودفن الأخرى بين شعرها حتى وصل إلى رقبتها، ثم اقترب على وجهها وأسند جبهته بجبهتها وتحدث وهو ينظر داخل عينيها ويتنفس أنفاسها مرددًا برفض قاطع وهو يغمز لها بطريقة

أذابتها أكثر من ذلك: _هو إنتي مش تعرفي ربنا كويس؟ وربنا بيقول لك مينفعش تداري زينتك على جوزك. حجاب إيه بقى اللي تلبسيه وإنتي قاعدة مع جوزك حبيبك؟ مكة لازم تفهمي كويس إني بقيت جوزك يعني من حقي أشوفك في أي وقت وأكلمك في أي وقت. ونحب في بعض في أي وقت. وأطلب منك تدلعيني فتدلعيني. وأطلب منك نتكلم مع بعض ونسهر لحد الصبح فتسهري معايا. وأقول لك يالا نخرج نشم هوا فتخرجي معايا. وإلا هتشيلي ذنب والملايكة هتلعنك.

اتسعت مقلتاها بذهول من ذاك المجنون في وجهة نظرها. ثم استجمعت قواها أخيرًا واقتربت يداها من صدره تبعده عنها، ولكنه تمسك بيدها وحاولت الإفلات من قبضته، لكنها لم تستطع فتحدثت باستنكار: _هو إنت بتاخد بالك من كلام ربنا في حاجات وحاجات له! إنت عجيب قوووي ياشيخ. مش واخد بالك بردو إننا مش مكتوب كتابنا طبيعي زي أي اتنين وإني اتغصبت على وجودك في حياتي. وضع إبهامه على شفاها كي يمنعها أن تكمل، ثم نهاها عن الحديث:

_متحاوليش تنكدي عليا وتخلي هرمونات النكد اللي بتبقى جوة كل ست تطلع دلوقتي ودلوقتي بالذات، علشان مش هديكي الفرصة يامكة. ومهما كان كلامك واعتراضك في النهاية إنتي مراتي ومن حقي عليكي الطاعة، يا إما هشتكيكي لربنا وإنتي بتخافيه أوووي، فبلاش نمشي مع بعض بمبدأ الملاوعة ده. نفخت بضيق من حصاره، ثم سألته بغيظ وهي تأكل شفتيها وتلك حركتها المعتادة عند الاضطراب الشديد لديها: _وه يعني إنت عايز إيه دلوقت يابن الناس؟

إني تعبت ومبقتش قادرة أتحمل لعب الأعصاب دي واصل. أعجبته نبرتها الطفولية وحركاتها التي تفتعلها بوجهها، فكل حركاتها جديدة عليه كليًا، فأول مرة يراها. ثم احتضن وجنتيها مرددًا بنفس لكنتها: _عايزك في حضني وجار قلبي يابت الصعيد إنتي. عايزك تبقي ليا وعايز حضنك ميفارقش حضني واصل وبس أكده. ثم استرسل حديثه وهو يغمز لها بكلتا عينيه بدعابة: _إيه رأيك فيا وإني بتكلم وياكي صعيدي مش لايق عليكي بردو ولا إيه ياقمرة إنتي؟

نفخت بضيق ثم أدارت وجهها المحكم بيداه بعيدًا عنه، وظل يشاغبها كثيرًا وكثيرًا، فهذه لحظته المنتظرة. فوجدها تجيبه: _طبعًا. مانت ممثل تعرف تتغير وتتلون بميت لون في لحظة. يعني لو عايز تحب وتدوب اللي قدامك هتعرف تعملها. لو عايز تبكي وتبكي اللي قدامك بردك هتعرف تمثلها. حرك وجهها مرة أخرى بحدة خفيفة آلمتها وجعلتها تنهره: _يدك تقيلة وجعتني. حرك حاجبه بعبس: _سلامتك من الوجع ياقلبي. بس إنتي ضايقتيني بكلامك.

لاحظ تعجبها فأكمل هو: _أيون. يعني إني بمثل عليكي الحب مثلاً! طيب بذمتك يا مكة واحد في مكانتي الفنية هيستحمل منك اللي استحمله ده كله ليه! علشان بس يقضي معاكي لحظة صفا وبعدها يفر. ولا علشان يخطف قلبك ويسيبك ويغدر. وتابع حديثه وتبدلت نظراته من ملامة لها إلى عاشقة. وبنبرة متيمة اعترف لها: _لاااا ياحبيبتي ده علشان أنا بحبك. عارفة يعني إيه بحبك؟ يعني إيه قلبي وكلي عايزك ومش عايز غيرك. يعني مهما يحصل مش هبعد يامكة مش هبعد.

أخذت نفسا عميقا ثم زفرته بهدوء وتابعت باستفسار: _طيب انت نسيت مشكلتنا وسرحت في عالم تاني خالص. هنعمل إيه فيها؟ استوعب سؤالها واردف بنبرة عاشقة متجنبا خوفها: _طيب هو في أحلى ولا أجمل من العالم اللي أنا سرحت فيه؟

قدامي مراتي حبيبتي اللي سحلتني وراها ومرمطت اللي خلفوني لحد لما وصلت للحظة دي. ولولا إن ربنا مرضاش لعبده المرمطة أكتر من كدة وعارف إنه كفاية عليه كدة وهونها عليه كان زماني لسة بعد النجوم وبسهر الليل على ضوء عيونك اللي بلون السما ياحبيبي. اتسعت مقلتيها بذهول من حديث ذاك الآدمي. وحتما سيجعلها تطبق في رقبته الآن من طريقته. ثم هدرت به: _ياربي. أووووووف. هتجنني معاك والله وأني منقصاش جنان. ابتسم بمشاغبة ثم أردف:

_الله شفتك النهاردة بجميع حالاتك وكلهم في وقت واحد. بذمتك أنا مش متمكن بردو؟ قال كلمتها الأخيرة وهو يغمز لها بطريقة جعلتها تبتسم. ثم أكمل: _أيون كدة ياشيخة. اضحكي خلي الشمس تطلع والدنيا تنور. خلي القلب يدفى بعد البرد اللي عشّش جواه. تنهدت بتعب ثم طلبت منه: _طيب ممكن نشوف المشكلة ونحلها الأول وبعدين نشوف جنانك ده. وهنشوف هنكمل مع بعض في الجواز ده ولا... لم يتركها تكمل ووضع يداه مرة أخرى على شفاها ناهرا إياها:

_متكمليش يامكة. مش هسيبك ورب الكون ماهسيبك. ثم جذب وجهها إليه وأنهال على شفتيها بعشق ووله، مصاحبان لقليل من العنف في قبلته بسبب تهديدها له بالابتعاد. فلم يشعر بحاله وهو يقبلها بذلك العنف الذي آلمها. يعلو بداخلها أصوات صراع صاخبة بين قلبها وكبريائها. فقامت بدفعه في صدره وهي تلتقط أنفاسها. إنحنت نحو الأرض وألتقطت عنق زجاجة حطمتها على الفور ووضعتها عند العرق النابض في عنقها. وصاحت بتهديد بعدما فاض بها:

_والله لو عملت أكده تاني لاهموت نفسي وأريحها وأريحك مني وأريح الدنيا كلياتها. ثم استرسلت ودموعها تلمعت داخل عيناها: _يا أخي اديني فرصة استوعبك. اديني فرصة أتقبل ظروفك وأشوف هتعامل وياها إزاي. إتسعت عيناه خوفا. فأشار إليها بكفيه وقال: _خلاص خلاص. نزلي الإزازة دي وأنا والله ماهعمل كدة تاني. بس أرجوكي اهدي وصدقيني أنا مش بحلف كذب. رمت عنق الزجاجة المحطمة على المنضدة ثم لامها: _بقى كدة يامكة. والله حرام عليكي بجد.

لم ترد عليه ولكن لاحظ نظراتها للزجاجة مرة أخرى وكأنها تهدده. ثم نفخ بضيق من أفعالها المتهورة. ولكن حاول تهدئة حالها. ثم أمسك حجابها ويليه نقابها قائلا: _اتفضلي البسي الحجاب ولمي شعرك كويس جدا. والبسي النقاب وخلي أعصابك هادية علشان هنطلع البث المباشر. واعملي حسابك بردو هتمسكي في إيدي طول البث علشان متتهوريش قدام الكاميرا.

ثم أدلى عليها تعليماته وما سيقولاه في البث. وأطاعته بكل شيء. وبالفعل بعد دقائق بدأ البث. وذكر فيه كل ما قالته له أخته بالتفصيل. وبدأت المباركات تنهال عليهم بالآلاف. وفي نهاية البث نظر إليها وأمام العالم أجمع وهو ينظر داخل عيناها:

_وفي النهاية احب أقول لمكة قدام العالم كله اني مش بس بحبها علشان مكتوب كتابنا. لاااا. أنا بحبها علشان هي أعظم انتصاراتي. هي كل حاجة حلوة حصلت لي في حياتي. وبوعدها قدامكم كلكم اني عمرها ماهسيبها ولا هقدر أستغنى عنها. ومن دلوقتي بعزمكم على فرحي منها بعد أسبوع يا أجمل جمهور وعيلتي التانية.

ثم أنهى البث بعد أن ودع متابعينه. فدلفت هند ومها وسكون وعمران وماجدة فرحين بأن الغمة انزاحت. فجذبوها إلى أحضانهم وأنهالوا بالمباركات عليهم. وهي بعد كل ذلك تشعر بالتخبط وعدم الارتياح. ولكن ستترك أمرها بيد الله يدبره كيفما شاء. وليس أحن على قلوب العباد من خالقها. *******************

في نفس اليوم وبالتحديد في الساعة السادسة مساء. في مكتب ماهر الريان جالسا وهو شارد الفكر. يتذكر اليوم المشؤوم الذي مر في حياته. فهو من الأساس لن ينساه. عاد بذاكرته إلى عشر سنوات من الآن. وهو يتذكر تلك الليلة المريرة التي فقد فيها ابنته وهي ولدت للتو. وأخذها بين أحضانه. ولم تلبث عشر دقائق حتى فارقت روحها الحياة قبل أن تبدأ. وظل يردد داخله بحزن دفين:

_لم يؤلمني التقدم بالعمر لأنه محتم. بقدر ما ألمتني أمنيات شابت بداخلي. لقد شاخ قلبي قبل عمري. نمضي في الحياة ولا نعرف أين نحن ذاهبون؟ نهرب من أشياء لا نعرف لما تطاردنا؟ نقوم بكل الأشياء المفروضة علينا إلا تلك التي نرغبها وبشدة. نتكلم كثيرا إلا الكلام الذي نود قوله نحبسه بداخلنا! تائهون في حكايات مضت. وأخرى نعيشها. مشتتون بين أمنيات نرغب بها. وأخرى تاهت منا دون أن ندركها. معتادون على كل شيء حدث ويحدث معنا.

مقبلون على الحياة دون أنفسنا. وبعد.. إلى الأيام القادمة مري علينا بسلام. فقلوبنا جدًا متعبة ومرهقة. أرهقتها الحظوظ وأتعبتها تراكمات الأيام. فرح وهي تتوجع بشدة: _الحقني ياماهر. بموووووت. آااااااااه.

شعر بالذعر لحالتها. ثم نقلها على الفور إلى المشفى. وما إن رأوا حالتها حتى أدخلوها فورا إلى غرفة العمليات. وألحوا عليه أن يدلف معها. ولبس الملابس الخاصة بالعمليات ودلف معها وهو ممسكا بيديها. ينظر إليها بهلع وهو مرتعبا من فقدانها.

بعد ساعة كاملة من وجودهم في غرفة العمليات. فقد كانت حالتها صعبة للغاية. فهي قد تناولت عقار مخدر يؤدي إلى الوفاة. فلم يتحمله جنينها. ولكن سطر القدر كلمته. وفارقت روحها الحياة. وعادت إلى بارئها وهي مخطئة في أمانة روحها التي أهدرت فيها. ونسيت أنها أمانة. ونسيت قوله تعالى "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين".

أدمعت عيناه على فراقها رغم رحلة عذابه معها. أمسك ابنته التي ولدت للتو في أحضانه. يشتم رائحتها. يتلمسها برفق وحنان. يكبر في أذنها. ومع انتهاء آخر تكبيراته فارقت روحها هي الأخرى الحياة. فلم تتحمل المخدر السام التي تجرعته والدتها. لاحظ شحوب وجهها. فعلم أن قطارها وصل محطته الأخيرة قبل أن تنتهي أصوات صافرة تحركه.

حضنها بين أحشائه بعمق ورهبة من فقدانها. مرددا بوجع من يراه تذرف عيناه دموعا كالأنهار. فقد فارق الرضيع وضاع قبل أن يتنفس. _آااااااااه. لااااااااااااااا. بنتااااااااااااي.

ظل يصرخ بلا جدوى ولا فائدة على ضناه التي ماتت بين يديه قبل أن يجبر قلبه وتقر عيناه بها. حلم السنين أن يكون أبا. لأنه عاش ابنا وحيدا. رحل قبل أن يتعمق ذاك الحلم ويبتسم له. وكان ذلك نبض الوجع الأول الذي ناله ماهر من الغرام. ولكنه الوجع الأكبر والقاسم للظهر. دلفت رحمة إليه بملف القضية التي سهرت عليه. فقد وكلها بتلك القضية أن تفهم مغزاها وتأتي له بالحل الجذري بها. وحقا كانت صعبة.

نادت عليه كثيرا وكثيرا. ولكنه كان شارد مغمض العينين. وفاق أخيرا من شروده وفتح عيناه اللامعتين بالدموع. وفور أن رأته بتلك الحالة تخبط القابع بين أضلعها هلعا على معشوق الروح ومعذبها. اقتربت منه بلا هوادة وسألته بخوف: _مالك ياماهر وشك مقلوب أكده ليه! في حاجة حصلت لاسمح الله؟ بعينين قاتمتين وغضب عارم على صوته: _إنتي إزاي تدخلي المكتب من غير ما أديكي الإذن يابني آدمة إنتي؟

تراجعت بضع خطوات للخلف وهي تنظر له بصدمة من طريقته الفظة معها. ولكن ليس هذا ما يزعجها. فهي أصبحت تحفظه عن ظهر قلب. فهي اقتحمت عزلته وهو في أشد حالات ضعفه. ورأت عيناه اللامعتين بالدموع. إياكم أن تستحقروا دموع الرجال. فدموع الرجال لا تسقط إلا عندم تكون فاقت الهموم فاقت قمم الجبال. الرجل لا يبكي إلا لسببين. الأول حين يفقد أحد والديه. والثاني حين يعشق امرأة حد الجنون. ولا تكون من نصيبه.

ويحزن الرجال لفراق الوطن وغياب الأحبة. يبكي الرجال عند ما يسقط كبرياؤه وعزته وتغلق الدنيا أبوابها عليه. يبكي الرجال عندما يكون كرمه أخضر. كان الجميع معه. وعندما يبس الكرم تفرق الجميع وتروكه بمصائب. يبكي الرجال ولكن في العتمات وتحت الأمطار وعلى الوسائد. لكن دموع الرجال لا تخرج من العين على الخد فيراها الجميع. بل تخرج من القلب وعلى القلب فتظهر التنهدات والنظرات وتجاعيد الوجه وبياض الشعر ورجفة اليدين. هكذا يبكي الرجال.

ثم اصطنعت الزعل وتحدثت وهي تعطيه ظهرها تنتوي الخروج: _تمام. قام من مكانه بحدة وهو يركل الكرسي بقدمه مما جعله طار ناحية الحائط وأصدر ضجيجا أرعبها. جعلها أدارت وجهها له ورأت علامات الغضب لا تبشر بالخير على وجهه. وفجأة اقترب منها وفاجأها بمسكه له من ذراعها. لأول مرة يهزها بعنف وهو يهذي بكلماته الغاضبة. وكأنها بفعلته تلك وضعت البنزين على النار مما جعل غضبه سريع الاشتعال: _هو بمزاجك الدخول والخروج!

ولا إنتم مفكرين إنكم هتمشوا الكون على كيفكم؟ علمت أنه الآن كان داخل قوقعة الماضي الأليم الخاص به. وأنه ليس في عقله. وحتما وجب عليها مجاراته كي تجعله يستفيق. فهي قررت أن تجعله يخرج ما في صدره ويكبس على أنفاسه. ولن يكن ذلك إلا باستفزازه: _أه طبعًا بمزاجي وعلى كيفي. أني حرة ياماهر وانت مليكش حكم عليا ولا صالح بيا.

هزها بعنف أكثر من ذي قبل. فقد أشعلت الفتيل وأوقدت الحريق بداخله. فلتتحمل ماذا يحدث لها الآن. ثم ذهب ناحية الباب وأحكم إغلاقه. مما جعل ناقوس الخطر يدق على ناقوس جسدها. وصارت لا تقوى على الحراك من هيئته الغاضبة. ولوهلة شعرت بحماقتها. ثم عاد إليها ينظر إلى جسدها كالأسد الجائع. وما إن رأى فريسته حتى انقض عليها. أمسكها من ذراعها متحدثا بفحيح. ولأول مرة ترى تلك النظرة: _مين قال إنه بمزاجك يابت امبارح!

مش قبل ما تدخلي عش الدبور تشوفي الأول هتعرفي تتحملي قرصته ولا لا. لم تشعره بالخوف ولو لبرهة واحدة، فهي رحمة المهدي ولم تعهد ذاك الخوف. وردت عليه بقوة: _مين قال لك إني مش هتحمل؟ لا يا ابني أنت متعرفنيش. لا دبابير بخاف من قرصها، ولا ثعالب بخاف من مكرها، ولا أسود بخاف من زئيرها الواهي اللي اعتادوا عليه عشان يخوفوا اللي قدامهم.

أنهت كلامها ثم ضغطت بحذائها ذي الكعب الحديدي على مشط قدميه بقوة غليظة لا تناسب جسدها الضئيل، مما جعله يفلت يديه من حركتها المفاجئة ويتوجع. ولكن لم يتأوه كي لا يشعرها بضعفه، وهي تردد من بين أسنانها بحدة: _خليك بطل وجنتل وواجه من غير فرد عضلاتك على واحدة ست يا متر. لم يلقِ بالا لكلامها المستفز، ووضع يديه على صدرها وأزاحها ناحية الحائط قائلا ببرود قاتل:

_خليكي على مبدأك يا سوبر هيرو واجمِدي كده عشان هوريكي الجحيم على الأرض دلوقتي يا بت سلطان. وعلى نفس تثبيته لها في الحائط وقبضته كما هي، جذب ريموت الشاشة وأشعله على موسيقى عالية كي لا يسمعه من بالخارج. فتحدثت هي: _إيه؟ هتطلع عقدك عليا دلوقتي يا متر ولا إيه؟ ثم ضربته بقبضة يداها الصغيرة في صدره مرددة بعصبية: _فوق يا ماهر، ما يليقش عليك الحاجات دي!

اطلع بقى من قوقعة الماضي الفارغة اللي عايش فيها بقالك سنين وهتضيع الباقي من عمرك. جز على أسنانه بغضب من طريقتها المستفزة له: _إنتي مالك بالماضي، ملكيش دعوة بيه. واسترسل حديثه الغاضب: _وبعدين إنتي بقيتي تدخلي كتير في اللي ميخصكيش واللي مديكيش الإذن تتكلمي فيه.

كانت تنظر إلى قبضتي يديه المحكمة بشدة عليها، وداخلها يرتعب، ولكن نظرة عينيها تدل على الصرامة، مما أوحى له أنها لا تهابه، فيزداد العند أكثر من ذي قبل ويتوعد لها أكثر من ذي قبل. ثم تحدثت وهي تحاول إفاقته بطريقة أكثر برودا: _هو إنت مفكر إنك بطريقتك دي هتخوفني منك مثلا؟ أو المفروض إني أبوس إيدك وأقول لك بعد عني وسيبني أخرج؟ واسترسلت حديثها وهي تحرك رأسها بنفي:

_متخلقش لسه اللي يخوف رحمة سلطان المهدي، ولا يهز لها شعرة، ولا إنه يدخلها الجحيم، غير رب العباد لو حكم عليها بكده.

استدعت شياطين الإنس والجن الآن بقوتها أمامه، فهو لا يحب المرأة القوية لأنه تذكره بتلك الفرح، فقد كانت قوية لأبعد الحدود وهو كان ضعيفا في محبته أمامها، ومنذ أن ذاق منها الويلات وانهارت حياته على يديها وخسر نفسه من عنادها وكبريائها وتجبرها. عاهد نفسه منذ ذاك الوقت بأن لا يعرف الضعف طريقه أمام أي أنثى، وتلك الرحمة أقوى من أي أنثى. نظراتها تحوي شراسة كنظرات الصقر الذي لا يهاب أحدا، مما جعل بداخله يتحداها.

فاقترب منها وهو مغيب، وعقله قد رفع عنه الآن، ونزع حجابها من على رأسها بوحشية آلمتها وجعلها لم تصدق أنه سيفعل بها ما لم يخطر على بال بشر. واقترب من شفتيها وكاد أن يقبلها، إلا أنها بأظافرها الطويلة غرستها في وجنته بقوة جعلته يتأوه بصوت عالٍ وسحب يديه كي يمسح دماؤه. فتحركت من مكانها صوب المكتب، وعلى الفور أمسكت بمقلم الأظافر الذي أمامه وصدرته في وجهه هادرة به: _لو قربت مني هقتلك وهقتل نفسي يا ماهر. اقترب منها ولم يهمه

تهديدها وهو يصيح في وجهها: _اقتليني يمكن أستريح من عذابي والدنيا المرة اللي أنا عايش فيها. خلصيني من حياتي وريحني من قلبي اللي خلاني أحبها قبلك وماتت، بس قبل ما تموت كانت أنهت على كل حاجة حلوة في حياتي. واسترسل وهو يبتعد عنها ويجلس على الكرسي بروح منهكة: _مسبتلكيش حاجة حلوة تعيشيها معايا. مسبتلكيش غير الوجع والروح المرهقة اللي هتخلي حياتك معايا مملة، ملهاش طعم ولا لون ولا ريحة.

شعرت بآلامه ومدى قهره، ويا ويل الرجال حين يقهروا. رغم ما فعله بها الآن، إلا أنها تعلم أنه ليس على طبيعته، ولم تهب منه أو تحزن منه، بل حزنت عليه وعلى ضيقه المهلك له. فجذبت حجابها وارتدته على رأسها وثبتته بإحكام، ثم جلست أمامه ولم تبتعد عنه إلا مسافات قليلة، وبدأت بتقويته:

_إنت مالكش صالح بيا، ومتربطش علاقتي بيك بعلاقتها اللي ماتت واندفنت ببعض. أنا حاجة وهي حاجة تانية خالص. يعني مثلاً، هي كانت بتحب الضوضاء والسهر والشرب والشغب. أنا عكسها خالص، أنا بحب الهدوء ومليش في السهر ولا حوارات الديسكو. أنا من طينتك يا ماهر، صعيدية شكلك بالظبط. عاداتنا واحدة وتقاليدنا عارفينها وحافظينها. إنت اخترت طريقك غلط من البداية وكملت فيه وعاندت التكافؤ الاجتماعي، بالظبط شكل ما تكون عملت الشاي بالملح هنا. جسمك كله هيرفض الحاجة الغريبة دي، وعشان إنت تعبت في عمله رفضت ترميه لحد ما قرفت وبطنك وجعتك وكرهت الشاي بسبب غلطك في الأول.

واسترسلت حديثها وهي تحثه على أن ينسى الماضي: _وبعدين مالك يا حضرة الأفوكاتو يا اللي دارس الشريعة والقانون. إنت بتعترض على حكم ربنا في ابتلاءه ليك؟ انسى يا ماهر ومتبقاش قانط من رحمة ربنا وتكتب من القانطين عندي. رفع رأسه ولأول مرة منذ عشر سنوات ينظر لأحدهم بذاك الضعف وهتف بوجع: _طب هي وهتتعوض بتي اللي ملحقتش أسمع صوتها. اللي فارقت الحياة من قبل ما تبدأها. اللي ماتت بسببها أنساها كيف؟ ابتسمت له وأجابته:

_عمرها كده في الدنيا. وبعدين بص لها من الناحية الإيجابية، مش لو كانت جت الدنيا وشافت أمها بالشكل ده، كانت هتبقى حياتها عاملة إزاي وكانت هتتربى في البيئة اللي إنت مش راضي عنها دي إزاي؟

لو بصيت لها من ناحية الصح يا ماهر، هتعرف إن ربنا كرمه كبير قوي علينا، وإن الحاجة اللي إحنا شايفينها صعبة ومستحيلة ومن حقنا نعيشها ونلمسها وسبحانه بياخدها مننا ظلم. لا، دي ظلم لنفسنا إحنا. وبعدين "وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون". فوق من غفوة الماضي وعيش الحاضر وكفاية ألم سنين بحالها. وأكملت حديثها وهي تنظر له بعشق:

_في ناس حواليك بتحبك وبتتمنى وجودك في حياتهم ومش عايزين من الدنيا غيرك يا ماهر. قبل أن يرد عليها، صدح صوت الأذان عاليا هز قلبه وجعله عاد إلى عقله المفقود. وقام من مكانه، وخفض صوت الموسيقى، وردد وراء المؤذن ما يقوله بقلب خاشع، مما أعاد الطمأنينة إلى قلب تلك الرحمة. وبعد الانتهاء، ردد الدعاء المعروف عقب الأذان، فـلسانه تلقائيا معتاد عليه لما له من فضل عظيم. ثم عاد إلى مكانه وجلس أمامه معتذرا عما

فعله بها وعن وحشيته معها: _أنا بعتذر لك عن اللي حصل، كنت خارج إرادتي ومعرفش عملت كده إزاي، وخصوصي إن الهمجية مش طبعي. وبعد كده لما تلاقيني في الحالة دي، سيبني لحالي. على نفس نظراتها المبتسمة، تشبثت برأيها بوجودها جانبه كي تدخل السرور على قلبه وتشعرها بمدى أهميته عندها: _مش هسيبك مهما يكون يا متر. إنت بقيت قدري المتعب، بس على قلبي زي العسل. أخذ نفسا عميقا ثم نبهها:

_هتتعبي معايا قوي، وإنتي لسه صغيرة على التعب وياي عاد يا بت الناس. _مهما كان التعب ومهما كانت الأشواك هتحملها. أنا عارفاني مبحسش بطعم الحاجة السهلة، لازم أتعب وأعافر عشان لما تبقى ملكي أحس بطعمها الجميل ومفرطش فيها واصل. _يااه، أحلامك لسه خضار ملوثتهاش المبيدات البشرية. عشان كده بحذرك، اختاري لك طريق سهل ومتزرعيش في أرض بور مش هينوبك منها غير خراب زرعتك اللي أهلكتك وقت ومجهود.

_متقلقش، طالما العود خضار يبقى هيتحمل أي عاصفة تواجهه. الرك على الأصل يا متر. _تمام، يعني موافقة أجي أتقدم لك، واللي فيه الخير يقدمه ربنا؟ إلى هنا، انقلبت نظراتها المبتسمة إلى وجع، ثم ابتلعت ريقها وأجابته: _مش قبل ما أسمعها منك يا ماهر. ادعى عدم الفهم: _هي إيه دي اللي عايزة تسمعيها بالظبط؟ أردفت بحاجب مرفوع ونظرة غاضبة: _والله! إحنا هنلعبوا حاوريني يا كيكا ولا إيه!

ولا إنت هتشغل دماغ خط المحاكم على رحمة يا متر. إنت فاهم كويس أنا أقصد إيه. لم يريد الخوض في تلك الأحاديث أكثر من ذلك وتهرب من حصارها متسائلا إياها دون أن ينظر إليها: _قولي لي عملتي إيه في القضية اللي كلفتك بيها؟ عرفتي توصلي لحاجة تدل إن ده مش السارق وإنه بريء؟ فهمت من تهربه أنه ما زال يكابر، ففضلت الهروب معه أيضا، فتلك اللحظة ليست مناسبة لذاك الاعتراف: _تمام. لسه موصلتش لنتيجة، بس قربت، وأوعدك هبهرك.

ثم قامت من مكانها قاصدة الحمام الموجود في الغرفة، وجلبت علبة الإسعافات ووضعتها أمامه قائلة بمداعبة وهي تشير إلى جرح وجهه: _اتفضل يا متر، داوي وشك، لأن شكل حد رسم لك خريطة مصر عليه. رفع حاجبه باستنكار وأمسك المرآة ورأى وجهه وانصعق من مظهره، وكاد أن يلقي بغضبه عليها، وجدها اختفت من أمامه خوفا على نفسها من رد فعله. فابتسم أخيرا على أفعال تلك الصغيرة وبدأ بمداواة جرحه. ***

في منزل سلطان، عاد عمران وسكون، وجدا البيت هادئا وساكنا، فرحمة لم تأتِ من المكتب بعد. كادت سكون أن تدلف إلى غرفة زينب للاطمئنان عليها، إلا أن عمران منعها: _لا، متقلقيهاش، سيبها نايمة. أنا مابصدق إنها تبطل سهر وفكر وتنام وتريح أعصابها شوية.

هزت رأسها بتفهم ثم صعدت بجانبه. ولكنه نظر حوله يتفحص ما إذا كانت تلك الحية موجودة أم لا، ولكنه لم يراها ولم يسمع لها صوتا. وسيارة والده لم تكن في الخارج، فاستشف عدم وجودهما. وعندما صعدا إلى الطابق الثاني، فجأة حملها بين ذراعيه مما جعلها تتأوه من فجأته وهي تحرك قدميها في الهواء باستنكار: _آآآه! في إيه؟ إيه اللي جرى لك بس! نزلني يا عمران، لاحسن حد يشوفنا ومنظري يبقى وحش. غمز لها بشقاوة ثم قبلها من وجنتها قائلا:

_عبد الباسط حمودة بيقول إيه؟ بيقول "الجو هادي خالص والدنيا هص هص وأنا وإنت ياحبيبي ونجوم الليل وبس". ضحكت بشدة على مراهقته ومشاغبته وطريقته، وعضت شفتيها السفلى بخجل: _وه! انت عايز ايه بالظبط وناوي على ايه؟ نظر إليها باشتهاء: ناوي على كل خير بإذن الله، بس إنت روق معايا اكده يابطل. شهقت بذهول من طريقته: لااااا، معقولة عمران الرزين بيقول الكلام دي؟ والله مامصدقة حالي! أدخلها شقتهم وأنزلها أرضا، وجذبها من خصرها قائلا:

عمران يقول للفرسة بتاعته كيف ماهو عايز، ويدلعها وينسيها اسمها كماني. ثم ألصقها بأحضانه وداعب وجنتها مكملا: هو إنت مش عايز تدلع يابطل ولا ايه؟ تململت بين يداه تحاول الفكاك: أني تعبانة ياعمران ونفسيتي النهاردة خلت مودي مش تمام، ممكن أدخل أنام دلوك وبعدين نشوف حوار الجو الهادي دي بعدين. ضربها بخفة على كتفها ناهرا إياها:

ده نجوم السما أقرب لك من اني أفوتك النهاردة، أني صاحب مزاااج وعليكي وعد ولازم تنفذيه وحوار الخلعان دي سبيكي منيه علشان مهيجبش فايدة مع عمران ياعيون عمران. قطبت جبينها بعبس وابتعدت عنه: وعد! وعد ايه دي إن شاء الله ياسي عمران. جذبها إليه عنوة فارتطمت بعظام صدره القوية: آآآه، ده إنتي بتنسي بقي ياداكتورة؟

تمام أفكرك لما كنتي بتستنجدي بيا عند ماجدة اني أبعد عنيكي وساعتها وعدتيني انك لما ناجي بيتنا هتعيشيني ليلة ولا ليالي الف ليلة وليلة، صوح ولا اني غلطان؟ التوي ثغرها باستنكار وادعت عدم الفهم: أني مفكراش الكلام دي، بعد بقي ياعمران وبلاش شغل عيال صغيرة اني هموت وانام من التعب. عقد حاجبيه بعدم تصديق ثم قال ساخرا من طريقتها: بعد بقى ياعمران!

طب واللي خلق الخلق ياداكتورة لاهترقصي الليلة لعمران والتعب دي هتشوفيه على حق، ومن الاخر انسي. لوت فمها وتحدثت بنبرة ساخطة: أرقص! أني مبعرفش أرقص بذمتك شفت دكتورة كان كل حياتها كتب ومذاكرة ومراجعات بيعرفوا يرقصوا؟ ضم حاجبيه وعبس وجهه وسأل مستفسرا بدهشة ظهرت على معالم وجهه: ياراجل! طب قولي كلام غير دي، داي عيوني دول شافوكي وانتي بتميلي كيف الفراشة يمين وشمال يوم حنتك ياداكتورة. ثم مط شفتيه بامتعاض:

إنتي معرفاش إن الكذب حرام واكده هتدخلي النار! أفلتت يداها من يداه بخفة ثم جرت من أمامه ودخلت غرفة الأطفال وكادت أن تغلق الباب عليها إلا أنه لحقها وأمسكها من رقبتها قائلا وهو يأخء أنفاسه بصعوبة من أثر لحاقه بها: آه، إحنا فينا من اكده، طب وعهد الله ياسكون ماهتنامي الليلة والسهرة هتبقى صباحي. زاغت أعينها من أمره وصارت تعترض بدلال ولكنه لايبالى لاعتراضها ولو لحظة.

ثم جذبها من يدها ناحية حجرة النوم ووقفا أمام خزانة الملابس وانتقى ثوبا خصيصا لتلك الوصلة وهو ينظر له بانبهار: يالا يا حلوة خدي دي البسيه وتعالى اوفي بوعدك، أني عايز أشوف راقصات شارع الهرم اللي بيتحدتوا عنيهم وعن رقصهم النهاردة كلياتهم فيكي، يالا ياسكوني. دبت بقدميها أرضا من تحكماته ثم تمتمت باعتراض: وه ياعمران هو انت متجوّزني من كباريه ولا ايه؟ والله حرام وميرضيش ربنا اللي هتخليني اعمله دي!

وبعدين انت ممراعيش تعبي ولا ايه. خلع قميصه وأصبح عاري الصدر وجلس على الأريكة آمرا إياها: ان مكانش دي اللي يرضي ربنا ايه اللي يرضيه! وبعدين ياداكتورة في حد يطول الدلع وميتدلعش والله إنتي بترفصي النعم. ثم أشار إليها ناهيا ذاك النقاش: يالا ياسكوني متضيعيش الفرص وورينا جمالك الفتاك اللي وقع قلب العمران وانتي بتتمايلي كيف الفراشة. دبت بقدميها أرضا وبدأت بتنفيذ ما يريد.

ارتدت ذاك القميص الذي اختاره لها، واختار المزمار البلدي كي ترقص عليه فهو عاشقا له. وبدأت تتمايل بخفة على أنغام الموسيقى وعيناه تتآكلها بأفعالها المثيرة له ولقلبه. وأثناء رقصتها تمايلت عليه فجذبها بوله هامسا جانب أذنها: ده إنتي طلعتي مهلكة ياشبر واقطع، على النعمة بطل الأبطال ياداكتورة، ها ياداكتورة. ثم أكمل همسه: كنتي بتتعلمي الحركات اللولبية داي في الكلية يا أم كتب وطب ومبعرفش أرقص.

ده إنتي حركاتك وقعت قلب عمر بين ايديكي. همست هي الأخرى برقة جعلته هائما في سماء عشقها متلهفا ان يلتهم شفتاه بين شفاها ويسقيها شهده ألوانا وألوان: ياه ياعمران ده انت امك داعية لك في ليلة قدر إن ربنا يرزقك بالحلا كلياته. ثم أكمل وهو يحتضن وجنتاها بين يداه ويتنفس أنفاسها وعيناه تلتهما بعشق: تعالى يابت قلبي، ده إنتي ليكي في قلب عمران اللي ميكونش لغيرك من ستات الكون كلياته.

ثم سحبها لعالمهم الخاص عالم سكون وعمران بالتحديد غير أي عالم لم نسمع عنه منذ قديم الزمان، عالم شهريار وأميرته شهرزاد، عالم الألف ليلة وليلة، يحاكيها فيها من غرامه مايليق بها وهي تنسحب معه رويدا رويدا وتبحر بمهارة فهي امرأة عاشقة حد النخاع. وبعد قليل فاقا كليهما على صوت سلطان يهز ارجاء المنزل: عمران، إنت ياولد، انزل لي حالا. فزعا كليهما ثم هتفت سكون بذعر: كفى الله الشر حوصل إيه؟

قوم ياعمران شوف الحاج ماله، لايكون حوصل حاجة عفشة لاسمح الله. انتفض عمران وهو يمسح على شعره بغضب ثم جذب جلبابه: ياساتر يارب، آه هو داي هدم اللذات بعنيه وباينها ليلة مفيتاش. ثم أكمل وهو يحذرها: متتحركيش من مكانك مهما حوصل ولا تفارقي سريرك. ثم غادر الغرفة وهبط للأسفل راي والده في حالة هائجة يرثى لها: شفت امك الست الكمل مكفهاش انها كسرت لها ضلعها وجبسناه إلا أنها لمت خلجاتها وهملت بيتها من غير اذني.

اتسعت مقلتي ذاك العمران ناطقا بدهشة وهو يجري ناحية غرفة والدته: وه هي أمي مش اهنه! أني قلت انها صلت العشا ونامت بدري فمدخلتلهاش. وصل للغرفة لم يجدها ثم عاد لأبيه سائلا إياه: حوصل إيه لدي كلياته يابوي؟ عميلت ايه حرمك المصون خلت الحاجة زينب همّلت بيتها اللي سكنته لغيرها وحرقت قلبها وانوى منيك يابوي. سلطان بعصاه أرضا ثم نهره:

الزم حدك وانت بتتحدت ويا ابوك ياولد وإذا كانّت هي أمك فآني بوك ومن الواجب عليك تتحدت زين وياي ومتعليش صوتك علي ولا تقف تحاسبني. لم تستطيع سكون الاستمرار في غرفتها أكثر من ذلك ثم ارتدت عبائتها وهبطت إلى الأسفل. وقفت بجانب عمران وهتفت بنبرة قلقة: وه مالك ياحاج بس كل شي هـيـبقى تمام بس انت هدي حالك. هدر بها سلطان وهو في عز غضبه لأول مرة:

بعدي إنتي يابت الأصول ياللي فضيحتكم بقت على كل لسان ماهو كله بسببكم إنتي وأختك المصون. انزعج عمران من طريقة والده معها ثم نظر إليها آمرا إياها بحدة: هو أني مش منبه عليكي متفوتيش أوضتك واصل. اتفضلي ياداكتورة على فوق يااااالا.

انجرحت بشدة من كلام سلطان وصوت عمران العالي لها والتمعت الدموع في عينيها ورآها كليهما مما جعل قلب العمران يلومه في تلك اللحظة على صوته العالي عليها. ثم تركتهم وصعدت الأدراج وصوت بكائها وصل إلى مسامعهم مما جعل عمران لأول مرة يتحدث بتلك الطريقة مع أبيه ولكن من أفعاله: لو سمحت يابوي مينفعش تتكلّم ويا مرتي وتزعّق لها بالطريقة داي. دي مهما كان بت ناس واللي مترضهوش على خواتي مترضهوش على بنات الناس. هدر به سلطان:

مش لما تـبـقى بت ناس ياسبع الرجال. استمعت سكون الي كلماته الأخيرة مما جعلها انصـقـت ووقفت مكانها تنظر في عيناي كلتاهما بصدمة من أعلى الأدراج.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...