الفصل 21 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الحادي والعشرون 21 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
23
كلمة
8,155
وقت القراءة
41 د
التقدم في الرواية 28%
حجم الخط: 18

انحصرت أنفاسها ولم تعد تقوى على التنفس في قربه. يا الله، كم من المشاعر المتضاربة التي تطرق على أبواب قلبها كالطبول تطالبه بالمزيد. كم أنت بارع حقًا أيها الآدم في أن تجعل كلي يثور داخلي. رأت نظراته المترجية ويداه الممدودة لها وكأنه مسكين في الغرام يترجى النظرة كي يجبر قلبه الجائع لها. ثم همست بدون تفكير: "ارفع النقاب يا آدم، مش من حقي أمنعك دلوقت."

ابتلع ريقه وأخرج تنهيدة حارة تنم عن مدى غرامه بها. فلقد أذنت له حبيبته أخيرًا بفك الحصار كي يراها. كم كان ذاك الشعور مرهقًا لقلبيهما، فهو عاشق ولأول مرة يرى وجه من عشقها. ثم اقترب منها وكادت المسافات أن تكون معدومة بينهما. أحس بسخونة أنفاسها من تحت نقابها تدل على اضطرابها. سمع صوت نبضات قلبها وهي أمامه واخترقت خلايا جسده. رفع نقابها في موقف حبس أنفاس لكليهما.

وأخيرًا، أزاح الستار عن معشوقة القلب والروح. ودقات قلبه ونظرات عيناه تنظر لها بانبهار وقلب خفقان لصاحبة العيون الزرقاء.

"يا الله، أقسم برب السماء الذي خلقكِ وسواكِ أنكِ ملكتي الفؤاد وأنرتِ الظلام بطلتكِ ملاكي. اهدأ أيها الآدم، اهدأ قلبي، اهدئي أيتها النفس الضائعة الهائمة في بهاها. فلقد طُلّت عليكِ الشمس والقمر والنجوم في لحظة وضحاها. أخبروها بأنها الأمس واليوم والغد والكل، وهي النفس ومُناها. أخبروها بأن تترأف بحال مسكين عاشق ذاب، فماذا بعد؟ ماذا عساها؟

تسمّرت عيناه على كتلة الجمال الطبيعي الذي يأسر النفس ويجعلها تذوب غرامًا. كم رآها في مخيلته كثيرًا بألف وجه، ولكن الآن أجزم أنه لم يتخيل طلتها الخاطفة لأنفاسه، وأن وجهها لم يكن من بين الألف الجميلات اللائي رسمهن خياله.

أما هي، فألقت نظراتها أرضًا من شدة خجلها بسبب نظراته الهائمة بها. نعم، لقد فهمت معنى نظراته وتسربت داخلها وجعلت ذاك الساكن الذي لم يتحرك أبدًا يتحرك الآن بنبضات متتالية لم تنفض عنها ولن تصمت عن دقاتها بعد. وأخيرًا، بعد حبس تلك الأنفاس لكليهما، رفع وجهها وأجبر عيناها كي تسكن عيناه. ثم همس بعشق: "حرام عليكي يا شيخة، حرام عليكي بجد، إيه اللي بتعمليه فيا ده! اتسعت مقلتاها بذهول من كلامه وسألته عيناها: ماذا بك؟

فهي من شدة خجلها لم تقوَ على التفوه. فأكمل هو تلك اللحظة بتلك الأغنية الذي ألقاها لها بصوته الملائكي. وللعجب، أنها لأول مرة تسمعه بدون موسيقى، فقد سحرها بجمال صوته وسحبها لعالمه أكثر وأكثر. أما هو، فغنى لها: "عيونك شايفها وحاسس إن أنا عارفها سيبيني براحتي أوصفها مكسوفة ليه كإنك معايا بقى لك عمر ويايا بنفس الصورة جوايا من قد إيه سنين شايفك في أحلامي بنادي عليك ضميني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني

وحشتيني، وحشتيني سنين بعدك على عيني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني وحشتيني، وحشتيني سنين بعدك على عيني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني يا أجمل هدية بعتها القدر ليّ يا قمري في عز لياليا أوصف لك إيه والله والدنيا بقت في عينيّ حاجة ثانية هواك قابلته وفي ثانية جريت عليه سنين شايفك في أحلامي بنادي عليك ضميني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني وحشتيني، وحشتيني سنين بعدك على عيني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني

وحشتيني، وحشتيني سنين بعدك على عيني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني بحبك هقولها يا ريت قبل ما أكملها تعالي في حضني ونقولها إحنا الاثنين وحشتيني، وحشتيني سنين بعدك على عيني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني وحشتيني، وحشتيني سنين بعدك على عيني ليالي كنت مش عايش ومستنيكي تحييني وحشتيني وحشتيني."

وفور أن انتهى من أغنيته لها التي دلت على مدى وحشته لها، وعلى حين غرة، جذبها إلى أحضانه قبل أن تفيق من حالة التيهة التي اعترتها في همسه ولمسه. تشبث بأحضانها كالغريق الذي وجد قارب نجاته بين يديها. قرر الإبحار في عالمها الخاص. ظل في أحضانها يتنعم بقربها، يشتم رائحتها.

أما هي، فكانت متخبطة. مشاعرها البدائية لأول حضن في حياتها لحبيبها وزوجها، حتى ولو كانت إجباريًا. فعن جضرة المحبوب تندثر قوانين الكبرياء والكرامة. ففي حضرة المحبوب تفوز لحظات العشق وتركل أبواب القلوب بمهارة حتى تستقر داخل شباك الحبيب، ووقتها حتمًا ستسطر النهاية. قد فاز الحب على الكبرياء، وماتت الكرامة وليس لها عزاء. فهي الآن أعصابها مخدرة، مهلكة، متيمة ليس لها دواء غير أحضانه.

ثم أخرجها من أحضانه واقترب منها ليزيح خصلة شاردة فوق عينيها، يتلمس وجنتها نزولًا إلى فكها، ثم صعد إلى شفتيها يتلمس كل منهما بإبهامه: "طلعتي جميلة حد الفتنة، طلعتي أحسن من أي أغنية غنيتها، طلعتي مبهرة." ثم أمسك يدها ليضع كفها على صدره وأردف: "شوفي دقات قلبي في قربك عاملة إزاي، شوفي لو بعدت عنك وده إن قدرت، قلبي هيعمل فيا إيه. حياتي من غيرك ضياع."

واسترسل حديثه وهو يمرر عيناه على وجهها ككل، يحفظه داخله. مرة داخل عينيها، وأخرى شفتيها، وأخرى وجنتيها. وأخيرًا، قرر أن يكشف عن باقي المكنون وهي مازالت في تيهتها.

وفجأة، وبحركة خفيفة، خلع عنها حجابها وانسدلت الأمواج السوداء الكاحلة على ظهرها، مما جعله ينظر إليها بانبهار وهو يبتلع أنفاسه بصعوبة. أما هي، فنظرت بعيدًا عن عينيه تحاول كبت مشاعرها كي تصد هجومه الضاري على قلبها المسكين. لكنها لم تقدر أن تستعيد قواها وأخفت كل مشاعرها التي تملكت منها لمساته وهمساته بكل ضعف منها.

ثم نظرت له بعيون تخفي ضعفًا يستكين بداخلها، وقلب يخفق ألمًا وعشقًا معًا. ترتجف من لمساته التي تجعلها تود أن ترمي على صدره ويدفئها بحرارته المنبعثة من توهج عشقه لها. لكن كبرياءها كان يصرخ بداخلها يحثها بأن تصم أذنيها عن كلماته ورجائه وأن لا تتأثر حتى بأسبابه. ولكن تفوهت بكلمة واحدة وهي تبعد يداه برفق عنها: "آدم أرجوك ابعد ومتستغلش ضعفي في قربك أكتر من كده. كفاية على كده النهاردة."

لم يقدر على الابتعاد عنها. وأزاح قميصه من على صدره ليشير إلى موضع قلبه الموشوم أعلاه وأكمل: "بقى يرضيكي بعد الجري وراكي ده كله وقلبي ده اللي اتعذب في جفاكي ونفورك منه الشهور دي كلها وتيجي لحظة قربك وتقولي لي أبعد! ثم ابتسم بهدوء وأمسك كفها وطبع بداخله قبلة لثوانٍ، ولكن أذابتها من حرارتها المنبعثة من شفتيه. ثم نظر إليها وأكمل:

"لأ، يا عمري مش هيحصل ولو عملتي إيه بالذي أو قلتي إيه بالذي مش هبعد. هو معقولة أبقى في الجنة اللي دخلتها دلوقتي على إيديكي هسيبك وأبعد! متحلميش يا مكة ومش هيحصل أبدًا."

استجمعت شتاتها المفرق في قربه ثم نظرت جانبًا وجذبت حجابها كي تغطي رأسها. ولكنه لحقها وأخذ منها الحجاب ورماه بعيدًا عنها. ثم اقترب منها وجذب خصلات شعرها بين يديه برفق، ثم قربه من أنفه واستنشقه بهيام كأنه عبير من الجنة بين يديه. ثم لف خصلاته على إحدى يديه ودفن الأخرى بين شعرها حتى وصل إلى رقبتها. ثم اقترب على وجهها وأسند جبهته بجبهتها وتحدث وهو ينظر داخل عينيها ويتنفس أنفاسها مرددًا برفض قاطع وهو يغمز لها بطريقة

أذابتها أكثر من ذلك: "هو إنتي مش تعرفي ربنا كويس؟ وربنا بيقول لك مينفعش تداري زينتك على جوزك. حجاب إيه بقى اللي تلبسيه وانتي قاعدة مع جوزك حبيبك؟ مكة، لازم تفهمي كويس إن إني بقيت جوزك يعني من حقي أشوفك في أي وقت وأكلمك في أي وقت، ونحب في بعض في أي وقت، وأطلب منك تدلعيني فتدلعيني، وأطلب منك نتكلم مع بعض ونسهر لحد الصبح فتسهري معايا، وأقول لك: يالا نخرج نشم هوا فتخرجي معايا. وإلا هتشيلي ذنب والملايكة هتلعنك."

اتسعت مقلتاها بذهول من ذاك المجنون في وجهة نظرها. ثم استجمعت قواها أخيرًا واقتربت يداها من صدره تبعده عنها. ولكنه تمسك بيدها وحاولت الإفلات من قبضته. لكنها لم تستطع فتحدثت باستنكار: "هو إنت بتاخد بالك من كلام ربنا في حاجات وحاجات له! إنت عجيب قوي يا شيخ، مش واخد بالك بردو إننا مش مكتوب كتابنا طبيعي زي أي اتنين وإني اتغصبت على وجودك في حياتي." وضع إبهامه على شفاها كي يمنعها أن تكمل ثم نهاها عن الحديث:

"متحاوليش تنكدي عليا وتخلي هرمونات النكد اللي بتبقى جوة كل ست تطلع دلوقتي ودلوقتي بالذات علشان مش هديكي الفرصة يا مكة. ومهما كان كلامك واعتراضك في النهاية إنتي مراتي ومن حقي عليكي الطاعة، يا إما هشتكيكي لربنا وانتي بتخافيه أوي، فبلاش نمشي مع بعض بمبدأ الملاوعة ده." نفخت بضيق من حصاره ثم سألته بغيظ وهي تأكل شفتيها وتلك حركتها المعتادة عند الاضطراب الشديد لديها: "وه يعني إنت عايز إيه دلوقت يا ابن الناس؟

إني تعبت ومبقتش قادرة أتحمل لعب الأعصاب دي واصل." أعجبه نبرتها الطفولية وحركاتها التي تفتعلها بوجهها، فكل حركاتها جديدة عليه كليًا، فأول مرة يراها. ثم احتضن وجنتيها مرددًا بنفس لكنتها: "عايزك في حضني وجار قلبي يا بت الصعيد إنتي، عايزك تبقي ليا وعايز حضنك ميفارقش حضني واصل وبس أكده." ثم استرسل حديثه وهو يغمز لها بكلتا عينيه بدعابة: "إيه رأيك فيا وإني بتحدث وياكي صعيدي؟ مش لايق عليّ بردو ولا إيه يا قمرة إنتي؟

نفخت بضيق ثم أدارت وجهها المحكم بيداه بعيدًا عنه. وظل يشاغبها كثيرًا وكثيرًا، فتلك لحظته المنتظرة. فوجدها تجيبه: "طبعًا ما أنت ممثل تعرف تتغير وتتلون بميت لون في لحظة. يعني لو عايز تحب وتدوب اللي قدامك هتعرف تعملها. لو عايز تبكي وتبكي اللي قدامك بردك هتعرف تمثلها." حرك وجهها مرة أخرى بحدة خفيفة آلمتها وجعلتها تنهره: "يدك تقيلة وجعتني." حرك حاجبه بعبس: "سلامتك من الوجع يا قلبي، بس إنتي ضايقتيني بكلامك."

لاحظ تعجبها فأكمل هو: "أيون، يعني إني بمثل عليكي الحب مثلاً! طيب بذمتك يا مكة واحد في مكانتي الفنية هيستحمل منك اللي استحمله ده كله ليه! علشان بس يقضي معاكي لحظة صفا وبعدها يفر، ولا علشان يخطف قلبك ويسيبك ويغدر." وتابع حديثه وتبدلت نظراته من ملامة لها إلى عاشقة وبنبرة متيمة اعترف لها: "لأ، يا حبيبتي ده علشان أنا بحبك. عارفة يعني إيه بحبك؟

يعني إيه قلبي وكلي عايزك ومش عايز غيرك. يعني مهما يحصل مش هبعد يا مكة، مش هبعد." أخذت نفسًا عميقًا ثم زفرته بهدوء وتابعت باستفسار: "طيب انت نسيت مشكلتنا وسرحت في عالم تاني خالص، هنعمل إيه فيها؟ استوعب سؤالها واردف بنبرة عاشقة متجنبًا خوفها: "طيب هو في أحلى ولا أجمل من العالم اللي أنا سرحت فيه؟

قدامي مراتي حبيبتي اللي سحلتني وراها ومرمطت اللي خلفوني لحد لما وصلت للحظة دي. ولولا إن ربنا ما رضاش لعبده المرمطة أكتر من كده وعارف إنه كفاية عليه كده وهونها عليه، كان زماني لسه بعد النجوم وبسهر الليل على ضوء عيونك اللي بلون السما يا حبيبي." اتسعت مقلتاها بذهول من حديث ذاك الآدم وحتمًا سيجعلها تطبق في رقبته الآن من طريقته. ثم هدرت به: "يا ربي، أووووووف، هتجنني معاك والله وإني منقصاش جنان." ابتسم بمشاغبة ثم أردف:

"الله شفتك النهاردة بجميع حالاتك وكلهم في وقت واحد، بذمتك أنا مش متمكن بردو؟ قال كلمتها الأخيرة وهو يغمز لها بطريقة جعلتها تبتسم ثم أكمل: "أيون كدة يا شيخة اضحكي خلي الشمس تطلع والدنيا تنور، خلي القلب يدفى بعد البرد اللي عشّش جواه." تنهدت بتعب ثم طلبت منه: "طيب ممكن نشوف المشكلة ونحلها الأول وبعدين نشوف جنانك ده وهنشوف هنكمل مع بعض في الجواز ده ولا…." لم يتركها تكمل ووضع يداه مرة أخرى على شفاها ناهراً إياها:

"متكمليش يا مكة مش هسيبك ورب الكون ماهسيبك." ثم جذب وجهها إليه وأنهال على شفتيها بعشق ووله مصاحبان لقليل من العنف في قبلته بسبب تهديدها له بالابتعاد. فلم يشعر بحاله وهو يقبلها بذلك العنف الذي آلمها. يعلو بداخلها أصوات صراع صاخبة بين قلبها وكبريائها. فقامت بدفعه في صدره وهي تلتقط أنفاسها. انحنت نحو الأرض وألتقطت بعنق زجاجة حطمتها على الفور ووضعتها عند العرق النابض في عنقها وصاحت بتهديد بعدما فاض بها:

"والله لو عملت كده تاني لاهموت نفسي وأريحها وأريحك مني وأريح الدنيا كلها. ثم استرسلت ودموعها لمعت داخل عينيها: يا أخي اديني فرصة استوعبك، اديني فرصة أتقبل ظروفك وأشوف هتعامل وياها إزاي." اتسعت عيناه خوفًا فأشار إليها بكفيه وقال: "خلاص خلاص نزلي الإزازة دي وأنا والله ماهعمل كده تاني، بس أرجوكي اهدي وصدقيني أنا مش بحلف كذب." رمت عنق الزجاجة المحطمة على المنضدة ثم لامها: "بقى كده يا مكة والله حرام عليكي بجد."

لم ترد عليه ولكن لاحظ نظراتها للزجاجة مرة أخرى وكأنها تهدده. ثم نفخ بضيق من أفعالها المتهورة. ولكن حاول تهدئة حالها ثم أمسك حجابها ويليه نقابها قائلاً: "اتفضلي البسي الحجاب ولمي شعرك كويس جدًا والبسي النقاب وخلي أعصابك هادية علشان هنطلع البث المباشر. واعملي حسابك بردو هتمسكي في إيدي طول البث علشان متتهوريش قدام الكاميرا."

ثم أدلى عليها تعليماته وما سيقولاه في البث وأطاعته بكل شيء. وبالفعل، بعد دقائق بدأ البث وذكر فيه كل ما قالته له أخته بالتفصيل وبدأت المباركات تنهال عليهم بالآلاف. وفي نهاية البث نظر إليها وأمام العالم أجمع وهو ينظر داخل عينيها:

"وفي النهاية أحب أقول لمكة قدام العالم كله إني مش بس بحبها علشان مكتوب كتابنا، لأ. أنا بحبها علشان هي أعظم انتصاراتي. هي كل حاجة حلوة حصلت لي في حياتي، وبوعدها قدامكم كلكم إني عمرها ماهسيبها ولا هقدر أستغنى عنها. ومن دلوقتي بعزمكم على فرحي منها بعد أسبوع يا أجمل جمهور وعيلتي التانية."

ثم أنهى البث بعد أن ودع متابعيه. فدَلَفَت هند ومها وسكون وعمران وماجدة فرحين بأن الغمة انزاحت. فجذبوها إلى أحضانهم وأنهالوا بالمباركات عليهم. وهي بعد كل ذلك تشعر بالتخبط وعدم الارتياح، ولكن ستترك أمرها بيد الله يدبره كيفما شاء وليس أحن على قلوب العباد من خالقه. ***

في نفس اليوم وبالتحديد في الساعة السادسة مساء، في مكتب ماهر الريان، جالسًا وهو شارد الفكر يتذكر اليوم المشؤوم الذي مر في حياته. فهو من الأساس لن ينساه. عاد بذاكرته إلى عشر سنوات من الآن وهو يتذكر تلك الليلة المريرة التي فقد فيها ابنته وهي ولدت للتو وأخذها بين أحضانه ولم تلبث عشر دقائق حتى فارقت روحها الحياة قبل أن تبدأ. وظل يردد داخله بحزن دفين:

"لم يؤلمني التقدم بالعمر لأنه محتم، بقدر ما ألمتني أمنيات شابت بداخلي. لقد شاخ قلبي قبل عمري. نمضي في الحياة ولا نعرف أين نحن ذاهبون؟ نهرب من أشياء لا نعرف لما تطاردنا؟ نقوم بكل الأشياء المفروضة علينا إلا تلك التي نرغبها وبشدة. نتكلم كثيرًا إلا الكلام الذي نود قوله نحبسه بداخلنا!

تائهون في حكايات مضت، وأخرى نعيشها، مشتتون بين أمنيات نرغب بها، وأخرى تاهت منا دون أن ندركها. معتادون على كل شيء حدث ويحدث معنا، مقبلون على الحياة دون أنفسنا. وبعد.. إلى الأيام القادمة مري علينا بسلام، فقلوبنا جدًا متعبة ومرهقة، أرهقتها الحظوظ وأتعبتها تراكمات الأيام." **فلاش باك** فرح وهي تتوجع بشدة: "الحقني يا ماهرررر بمووووو. ت آااااااااه."

شعر بالذعر لحالتها ثم نقلها على الفور إلى المشفى. وما إن رأوا حالتها حتى أدخلوها فورًا إلى غرفة العمليات وألحوا عليه أن يدلف معها. ولبس الملابس الخاصة بالعمليات ودلف معها وهو ممسكًا بيديها، ينظر إليها بهلع وهو مرعوب من فقدانها. بعد ساعة كاملة من وجودهما في غرفة العمليات، فقد كانت حالتها صعبة للغاية. فهي قد تناولت عقارًا مخدرًا يؤدي إلى الوفاة، فلم يتحمله جنينها. ولكن سطر القدر كلمته وفارقت روحها الحياة وعادت إلى بارئها وهي مخطئة في أمانة روحها التي أهدرت فيها ونسيت أنها

أمانة ونسيت قوله تعالى: "ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة وأحسنوا إن الله يحب المحسنين."

أدمعت عيناه على فراقها رغم رحلة عذابه معها. أمسك ابنته التي ولدت للتو في أحضانه، يشتم رائحتها، يتلمسها برفق وحنان. يكبر في أذنها ومع انتهاء آخر تكبيراته فارقت روحها هي الأخرى الحياة. فلم تتحمل المخدر السام التي تجرعته والدتها. لاحظ شحوب وجهها فعلم أن قطارها وصل محطته الأخيرة قبل أن تنتهي أصوات صافرة تحركه. حضنها بين أحشائه بعمق ورهبة من فقدانها مرددًا بوجع من يراه تذرف عيناه دموعًا كالأنهار. فقد فارق

الرضيع وضاع قبل أن يتنفس: "آااااااااااااه، لااااااااااااااا، بنتااااااااااااي." ظل يصرخ بلا جدوى ولا فائدة على ضناه التي ماتت بين يديه قبل أن يجبر قلبه وتقر عيناه بها. حلم السنين أن يكون أبًا لأنه عاش ابنًا وحيدًا رحل قبل أن يتعمق ذاك الحلم ويبتسم له. وكان ذلك نبض الوجع الأول الذي ناله ماهر من الغرام، ولكنه الوجع الأكبر والقاسم للظهر. **عودة من الباك**

دَلَفَت رحمة إليه بملف القضية التي سهرت عليه، فقد وكلها بتلك القضية أن تفهم مغزاها وتأتي له بالحل الجذري بها. وحقًا كانت صعبة. نادت عليه كثيرًا وكثيرًا ولكنه كان شاردًا مغمض العينين. وفاق أخيرًا من شروده وفتح عينيه اللامعتين بالدموع. وفور أن رأته بتلك الحالة، تخبط القابع بين أضلعها هلعًا على معشوق الروح ومعذبها. اقتربت منه بلا هوادة وسألته بخوف: "مالك يا ماهر وشك مقلوب أكده ليه! في حاجة حصلت لاسمح الله؟

بعينين قاتمتين وغضب عارم على صوته: "إنتي إزاي تدخلي المكتب من غير ما أديكي الإذن يا بني آدمة إنتي؟ تراجعت بضع خطوات للخلف وهي تنظر له بصدمة من طريقته الفظة معها. ولكن ليس هذا ما يزعجها، فهي أصبحت تحفظه عن ظهر قلب. فهي اقتحمت عزلته وهو في أشد حالات ضعفه ورأت عينيه اللامعتين بالدموع. إياكم أن تستحقروا دموع الرجال، فدموع الرجال لا تسقط إلا عندما تكون فاقت الهموم فاقت قمم الجبال.

الرجل لا يبكي إلا لسببين: الأول حين يفقد أحد والديه، والثاني حين يعشق امرأة حد الجنون ولا تكون من نصيبه. ويبكي الرجال لفراق الوطن، وغياب الأحبة. يبكي الرجال عند ما يسقط كبرياؤه وعزته وتغلق الدنيا أبوابها عليه. يبكي الرجال عندما يكون كرمه أخضر. كان الجميع معه، وعندما يبس الكرم تفرق الجميع وتركوه بمصائبه. يبكي الرجال ولكن في العتمات وتحت الأمطار وعلى الوسائد. لكن دموع الرجال لا تخرج من العين على الخد فيراها الجميع، بل تخرج من القلب وعلى القلب فتظهر التنهدات والنظرات وتجاعيد الوجه، بياض الشعر ورجفة اليدين. هكذا يبكي الرجال.

ثم اصطنعت الزعل وتحدثت وهي تعطيه ظهرها تنتوي الخروج: "تمام." قام من مكانه بحدة وهو يركل الكرسي بقدمه مما جعله طار ناحية الحائط وأصدر ضجيجًا أرعبها جعلها تدير وجهها له ورأت علامات الغضب لا تبشر بالخير على وجهه. وفجأة اقترب منها وفاجأها بمسكه له من ذراعها لأول مرة يهزها بعنف وهو يهذي بكلماته الغاضبة وكأنها بفعلته تلك وضعت البنزين على النار مما جعل غضبه سريع الاشتعال: "هو بمزاجك الدخول والخروج!

ولا أنتم مفكرين إنكم هتمشوا الكون على كيفكم." علمت أنه الآن كان داخل قوقعة الماضي الأليم الخاص به وأنه ليس في عقله. وحتمًا وجب عليها مجاراته كي تجعله يستفيق. فهي قررت أن تجعله يخرج ما في صدره ويكبس على أنفاسه ولن يكن ذلك إلا باستفزازه: "آه طبعًا بمزاجي وعلى كيفي، أنا حرة يا ماهر وانت مليكش حكم عليا ولا صالح بيا."

هزها بعنف أكثر من ذي قبل فقد أشعلت الفتيل وأوقدت الحريق بداخله فلتتحمل ماذا يحدث لها الآن. ثم ذهب ناحية الباب وأحكم إغلاقه مما جعل ناقوس الخطر يدق على ناقوس جسدها وصارت لا تقوى على الحراك من هيئته الغاضبة. ولوهلة شعرت بحماقتها. ثم عاد إليها ينظر إلى جسدها كالأسد الجائع وما إن رأى فريسته حتى انقض عليها. أمسكها من ذراعها متحدثًا بفحيح ولأول مرة ترى تلك النظرة: "مين قال إنه بمزاجك يا بت امبارح!

مش قبل ما تدخلي عش الدبور تشوفي الأول هتعرفي تتحملي قرصته ولا له؟ لم تشعره بالخوف ولو لبرهة واحدة، فهي رحمة المهدي ولم تعهد ذاك الخوف. وردت عليه بقوة: "مين قال لك إن إني مهتحملش؟ لأ، يبقى إنت متعرفنيش. لا دبابير بخاف من قرصها ولا تعالب بخاف من مكرها ولا أسود بخاف من زئيرها الواهي اللي اعتادوا عليه عشان يخوفوا اللي قدامهم."

أنهت كلامها ثم ضغطت بحذائها ذي الكعب الحديدي على مشط قدميه بقوة غليظة لا تناسب جسدها الضئيل مما جعله يفلت يديه من حركتها المفاجئة وتوجع قدميه. ولكن لم يتأوه كي لا يشعرها بضعفه وهي تردد من بين أسنانها بحدة: "خليك بطل وجنتل وواجه من غير فرد عضلاتك على واحدة ست يا متر." لم يلقِ بالاً لكلامها المستفز ووضع يديه على صدرها وأزاحها ناحية الحائط قائلًا ببرود قاتل:

"خليكي على مبدأك يا سوبر هيرو واجمدي أكده علشان خاطر هوريكي الجحيم على الأرض دلوقت يا بت سلطان. وعلى نفس تثبيته لها في الحائط وقبضته كما هي جذب ريمود الشاشة وأشعلها على موسيقى عالية كي لا يسمعه من بالخارج. فتحدثت هي: إيه هطلع عقدك عليا دلوقت يا متر ولا إيه؟ ثم ضربته بقبضة يديها الصغيرة في صدره مرددة بعصبية: "فوق ياماهر ميلقش عليك الحاجات دي!

اطلع بقى من قوقعة الماضي الفارغة اللي عايش فيها بقالك سنين وهتضيع الباقي من عمرك." جز على أسنانه بغضب من طريقتها المستفزة لها: "إنتي مالك بالماضي ملكيش دعوة بيه. واسترسل حديثه الغاضب: وبعدين إنتي بقيتي تدخلي كتير في اللي ميخصكيش واللي مدتكيش الإذن تتكلمي فيه."

كانت تنظر إلى قبضتي يديه المحكمة بشدة عليها وداخلها يرتعب، ولكن نظرة عينيها تدل على الصرامة مما أوحى له أنها لا تهابه فيزداد العند أكثر من ذي قبل ويتوعد لها أكثر من ذي قبل. ثم تحدثت وهي تحاول إفاقته بطريقة أكثر برودًا: "هو إنت مفكر إنك بطريقتك دي هتخوفني منك مثلاً! أو المفروض إني أبوس إيدك وأقول لك: ابعد عني وسيبني أخرج! واسترسلت حديثها وهي تحرك رأسها بنفي:

"متخلقش لسه اللي يخوف رحمة سلطان المهدي ولا يهز لها شعرة ولا إنه يدخلها الجحيم غير رب العباد لو حكم عليها بكده."

استدعت شياطين الإنس والجن الآن بقوتها أمامه، فهو لا يحب المرأة القوية لأنه تذكره بتلك الفرح فقد كانت قوية لأبعد الحدود وهو كان ضعيفًا في محبته أمامها ومنذ أن ذاق منها الويلات وانهارت حياته على يديها وخسر نفسه من عنادها وكبريائها وتجبرها. عاهد نفسه منذ ذاك الوقت بأن لا يعرف الضعف طريقه أمام أي أنثى وتلك الرحمة أقوى من أي أنثى. نظراتها تحوي شراسة كنظرات الصقر الذي لا يهاب أحدًا مما جعل بداخله يتحداها. فااقترب منها وهو

مغيب وعقله قد رُفع عنه الآن ونزع حجابها من على رأسها بوحشية آلمتها وجعلتها لم تصدق أنه سيفعل بها ما لم يخطر على بال بشر. واقترب من شفاها وكاد أن يقبلها إلا أنها بأظافرها الطويلة غرستها في وجنته بقوة جعلته يتأوه بصوت عالٍ وسحب يديه كي يمسح دماؤه. فتحركت من مكانها صوب المكتب وعلى الفور أمسكت بمقلم الأظافر الذي أمامه

وصدرته في وجهه هادرة به: "لو قربت مني هقتلك وهقتل نفسي يا ماهر." اقترب منها ولم يهمه تهديدها وهو يصيح في وجهها: "اقتليني يمكن أستريح من عذابي والدنيا المرة اللي أنا عايش فيها. خلصيني من حياتي وريّحني من قلبي اللي خلاني أحبها قبلك وماتت بس قبل ما تموت كانت نهت على كل حاجة حلوة في حياتي." واسترسل وهو يبتعد عنها ويجلس على الكرسي بروح منهكة:

"مسبتلكيش حاجة حلوة تعيشيها معايا، مسبتلكيش غير الوجع والروح المرهقة اللي هتخلي حياتك معايا مملة ملهاش طعم ولا لون ولا ريحة." شعرت بآلامه ومدى قهره، ويا ويل الرجال حين يُقهروا. رغم ما فعله بها الآن إلا أنها تعلم أنه ليس على طبيعته ولم تهب منه أو تحزن منه، بل حزنت عليه وعلى ضيقه المهلك له. فجذبت حجابها وارتدته على رأسها وثبتته بإحكام ثم جلست أمامه ولم تبتعد عنه إلا مسافات قليلة وبدأت بتقويته:

"انت مليكش صالح بيا ومتربطش علاقتي بيك بعلاقتها اللي ماتت واندفنت ببعض. أنا حاجة وهي حاجة تانية خالص. يعني مثلاً هي كانت بتحب الضوضاء والسهر والشرب والشغب، أنا عكسها خالص أنا بحب الهدوء ومليش في السهر ولا حوارات الديسكو. أنا من طينتك يا ماهر صعيدية شكلك بالظبط، عاداتنا واحدة وتقاليدنا عارفينها وحافظينها. انت اخترت طريقك غلط من البداية وكملت فيه وعاندت التكافؤ الاجتماعي بالظبط ما تكون عملت الشاي بالملح. اهنه جسمك كله هيرفض الحاجة الغريبة دي. وعشان انت تعبت في عمله رفضت ترميه لحد ما قرفت وبطنك وجعتك وكرهت الشاي بسبب غلطك في الأول."

واسترسلت حديثها وهي تحثه على أن ينسى الماضي: "وبعدين مالك يا حضرة الأفوكاتو اللي دارس الشريعة والقانون، انت بتعترض على حكم الله في ابتلاؤه ليك. انسى يا ماهر ومتبقاش قانط من رحمة الله وتكتب من القانطين عندي." رفع رأسه ولأول مرة منذ عشر سنوات ينظر لأحدهم بذاك الضعف وهتف بوجع: "طب هي وهتتعوض بنتي اللي ملحقتش أسمع صوتها، اللي فارقت الحياة من قبل ما تبدأ، اللي ماتت بسببها أنساها كيف؟ ابتسمت له وأجابته:

"عمرها كده في الدنيا. وبعدين بص لها من الناحية الإيجابية، مش لو كانت جت الدنيا وشافت أمها بالشكل ده كانت هتبقى حياتها عاملة إزاي وكانت هتتربى في البيئة اللي انت مش راضي عنها دي إزاي؟ لو بصيت لها من ناحية الصح يا ماهر هتعرف إن ربنا كرمه كبير قوي علينا. وإن الحاجة اللي إحنا شايفينها صعبة ومستحيلة ومن حقنا نعيشها ونلمسها وسبحانه بياخدها مننا ظلم، لا، دي ظلم لنفسنا إحنا.

وبعدين: 'وعسى أن تحبوا شيئًا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون'. فوق من غفوة الماضي وعيش الحاضر وكفاية ألم سنين بحالها." وأكملت حديثها وهي تنظر له بعشق: "في ناس حواليك بتحبك وبتتمنى وجودك في حياتهم ومش عايزين من الدنيا غيرك يا ماهر."

قبل أن يرد عليها، صدح صوت الأذان عاليًا هز قلبه وجعله عاد إلى عقله المفقود. وقام من مكانه وأخفض صوت الموسيقى وردد وراء المؤذن ما يقوله بقلب خاشع مما أعاد الطمأنينة إلى قلب تلك الرحمة. وبعد الانتهاء ردد الدعاء المعروف عقب الأذان، فلسانه تلقائيًا معتادًا عليه لما له من فضل عظيم. يقول النبي ﷺ في الحديث الصحيح: "من

قال حين يسمع النداء: اللهم رب هذه الدعوة التامة، والصلاة القائمة، آتِ محمدًا الوسيلة والفضيلة، وابعثه مقامًا محمودًا الذي وعدته؛ حلت له شفاعتي يوم القيامة." ثم عاد إلى مكانه وجلس أمامه معتذرًا عن ما فعله بها وعن وحشيته معها: "أنا بعتذر لك عن اللي حصل، كنت خارج إرادتي ومعرفش عملت أكده إزاي وخصوصي إن الهمجية مش طبعي. وبعد أكده لما تلاقيني في الحالة دي همليني لحالي."

على نفس نظراتها المبتسمة تشبثت برأيها بوجودها جانبه كي تدخل السرور على قلبه وتشعرها بمدى أهميته عندها: "مش ههملك مهما يكون يا متر، انت بقيت قدري المتعب بس على قلبي زي العسل." أخذ نفسًا عميقًا ثم نبهها: "هتتعبي معايا قوي وانتي لساتك صغيرة على التعب وياي عاد يا بت الناس."

"مهما كان التعب ومهما كانت الأشواك هتحملها. إني عرفاني مبحسش بطعم الحاجة السهلة لازم أتعب وأعافر علشان لما تبقى ملكي أحس بطعمها الجميل ومفرطش فيها واصل." "يااااه أحلامك لسه خضار ملوّثتهاش المبيدات البشرية، علشان كده بحذرك اختاري لك طريق سهل ومتزرعيش في أرض بور مش هينوبك منها غير خراب زرعتك اللي أهلكتك وقت ومجهود." "متقلقش طالما العود خضار يبقى هيتحمل أي عاصفة تواجهه. الرك على الأصل يا متر."

"تمام يعني موافقة أجي أتقدم لك واللي فيه الخير يقدمه ربنا؟ إلى هنا وانقلبت نظراتها المبتسمة إلى وجع ثم ابتلعت ريقها وأجابته: "مش قبل ما أسمعها منك يا ماهر." ادعى عدم الفهم: "هي إيه دي اللي عايزة تسمعيها بالظبط؟ أردفت بحاجب مرفوع ونظرة غاضبة: "والله! إحنا هنلعبوا حاوريني يا كيكا ولا إيه! ولا إنت هتشغل دماغ خط المحاكم على رحمة يا متر، انت فاهم كويس أنا أقصد إيه."

لم يريد الخوض في تلك الأحاديث أكثر من ذلك وتهرب من حصارها متسائلاً إياها دون أن ينظر إليها: "قولي لي عملتي إيه في القضية اللي كلفتك بيها، عرفتي توصلي لحاجة تدل إن ده مش السارق وإنه بريء؟ فهمت من تهربه أنه ما زال يكابر ففضلت الهروب معه أيضًا، فتلك اللحظة ليست مناسبة لذاك الاعتراف: "تمام، لسه موصلتش لنتيجة بس قربت وأوعدك هبهرك."

ثم قامت من مكانها قاصدة الحمام الموجود في الغرفة وجلبت علبة الإسعافات ووضعتها أمامه قائلة بمداعبة وهي تشير إلى جرح وجهه: "اتفضل يا متر داوِ وشك لأن شكل حد رسم لك خريطة مصر عليه." رفع حاجبه باستنكار وأمسك المرآة ورأى وجهه وانصعق من مظهره وكاد أن يلقي بغضبه عليها. وجدها اختفت من أمامه خوفًا على نفسها من رد فعله. فابتسم أخيرًا على أفعال تلك الصغيرة وبدأ بمداواة جرحه. ***

في منزل سلطان، عاد عمران وسكون وجدا البيت هادئًا وساكنًا. فرحمة لم تأتِ من المكتب بعد. كادت سكون أن تدلف إلى غرفة زينب للاطمئنان عليها إلا أن عمران منعها: "له متقلقيهاش سبيها نايمة، أنا مابصدق إنها تبطل سهر وفكر وتنام وتريح أعصابها شوية."

هزت رأسها بتفهم ثم صعدت بجانبه. ولكنه نظر حوله يتفحص ما إذا كانت تلك الحية موجودة أم لا، ولكنه لم يراها ولم يسمع لها صوتًا وسيارة والده لم تكن في الخارج فاستشف عدم وجودهما. وعندما صعدا إلى الطابق الثاني، فجأة حملها بين ذراعيه مما جعلها تتأوه من فجأته وهي تحرك قدميها في الهواء باستنكار: "اااه، في إيه، إيه اللي جرى لك بس! "نزلني يا عمران لاحسن حد يشوفنا ومنظري يبقى وحش." غمز لها بشقاوة ثم قبلها من وجنتها قائلاً:

"عبد الباسط حمودة بيقول إيه؟ بيقول: 'الجو هادي خالص والدنيا هص هص وأنا وانت يا حبيبي ونجوم الليل وبس'." ضحكت بشدة على مراهقته ومشاغبته وطريقته وعضت شفتيها السفلى بخجل: "وه! إنت عايز إيه بالظبط وناوي على إيه؟ نظر إليها باشتهاء: "ناوي على كل خير بإذن الله، بس إنت روّق معايا أكده يا بطل." شهقت بذهول من طريقته: "لأ، معقولة عمران الرزين بيقول الكلام ده، والله ما مصدقة حالي!

أدخلها شقته وأنزلها أرضًا وجذبها من خصرها قائلاً: "عمران يقول للفرسة بتاعته كيف ما هو عايز، ويدلعها وينسيها اسمها كماني." ثم ألصقها بأحضانه وداعب وجنتها مكملاً: "هو إنت مش عايز تدلع يا بطل ولا إيه؟ تململت بين يديه تحاول الفكاك: "إني تعبانة يا عمران ونفسيتي النهاردة خلت مودي مش تمام. ممكن أدخل أنام دلوقت وبعدين نشوف حوار الجو الهادي دي بعدين." ضربها بخفة على كتفها ناهراً إياها:

"ده نجوم السما أقرب لك من إني أفوتك النهاردة. أنا صاحب مزاج وعليكي وعد ولازم تنفذيه وحوار الخلعان دي سبيكي مني علشان ما هيجيبش فايدة مع عمران يا عيون عمران." قطبت جبينها بعبس وابتعدت عنه: "وعد! وعد إيه دي إن شاء الله يا سي عمران." جذبها إليه عنوة فارتطمت بعظام صدره القوية:

"اااه، ده إنتي بتنسي بقى يا دكتورة، تمام أفكرك لما كنتي بتستنجدي بيا عند ماجدة إني أبعد عنيكي وساعتها وعدتيني إنك لما نيجي بيتنا هتعيشيني ليلة ولا ليالي ألف ليلة وليلة، صح ولا إني غلطان؟ التوت ثغرها باستنكار وادعت عدم الفهم: "إني مفكرش الكلام ده، بعد بقى يا عمران وبلاش شغل عيال صغيرة إني هموت وأنام من التعب." عقد حاجبيه بعدم تصديق ثم قال ساخرًا من طريقتها: "بعد بقى يا عمران!

طب واللي خلق الخلق يا دكتورة لاهترقصي الليلة لعمران والتعب دي هتشوفيه على حق، ومن الآخر انسي." لوت فمها وتحدثت بنبرة ساخطة: "أرقص! إني مبعرفش أرقص بذمتك شفت دكتورة كان كل حياتها كتب ومذاكرة ومراجعات بيعرفوا يرقصوا؟ ضم حاجبيه وعبس وجهه وسأل مستفسرًا بدهشة ظهرت على معالم وجهه: "ياراجل! طب قولي كلام غير ده، ده عيوني دول شافوكي وانتي بتميلي كيف الفراشة يمين وشمال يوم حنتك يا دكتورة.

ثم مط شفتيه بامتعاض: إنتي معرفتيش إن الكذب حرام وأكده هتدخلي النار! أفلتت يداها من يديه بخفة ثم جرت من أمامه ودخلت غرفة الأطفال وكادت أن تغلق الباب عليها إلا أنه لحقها وأمسكها من رقبتها قائلاً وهو يأخذ أنفاسه بصعوبة من أثر لحاقه بها: "آه، إحنا فينا من أكده، طب وعهد الله يا سكون ماهتنامي الليلة والسهرة هتبقى صباحي."

زاغت أعينها من أمره وصارت تعترض بدلال ولكنه لا يبالي لاعتراضها ولو لحظة. ثم جذبها من يدها ناحية حجرة النوم ووقفا أمام خزانة الملابس وانتقى ثوبًا خصيصًا لتلك الوصلة وهو ينظر له بانبهار: "يالا يا حلوة خدي دي البسيه وتعالي أوفي بوعدك، أنا عايز أشوف راقصات شارع الهرم اللي بيتحدثوا عنهم وعن رقصهم النهاردة كلياتهم فيكي، يالا يا سكوني." دبت بقدميها أرضًا من تحكماته ثم تمتمت باعتراض:

"وه يا عمران هو إنت متجوزني من كباريه ولا إيه، والله حرام وميرضيش ربنا اللي هتخليني أعمله ده! وبعدين إنت مراعيش تعبي ولا إيه." خلع قميصه وأصبح عاري الصدر وجلس على الأريكة آمرًا إياها: "إن مكانش دي اللي يرضي ربنا إيه اللي يرضيه! وبعدين يا دكتورة في حد يطول الدلع وميتدلعش والله إنتي بترفسي النعم. ثم أشار إليها ناهيًا

ذاك النقاش: يالا يا سكوني متضيعيش الفرص وورينا جمالك الفتاك اللي وقع قلب عمران وانتي بتتمايلي كيف الفراشة." دبت بقدميها أرضًا وبدأت بتنفيذ ما يريد. ارتدت ذاك القميص الذي اختاره لها، واختار المزمار البلدي كي ترقص عليه فهو عاشق له. وبدأت تتمايل بخفة على أنغام الموسيقى وعيناه تتآكلها بأفعالها المثيرة له ولقلبه. وأثناء رقصتها تمايلت عليه فجذبها بوله هامسًا جانب أذنها:

"ده إنتي طلعتي مهلكة يا شبر وأقطع، على النعمة بطل الأبطال يا دكتورة. ها يا دكتورة." ثم أكمل همسه: "كنتي بتتعلمي الحركات اللولبية دي في الكلية يا أم كتب وطب وما بعرفش أرقص، ده إنتي حركاتك وقعت قلب عمر بين إيديكي." همست هي الأخرى برقة جعلته هائمًا في سماء عشقها متلهفًا أن يلتهم شفتيه بين شفاها ويسقيها شهده ألوانًا وألوان: "ياه يا عمران ده إنت أمك داعية لك في ليلة قدر إن ربنا يرزقك بالحلى كلياتهم."

ثم أكمل وهو يحتضن وجنتيها بين يديه ويتنفس أنفاسها وعيناه تلتهما بعشق: "تعالى يا بت قلبي، ده إنتي ليكي في قلب عمران اللي ما يكونش لغيرك من ستات الكون كلياتهم."

ثم سحبها لعالمهم الخاص، عالم سكون وعمران بالتحديد، غير أي عالم لم نسمع عنه منذ قديم الزمان، عالم شهريار وأميرته شهرزاد، عالم الألف ليلة وليلة. يحاكيها فيها من غرامه ما يليق بها وهي تنسحب معه رويدًا رويدًا وتبحر بمهارة فهي امرأة عاشقة حد النخاع. وبعد قليل فاقا كليهما على صوت سلطان يهز أرجاء المنزل: "عمران، إنت يا ولد، انزل لي حالا." فزعا كليهما ثم هتفت سكون بذعر: "كفى الله الشر، حصل إيه؟

قوم يا عمران شوف الحاج ماله، لا يكون حصل حاجة عفشة لاسمح الله." انتفض عمران وهو يمسح على شعره بغضب ثم جذب جلبابه: "ياساتر يارب، آه هو ده هدم اللذات بعنيه وباينها ليلة ما تفوتش." ثم أكمل وهو يحذرها: "متحركيش من مكانك مهما حصل ولا تفارقي سريرك." ثم غادر الغرفة وهبط للأسفل. رأى والده في حالة هائجة يرثى لها: "شفت أمك الست الكامل مكفاها إنها كسرت لها ضلعها وجبسناه إلا أنها لمت خلجاتها وهملت بيتها من غير إذني."

اتسعت مقلتا ذاك العمران ناطقًا بدهشة وهو يجري ناحية غرفة والدته: "وهي أمي مش هنا! أنا قلت إنها صلت العشاء ونامت بدري فمدخلتلهاش." وصل للغرفة لم يجدها ثم عاد لأبيه سائلاً إياه: "حصل إيه لدي كلياته يا بوي، عملت إيه حرمك المصون خلت الحاجة زينب هملت بيتها اللي سكنته لغيرها وحرقت قلبها ونويت منك يا بوي." دب سلطان بعصاه أرضًا ثم نهره:

"الزم حدك وانت بتتحدث ويا أبوك يا ولد وإذا كانت هي أمك فآني أبوك ومن الواجب عليك تتحدث زين وياي ومتعليش صوتك علي ولا تقف تحاسبني." لم تستطع سكون الاستمرار في غرفتها أكثر من ذلك ثم ارتدت عباءتها وهبطت إلى الأسفل. وقفت بجانب عمران وهتفت بنبرة قلقة: "وه مالك يا حاج بس كل شي هيُبقى تمام بس انت هدي حالك." هدر بها سلطان وهو في عز غضبه لأول مرة:

"بعدي إنتي يا بت الأصول ياللي فضيحتكم بقت على كل لسان ماهو كله بسببكم إنتي وأختك المصون." انزعج عمران من طريقة والده معها ثم نظر إليها آمرًا إياها بحدة: "هو أنا مش منبه عليكي متفوتيش أوضتك واصل، اتفضلي يا دكتورة على فوق يااااالا."

انجرحت بشدة من كلام سلطان والتمعت الدموع في عينيها ورآها كليهما مما جعل قلب العمران يلومه في تلك اللحظة على صوته العالي عليها. ثم تركتهم وصعدت الأدراج وصوت بكائها وصل إلى مسامعهم مما جعل عمران لأول مرة يتحدث بتلك الطريقة مع أبيه ولكن من أفعاله: "لو سمحت يا بوي مينفعش تتكلم ويا مرتي وتزعق لها بالطريقة دي، دي مهما كان بنت ناس واللي مترضاهوش على خواتي مترضاهوش على بنات الناس." هدر به سلطان:

"مش لما تبقي بنت ناس يا سبع الرجال." استمعت سكون إلى كلماته الأخيرة مما جعلها انصقت ووقفت مكانها تنظر في عيني كليهما بصدمة من أعلى الأدراج.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...