قبل حادثة الطفلين في ذاك الفندق الموجود به عمران وسكون، فقد استراحا كليهما من تعب الطريق. نظرت سكون إليه وهو يقف عاري الصدر وتبتلع أنفاسها بانتشاء وهي تراه بحالته تلك. أما هو، نظر لها ببرودٍ مُعمٍ أصطنعه لحاله كي لا يضعف أمام هيئتها وأنوثتها المُهلكة لرجولته، ثم ردد آمرًا إياها: _اعملي لي فنجان قهوة سادة، هاخد دش وأخرج ألقاه جاهز. ردت بطاعة: _حاضر. تركها ودلف إلى الحمام، فجسده يشعر بالإرهاق الشديد.
ثم قامت هي ووقفت أمام المرآة تمشط شعرها بشرود. فبقي قليلاً وعمران سيكشف أمرها. ففكرت أن لا تذهب إلى الطبيبة معه وتخجله أمامها، فهي طبيبة نساء والطبيبة حتماً ستعرف وستسرد ما بها أمامه. ظلت تفكر بما تبدأ وكيف تحكي لها عن آلامها التي مرت به. كيف سيتحمل أن ينتظرها سنوات وهو بضع سنوات قليلة على مشارف الأربعين؟ كيف سيكون رد فعل والديه على مرضها؟
تلك الأسئلة التي دارت بعقل سكون كثيراً وكثيراً. لقد أرهقت بشدة من كثرة الصراعات الصاخبة التي تتصارع داخلها. خرج عمران من الحمام واتجه إلى الأريكة وأمسك ملابس بيتية كان قد أخرجها من الخزانة قبل قليل، قائلاً لها: _ناوليني القهوة علشان مصدع جامد. ابتلعت لعابها من هيئته المُدمرة لأنوثتها. نظر إليها وجدها تبتلع لعابها فابتسم بانتشاء لهيئتها. فناولتْه القهوة وبدأ احتسائها بتلذذ، ثم سألها: _مالك بتبصي لي كده ليه؟
ضعفتي وندمتي يا سكون؟ استجمعت قواها وتحدثت بنبرة متوترة بعض الشيء وهي تنظر في اتجاه جانبي بعيداً عن عينيه: _مالي يعني؟ انت اللي بيتهيألك. وجدت حالها ستضعف أمامه الآن، فتحركت ووضعت على جسدها رداءً ثقيلاً. وكادت أن تتحرك إلى الشرفة إلا أنه أسرع إليها قبل أن تدلف وجذبها من يدها بشدة جعلها ترتطم بصدره في حركة أذابت اثنتيهم وأهلكت حصونهما، وهو يردد أخيراً: _لسه مصممة تداري عني وجعك يا سكوني؟
كان يتحدث وهو ينظر لشفتيها وهو يأخذ أنفاسه باشتياق، وبدأ صدره ينتفض ويعلو ويهبط من شدة احتياجه لها ولأن تسكن أحضانه. وما كان حالها أفضل من حاله، كانت تنظر لعينيه بفم مفتوح مُرتعش وقلبٍ يرتجف يريد الارتماء داخل أحضانه ونسيان كل شيء جعلهما يفترقا الفترة الماضية. بقيا مدة على وضعهما هكذا، كلاهما يحترق شوقاً للآخر، ولكن كبرياؤه يمنعه من اتخاذ الخطوة الأولى وينتظرها من الآخر.
فهي قد دارت عنه ما سمعه بالصدفة من حديثها ظهراً مع صديقتها وهي تظنه نائماً. ثم ابتلعت لعابها وتحدثت بصوت منخفض وهي تندهش من سؤاله الموجه إليها، ويداه مازالت تطوق خصرها بتملك، وهو منويٌّ أن لا تخرج من أحضانه قبل أن يتصافى كلاهما: _انت تقصد إيه يا عمران؟ ممكن تتكلم على طول من غير ما تلعب بأعصابي؟ رفع خصلة شاردة هبطت على جبينها ودارت عيناها عنه مجيباً إياها:
_سمعتك وأنت بتتكلمي مع فريدة صاحبتك يا سكون. فمن فضلك اتكلمي دلوقتي حالا وكفاية كده بقى اللي إحنا فيه وحالنا اللي مبقاش زي الناس الطبيعيين. تلقائياً هبطت الدموع من عينيها وهي تحاول مداراتهم عنه، ولكن رأى دموعها فجذب وجهها إليه وجفف عبراتها، ثم أمسكها من يدها. وما إن احتضنت يداها كف يداه حتى ضغطت عليهم بقوة، وكأنها تتوسله بضغطتها تلك أن لا يتركها وأنها لا تُساوي شيئاً بدونه.
كان ينظر إليها باشتياق لم يسبق من قبل. فابتعادها عنه وعن أحضانه استمر أكثر من أسبوعين، وتلك المدة تعد سنيناً في نظر عمران. ثم تحدث إليها بصوت أجش خشن وبنبرة راجية: _طب بلاش دموع، ومهما كان اللي وجعك يا سكون مش هتخلي عنك مهما يكون أي حاجة في نظرك كبيرة وخايفة منها، مش هتكون أكبر ولا أهم من وجودك ونَفَسك معايا. واسترسل حديثه وهو يرفع يداها ناحية شفتاه يقبلها بوله والصبر نفد من صبره في ابتعاد سكونه عنه:
_مهما يكون اللي حصل وبالنسبة لك هيضيع الحب الكبير اللي بيننا، فهو بالنسبة لي تفاهات قصاد إني عرفت إنك ما قتلتِش ولدي ولا إنك مش عايزة تخلفي مني. كانت دقات قلبها تتصارع داخلها، فهي في أحضان عمرانها التي حرمت منها تشعر كأنها كالملك الذي يجلس على كرسي العرش ويملك الدنيا بأكملها. ثم وجدته يترجاها بعينيه أن تتحدث عما بها وتحكي له كل شيء حدث لها.
وجد أنها لا تستطيع الوقوف على قدميها، فجذبها من يدها وأجلسها على التخت. ثم حاول تهدئتها، فمن الواضح أن أعصابها متوترة بشدة: _طب احكي لي بهدوء، وأياً كان اللي هتحكيه فهيوبقى له حل طالما إني وأنت جنب بعض يا حبيبي. ابتلعت أنفاسها بصعوبة، ثم تحدثت عما يجيش في صدرها ويؤرق حياتها:
_قبل فرح مكة عرفت إني حامل. كنت فرحانة قوووي إن ربنا جبرني وهجيب لك طفل يفرح قلبك ويبقى زينة البيت لماما الحاجة وبابا سلطان. لكن في نفس اليوم حصلت مشكلة مكة أختي، فاتلخمت وياها، ولأني كنت عايزة أفرحك بالخبر ده و إني عاملة أجواء في خيالي تخليني أشوف الفرحة والسعادة في عيونك، عملت سونار وحسيت بحاجة غريبة. فعملت أشعة وفات يومين ولقيت بينزل عليا دم، عرفت إن الجنين مشوه وإني لازم أنزله. فاضطريت إني أجهضه. وبعد كده اكتشفت من خلال الأشعة إني عندي مرض بيخلي الجنين ما يستمرش في رحمي أكتر من شهرين وهينزل. انهارت ساعتها.
كان يستمع إليها بقلب ينفطر حزناً لأجلها، فحبيبته عانت كثيراً في تلك المدة القصيرة وتحملت وحدها كل ذاك الألم دون أن يعرف، وزاده عليها قسوته عليها. ثم خلل أصابعه بين خصلات شعرها وهو يشعرها بأنه جانبها ولن يتخلى عنها، ثم استرسلت حكاواها:
_وقتها قلت مش هتسرع وبعت التحاليل بتاعتي للأستاذة بتاعتي وردت عليّ بعدها إن التحاليل سليمة، وشخصت لي المرض زي ما أنا عرفت بالظبط. وطبعاً مقلتلهاش إن الحالة دي بتبقى إني علشان أعرف كل حاجة منها بدون ما تخاف عليّ وتخبي عني حاجة. وتشخيصها زي ما قلت بالظبط، وإن حالتي هتاخد علاج سنين ومحتاجة صبر ويا عالم هخف ولا لأ.
وتابعت وجعها وعيناها انهمرت منها الدموع بغزارة، مما جعل قلب عمران ينهار لوجعها هو الآخر، وصار يجفف عبراتها بأصابع تتمنى محو الدموع وانتزاعها من عينيها إلى الأبد كي لا تحزن أبداً: _وطبعاً الرحم نشط جداً، واحتمال حدوث الحمل مرة تانية في أقرب وقت وبرضه هينزل، فكان لازم آخد حبوب منع الحمل علشان مش كل شوية أسقط والرحم بتاعي يتفيرس، ووقتها هدخل في حوارات تانية ومتاهات مش هقدر أسدها.
ثم رفعت عيناها الممتلئة بالدموع وبررت موقفها أمامه في قرارها الابتعاد عنه:
_وقتها الدنيا اسودت قدام عيني وحسيت إني بدأت أخسرك، وإنك كيف هتتحمل تستناني سنين ملهاش عدد علشان أجيب لك طفل يحمل اسمك، وكمان شايفة لهفة ماما الحاجة على إنها تحمل عوضك بين يديها. وزاد عليهم اللي خلاني آخد الخطوة بأني أشوه صورتي قدامك إنك كل شوية تقول لي نفسي أبقى أب، نفسي أخلف منك يا سكون طفل يحمل اسمي واسمك. كنت بنهار يا عمران ومعرفش أعمل إيه!
ثم هدأت من روعها وأخذت نفساً عميقاً كي تستطيع الإكمال له وتفرغ ما في صدرها وجعلها طيلة الأيام الماضية تشعر أنها على حافة الانهيار: _فاستغليت الفيديو بتاع وجد وعملته حجة أعاندك بيها، وعرفتك إني أجهضت نفسي، وسيبت لك كمان شريط الحبوب في مكان مش متداري علشان تكرهني وتطلقني بضمير مرتاح. لكن أنت خالفت الظنون يا عمران.
طلعت عاشق سكون عشق حقيقي مش مجرد كلام، وزي ما إني ما صدقتش الفيديو بتاع الملعونة وجد، إنت كمان ما صدقتش إني أعمل كده وشفت في عيونك اللي كذبتني كثير. ضاقت عيناه في ذهول وسرعان ما كان يشيح عينيه عنها، يكرر سؤاله لها مرة أخرى بن بيقولوا اللي اتجوزت ومخلفتش علطول بتفضل عروسة وتروق على عريسها لحد ماتخلف. وأكمل بغمزة من عينيه: _يبقى أني هفضل عريس والعريس محتاج يتدلع ولا إيه.
خجلت من طريقته وتلميحاته وابتسامتها زينت وجهها وبدا له أنها كشمس سطعت في يوم متبلد بالغيوم أنارت قلبه العاشق ورزقته الدفئ في عز البرودة. ثم جذبها من رقبتها وأسند جبهته بجبهتها مرددًا بصوت مشتاق: _وحشتيني قوي يا سكون. وحشني ضمتك ليا اللي بتحسسني إني أسعد راجل في الدنيا. بللت حلقها الذي جف من كثرة عطشه إليه ثم همست برقة أذابت عمرانه:
_وأنت كمان وحشتني قوي. أنتِ متتصوريش إني اتعذبت في بعدك عني كد إيه. كنت بقول لنفسي هو قدامي لسه وبشوفه ومش قادرة أقرب منه ولا أحضنه، أمال لما تفارقي هتتحملي كيف يا سكون.
وضع يده على شفاها مانعًا إياها أن تكمل وتنطق كلمة الفراق تلك، فما منها إلا أنها قبلت باطن يداه باحتياج لقرب عمران وهي تغمض عينيها بتأثر من رائحة يداه التي تغلغلت أنفها وجعلتها متأثرة باقترابه منها. ذاك حالها من مجرد أن وضع يداه على شفاها، فما بالها حين تلمس شفاه شفاها حقًا ستتوه في عالم عمرانها الذي يشعرها بأنها أنثى كاملة وبيدها كنوز العالم بأكمله. أما هو شدد على احتضان وجنتها بين يديه وهو ينهيها
عن ذكر كلمة الفراق تلك: _مفيش فراق يا سكون ومتقوليهاش تاني. لا إنتِ هتبقي مع غيري ولا إني هحس باللي بحسه معاكي مع ألف ست تانية. وأكمل وهو يشعر بالخزي مما فعلته بهم: _بس دي آخر مرة هغفر لك تصرف زي اللي عملتيه ده يا سكون. ممنوع تخبي عني أي حاجة واصل من النهاردة ودايما تكوني حاطة في اعتبارك إن كل مشكلة هتواجهنا ليها ألف حل إلا الفراق ياحبيبي. وتابع وهو يقبلها بجانب شفاها برغبة: _عمران مهيفارقش إلا بالموت يا قلب عمران.
ما إن ذكر كلمة الموت حتى شعرت بالخوف من تلك الكلمة، فشددت من احتضانه لتقول برغبة: _بعد الشر عنك. ربنا يخليك ليا وميحرمنيش منك أبدًا. إني من غيرك معرفش أعيش أبدًا.
ما إن قالتها حتى أصبح لم يتحمل هو ذاك الابتعاد أكثر من ذلك وجسده يطالبه بأخذها إلى عالمهم الخاص الذي حرموا منه طيلة الأيام الماضية والتي تعد بالنسبة لهم عمرًا بأكمله. ثم احتضنت شفتاه شفتاها وجسده أصبح مشتعلًا وكلاهما يبث للآخر عشقه بطريقته التي تسحبهم لأجمل عالم في الوجود. إنه عالم يشعرهم بأنهم طيور محلقة في سماء العشق والرغبة وعادت سكون لوطنها الآمن وحصن قلبها الحصين. ثم أهداها خاطرته التي كللها بغرامه قولًا وفعلًا:
عيناكي كبحور العسل الصافي الذي لم يتذوق طعمه عاشق إلا وخفق قلبه بشدة وهام بهما عشقًا. في عيناكى سحر يقتحم داخلي ويأثرنى كمثل عاشق لقهوته ومسحور بدفئها في ليلة شتاء شديدة البرودة ولكنه حينما يحتضن قهوته يسبح في عالم عيناكى. فالعين قد أثرت والقلب قد غلقت أبوابه والروح أصبحت بين يديكِ فافعلي بها ماشئتي برضاكِ. والى هنا سكنت السندريلا قلب الأمير من جديد وعادت المياه لمجراها والسفن لمرساها وهدأت العواصف. ***
وفي نفس الوقت في جزر المالديف حيث يسكن عاشقان آخران وهم يبدأون طريقهم وكل منهم أصبح متمسكًا بالآخر رغم معاندة الظروف. كانوا يجلسون أمام البحيرة ذات المياه الزرقاء الصافية ومكة بجوارها ذاك الباجور وعليه الإناء وتصنع مشروب الشاي المفضل لها. وهم يتناولون أطراف الحديث مع بعضهم بصفاء ذهني ورقي فهما الآن في هدنة من مشاق الحياة.
بدأت بوضع السكر القليل في الأكواب الزجاجية المحتوية على أوراق النعناع الأخضر والشاي ثم غلت المياه وقمت بسكب محتواه داخل الأكواب وصوت ارتطام المياه بالشاي جعلها تبتسم فذاك مشروبها المفضل. ناولته الكوب بابتسامة زينت ثغرها وهي تسأله: _مالك بتبص لي قوي أكده ليه؟ أجابها بمشاغبة وهو مازالت عيناه متصنمة عليها: _مش عايزاني أبص لك ولا إيه؟ ضمت شفتاها بعبث ثم أردفت وهي ترتشف مشروبها المفضل:
_له بس بحسك دايما خايف أهرب منك. وشايفني طفلة صغيرة وأنت باباها اللي خايف عليها من الهوا الطاير وخايف عليها من الفقدان. وضع الكوب من يده ثم جذب يداها واحتضنها بين يديه وضغط عليها بشدة وكأن تلك اليد هي سجن العشق لكلاهما. ثم تحدث بنبرة عشق صادقة:
_من وأنا صغير دايما كنت الحاجة اللي بتعلق بيها عمري مافرط فيها بسهولة ولحد ما كبرت وفي ذكريات طفولة محتفظ بيها لحد دلوقتي مفارقتهاش. لما بحب بحب بعمق ولما بتعلق بشئ بتعلق قوي لدرجة إن لو بديل يستحيل أرضى بيه. بصي شكل ما يكون بعمل عشرة مع الحاجة دي وبعتبرها جزء مني. وأكمل وهو مازال يطيل النظر بعينيها ويداه تضغط على يدها:
_شوفي بقى لما يكون اللي متعلق بيه بقى حتة من روحي وجزء مني التنازل بيبقى في الوقت ده حاجة مستحيلة كأني بتنازل عن روحي بالظبط. ما كان بها إلا أنها شددت هي الأخرى على احتضان يداه وعيناهما متعلقة ببعضهما. ثم رمشت بأهدابها بحنو وهي تؤكد له: _وأني خلاص مهتخلاش عنك ولا روحي هتفارق روحك. ثم أكملت بحنو:
_إني أخدتك تحدي العمر يا آدم وعندي ثقة إن جواك نضيف وجميل ومش هترضى غير بأنك تريحنا علشان نعيش راضيين مع بعض وكل واحد فينا مكمل تاني وساحبه لطريق الحق. تنهد بتعب مما ترمي إليه ثم سألها: _طب لو كان على الفيديو كليب والبنات هطلب من المونتاج اللي معايا ممنوع ولا بنات ولا عري خالص في الأغاني بتاعتي وتبقي من وحي الطبيعة في التصوير. ابتسمت بتشجيع لقراره ثم عرضت عليه:
_طب والموسيقى ماهي مزامير الشيطان اللي الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عنها؟ صدقني لو استغليت موهبتك اللي ربنا ادهالك صح هتنجح بردو وهيفضل اسمك آدم المنسي. كاد أن يجيبها ولكنها رفضت تكملة الحديث في ذاك الموضوع فهي قررت التعامل معه بذكاء دون ضغط. ستستخدم أسلوب المحارب الماكر كي تفوز في معركة جذب ذاك الآدم إلى الطريق الهادئ البعيد عن الصخب والضوضاء طريقه المكلل بأشواك الحرام لتقول بنبرة مشاغبة وهي تنظر إلى كوب الشاي:
_إيه رأيك في كوباية الشاي بالنعناع القمررر دي؟ جذبها من رأسها وقبلها بوقار وهو يمدح في أبسط الأشياء التي من صنع يدها: _طبعًا جميلة ولذيذة زي صاحبتها بالظبط اللي مفيش أجمل منها في الدنيا بحالها. نظرت داخل عيناه وتاهت بهما فهو يمتلك رقي وحنان لم تراهم في حكوى النساء عن أزواجهن من قبل. وهو الآخر تاه في جمال عينها التي عاش ليال طويلة ساهرًا يحلم بهما فقط. وأثناء تيهته في عيناها وجدها تجذبه من يده وتحسه على
القيام وهي تقترح عليها: _بقول لك إيه رأيك ندخل المطبخ دلوقت ونعمل بيتزا مع بعض كان نفسي قوي اللي اتجوزه يشاركني اللحظة دي. رفع حاجبه مرددًا باستنكار مغلف بالدعابة: _إيه بيتزا مين بقى إنتِ عايزة آدم المنسي المطرب المشهور اللي دوب نص بنات مصر يقف يعجن ويخبز ويقطع طماطم وبصل! وأكمل وهو يرفع قامته لأعلى بشموخ مصطنع: _oh no ده إنتِ كده بتطمعي فيا بالجامد يا موكة وعايزاني أتنازل عن برستيجي ممنوع اللمس والاقتراب.
رفعت حاجبها هي الأخرى باستنكار وهي تردد: _برستيج مين ده! مسمعتش عنيه في طبق اليوم يانجم. وأكملت وهي تسحبه من يداه تجاه المطبخ: _يالا يالا بلاش كسل واعمل حسابك إني مهحبش شغل مديرة المنزل والحوارات داي كل حاجة في بيتنا الصغير هنعملها سوا وهنتشارك فيها مع بعضنا ياحبيبي. اندهش ثانيا وهو يهتف بنبرة متعجبة: _ايه ايه بقى عايزاني كمان أمسك المكنسة وبالمرة اغسل الأطباق كمان ياحظي. أومأت له وهي تربت على وجنته:
_وماله ياحبيبي كله نشاط للجسم وتغيير روتين حياتك الممل وشعور بالاكتفاء الذاتي كمان. واسترسلت حديثه وهي تؤكد أن مساعدتها في أعمال المنزل واجبة عليه معها: _وبعدين انت هتاجي أعظم من سيد الخلق اجمعين كان بيساعد زوجاته في أعمال المنزل وينظف نعله وكان رحيم ودود بيهم. داي حتى في خطبته الوداع الأخيرة قال رفقا بالقوارير واستوصوا بالنساء خيرا. التوي ثغره بحسرة ثم هتف بنفس مشاغبتها:
_أهو دي جزاء واحد يتجوز واحدة من بتوع قال الله والفتوى والتدين واخدين حقهم معاكي وزيادة. وأكمل وهو يجذبها لصدره عنوة حتى ارتطمت بعظامه القوية وهو يغمز لها بشقاوة: _طب ماهو الرسول عليه الصلاة والسلام بردو قال الست لازم تطيع جوزها ومترفضش طلباته ولا ترفض احتياجاته. وأكمل وهو يتكئ بلسانه على كلمته الأخيرة: _ها احتياجاته وانت طبعًا فهماني ياموكتي. فهمت مايرمي إليه ثم أخفضت بصرها للأسفل ورددت وهي تصطنع عدم الفهم:
_انت تقصد ايه بكلامك دي هو أني مقصرة معاك في احتياجاتك. مازال متشبسا بأحضانها ثم لف خصلات شعرها من أسفله على يده وأجبرها بالنظر لعينيه مجيبا إياها بنفس المشاغبة: _يوووه يعني من يومين قلت لك نفسي اشوفك بالفستان الاحمر ده ووشك جاب الوان وقعدتي تقول لي معلش يادومي مش هقدر البسه. اصل أنا بتكسف. اديني فرصة ناخد على بعض وبعدين هعمل لك كل اللي أنت عايزه. ثم ألصقها في أحضانه بشدة قائلا بنفس غمزته المعتاد عليها معها:
_مع أنهم بيقولوا المنتقبات دول اشقيا قووي وبيحبوا الدلع وبيحبوا يدلعوا الراجل اللي معاهم ومش بيرفضو اي طلب لأزواجهم. تعلقت عيناها به بنظرة هائمة خجلة أرجفت ذلك القابع بين أضلعه من كلماته التى أثرت بها وجعلت جسـ.ـدها وكأنه مشتـ.ـعلا بنـ.ـيران اقترابه وهمساته ثم تمتمت بخفوت: _ايه الكلام دي اول مرة اسمع عنيه. المنتقبة زييها زي اي ست انت سمعك غلط وبيتهيألك. ضغط بأسنانه على شفاه وهو يحرك رأسه برفض لنفيها:
_لا طبعًا زي ما بقول لك كده بس انت اللي ناكرة وعارفة كمان اعرف عنهم ايه ياموكتي. رمشت بأهدابها بخجل وهي تومئ برأسها للأمام في دعوة منها أن يكمل فهي خجلة في اقترابه وغير قادرة على النطق فعقب هو بنفس دعابته: _أعرف عنهم أنهم بيعرفو يرقصوا رقص جامد مهلك وهما بيتمايلوا يوقعوا قلب اجدعها راجل. هما مش كدة بردو ولا انت من عالم اخر. أجابته وهي تحاول الفكاك من يده:
_له اني مليش في حوار الرقص دي خالص. معرفاش بيعملوه ازاي ومجربتش قبل اكده من الأساس. تركها وقام بإشغال الموسيقى واقترب منها وخلع ذاك الرداء الذي يخبئ ذراعيها وساقيها من الاسفل تحت اعتراضها وقام بتطويق خصرها بذاك الحجاب وهو يأمرها: _طب يالا ياقمر جربي التجربة الأولى وخليني انول شرف اختبارك وإن شاء الله مع كل تجربة هديكي درجة لحد ماتوصلي للتوب ووقتها هيبقي لينا جلسة فرفشة كل أسبوع ياقمر انت. اتسعت مقلتيها
بذهول ثم أردفت بتمنع: _وه انت عايزني ارقص وكمان شغلت لي الموسيقى! دي لا يمكن يحصل أبداً. اصطنع الحزن وبدا على علامات وجهه الضيق ثم قال: _طب أكده هتدخلي تحت بند عصيان الست لجوزها وربنا مش هيسامحك علشان هشتكي ليكي. استجمعت قواها وتحركت بداخلها روح الأنثى المتمردة، ثم نفضت يده من عليها وابتعدت عنه وهي تتجه ناحية المذياع كي تغلق الموسيقى، ولكنه لحقها واحتضنها من الخلف هامساً في أذنها مما جعل جسدها أصيب بالقشعريرة
من همسه ولمسه المحترف لها: _طب تعالي بقى علشان عندك ساعة أشغال شقة وبعدين نشوف حوار البيتزا ده. أغمضت عيناها بنشوة من اقترابه لها ولم تعطيه وجهها، وظل هو يقبل رقبتها برغبة، فما زالت تشعر بالخجل منه وسحبها إلى عالمه التي أصبحت تتقنه جيداً، فقد علمها قوانين القرب كما ينبغي أن تكون وهو يهمس لها بكلمات أذابت حصونها بين يديه، وذاك حال العاشقين في اقترابهم ولهم من الحب ما لا يجب لغيرهم.
فالحب أطلس كبير فيه خرائط القلوب ليبين أماكن السعادة والسرور، فهو أسطورة تناقلتها القلوب على مر العصور، وأريج رائع ينبعث من القلوب المزهرة. الحب يقرب الأشخاص من بعضهم البعض وأين ما يوجد الحب توجد السعادة، كما أن أعظم شعور هو أنك تحب شخصاً وهو أيضاً يبادلك نفس الشعور. فسيظل الحب باقة الورود الوحيدة التي لا تذبل في هذا العالم.
فالحب ثورة يقوم بها القلب لينال ما يريد من المشاعر، وكان لقاء ذاك الآدم ثورة أقامها على تلك المسكينة في العشق، لا تستطيع مجابهتها وخرج هو المنتصر وشعوره بالانتصار في ثورته وتحقيق أهدافها شعور الجندي الفائز في ساحة الحرب. ********************* في نفس التوقيت.
في بلاد الحرمين الشريفين حيث مهبط الوحي ومنطلق رسالة الإسلام السمحاء، إنها لمكة المكرمة ولها مكانة خاصة في قلوب المسلمين، فهي مهبط الوحي على خاتم الأنبياء محمد صلى الله عليه وسلم، وفيها نزل القرآن الكريم، ومنها انطلقت رسالة الإسلام السمحاء إلى مختلف أصقاع الأرض، مهوى أفئدة المسلمين وقبلتهم، وأحب الرحلات التي يقضوها في حياتهم إلى تلك البلدة، بل وأفضل وأعمق ما تتمناه النفس البشرية هو زيارة الكعبة المشرفة ولمس الحجر الأسود والوقوف أمام قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم.
حيث يوجد فيها قلبان، أحدهم احترق من الآخر غدراً وألماً. يجلس سلطان بجانبها وهو يتمنى منها الرضا وأن تعود معه لعهدها السابق، ولكن رأسها يابس ولن تستسلم لمحايلات ذاك السلطان. فاقترب منها وهو ينظر إليها برجاء ككل يوم، لعل محايلته تجدي نفعاً لها: _مش كفياكي بقى بعاد وهجر يازينب؟ إحنا مش صغار على لعب العيال دي، بزيادة يعني يا بت الناس. ربعت يداها وتحدثت بضيق:
_وكيف أسامح يا سلطان بعد اللي عملته فيا وحرقت قلبي واتجوزت علي وجبت واحدة سكنت داري وبقت راسها براسي وتنزل تعدي علي وتدوس برجليها ولا هاممها إني كنت في يوم من الأيام بعطف عليها وبدخلها بيتي وبعاملها كيف أولادي وعمري ما فرقت بينهم وبينها، بس هو ده الجزاء اللي أنا أستاهله عشان دخلت بيتي وعطفت عليها وفي الآخر طلعت من اللي بياكلوا في الوعاء وبعدين يرموها ويشوطوها بالجزم على رأس أصحابها. ضم حاجبيه وعبس وجهه وسأل مستفسراً
بدهشة ظهرت على معالم وجهه: _يعني إيه الحل دلوقتي عشان نفضوا سيرة الموضوع ده؟ عايزني أطلقها يعني؟ حركت رأسها للأمام مؤكدة تعجبها: _موضوع الطلاق ده مفيهوش نقاش يا سلطان، يا إما أكده لما نرجع بإذن الله من رحلتنا دي نتفارق بالمعروف وتسيبك من لعب العيال اللي كنت بتعمله معايا. أنت دلوقتي راجل حجيت بيت الله، ما تضيعش ثواب حجتك وربنا قال: "فتفارقوهن بالمعروف". كادت أن تكمل حديثها إلا أنه هدر بها أرعبها وهو ينظر لها بغضب:
_طلاق يازينب مهطلقش، وأنت عارفة أكده إن موضوع الفرقة بيناتنا مش هيحصل. بدون التحدث في أي كلام آخر قالت لإنهاء النقاش في ذاك الموضوع: _يبقى هعمل زي الحكومة أكده، يبقى الحال كما هو عليه وأنت في حالك وأنا في حالي. جز على أسنانه بغيظ وهو يمسكها من يدها: _اعقلي يازينب وسيبك من اللي في دماغك، لا أنا أول اللي اتجوزوا مرة تانية ولا أنا آخرهم. ثم محاولة تهدئتها وألقى على مسامعها كلمات الغزل التي تبرد قلبها:
_دي أنت اللي فيهم يا بت وأنت اللي في القلب ومفيش غيرك يملى عينين سلطان ولا يكيف مزاجه غيرك. أنت الحتة الشمال وأم العيال. ارتفعت دقاتها الرنانة ودقت في أرجاء الغرفة وأردفت: _وه أنت جاي تاكل بعقل زينب حلاوة يا سلطان وتقول لما أضحك على عقلها بكلمتين!
وأكملت بتصميم جعله لان أخيراً، فهو اشتاقها ويبدو أن الممنوع مرغوب، وكما أنها لها في قلبه ما لا يكن لغيرها مهما كان، وخاصة بعد أن غيرت شكلها تماماً، وأصبحت أكثر أنوثة وجمالاً وجاذبية، فهو لم يكن يتوقع أنها ستفعل هكذا يوماً من الأيام: _والله لو قعدت جاري أكده عشرين سنة كمان ماهنولكش اللي أنت عايزه مني. خليك بقى مع الملونة بألوان صناعي اللي أنت اتجوزتها وخليك لايد وراي أكده. ضرب كفاً بكف من سخريتها ثم طلب منها المشورة:
_طب هعملها كيف دي، ماهو ربنا هيحاسبني بردو يازينب؟ لانت ملامحها وشعرت براحة اجتاحت روحها لحديث ذالك السلطان الذي وصل لأعماقها وتوغل في روحها، وهي تعطيه رأيها ومشورتها: _هيحاسبك ليه؟ زي ما ربنا شرع الجواز بردوا شرع الطلاق، واديها كل حقوقها وخليها تغور من البيت. وأكملت وهي تتدلل عليه كي ترى مدى اشتياقه لها: _ووقتها هتشوف زينب حاجة تانية والماية هترجع لمجاريها وهتشوف هنا عمرك ماشفته في حياتك يا سلطان.
سال لعابه من دلالها المفرط وغير المعتاد، ويبدو أنها تمرست ذاك الدلال بحرفية، ثم حاول جذب يدها ولكنها جذبتها منه ولم ترضى باقترابه، فعبث وجهه بحزن: _طب بتشيلي يدك ليه يا بت الناس عاد؟ لساتك عاصية على سلطان ليه يازينب؟ حركت رأسها بدلال كي تثيره: _الله الوكيل يا سلطان، ماهتلمس شعرة مني إلا لما يتم المراد وتزيح الغمة اللي إنت بليتنا بيها، ووقتها هتلاقي سعدك وهناك بين إيديك ومش همنع أبداً. تحدث باقتضاب من تصميمها:
_طب لما نرجع من السفر هعمل لك اللي أنت عايزه بس تفكي التكشيرة دي يا شيخة. تنهدت وتحدثت باستجداء: _له في حل تاني يا سلطان يريحنا كلياتنا ومهياخدش وقت. سألها باستكشاف: _حل إيه ده يازينب؟ أجابته سريعا: _تتصل بالمحامي بتاعك اللي أنت عملت له توكيل من شهرين عشان موال الأرض بتاعك يطلقها ويرمي عليها اليمين في التليفون قدامي، ويا دار ما دخلك شر، وقتها الدنيا هتبقى تمام وياي.
نفخ بضيق من تصميمها ثم على الفور حمل هاتفه واتصل بالمحامي، وبعد أن أتاه الرد شرح له ما يحتاجه، فردد المحامي مندهشاً: _أنت ما تعرفش إن مراتك اتقبض عليها في قضية قتل الدجالة خضرا اللي في آخر البلد دي؟ الخبر سمع كلنا يا حاج، وأني مفكرك عارف. انصدم سلطان مما قاله المحامي وسمعته أذناه وهتف بدهشة: _وه وه حصل كيف دي والعيال مبلغونيش بيه الحوار المقفل ده؟
وظل يتحدث مع المحامي ويعرف منه ما حدث بالتفصيل، ثم أغلق الهاتف وبدأ يدور في الغرفة بصدمة مما سمعه الآن، ثم اتصل بعمران وسرد عليه ما أبلغه به المحامي وهو يهدر به بحدة غاضبة: _هو أنا بقيت طرطور وعايش زي الأطرش في الزفة؟ إزاي يا واد؟ أنت ما تبلغنيش بحاجة حصلت زي دي؟ ابتلع عمران ريقه بصعوبة من اتصال أبيه ثم برر موقفه:
_يا أبوي اللي حصل مش هين، وهي اتمسكت متلبسة ومرضيتش أعكر عليكم رحلتكم انت وأمي علشان خاطر اللي عملته الملعونة دي. طلب منه سلطان أن يحكي له تفاصيل قتلها لتلك الدجالة، فعرف كل شيء وأغلق معه الهاتف وصار يدور في الغرفة باستنكار مما حدث منها، وزينب كان تقف مستمعة إلى كل شيء وداخلها مسرور بشدة وتكاد تطير من فرحتها. واقتربت منها وحاوطته من كتفه وهي تردد بسعادة:
_ما تزعلش نفسك يا أخوي، كلبة وغارت في ستين داهية، كلم المحامي يطلقها ويبعت لها ورقة طلاقها على المحكمة ونخلص منها المجرمة قاتلة القتلة دي.
وبالفعل استمع إلى كلامها وهاتف المحامي مرة أخرى وطلب منه أن يمشي في إجراءات الطلاق من تلك الوجد، ثم أغلق معه الهاتف وجلس يؤنب حاله على زواجه منها، وأنه استمع نصيحة صديقه يوماً من الأيام، والتي كانت ستهدر بحياته وستفقده أغلى الأشخاص على قلبه، وانتهى عهد الوجد وسلطان وعادت زينب إلى سلطان بكل رضاها، فهي تعشقه ولن تخسر بيتها طالما بقيت المتربعة على عرش السلطان.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!