الفصل 55 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الخامس والخمسون 55 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
19
كلمة
5,011
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 73%
حجم الخط: 18

لو سمحت يابوي مينفعش تتكلم ويا مرتي وتزعق لها بالطريقة دي. دي مهما كان بت ناس واللي مترضهوش على خواتي مترضهوش على بنات الناس. هدر به سلطان: _مش لما تبقى بت ناس ياسبع الرجال. استمعت سكون إلى كلماته الأخيرة مما جعلها تنصت ووقفت مكانها تنظر في عيني كلتاهما بصدمة من أعلى الأدراج. وحقا استفزتها كلماته فهتفت من بين دموعها بضيق: _وعشان أني بت أصول وبت ناس مش هرد عليك يابابا الحاج ياللي اعتبرتك في منزلة بابا الله يرحمه.

ألقت كلماتها وتركتهم وأكملت صعودها وهي تبكي. كل ذاك الهراء وتلك وجد تجلس مكانها تشعر بالسعادة العارمة. ثم لامَه عمران بهدوء فهو مهما كان أبيه: _ليه يابوي أكده! مفتكرتش قول ربنا "وأما اليتيم فلا تقهر". شفت منها إيه خلاك انقلبت عليها أكده وتسمم بدنها بالطريقة دي؟ واسترسل حديثه وهو يصعد الأدراج كي يراضي زوجته التي جرحت كرامتها من أبيه: _الله يسامحك يابوي. الله يسامحك. لم يعتري سلطان لغضبه اهتمامًا ولكنه

أكمل حديثه بنفس الحدة: _كأنك هتحاسب أبوك يقول إيه وميقولش إيه. وبعدين أني مأذنتلكش تمشي قبل ما أخلص كلامي. التفت ثانية وهو يسأله: _قول كيف ما أنت عايز يابوي. هي خلاص النفوس شالت والوقيعة حصلت من ولاد الحرام اللي عنيهم على أني ومرتي وأمي. لم يلقي سلطان لعتابه بالًا وأمره:

_تروح تجيب أمك من بيت أبوها وتعرفها إني ما عنديش مرة تفوت بيتها وإلا هروح لها هناك وهفرج عليها الناس. ومبقاش راجل إلا لما أرجعها غصبًا عنها النهاردة. فقول لها تبطل جلتها دي وترجع أحسن، يمين بعظيم ما هفوتها لها على خير. انزعج عمران من طريقته وعلى صوته بعض الشيء: _لو سمحت يابوي أمي ست كبيرة وليها قيمتها وميتفعش أصلًا تتعامل وياها بالطريقة المهينة دي. دي الحاجة زينب بجلالة قدرها فبلاش الطريقة دي. حدجه بريبة ونهره بحدة:

_جلالة قدرها دي عليك أنت يابن أمك. أما أني جوزها يعني واجب عليها تطيع أمري ومتعصنيش وإلا ربنا يغضب عليها. عادت رحمة من عملها للتو وسمعت صوت أبيها الغاضب وتسائلت بدهشة: _وإيه اللي هيحصل؟ استهدوا بالله يابوي أنت وعمران صوتكم طالع بره. وجه سلطان حديثه إلى رحمة: _كويس إنك جيتي تروحي وياه عند أمك وتعقلوها. ودي آخر كلام عندي. ثم نظر إلى وجد آمرًا إياها: _يالا قومي على شقتك ورجلك متخطيش تحت وإلا هكسرها لك هي كماني.

نفّس غضبه في وجههم وتركهم وغادر المنزل. ثم تحدثت رحمة وهي تنظر إلى تلك وجد: _عملتي إيه يابوز الأخص؟ إنتي خليتي الحاجة زينب تفوت بيتها! ثم اقتربت منها وجذبتها من حجابها بعنف آلمها: _دي أني هخلي اللي ما يشتري يتفرج عليكي النهاردة من اللي هعمله فيكي يا واطية إنتي. ثم اقتربت عليها وكادت أن تضربها بسبب غلها مما فعلته بهم من عدم ارتياح إلا أن عمران جذبها من يدها مرددًا بسخط:

_وهفوتك من الزفتة دي وتعالى معايا ليها روءة بعدين. تنفست وجد الصعداء وقامت من مكانها وهرولت إلى الأعلى وهي تحمد ربها أن أنقذت من يدي تلك الرحمة. صعدا رحمة وعمران إلى غرفتها ثم تحدث عمران بغضب: _شفتي الحاج سلطان عمل إيه وقال إيه لسكون!

كان يتحدث وهو يدور في المكان بغضب عارم لو كان أحدًا غير أبيه من تحدث بتلك الطريقة لزوجته لكان الآن في عداد الموتى ولكنه أبيه ولا يقدر أن يرفع صوته عليه، فتلك تربية زينب الراقية لأبنائها. فسألته رحمة بذعر لما رأت حالة الغضب الظاهرة على وجهه ودورانه حول نفسه في المكان بهوجاء: _إيه اللي حصل؟ انطق يا خوي قلبي اتلخبط. وأمي راحت فين وهملت مكانها؟ تنهد بثقل وألم نفسي انتابه جراء كلمات أبيه الذي جرح بها

زوجته وأمامه وهو لم ينطق: _أبوك جرح سكون ورمى لها كلام زي السم محدش يقبله أصلًا. هو تقريبًا عرف باللي حصل لمكة أختها وشكل مرته الملعونة سمت دماغه وأمك سمعتهم فمتحملتش واتعاركوا. بمجرد أن سمعت كلامه تشعب الغضب في رأسها وتكاثر بلا حدود من أفعال تلك الشيطانة التي توقد جيوش الحرب والوقيعة بينهم وهدفها تفرقة ذاك المنزل. ثم نظرت للأمام بعينين تلتمعان بانتقام من تلك وجد:

_الله الوكيل لآهندم البنت دي على اللي بتعمله ويانا وهخليها تقول ارحموني وتتمنى الرحمة من رب العباد ينجدها من اللي هعمله فيها ومش هتطولها. شجعها عمران قائلاً: _البنت دي عايزة تخطيط جامد من اللي يجيب من الآخر ويخليها تخرج من البيت ومن البلد بلا راجعة. أو نوقعها في شر أعمالها ونسلمها لعزرائيل بإيدينا ونخلص منها لأننا مش هنعرف نعيش وهي وسطنا. حركت رأسها بتفهم ثم عرضت عليه:

_البنت دي هتتراقب من النهاردة وهحط لها كاميرات صوت وصورة في أوضتها وفي لبسها الخروج كله. وهشوف لها واحد يراقبها زي ضلها. وان ما خليتها تندم على اليوم اللي فكرت فيه تدمرنا مبقاش المحامية رحمة سلطان المهدي. ضيق عينيه وتساءل بعدم فهم: _هتحطي لها كاميرات مراقبة في هدومها كيف يعني ماهي الهدوم هتتغسل؟ أجابته سريعًا:

_دي كاميرات مراقبة صغيرة جدًا مخفية على شكل مسمار حائط. بتشتغل بالواي فاي. تصوير وتسجيل فيديو وصوت وصورة مراقبة مباشرة عن طريق التليفون عن بعد. وضد المياه لمدة ٢٥ يوم. واحنا مش محتاجين أكتر من كده نجيب آخرها فيهم. بس محتاجة أظبط وقت أحطهم في أكتر هدومها بطريقة مخفية. والوقت ده مش هيكون غير وهي رايحة للدكتور هتاخد لها ساعتين وزيادة. نظر إليها بصدمة من معلوماتها: _مطلعتيش سهلة يابت أبوي. واسترسل حديثه

وهو ينظر لجسدها الضئيل: _أما صح، يوضع سره في أضعف خلقه. ضحكت بخفة لذهوله وهتفت وهي تشير على حالها بنبرة إطرائية: _أمال أنت مفكر إيه؟ ده أني الباش محامية رحمة المهدي اللي بإذن الله ها ترج محاكم قنا كلها في يوم من الأيام. لكزها بخفة على كتفها قائلاً باعتراض: _إنتي محسساني إننا رايحين نوقع بلد. دي حتة بت لا راحت ولا جت. هجيبها تحت رجلي وأقطع لها لسانها ورجليها وأخليها عايشة ولا تسوى وأريح الكل منها. اتسعت مقلتيها بذهول:

_وه وتبقى مجرم ياعمران! وتواجه أبوك إزاي بعد كده؟ ده مش بعيد يقتلك فيها يا غشيم أنت. واستطردت حديثها بوضوح: _أخذ الحق حرفة وعلشان الحاج سلطان يطردها بيده يبقى لازم يقتنع ومش هيقتنع إلا لما يشوف الزفتة دي ناوية الشر لبيته ولولده. تنهد بحرقة وسألها: _طب بالنسبة لسكون اللي فوق دلوقتي عاملة مناحة من اللي أبوك عامله فيها؟ هطلع أحط عيني في عينها كيف وأقول لها إيه؟

وكمان الحاجة زينب كماني اللي زودتها بفوتتها البيت ومشيتها منه؟ لوت شفتيها بسخرية: _وه هو أني اللي هعرفك تصالح مراتك كيف يا خوي! والله عيب عليك يا عمران! ده أنت بتستعبط يا راجل! وأكملت وهي تزيحه ناحية الباب: _روح أنت راضي مراتك وملكش دعوة بالحاجة وأني في نص ساعة هجيبها وآجي. ومشي دنيتك حكم أني عارفة عقل الستات صغير كده أكده وزمانها بترشف وبتنبر على الجوازة الشينة اللي وقعت فيها والحوارات الفاضية بتاعت الحريم دي.

ضرب عمران كفًا بكف بذهول من لسانها السليط: _هو إنتي لسانك ده متبري منك يا خيتي! مانتي أدرى بقى بحوارات الحريم مانتي منهم يا شبر ونص. واسترسل حديثه باستفسار: _طب وانتي ضامنة منين إن أمك هترضى تيجي وياكي؟ أجابته بثقة وهي تشير لحالها بفخر: _عيب عليك يا عمران. الله في سماه لآهبات في بيتها النهاردة ومش هسيبها تاني وأتفرج على رحمة لما تشغل دماغها بس. تعمل عمايل تخلي الحديد يلين. رفع حاجبه وهو على نفس ذهوله مرددًا

قبل أن يغادر المكان: _طب لما نشوف يا فقيرة طول لسانك وفشخارتك بحالك دي هيحصل ولا له؟ حركت رأسها لأعلى بتأكيد: _هتشوف يا قلب الفقيرة. روح صالح مراتك وأني هروح لها وأستنى مني تليفون وتاجي تاخدنا. علشان الوقت بقي متأخر. لما نشوف اليوم المشعوذ ده هينتهي إمتى. تحرك من أمامها وقال: _تمام هستنى تليفونك يابت أبوي.

تركها ثم صعد إلى الأعلى كي يرى سكون والتي بالتأكيد تبكي بشدة بسبب ما سمعته من أبيها. أخذ نفسًا عميقًا واستعد لمواجهة سكون. دخل إلى الشقة وعيناه تدور في المكان تبحث عنه فلم يجده إلا في غرفة النوم وهي تؤدي الصلاة فاندهش لأنها صلت العشاء معه في جماعة. وبعد أن انتهت نظرت إليه وجدته يجلس جانبها عندما رآها أنهت صلاتها جذبها من رأسها وقبلها معتذرًا:

_حقك على قلبي ياسكون. حقك على راسي من فوق. إنتي ست الناس وبت أصول ومن بيت أصول. ثم نظر أرضًا وأكمل: _بس ده أبويا ومقدرش أقف قدامه ولا أعلى صوتي عليه. وهو كان في ساعة غضب بسبب إن أمي هملته لحاله وفاتت له البيت ومشيت. فطلع غله فيا أني وانتي. إني عارف إن ملكيش ذنب ومن حقك تزعلي بس حقك علي إني. جذب رأسها مرة أخرى وأكمل: _وآدي راسك أبوسها. وهاتي يدك كماني. رفعت جفونها الملتمعة بالدموع وبدلت دمعتها بابتسامة جعلت داخله

يخفق وأردفت بدعابة أدهشته: _قول بقى إنك جاي وطمعان إنك تكمل وصلة الرقص والفرفشة يا عمراني وعلشان كده عايز تبوس كل اللي يقابلك. اتسعت مقلتيه بذهول وسألها: _وه! هو انتي مزعلناش من كلام الحاج سلطان وحديته اللي يوجع؟ حركت رأسها برفض واحتضنت وجنتاه بين كفاي يداها: _الإنسان في ساعة الغضب ميعرفش هو بيقول إيه وهو أكيد زعلان عشان الحاجة مش موجودة زي ما أنت ما قلت.

وكمان هو من ساعة ما حط يده في يد خالي واعتبرني زي بنته، إني كماني اعتبرته أبويا، ومفيش بت بتزعل من أبوها وبتتقبل منه أي كلام. نظر إليها نظرة طويلة وهو صامت، ولكن وجهه يحكي آلاف الحكاوى. لسانه عاجز عن نطق الشكر والامتنان لهدية ربه له. نعم، فتلك السكون هدية الله لذاك العمران. وفجأة سحبها لأحضانه وأدخلها لعالمه، وود أن يدخلها بين ضلوعه ويخبئها من العالم أجمع.

كان يشدد من احتضانها وكأنه خائف من فقدانها، فهي أثمن هدايا القدر له. ثم همس بجانب أذنها: _معقولة يكون ربنا بيحبني قوي أكده! معقولة يكون راضي عني بأنه رزقني خير النساء اللي قال عنيهم عليه السلام في الحديث: "إذا نظرت إليها أسرّتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك". ثم أخرجها من أحضانه واحتضن وجنتيها مكملاً بعشق وهو ينظر داخل عيناها:

_كان أم العمران داعيالك في ليالي القدر اللي في عمرها كله بأن ربنا يرزقه بيكي ياسكوني. نظرت إليه بعشق وتحدثت: _كيف أزعل منك ياعمران وأني حلمت بيك ليالي ملهاش عدد! كيف أمشي وأهملك وأنت الدنيا بحالها، وأنت نور العين، ومن غيرك تبقى حياتي مضلمة!

عمرنا قصير ليه نقضيه في الزعل والفراق، وخصوصي إنك مليكش ذنب في اللي حصل. إني واثقة ومتأكدة إن عمران عمره ما يهين سكون أبداً ولا يجرحها. إني عشقاك ياعمران، والست اللي بتعشق جوزها بصح لا يمكن تقف له على الواحدة. أغمض عيناه وتحدث بانتشاء: _يوووه على عمران يابت قلبي منكِ! هو انتي ملاك ولا بشر! ولا انتي مش من جنس حوا خالص! يابووي لا تطلعي حلم جميل وأصحى وأعود لكوابيسي من تاني. أمسكت يداه وقبلتها قبلات

متفرقة ومع كل قبلة تردد: _له ياعمراني دي حقيقة. سكون بتحبك. ومتقدرش تستغنى عنك. ولا تقدر تفارق أبداً وهتفضل جارك عمرها المتقدر في الدنيا كلياته. جذبها من يدها وانتصبا كليهما وأحاط خصرها بين يداه ونظر داخل عيناها برغبة ثم اقترب من وجهها وقبلها قبلة احتياج. قبلة الأمان لقلبه تثبت له أنها حقيقة وليست خيال. وهي الأخرى بادلته قبلته بمثلها وأعطته من الاحتياج لها ما يشعره بالأمان.

أثبتت له أن عقول النساء ليست متشابهة وأن عشقها له أقوى من أي عاصفة أو رياح. فنصيحتي لكي حواء: كوني لآدم ضلع احتواء. اصنعي البسمة وقت الحزن. أكرميه إن أكرمك ولا تستعلي عليه فالمرأة خلقت من ضلع أعوج ورجلها هو السند. ابتعد عنها برفق وهي تلتقط أنفاسها بانتشاء من هجوم العمران عليها. ولكن هي امرأة عاشقة بين يدي رجل عاشق متلهف فما عليها سوى الطاعة العمياء. ثم غازلها بعشق:

_جميلة إنتي يا سكوني وغير كل الستات. وكل يوم بتثبتي لي إن اسمك لايق على طبعك. يابخت قلب عمران بيكي. ابتسمت لغزله وأردفت بغزل مماثل له: _ويابخت قلب سكون بيك ياعمراني. اللي لو لفت بلاد الدنيا شرقها وغربها مهتلاقيش ضفر عمران. أما في منزل والد زينب، تحدثت هي ورحمة فيما حدث وعلمت رحمة منها كل شيء. ثم رددت بفطنة: _طب عال قوي تسلم يدك على اللي عملتيه فيها وبردتي نـ.ـارك. بس هي بردو أكده اللي فازت عليكي يازوبة. اتسعت

مقلتيها بذهول وسألتها: _انتصرت على مين يابت إنتي! بقولك إني كسـ.ـرت لها ضلعها وخـ.ـزقت لها عينيها التنين وخلتها متسواش. تبقى انتصرت علي كيف! مطت شفتيها للأمام وأجابتها: _كانت المفروض تيجي مجبسة تلاقيقي قاعدة في الجنينة مشغلة الست أم كلثوم وبتشربي قهوتك ساعة العصاري وانتي حاطة رجل على رجل. أما دلوك زمانها بت الجزم دي بتقول علقة تفوت ولا حد يمـ.ـوت. بس طيرتها من البيت وبقيت إني ست الدار. ضـ.ـربتها زينب

على كتفها وهتفت باستنكار: _ست الدار مين دي! الدار ملهاش غير ست واحدة بس هي إني. أدارت رأسها للخلف وهي تبتسم لأنها بسهولة استطاعت استفزاز والدتها وتسهيل مهمتها وأكملت:

_كان زمان بقى إنتي انسحبتي والمسحوب مغلوب. أما لو عرفت إنك مهملتيش دارك هتـ.ـولع وشوفي بقى هتحس إن كـ.ـسر ضلعها مع كـ.ـسر نفسها من اللي عملتيه فيها وهتقضيها نكد على أبو السلاطين لحد مايزهق من وشها البوم ويطردها طردة الكلاب. وساعتها تقعدي وتحطي رجل على رجل وتاخدي تارك منه وانتي قاعدة في بيتك ست الدار. زاغت عيناي زينب وشعرت بمدى غبائها ثم تمتمت:

_أه ياللي تنشكي يابت سلطان. ده إنتي عليكي مكر حريم يودي اللومان. اتعلمتيه فين دي يابت انطـ.ـقي. ضحكت بشدة على كلام والدتها ثم قالت من بين ضحكاتها: _هو المكر بيتعلموه يا زوبة! دي طبيعة، والست منا في الخديعة مع عدوها لازم تبقى ضليعة. واسترسلت حديثها وهي تخلع حجابها: _أني هقعد بقى وياكي اهنه ونفوتوا مالنا وحالنا وبيتنا لوجد تبرطع فيه بلا سلطان بلا وجع راس. والله بيت جدي هادي وجميل ومريح. استطاعت استفزازها ثم ضربتها

على فخذها آمرة إياها: _قومي يابت فزي لمي لي الهدوم اللي جوة دي. هنروحوا بيتنا وهقعد على قلبها لحد ما أفشفش لها ضلوعها كلياتهم لحد ما خليها تقول حقي برقبتي. _طب ليه يازوبة؟ اني ارتحت اهنه لهوا بيت جدي. خلينا شوي اهنه وهي تهيص شوي هناك. _الله الوكيل يازفتة إنتي لو ماقمتي لاهطين عيشتك. قومي يابت مهديهاش فرصة بت المركوب دي تنتصر علي وهقلعها من البيت وأخلي بوكي يقول حقي برقبتي.

أرسلت رحمة رسالة لعمران أن يأتي إليهم كي يأخذهم، فابتسم لتلك الصغيرة الماكرة فقد فعلتها بحق دون عناء. ثم دخلت غرفة النوم وعبئت الملابس في الحقيبة، وأتى عمران إليهم ولامها على ما فعلت، ثم أخذهم في سيارته وأوصلهم إلى المنزل، وانتهت تلك الليلة العصيبة. *** أتى صباح يوم الجمعة، وذاك اليوم أجازة "منة الله" من المكتب، وفي ذاك اليوم تحبذ الخروج إلى ذاك الكافيه المعتاد التي ترتاح به.

فثمة عدد من المقاهي التي لا تزال عالقة في تلابيب الذاكرة، وكان الأدب يعيش فيها في فترات زمنية. كانت تعج بالمناظرات والنقاشات، وتتلاقى فيها الأفكار، وتولد القصائد والمقالات والأغاني والكتب.

ما يميز المقهى الذي تجلس به ويكسبه صبغة ثقافية فريدة، أنه كان مأوى الفنانين التشكيليين الذين كانوا يرسمون فيه لوحاتهم المستوحاة من حي الحسين وخان الخليلي. وقس على ذلك مجموعة أخرى من المقاهي في القاهرة، دمشق، بيروت وبغداد، التي اشتهرت بدورها الثقافي في تنوير المجتمعات وولادة الأدب والفن. كما أنه يوجد فيها جميع الطوائف من الناس على اختلاف طبيعتهم وحالاتهم الخاصة.

وكانت تلك المقهى التي تجلس بها تريح قلبها وعقلها، ومعتادة على الجلوس بها، فصاحبها العم عبد ربه مولع بالأدب العربي، وقد افتتحها خصيصا لأن تكون ملتقى الأدباء وأصحاب المواهب. كان الراديو مشتعلا على تلك الأغنية المفضلة لديهم لسيد مكاوي: أوقاتي بتحلو بتحلو معاك وحياتي تكمل برضاك وبحس بروحي بوجودي من اول ما بكون وياك ويا روحي ساعه ما القاك مش بس اوقاتي بتحلو دي العيشه والناس والجو والدنيا الدنيا بتضحكلي معاك

من كتر حلاوه الايام ونعيمي وسعدي بلياليك مش بحسب فات منهم كم ولا بقدر افكر غير فيك والليل وياك يساوي زمان واليوم وياك يساوي زمان واكتر يزمان من ميه بكره ده الليل بلقاك انوار وامان حتى ولو كان من قمره كانت منة الله تمسك تلك الرواية ومنغمسة بقرائتها، وكعادتها صورت فيديو لها وهي تحتسي القهوة وبيدها الكتاب، وصورت أجواء القهوة مع تلك الأغنية، ثم شاركت الفيديو على صفحتها عبر تطبيق الانستجرام وهي تدون فوق الفيديو:

"ثمة أشياء هادئة وبسيطة نفعلها في أوقات فراغنا بعد أن ننهي عباداتنا ترزقنا السكينة وراحة البال. الآن من مقهى العم عبد ربه حفظه الله لنا وأطال في عمره." ثم أشارت بتاج "مقهى الأدباء". في نفس الوقت كان جاسر يمسك الهاتف يتصفحه بإهمال، فذاك يوم أجازته ويفضل أن لا يعمل فيه كي يشحن طاقة إيجابية تجعله متحفزا طوال الأسبوع. ثم أتى أمامه الفيديو التي شيرته منةالله، وتلقائيا ابتسم وأعاد الفيديو مرارا وتكرارا.

لقد أدخل ذاك الفيديو السرور على قلبه، فلم يجلس في تلك الأجواء ولا مرة طيلة عمره. فأجواء تلك القهوة تشبه رائحة زمان، وحتى الأغنية التي سمعها في الفيديو لم يسمعها منذ وقت طويل. وفجأة وجد حاله يهاتفها، وما إن آتاه الرد حتى شاغبها: _دي إنتي طلعتي صاحبة مزاج عالي اهه. مقهى الأدباء وقهوة وسيد مكاوي وبتقرأي روايات. طب ما تسأل ياعم علينا وشوفنا اكده بنقضي اليوم الكئيب الممل دي كيف وخدينا معاكي نروقوا إحنا كمان. ضحكت

بخفة على مشاغبته وقالت:

_أصل أني لازم كل جمعة من كل أسبوع بعد ما أفطر أصلي الضهر وأقرأ سورة الكهف وأخلص الورد القرآني بتاعي وأخلص أذكاري، وبعدين ألبس عبايتي الكلاسيكية اللي تليق بجو المقهى وأجيب رواية مفضلة وآجي اهنه. أني وأخويا مدحت، هو بيقعد في ركن الرسم والفنون التشكيلية وأني أقعد في ركن الأدباء أقرأ روايتي لحد ما أحس اني خلاص تعبت، ياخدني يعزمني على الغدا وبعدين أروح هلكانة نوم. بحب اليوم دي باختلافه وأجوائه قووي وبحس اهنه بالراحة.

تعلق قلبه بالروتين الخاص بها. فهي رقيقة حتى في حياتها. فليست كباقي الفتيات تحب الخروج في الأماكن التي يصحبها الضوضاء والشغب. شعر بأنه يريد أن يشاركها تلك الأجواء الكلاسيكية التي تبعث في الروح الرقي. ثم قام من مكانه مردفا لها: _طب بقول لك ايه يامنون خليكي جدعة اكده وابعتي اللوكيشن واني طيران وهكون عندك. أصلي حبييت قووي مقهى عمي عبده. أنصتت له بتركيز، وما أن علمت بقدومه دق قلبها داخلها، وفورا ارسلت له اللوكيشن.

ثم أغلقت ذاك الكتاب وجلست تفكر في ذاك الجاسر الذي اقتحم عالمها برجولته المفرطة. وهي تحدث حالها: _أمن الممكن أن يراني أحدهم يوما ما وأنا بظلامي ذاك ويأتي الي طالبا قربي ويدخلني عالمه؟ العالم الذي قرأت عنه كثيرا وكثيرا. وسرحت بخيالي أميالا وبلادا ووديانا. أمن الممكن أن ذاك الجاسر احب ألواني القاتمة وحياتي المنعزلة عن ذاك الكون الصاخب ويأتي معي إلى عالم الانغلاق الذي أعيشه؟ ولكن فلأترك أموري يدبرها خالقي كيفما يقدر لي.

وعادت إلى تلك الرواية التي تقرؤها وانغمست فيها بشدة. وصل جاسر إلى المقهى وبحث عنها، وجدها تجلس في ركن هادئ يليق بها. ساقته قدماه إليها. وقف خلفها يتطلع إلى تلك الصفحة التي تقرؤها وهي تائهة في عالمها. دقق النظر ووجدها تقرأ: _أقسى ما كتب نزار قباني عندما قال: "أخاف أن أحبك جدا، فأفقدك ثم أتألم. وأخاف أيضا، أن لا أحبك فتضيع فرصة الحب فأندم. أخبرني كيف أحبك بلا ألم؟ وكيف لا أحبك بدون ندم؟

حقا تلك الكلمات التي كانت تقرؤها تلك المنة. تمعن تلك الكلمات وتفهمها بقلبه وليس بعقله. ثم فاق على صوتها تردد له: _سيباك تخلص كلمات عمنا نزار قباني وترمي السلام يامتر. اتفضل المكان فاضي. اتسعت عيناه بذهول، كيف عرفت بوجوده؟ ولكن لم يريد أن يسألها ذاك السؤال كي لايجرحها، ولكنه تحدث وهو يجلس: _صوح أني هستغرب ليه أكيد عرفتيني من ريحتي ياست منة. هزت راسها بموافقة: _من أول ما صلت وأني حسيت بوجودك.

المهم ايه رأيك في كلام نزار قباني الكبير اللي بيقولوا؟ أجابها بدعابة: _بصي هو بيقول كلام عميق واني في العمق آخد صفر في المية. واسترسل دعابته وهو ينظر للمكان بحب: _سيبك من عم نزار قباني اللي يتعب الأعصاب دي وقولي لي إيه المكان الجميييل المريح للأعصاب دي؟ بجد حاجة روعة. أغلقت الكتاب ووضعته أمامها على المنضدة، ثم تحدثت وهي تشكر ذاك المكان:

_بحب المكان دي قووي بحس فيه اني مش مختلفة. بحس فيه ان محدش بيبص علي فيه اني حاجة غريبة. أو حد بيتعامل معاي اهنه بشفقة بسبب ظروفي. حزن داخله لأجلها، ثم قرر تغيير مجرى الحديث كي لا يجعلها تشعر بالضيق في أهم أوقات راحتها النفسية:

_اني عايز أشرب من القهوة بتاعتك وزييها بالظبط وأسمع سيد مكاوي وأعمل فيديو زي اللي عملتيه يمكن أجذب البنات وياخدوا بالهم مني وان فيه كائن اسميه جاسر المهدي رومانسي ومثقف والحوارات الهبلة اللي بتحبها البنات دي. رفعت حاجبها باندهاش وسألته: _وه هي الحاجات داي هبلة في وجهة نظرك؟ هو في أحسن من الراجل الهادي المثقف الرومانسي؟ دق بأصابع يديه على المنضدة وأجابها وهو بما يشعر به داخله:

_الراجل اللي تدور عليه الست في وجهة نظري اللي يعرف يحتويها. يحس هي عايزة ايه فينفذه لها من بعيد لبعيد من غير مايوريها إنه إزاي سوبر مان. يعرف يخطف قلبها برجولته بصحيح مش بصور ولا كلام ولا حبة انشا حفظهم في كتاب. انبهرت بكلامه الذي دوما يشعرها فيه أن المشاعر لاتحتاج للرؤية بالعين فيمكن أن يحس بالمواقف. يريد أن يجعلها تشعر بأنها كمثلها وأنها لاينقصها شيئا عنهم. ثم سألها بملامة:

_إلا بصوح كنتي منزلة فيديو ليلة عشية وانتي عاملة بيتزا وكاتبة جنبها صنع ايدي مش عيب يامنون تعملي البيتزا بالطعامة اللي واضحة في الصورة داي وأني باكل عيش وجبنة؟ ضحكت بشدة على طريقته الدعابية ووعدته: _حاضر يا متر دي انت تؤمر ليك عندي عزومة على أحلى بيتزا. _هو انتي بتعرفي تتطبخي صوح يامنون؟

_أمال ايه ماما بتجيب لي كل الطلبات اللي بحتاجها واني طبعا حفظت المطبخ بتاعنا والبوتجاز والتلاجة بالواي فاي فبعرف أظبط طبختي اللي بعملها. حقا شعر بأن الوقت ضاع معها والملل الذي كان يشعر به لم يعد موجودا. لقد سحبته لعالمها الهادئ الجميل ويود الغوص به أكثر كي يعرف حياتها وكي تقضي يومها.

وظلا يتحدثان في كل شئ يأتي ببالهم بتلقائية وهم سعداء بالحوار الراقي مع بعضهم، ثم جاء أخيها الأكبر، وتعارفوا على بعضهم وجلس معهم حتى انقضى الوقت معهم دون أن يشعروا، فحقا الاختلاف في الحالات لايفسد للحب قضية. ****** ****** *** "في مثل ذاك اليوم ولدت الباش محامية رحمة المهدي وأتت إلى الدنيا فأنارتها. كل سنة وانتي طيبة يا انا."

ذاك البوست الذي نشرته رحمة على صفحتها على الفيس بوك وهي تهنئ نفسها بيوم ميلادها ونشرت صورتها تحت ذاك المنشور في الساعة الثانية عشر صباحا. كان ذاك الماهر جالسا في حديقة منزله أمام حمام السباحة وفي يده كوبا من القهوة وأمامه ذاك المشعل المضاء بالنار، فالجو كان شديد البرودة في تلك الليلة ولكنه يحب الجلوس في تلك الأجواء الباردة التي تشبه برودة الحياة التي يعيشها.

ثم استمع الى ذاك الإشعار على هاتفه. أمسك الهاتف بملل ثم قرأ الإشعار، وإذا هو تطبيق الفيس بوك يبلغه بأن ذاك اليوم ميلاد المشغبة التي اقتحمت حياته، وللعجب أنها كانت في باله في ذاك الوقت ويفكر بها بأن يرسل لها باقة تهنئة بيوم ميلادها. وهتف وهو يحادث نفسه ولكن بصوت مسموع: _كانك ورايا ورايا حتى في خلوتي مع حالي مش فايتاني.

ثم فتح صفحتها، وتلك أول مرة يفتحها ويجول فيها، فاتسعت مقلتاه عندما رأى صورتها أمامه بذاك الجمال، وكأنه رأى باربي متمثلة أمامه الآن. فقد كانت آية في الجمال بذاك الحجاب الأبيض وعيناها البارزتين بلونهما الأخضر، وترتدي ذاك الزي المهندم الراقي في ذوقه. وكتلة الجمال تشع في وجهه. برزت عروق رقبته من شدة غضبه بسبب تلك الصورة، ولم يدري بحاله إلا وهو يهاتفها.

كانت جالسة وفي يدها ملف تلك القضية التي أرهقتها كثيرا. ثم سمعت رنات هاتفها، فاندهشت كثيرا لأن الوقت متأخر ومن سيهاتفها في ذاك الوقت، ولكن دق قلبها بوتيرة سريعة داخلها عندما رأت نقش اسمه وأنه المتصل. أجابته على الفور، فهي شعرت بالقلق تجاهه، فهو لم يفعلها منذ أن عرفته وعملت معه: _السلام عليكم. في حاجة يامتر قلقتني عليك؟ كان يدور حول المسبح وهو لايعلم من أين يبدأ، ثم تحمحم: _أممم.. ايه الصورة اللي انتي منزلاها داي؟

لوت شفتيها بامتعاض وهي تنظر إلى الهاتف بغرابة من سؤاله في ذاك التوقيت ثم سألته: _مالها الصورة وحشة ولا فيها ايه؟ تنفس بصوت عالٍ ينم عن بداية غضبه: _آه وحشة جداً. شيليها يلا حالا. استمعت إلى أنفاسه الغاضبة وازدادت ذهولاً من رأيه الذي لايمت للحق بصلة ثم أردفت باستنكار: _وه مين قال أكده! هو إنت مأخدتش بالك جايبة كام واصل! واسترسلت وهي تشير بإعجابها الكبير لتلك الصورة قاصدة استفزازه:

_ده كله عمال يقول لي إيه القمر دي يا رحوم. واللي تقول لي باربي التانية. وكلياتهم أكده بيقولوا إن الصورة وصاحبتها قمر 14. هسيبهم كلهم وأخد برأيك إنت؟ حقا استفزته بطريقتها وجعلت الغيرة تنهش بقلبه ولكنه لم يبين لها ذلك وهتف بأعصاب باردة: _بيجاملونكي وبيجبروا بخاطرك يا حضرة الأستاذة.

تفوه بتلك الكلمات وهو يضغط على كلمته الأخيرة "الاستاذة". فهمت مغزى طريقته فهو يريد أن يهز ثقتها بجمالها ولكنها أفحمته فتلك الرحمة لن تترك حقها قولاً أو فعلاً. تأخذه من عين السبع دون أن تهاب:

_والله حتى لو بيجاملوني كثر خيرهم. جبر الخواطر حلو بردك. بس لعلمك بقى آني عارفة حالي زين والله لو لبست خيش واتصورت بيه لا اللي يشوف الصورة ينبهر بيها. وعلى رأي المثل يامتر القالب غالب بس انت اخلع نضارة الصلابة وقول للحلو في وشه ياحلو. بعد الهاتف عن أذنه ونفخ بضيق من ثقة تلك الرحمة في حالها كي لاتسمعه ورأى أن أقصر الطرق هي الصراحة ثم هتف: _أها. طب حطاها ليه مستنية يبدوا إعجابهم بجمالك الفتاك ولا إيه؟

ملهاش لازمة شيلي الصورة يارحمة. فتحت فاهها بدهشة من ذاك الماهر. أيغار عليها أم ماذا يقصد؟ ثم سألته وداخلها من فرط سعادته يكاد قلبها يقفز من بين ضلوعها: _وه هي عجباني هشيلها ليه يعني؟ وبعدين هي داي كل سنة وانتي طيبة بتاعتك في أول عيد ميلاد ليا وآني في حياتك. جز على أسنانه وهتف بغيظ آمراً إياها: _شيلي الصورة يارحمة ومتستفزنيش أكتر من أكده. رفعت حاجبها من نبرته الآمرة: _ده اسمه إيه بقى إن شاء الله يامتر؟

هو إنت بأي حق تطلب مني الطلب دي؟ بنبرة حاسمة لاتقبل النقاش: _أنا مش بطلب. دي أمر ياهانم. شيلي الصورة وكفاية كلام في الموضوع ده. مش هنقعد نتكلم طول الليل في حوار فارغ ملهوش لازمة. اهتز فكها بسخرية من طريقته الآمرة ونطقت برفض: _بأي حق تأمرني يامتر؟ أني مجرد متدربة عندك لا أكتر ولا أقل. استشاط غضباً منها وأجابها: _بقول لك إيه. سيبك بقى من عقل العيال الصغيرة دي. كبرتي إنتي ومتلفيش وتدوري. ثم أكمل بتهديد صريح:

_وقسماً بالله لو ماشلتي الصورة اللي انتي حطاها داي للكل يشوفها ويتغزل فيها وفي أصحاب العقول المريضة اللي ياخدوها ويتأملوا فيها على كيفهم ياللي موعياش لكل ده لا هكسر لك الموبايل ده يارحمة.

اندهشت من نبرته الغاضبة بشدة وأمره الصارم ولكنه نبهها لنقطة مهمة وهو ذنب النظر لأصحاب القلوب المريضة. وقررت أن تحذفها ولن تضع صورها مرة أخرى على جميع مواقع السوشيال ميديا وستحذف القديم بأكمله. ولكنها قررت أن تستفز مشاعره وأردفت بنبرة ماكرة تليق بجنس حواء: _يعني متصل بيا في أنصاص الليالي وبتزعق وبتعلي صوتك على صورة إني نزلتها؟

طب ما تقول لي شيل الصورة علشان إني غيران عليكي وتتكلم بكل صراحة يا متر. ولا إنت بتعرف تزعق وتشخط وتنطر بس. عض على شفتيه السفلى بغيظ منها ومن مكرها ثم تحدث بنبرة حاول استدعاء الهدوء فيها: _طب إني بقول تنامي بقى وكفاية سهر لحد دلوقتي علشان السهر غلط عليكي. إنتي لسه صغيرة. رفعت شفتيها لأعلى باستنكار ورددت: _والله! شكراً على إنك خايف علي. تصبح على خير. بنبرته الهادئة أمرها دون أن يرد على مسائها:

_هقفل وأقل من دقيقة تكوني حذفتي الصورة. ضغطت على أسنانها بغيظ من بروده معها ثم أطاعته وهي تزوم كالأطفال: _ماشي ياماهر حاضر. وشكراً على كل سنة وانتي طيبة اللي مقلتهاش. قالت كلماتها وأغلقت الهاتف ثم أمسكت هاتفها وحذفت تلك الصورة وجميع الصور وقلبها سعيد بالخطوة التي تقدمتها مع ذاك الحبيب الذي اختاره قلبها. معذبها ولكن تعشق ذاك العذاب منه ولن تقدر أن تتخلى عنه.

وقررت أن تشاغبه فأنزلت منشوراً آخر وأشارت له من ضمن ثلاثين من الأصدقاء وهو في منتصفهم كي لا تلفت انتباه أحدهم. وكان محتواه: "الاهتمام الزائد قد يفقدك كرامتك فأحذر أن ترمي كثير من الزهور في أحضان فاقد حاسة الشم." وصلته إشارتها فقرأها وابتسم على مشاغبتها ثم ذهب إلى حالة الواتس ودون تلك الكلمات:

"أحدهم يظن أنه لا محل له من الإعراب ولكن جميع اللغات تخبره أن حروفه جميعاً تمتلك المعجم بأكمله ولكن مدارتها عن جميع الحركات تدل على أهميتها في اللغة بأكملها." على الفور رأت حالته وقرأتها وتفهمت معانيها وفرح داخلها بشدة. فهو فور أن رأى كلماتها الحزينة لجفائه معها صالحها بتلك الكلمات التي أشعرتها بأهميتها عنده. وبعد قليل أتتها رسالة منه على الواتساب جعلت داخلها يخفق من فرط سعادتها برسالته:

"كل سنة وانتي طيبة والسنة الجاية تكوني محققة أمنياتك بقلب سعيد مطمئن 💖💖" رغم بساطة رسالته إلا أنها أسعدتها كثيراً واحتضنت هاتفها بفرحة عارمة كالأطفال ونامت وهي سعيدة من ذاك التقدم بعلاقتها مع ماهر.

أما هو ظل ينظر للنجوم اللامعة في السماء وكل تفكيره الآن في تلك الرحمة التي اخترقت قلعته المشيدة بالصرامة وهددت أمانها وبدأت بفك الحصار. والقلب تبدل من مجرد نبضات إلى طلبه لوجودها داخل قلعته كي يسقيها من شهد عاشق محروم. وياويلها من عاشق جلس أعواماً منغلق على حاله منتظراً عوضه. جلس يفكر بها ثم أهداها خاطرتها: ولا تتشبهين بشيء وأنتي الأخيرة ولا تسابقين الغير وانتي البدايات فالقلب وجد مأواه بين يداكي

يا رحمتي وألطف الكائنات وعيناي خصصت نظراتها المغرمة لكي دون شتات وروحي هامت عشقا بكي وكلي أصبح الآن ثبات مرت الأيام على تلك الأحداث. زينب عادت إلى منزلها ولكن ليس بينها وبين سلطان أي نوع من الحوار وهو ممتثل الغضب منها ولم يحادثها. ووجد التزمت غرفتها ولم تخرج منها بناءً على تعاليم سلطان لها. وسكون التزمت شقتها في تلك الأيام كي تتجنب أي حوارات تسبب جرحها. وبالتالي ستتأثر حياتها مع عمران.

ورحمة وماهر في مشاغبتهم المستمرة التي لم تنتهي بعد. أما آدم ظل طيلة الأسبوع مشغولاً في تجهيزات فرحه هو وأميرته التي مازالت غير متقبلة تلك الزيجة ولكنها الظروف. ولكنه قرر أن يصبر عليها حتى تأتي إلى منزله. ووقتها حتماً لم تستطع الهروب منه مهما فعلت.

أما مها ومجدي فهي تأتي له في المشفى يومياً وتهتم بجميع أموره. وقررت أن ترضى بالأمر الواقع. فهي لا يهمها كلام الناس بقدر ما يهمها في المستقبل ملامة أبنائها عن لم تترك أبيهم العاجز وفرقت شملهم. وهي من عودتهم على الرجولة منذ صغرهم. دخلت إليهم الطبيبة كي تتابع حالة مجدي وبعد أن انتهت خرجت مها مع الطبيبة وسألتها: _بعد إذنك يا دكتورة إني عايزة أسألك على حاجة. أومأت لها الطبيبة بموافقة بترحاب ووجه مبتسم.

فتحمحمت متسائلة بتوتر: _هو ممكن يعني... مجدي جوزي يخلف بعد حالته ده ولا مبقاش ينفع؟ راعت الطبيبة حرجها ونظرت إلى هيئتها المنمقة وملابسها التي تبدو جديدة. فظنتهم متزوجون منذ أشهر قليلة. فحقا من يرى مها يجزم أنها عروسة أمس وليس سنوات. فربتت على كتفها مطمئنة إياها: _لا متقلقيش خالص. جوزك هيمارس حياته الطبيعية بشكل طبيعي جداً. وطبعاً لو معندوش أي حاجة هيخلف بالثلث. شكرتها مها بامتنان وأكملت:

_منحرمش من ذوقك يا دكتورة. بس إني نفسي أخلف بنوتة. إنتي عارفة بقى ده حلم كل ست. تفهمت الطبيبة ما تحتاجه واسترسلت مها حديثها وهي تخفض نبرة صوتها طالبة منها:

_طب هو ممكن حضرتك يعني تعملي له تحاليل تطمنيني بيها عن الموضوع ده من غير ما يعرف. علشان كلمته في الموضوع ده كتير وهو مستنكرها قوي. ويقول لي إني عارف إني زين ومفياش ولا عيب. دوري على حالك. وأني كمان عارفة إني زينة وبالرغم من أكده عملت كل التحاليل وأثبتت إني مفيهوش عيوب.

قالت مها تلك الكلمات. وبالفعل هي منذ أن وضعت توأمها منذ سنوات ولم تأخذ وسيلة. ومنذ تلك المرة لم تحمل. فانتابها الشك أن تكون أصيبت بأذى أو أن رحمها أصابه إعياء. وتابعت مع أختها سكون واكتشفت أن لديها مشكلة بسيطة منذ سنوات ولكنها عالجتها. ولم يحدث حمل ولا مرة من المرات التي اجتمعت فيها هي ومجدي. وداخلها حزين. فهي تتمنى أن يكون لديها ابنة تصبحان أصدقاء وأحباء. فهي تعشق البنات. حركت الطبيبة رأسها بموافقة ثم قالت:

_تمام يا جميلة. هاخد عينة دم منه وهعمل التحاليل وهقول لك. ومتقلقيش هتبقي أم البنات مش بنوتة واحدة. ابتسمت لها مها وشكرتها بامتنان. وفي آخر اليوم نفذت تلك الطبيبة وعدها وأخذت عينة الدم من مجدي بكل هدوء.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...