الفصل 15 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الخامس عشر 15 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
21
كلمة
8,517
وقت القراءة
43 د
التقدم في الرواية 20%
حجم الخط: 18

أنصعت شمس وشعرت بأنها سقطت من جبل مرتفع إلى الهاوية. ــ هو عمران متجوز؟ اقتربت منها زينب في جلستها عندما لاحظت حزنها، وأكدت لها وقد تبدلت معالم وجهها إلى الحزن الصادق النابع من قلبها المولع بحفيد لولدها وهو على مشارف الأربعين. ــ أه يابتي متجوز الدكتورة سكون اللي كانت معانا في المستشفى، بس ياحبة عيني مخلفش لحد دلوك وحالته تصعب على الكافر. شعرت شمس بالشفقة والعطف عليهما.

ــ كنت بحسبها بنتك وأخت رحمة، بس ياحبيبتي صعبوا عليا قوووي. ــ هو العيب من مين ياطنط؟ لم تجبها زينب على استفسارها بالإجابة الصحيحة مراعاة لحرمة ولدها، وكما أن سكون لا تستحق منها ذلك. ــ أمر الله يا بتي، لاهو فيه عيب ولا هي اسمها الله عليها فيها حاجة. الاتنين عفايا الحمدلله، بس حكم ربنا كل شي له معاد، بس مخبيش عليكي قلبي متشحتف على حفيد من صلب ولدي ومتحملاش الانتظار. ضمت شمس حاجبيها بحزن صادق ودعت لهما.

ــ ربنا يفرح قلبك بيهم يا حبيبتي ويرزقهم يارب ويجيبولك الحفيد اللي بتتمنيه. عمران راجل قوووي وباين إن الدكتورة سكون محترمة وطيبة وجدعة وبنت ناس، علشان كدة يا خالتوا خلي عندك ثقة في ربنا كبيرة إنه هيرزقهم بالخير كله بإذن الله، بس كله بأوانه. لم تتفائل زينب من كلامها الذي صبرت به حالها كثيراً، ثم قالت بتشاؤم يملئ نبرتها.

ــ مش باين يابتي، دول بقى لهم أربع سنين متجوزين ومش باين لهم أي علامة، وأني ولا بعرف أنام الليل حتى من كتر الفكر فيهم. مطت شمس شفتيها باستنكار لتشاؤمها، ثم طمأنتها. ــ يا طنط ماما دايما كانت بتقول لي مبيخلاش من عند الله رزق ومبيمنعش إلا علشان يدي ويجبر بالكتيير قووي جبر يتعجب له أهل السما والأرض. يعني عندك أنا مثلاً دلوقتي مطرودة ويتيمة من غير أب ولا أم ولا أخ وعمي ظالمني، بس دايما بقول أكيد ربنا له حكمة في كدة.

ــ وبالرغم من كده بحاول أصحى وأعيش يومي وأنفض عن دماغي همي اللي عايشة فيه، وتصوري إن محاولة خطفي جت لمصلحتي قووي، عمي كلمني وقعد يتحايل عليا أتنازل عن القضية لأن اسمه جه فيها وهيديني حقي كامل ومش هيقرب لي تاني. بس أنا لسة مستنية أخد رأي أبيه ماهر علشان هو المتكفل بقضيتي كلها، يعني بالمختصر يا أمي رب ضرة نافعة. ابتسمت زينب لكلامها ونظرت إليها بحالمية لرجاحة عقلها التي استشفتها من طريقة كلامها وهدوئها واستكانتها.

ــ والله يابتي إنتي عندك عقل زين ووشك كيف النسمة وكلامك كيف البلسم اللي هيرطب على قلب الواحد وينسيه همومه، وكلك على بعضك حلوة قوووي وتستاهلي زينة الشباب كلاتهم، ومحبتك دخلت قلبي ومهخلكيش تمشي من اهنه واصل إلا لما أطمن عليكي مع إللي يستاهلك ياحلوة إنتي ياقمرة. ابتسمت لها شمس، ثم شكرتها بامتنان على كلامها.

ــ شكراً يا طنط على كلامك الجميل واحتوائك ليا، شكل ما يكون ربنا بعتك ليا علشان كنت في الحالة اللي أنا فيها واللي حصل لي، كنت هتمنى الموت بس أكيد اللي حصل لسبب عند ربنا هو الأعلم بيه، بس معنديش شك إن كله خير. دق قلب زينب بسعادة، فكلام شمس لها أسعدها كثيراً، ثم ربتت على ظهرها بحنو لتقول بمغزى وهي تتفحصها بإعجاب من أعلى رأسها إلى أخمص قدميها.

ــ أكيد طبعاً في سبب، والسبب هيوبقى خير لينا كلاتنا يازينة البنتة، بس انتي ربنا يعافيكي وتوبقي بخير. *** ــ إيه يا أستاذ فارس، رحت هناك وقلت عدولي ولا جبت لي طلبي اللي بعتك علشانه؟ هو مش كان اتفاق بينا وانت وافقت وعشمتني ورحت قعدت تحب لي هناك وبتلف ورا الدكتورة بنت البواب وطنشتني خالص. تأفف فارس بضيق شديد على إصرار والده فيما يريده، ثم هتف برفض قاطع.

ــ انسي إني أعمل لك اللي انت عايزه أو إنك تستخدمني زي عروس الماريونيت تحركني على كيفك في الأعمال اللي انت عايزني أعملها دي، يستحيل يا عماد يا الفي أكون نسخة تانية منك. تنهد بقوة، فأغلقت عيناي فارس من هول زفيره الذي وصل إلى أذنه، ثم ألقى على مسامعه بصوت هدر. ــ طب وراس عبير أمك الله يرحمها مطرح ما راحت وسابت لي عيل خيخ زيك مش عارف يلم أعصابه شوية ويسترجل ويحافظ على اللي أنا بنيته ومش هسمح لك تهده يا بن عبير.

عثت في جوفه حرباً أشد من أن يتحكم بها ومن أن يقاومها، ما إن أتى بسيرة والدته الحبيبة العزيزة إلى قلبه، ودخل الآن دوامة فارس المنفصم وهو ينهنه بصوت أجش مفحم بالغلظة. ــ قلت لك ميت مرة ما تجيبش سيرة أمي على لسانك تاني. أقول لك على حاجة أحسن، انت تنساني وتطلعني من حياتك ومش عايز منك ولا فلوس ولا مستشفيات ولا حتى اسمك، عايزه أنا كرهتك وكرهت اسمك وكرهت حياتي كلها بسببك، ابعد عني يا عماد.

اندلعت ثورة الغضب من عماد وهو يستمع إلى كلمات ابنه اللاذعة له، وهدده بثقة. ــ احترم نفسك وانت بتتكلم معايا يا ولد، واعمل حسابك انت مش هتمشيني على كيفك ولا حتى نفسك هتمشي على كيفك، يا إما وشرفي اللي ما بحلف بيه كده جثة أمك اللي أنا مجمدها تحت ايدي هعمل فيها اللي على كيفي واللي انت عارفه كويس قوي.

أدمعت عيناي فارس عندما ذكره بجثمان والدته الذي مازال تحت قبضة يد أبيه، وهو يريد أن يسابق الريح ويذهب إلى ذاك العماد ويشق ضلعه بخنجر مسموم ويتخلص منه ومن أذاه، وهتف بنبرة ذليلة لذاك القلب المتبلد المتحجر. ــ انت إيه يا شيخ قلبك ده؟ قلب حجر، انت أصلاً مش بني آدم ولا تنفع تكون أب ولا كنت ليها زوج وراجل!

هو جسمها ناقص حرام عليك، مش كفاية إن انت ما دفنتهاش لحد دلوقتي، انت عايز توصلني إني أنتحر وأسيب لك الدنيا كلها وأشبع بيها بقى يا عماد. ضرب عماد بقبضة يده على مكتبه وصاح به محذراً إياه. ــ طب اعملها كده يا ابن عبير أو جرب بس وشوف هعمل إيه في جثة أمك ده، انتحارك ده هيخليني ما أرحمهاش وانت فاهمني كويس قوي.

تلاحقت أنفاس ذاك الابن المقهور، وأصبح الآن يشعر بالاختناق الشديد وأنه على مشارف الموت بسبب النقاش اللاذع الذي حصل بينه وبين أبيه عديم الرحمة، ثم أصر على رفضه.

ــ اعمل حسابك مهما عملت مش هعمل اللي انت عايزه مني، الناس هنا غلابة قوي، ابعد عنهم شرك وكفاية الميغة اللي انت بتعملها هناك، يا إما أنا كمان هقلب الترابيزة عليك وتهديد قصاد تهديد وتبقى خربت على دماغي ودماغك، انت أكتر مني بكتير، أنا ما عنديش حاجة أخسرها، انت كل حاجة عندك هتخسرها. ذم عماد شفتيه بغضب من رأس فارس اليابس، ثم هدأ من نبرة صوته وهو ينهي النقاش الذي احتدم بينهم كالمعتاد، آمراً إياه.

ــ طب ارجع لي بقى مصر، هلغي انتدابك، قدامك يومين بالظبط تشوف فيهم حالك. فور أن أدلى عليه أمره بتلك السلطة، شعر وطلب منه ترك تلك البلدة حتى هوى قلبه بين قدميه وظل ينقبض وينبسط في آن واحد، كأن أحدهم يطلب منه أن يخرج من الجنة كي يسقطه في الجحيم السعير. وضع يديه على أذنيه يصمهما عن أكثر صوت يكرهه في حياته، والآخر على ثرثرته التي جعلته صرخ بقهر يدمي القلوب. ــ بسسسسسسس، اسسسسسسسكت. هو أنا عبد المأمور؟

تعالى يبقى يجي لك سافر غصب عنك يسافر، مش راجع ومش جاي لك ولا عايزه أشوف وشك خالص، ابعد عني بقى أنا كرهت نفسي بسببك، ابعد عني. ثم أغلق الهاتف في وجهه، مما جعل الآخر يلقي بهاتفه عرض الحائط حتى وقع هشيمًا في أرجاء المكان، وهو يهتف بعلو صوته بسباب مغلف بغضب عارم هو الآخر.

ــ أبو اللي جابك على عبير على القرف اللي أنا شايفه بسببك، إن ماندمتك يا بن عبير على أغلى حاجة عندك مبقاش أنا، ولا إني اسمح لك تهد الإمبراطورية العالية اللي أنا عملتها سنين عمري ودفعت تمنها أغلى ما عندي.

كانت فريدة في ذاك الوقت تسير في طرقة المشفى، ولكنها وجدت حالها تتبطئ بخطواتها أمام مكتبه علَّها تأمل في رؤيته، حتى انقبض قلبها هي الأخرى من سماعها لصراخه في الداخل، وبالتحديد كلماته الأخيرة، وهي تنظر حولها كي ترى ما إن سمعه أحدهم أم لا.

ولأجل الحظ الذي كان معه، لم يكن أحدهم بالقرب من غرفته إلا هي، فعلى الفور دخلت ويا ليتها لم تدخل، فقد كان في أشد حالات الهوجاء التي تعتريه وهو في انفصامه، فقد نفذ الصبر من صبره من كلمات والده وجعله الآن يجلس بعينين قاتمتين مظلمتين من شدة غضبه، بل ولمعة الدمع ما زالت ظاهرة كعلامة للأعمى يراها.

وما إن رأت حالته تلك، حتى وضعت يدها على شفتيها تكتم شهقتها من منظره الدامي الذي جعل قلبها يدق بعنف داخلها شفقة وحزنًا على ذاك الحبيب المقهور، ولم تعرف ما السبب. فاقتربت منه، وياليتها لم تقترب، وهي تسأله بفم يرتجف. ــ فارس مالك؟ صوتك عالي قوووي وخرج لبرة وقلقني عليك، في ايه؟ رفع رأسه فجأة وفتح عيناه على وسعيهما، وهو يدقق النظر داخل عينيها بنظرة مخيفة، ولمعتهما كأنهما مضيئتان بشر قادم لا محال.

نظرته تشبه قط ممسوس أصاب جسدها بالرجفة المخيفة قبل قلبها، الذي يرى الآن الغرفة أضيق من خرم الإبرة، وهي تراه الآن كمثل جنيًّا متجسدًا في صورة إنسان. اقترب منها بخطواته الأشبه بخطوات ذئب مفترس يهجم على فريسته في لحظة تقشعر لها الأبدان من ما فعله في أقل من ثلاث ثوانٍ، حيث جذبها بعنف من ذراعها حتى ارتطمت بعظام صدره الصلبة القوية، كمن صدمت في جذع شجرة متين منذ الأزل.

وبيده الأخرى خلع عنها حجابها حتى أسقطه أرضًا تحت تململها السريع بين يديه، وهي تحاول الوصول إلى الباب الذي في لمحة البصر حجبه عنها، وهو يحاوطها بجسده ذي الطول الفاره، فكانت تصل لمنتصف صدره. وهو يمد قدمه من الخلف صافعًا الباب بقوة اهتزت معها أرجاء قلبها الضعيف المسكين الذي أوقعها تحت براثنه الآن في لحظة حاسمة فارقة بينهما. أدارت جسدها للناحية الأخرى، وكلاهما يدور حول الآخر بعينين تختلف نظراتها عن الأخرى.

كانت بقدر رعبها منه، إلا أنها مشفقة بشدة عليه الآن، ويبدو أنه كان يتحدث مع أبيه، وهو الذي أوصله إلى تلك الحالة. ثم حاولت استدعاء الهدوء، وبالتحديد وهو يضع يده في منتصف شعرها من الخلف ويلوي خصلاته الذي فككها ورمى رابطته أرضًا بهوجاء، فتحملت ألم قبضته لخصلاتها، وهي تغمض عينيها وملامح الوجع شبه مخبأة على معالمها.

ثم أسند جبهته بجبهتها، وهو يحتضن خصرها بشدة مرددًا أمام شفتيها وعينيها المغمضتين بارتعاب وشفتيها ترتجف أمامه خوفًا من القادم، عندما تنفست أنفاسه والخطر بدأ يتصاعد في جسدها الساكن الآن بين يديه، وما زال يدور بها وأنفه تلامست أنفها. ــ جيتي لقدرك اللعين بين ايدين الشيطان يا الملاك الضايع بين ايدين قدرك بحظك المسموم.

على صدرها صعودًا وهبوطًا، وهي تضع كف يدها الصغيرة على صدره وأسنانها تتصك هلعًا، ولكن تحاول أن تسكن ملامحها الهدوء كي تستطيع مجابهته في أهم لحظة بينهما، هي الفارقة في طريقهما، فلو كسرها الآن وهزم جندها الضعيف وسرق منها أثمن ما لديها، ستنقلب كفته حتى ولو كان مغيبًا. ــ ملاكك ممكن يبقي ملك يمينك برضا، وساعتها هتستمتع أكتر، فوق يا فارس أنت أجمل من إنك تلوثني.

زفر أنفاسه بقوة في وجهها، ليقول برغبة ملئت جسده الآن من تشبثها بها. ــ اشمعن أنا اتلوثت وعبير كمان مش بس اتلوثت دي اتفحتت وداس عليها قطر القهر والظلم. ثم استرسل وجعه وهو يحتضن وجنتيها بكف يديه، وهو يتحسسهما بإثارة أصابت جسدها بالقشعريرة. ــ وانتي شبه عبير قووي تصدقي، حتى ريحتك شبهها، وأنا عايزك، وما فيش قوة في الأرض هتمنعني عنك.

شعرت بسخونة وجهها تحت يديه، وأنها على مشارف الخطر، ثم تلامست يداها يداه المحتضنة وجهها، فباغتها بقبلاته في باطن يديها، مما جعلها اهتزت وأبعدت يديه فورًا عن وجهها، فاستجاب لها. ثم أردفت بتصميم وهي تتجه بعينيها ناحية الأريكة الموضوعة في الغرفة، وهي تحاول تشتيت أفكاره. ــ طب بقول لك إيه، إني رجلي وجعتني من الوقفة وانت ميرضكش تعبي من أولها، تعالى نقعد هناك وقول اللي على كيفك. زاغت عينيه بينها وبين الأريكة، ثم قال بتشبث.

ــ لا إنتي عاجباني كدة أكتر ومزاجي عايز كدة يافوفا. جذبته من يداه وهي تترجاه بتدلل. ــ طب وغلاوة فوفا عندك لا تيجي اهنه وتستريح، لسة بدري، هو أنا ههرب منك وانت مكلبشني اكدة. تحرك معها وهو ما زال متمسكًا بخصرها وخصلاتها، ثم جلس على الأريكة، ولكنها جعلته ينام ويستريح عليها، وهي تحاول أن تملس يدها بين خصلات شعره كالطفل وأمه كي تجعله يهدأ ويشعر بالأمان معها. وبالفعل أغمض عينيه هاتفًا ووجهه متأثرًا بوجع.

ــ انتي مريحة قووي يافوفا، وبفكر أخدك معايا مصر، بقيتي زي الإدمان بالنسبة لي، لو مشيت وسيبتك هبقي حاسس إني سايب نصي التاني هنا ومش هبقي مستريح، فتيجي معايا أحسن. سألته بنبرة مستكينة. ــ طب هو ينفع أجي وياك! طب بمناسبتي إيه عاد؟ فتح عينيه فور سؤاله ليجيبها على الفور. ــ بمناسبتك صاحبتي وهشغلك معايا في المستشفى بتاعتنا. تقبلت هرائه بهدوء.

ــ طب عندنا في الصعيد اهنه البنت متخرجش من بلدها ولا تسافر غير ويا جوزها، حكاية الشغل والصحاب داي متمشيش معانا خالص. ــ خلاص أتجوزك يافوفا، إذا كانت حتة الورقة دي العائق، وماله مفيش مشكلة خالص. كلمات واثقة نطقها فارس، فعقبت عليها وهي تذم شفتيها للأمام بدلال مصطنع، وهي تحاول مجاراته. ــ هو الجواز مني مجرد حتة ورقة! له إني زعلانة خالص منك، هو انت شايفني وحشة ومستحقش أبقى زي البنات ويتعمل لي كيف ما هيتعمل لهم؟

عض على شفتيه السفلى قائلاً وهو يغمز لها بوقاحة أخجلتها. ــ بنات مين دول، ده إنتي وحش الكون ده، كفاية شعرك اللي مجنني، خلاص نعمل لك زي البنات واللي تشاوري عليه فارس يرميه لك تحت رجلك يافوفتي، إحنا يهمنا راحتك بردو. مطت شفتيها بامتعاض من وقاحته ونظرته، ثم ابتسمت بمجاملة. ــ تمام اكده، ابعد يدك بقي ومتلمسنيش خالص إلا لما تاجي تتقدم لي علشان أحس إني غالية وانك هتشتاق لحلالي معاك، وقول لي بقي عايز تسافر ليه؟

هو الجو اهنه معجبكش؟ ــ بالعكس يامزتي، ده الجو هنا جميل ورايق، كفايه إن انت موجودة فيه. نطقها بنفس غمزته ووقاحته، ثم أكمل وقد تبدلت ملامحه الوقحة إلى ممتعضة فور تذكره أمر أبيه. ــ اللي مش عايزني أرتاح خالص في الدنيا بعت لي أوامر إني لازم أسافر له، وهو بيمشيني على كيفه وهددني لو ما رحتلهوش بأغلى حاجة في دنيتي واخرتي. ثم نظر إليها مكملاً وقد لمعت عينيه بالدموع مرة أخرى.

ــ تعرفي إن أبوكِ الراجل البواب الغلبان ده نعمة لازم تشكري ربنا عليها ليل ونهار، يا ريتني طلعت من أسرة فقيرة وأب وأم متساويين نفسيًا، ولا إن عماد الجاحد ده يبقى أبويا. سألته بفضول. ــ هددك بإيه؟ أجابها وهو يبتلع غصته بمرارة كمرارة العلقم. ــ بجثة أمي اللي مجمدها، هيبهدلها وهي ميتة زي ما دمرها وهي عايشة. تجمدت عروقها من هول ما سمعت منه، وابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة، وهي تردد بذهول. ــ هو مدفنهاش؟!

دي إكرام الميت دفنه، وكيف مخبي جثتها وليه مدورتش على حد يساعدك اكده؟ حرام قووووي؟ حرك رأسه للأمام وتحدث بأسى. ــ لسه عارف إنها مندفنتش من سنة واحدة بس، وأنا أضعف مما تتخيلي إني أقف قدام عماد الألفي كده، هبقى بغامر بيها وبعمري. ابتلعت ريقها برعب وهي تتخيله يضيع من بين يديها بسبب ذاك العماد، وهبطت دمعة شاردة من مقلتيها، وحذرته خوفًا من فقدانه فقد وقعت في سهم هواه وقضي الأمر.

ــ خلاص يا فارس خليك هنا متسافرش وتسيبني، إني محتاجة وجودك قوووي أكتر منك. سألها بعينين حائرتين متمنيًا سماع شيء ما يتردد داخله. ــ ليه يافوفا مش عايزاني أسافر، ومحتاجاني إزاي؟ أرجوكِ اتكلمي. نطقها لسانها رغماً عنها، وهي تتطلع إلى رجاؤه وهو في حالة انفصامه ورأسها متدليًا للأسفل بخجل، فهو إن مشى حتمًا ستنهار.

ــ إني هحبك يافارس، ومش متصورة حياتي اهنه من غيرك، أرجوك انت متمشيش، خليك اهنه جمبي، مبتبعدنيش عنك، خليك قصاد عيني يا عمري علشان قلبي في بعدك هيتوجع، وخلينا اهنه نبني حياتنا مع بعض بعيد عن عماد دي خالص.

دق قلب فارس المنفصم هو الآخر لتلك الملاك، دق قلب الحجر الذي لا يلين لاعترافها الشامخ بحبه، ولكنه خاف وتصارعت الدقات في قلبه مابين العشق والخوف بالتساوي، ثم ترجاها أن تبتعد كي ترحم حالها كي لا ينكوي قلبه عليها هي الأخرى، فطريقه مكلل بالأشواك. ــ عماد مش هيسيبك ولا هيسيبني، عماد هيدمرك وهيدمرني، من الأفضل تبعدي عني، انتي مش حمل عواصفي. حركت رأسها برفض وهتفت بنبرة تأكيدية، وهي متمسكة بوجوده.

ــ متقلقش، هنعدي الصعاب مع بعض، بس انت فوق يا فارس. ضم حاجبيه متسائلاً. ــ أفوق من إيه؟ ــ فوق من وهم الماضي واخرج برة قوقعة عماد واتحدى الجبروت بإيمانك، وبرة قوقعة عبير واتحدى الخوف بيقينك إنها بين أيادي الله، ومهما يعمل هي خلاص روحها عند ربنا والجسد نايم ومش دريان. ــ إزاي؟ انتي عايزاني أسيبه يمثل بجثة ماما؟

ــ سيدنا حمزة بن عبد المطلب مُثِّل بجثته ولقب بأسد الله وسيد الشهداء، واللي عملت فيه كده ربنا عاقبها عقاب أليم، وصدقني هو بيهددك بس وبيخوفك علشان تخضع له، وطول ما انت بترفض طلباته وبتقول لا هيفقد الأمل فيك، ولو كان عايز يأذيك مكانش كبرك ووصلك للمرحلة دي، هو مجنون بيك وعمره يا فارس وممكن يضغط عليك بكل الطرق إلا أذيتك. ــ بس ممكن يأذيني بنبض قلبي، يأذيني بيكي يافريدة. ــ إيه ده؟

انت نطقت فريدة دلوك من غير فوفا ولا مزة ولا الحوارات داي واصل! انت دلوك واعي واوعاك تدخل جوة قوقعة ماضي الفارس الأليم تاني. ــ مش بمزاجي، بلاقي دماغي راحت للوجع وبحلم بعبير كتير وبلاقيني اتحولت ونفسي بتجبرني أتشرد وأشرد اللي حواليا. ــ أول ما نفسك تيجي تجبرك افتكرني وافتكر بسمتي وأملي في إني هغيرك، علشان انت جميل يا فارس. ــ انتي هدية ربنا ليا، ولو خسرتك انتِ كمان هضيع في ظلمات تشرد نفسي أكتر وأكتر.

ــ أوعدك إني عمري ما هفارق إلا لو ربنا أراد ياخد أمانته. ــ بعد الشر عنك ياملاكي، إن شاء الله عماد مليون مرة وانتِ تعيشي تنوري الدنيا وتنوري ضلام الفارس. ــ طب قوم بقي اتوضى وصلي العشا وصلي كتييير قوووي واقرأ قرآن كتييير واذكر ربنا كتييير، الذكر بيطمن القلوب قوووي. بابتسامة عذبة أنارت وجهه هتف بطاعة وأكمل مشاغبًا إياها. ــ حاضر يا دكتورة، قومي البسي حجابك شكلك نسيتي نفسي.

وضعت يدها على رأسها وشهقت بذهول من نسيانها حالها وهي تجذب حجابها. ــ حرام عليك يا فارس اللي هتعمله فيا دي، والله انت خربطت لي دماغي على الآخر ونسيتني اسمي وشكلي وهويتي، وشكلك عايز تنسيني ديني وهدخل جهنم وبئس المصير على حس عبثك دي، ارحمني لما تيجي غضبان مش أول حاجة تعملها تمد يدك على حجابي، ارجوك مد اليد حرام ومن أكبر الحرام والغلط. غمز لها ونطق بطريقة دعابية.

ــ طب ماتلميني من الحرام والغلط واتجوزيني، وساعتها لما أشيل حجابك أو أي حاجة تانية تقابلني في الطريق يبقى حلال الحلال. قامت من مكانها وهي تعدل هيئتها. ــ كل بأوانه يا فارسي، واتقل تاخد حاجة نضيفة. قوس فمه بانزعاج مصطنع ليقول بمشاغبة. ــ اهو بعد فارسي دي الآوان ده مينفعش خالص، وكله لازم يدوق طعم الحلال يا فوفا. ابتعدت عنه. ــ يووووه يادي فوفا متقولهاش تاني، أول ما تقولها قلبي بينقبض، أبوس يدك متبهدلنيش وياك.

مد يده بعبث. ــ طب بوسي يا فيري، ده يبقي يوم السعد والهنا. غمزت بعينيها بشقاوة وقد ظهرت غمازتيها في منتصف وجنتيها بطريقة ساحرة، جعلته هرول إليها، ولكنها ألقت كلماتها وهربت على الفور، مما جعله وقف مغتاظًا. ــ دي بعدك يا دوك.

وقف مبتسمًا ينظر إلى طيفها بسعادة لا توصف، فقد دلفت إليه وهو في قمة الحزن بل وأعلى درجاته، ثم أبدلت حزنه إلى سعادة وجعلته يتمنى أن يلقيها في أحضانه الآن كي تكتمل سعادته، وداخله يردد بانتشاء وما زالت عيناه تتبعها. "عناقُكِ يخذُلُ بردَ أربعينَ شتاء" ***

في منزل ماجدة، حيث أصر عمران أن يحضر جلستها مع مها تحت تزمتها، ولكنه لم يدعها تنفرد بها، فهو وعد جاسر أن يجعله يأتي غدًا، وأنه بفضل الله أولًا ثم مجهوده سيجعله يُجبر غدًا. كانت مها تجلس بتوتر للغاية، فهي قد استشعرت من مغادرة جاسر قبل أن يلتقيان، وجود مشكلة ما عندما استدعتها والدتها بعد أن غادر جاسر. فتحدثت ماجدة.

ــ شوفي يا بتي، انت دلوك جاي لك عريسين، عامر أخو جوزك الله يرحمه، وجاسر اللي انتِ شغالة عنديه. عامر لسه مكلمني من شوي على التليفون قبل ما جاسر يجي، وشايف إن هو أولى بيكي لأنك كنتِ مرت أخوه، وأي حد مكانه هيقول أكده، وأي حد هيسمع هيقول عين العقل. دلوك عايزة أعرف رأيك، بس حابة أعرفك إني مرجحة كفة عامر أكتر من جاسر، جدع زين ولد حلال، وانتِ معاشراه وعارفاه كويس قوي إنه هيتقي ربنا فيكِ، أما جاسر مجرد إنك اشتغلتي عنده، ولا تعرفيه ولا تعرفي طبعه، خليكي في اللي نعرفه أحسن من اللي ما نعرفوش.

كادت أن تعترض رأي والدتها، إلا أن سكون تحدثت باستجداء. ــ بعد إذنك انتِ يا ام الزين، اصبري قبل ما تقولي رأيك. طب ليه يا أمي ترجع تتجوز أخوه؟ هي ما عندهاش أولاد علشان خاطر تنجبر تتجوزه؟ إيه اللي يخليها ترفض فرصة عريس زي جاسر متمسك بيها وبيحبها ومحترم وابن ناس وشاريها قوي؟ إيه اللي يخليها ترجع لعامر وتفتكر الأيام السودا اللي كانت عايشاها مع أخوه وتفتكر ولادها اللي ماتوا؟

أنا مش معاكي أبدا في رأيك يا أمي، دلوك الرأي رأيك يا مها، شوفي اللي هترتاحي له فيهم مين؟ واللي شايفه نفسك هتقدري تتنفسي وتشوفي الدنيا وتعيشيها معاه، شوفي راحتك انتِ الأول يا حبيبتي فوق أي اعتبارات، دي حقك اللي اداه لك ربنا. هنا هتفت ماجدة باعتراض على كلام سكون. ــ طب والجدع يعيبوا إيه يا بتي، دي حالة يصعب على الكافر بولاده اللي رجع بيهم، وأهم هيعوضوها عن ولادها اللي فقدتهم.

هنا تحدث عمران معترضًا هو الآخر على كلام ماجدة، مرددًا بهدوء كي لا يثير ضيقها. ــ طب وهي فين من كلامك يا أمي!

على حسب ما عرفت إن المرحوم ربنا يغفر له ويسامحه كان موريها المرار وما شافتتش معاه يوم حلو، من حقها تغير العتبة خالص، وخلي بالك ولاده اللي انتِ هتتكلمي عنيهم دلوك وهي هتربيهم في النهاية هتبقى مرت أبوهم، ويا مربي غير ولدك ياباني في غير ملكك، فخليها تشوف بنفسها هي عايزة إيه من غير ضغط مني ولا من سكون ولا منك ولا من أي حد، ربنا سبحانه وتعالى أدى للست حقها في الاختيار، مداش للظروف الحق في الاختيار.

حركت ماجدة رأسها للأمام باقتناع لكلام عمران، ثم سألت مها. ــ خلاص اللي تشوفه يا ولدي، وانتِ يا مها رأيك إيه؟ واعتبر اللي قلته ما لهوش لازمة. رمقتها مها بنظرات خذلان، وهي تسألها بعتاب قبل أن تجيب من منهم ستختار. ــ أظن يا أمي إني لما رجع عامر قلت لك أنا مش عايزة أشوفه ولا أعرف عنه أي حاجة، ولما يسأل عني تقولي له إنني مش موجودة، ده يدل على إيه؟

يدل على إني كارهة دخول البيت دي تاني، البيت اللي اندفنت فيه أحسن سنين شبابي اللي ضاعت في روحي وهي بتداس كل يوم، وأنا كنت اشتكي لك كل يوم والتاني وانتِ كنت هتقولي لي استحملي واصبري، ما عندناش طلاق. مش لو كنت طلقت منه وبعدت أنا وأولادي زين وزيدان كان زمانهم عايشين دلوك وياي من غير هم أبوهم ومن غير ما أنشغل عنيهم.

أنهت كلامها وانهمرت الدموع من عينيها لتذكرها الماضي الأليم، وذاك السبب بالتحديد من ضمن الألف سبب التي لم تحب سيرة عامر بسببها، ناهيك عن السبب الأكبر خطيئتها التي ارتكبتها معه، فهي الآن لا تريد أن تراه أمامها، تريده أن يبتعد، أن يتركها تعيش وتتنفس وتنسى الماضي الأليم الذي ارتكبته معه، تريد أن تنسى خطيئتها، وعند تذكرها لخطيئتها تلك تزداد دموع عينيها أكثر فأكثر، فقد دفعت ذنبها الغالي والنفيس وما زالت تتألم من فقدان عزيزي عينيها مهما ظهرت ضحكاتها، ولكن الألم يكمن ورائها بما يفيض أنهارًا.

وكل ذلك وماجدة لم ترتكز إلا على نقطة واحدة لامتها بقسوة. ــ يعني دلوك هتجيبي سبب موت ولادك فيا؟ أخص عليكي يا بنت بطني، ربنا يسامحك لكن قلبي مش مسامحك. لاحظ عمران وسكون أن الموقف بدأ يحتدم، فهتف عمران على الفور. ــ يا أمي اهدي على حالك وعليها، مش شايفاها افتكرت ولادها وهتتقطع عليهم!

أي أم هتتحمل ولادها وبتتحمل أي كلمة منهم طالما موجوعين قوي واللي حصل لها يقطم الضهر وما حدش يستحمله واصل ألمه تقيل قوي وهي ما تقصدش اللي انتِ فهمتيه واصل. شعرت مها بثقل وألم نفسي شديد انتابها عقب كلمات والدتها الثقيلة على قلبها، ثم رددت وهي ما زالت تنفطر من البكاء. ــ حرام عليكِ يا أمي بزيادة عاد! ليه هتحمليني ذنبك في اللي هتفتكريه؟ هو إني ناقصة اللي فيا مكفيني؟

كل اللي اني محتاجاه منك إنك تشوفي راحتي إني قبل أي إنسان، تشوفي إيه اللي هيسعدني قبل ما يسعد غيري، إني أولى بعطفك من أي حد. هدأتهم سكون بكلماتها، وهي ترى الحزن والضيق يخيم على ملامحهم بكثرة. ــ يا أمي مها تقصدش اللي وصل لك، ممكن نهدى عاد ونسيب اللي فات ومنفتحش في القديم ونطويه، كل لما هنفتح النفوس هتشيل.

تنهدت ماجدة بحزن وهي ترى انفطار ابنتها الكبرى وتذكرها أبناءها وتبدل حالتها إلى السوء فور أن أتت سيرة عامر، فتفهمت الآن وجهة نظر عمران وخطت إليها وجذبتها بحنو بالغ إلى أحضانها، وهي تهدهدها بحنان بالغ.

ــ بس يابتي، بس يالغالية، ما عايزااش أشوف دموعك اللي هيقطعوا في قلبي كيف السكاكين، يغور عامر طالما هيخليكي بالحالة السودا داي، هرد عليه النهاردة وهقول له كل شيء قسمة ونصيب، وخليكي يا بتي مع جاسر طالما دي هو اللي هيسعدك، بس ياحبيبتي. ازدادت شهقاتها في أحضان والدتها وتمسكت بها بشدة، وهي تحثها على أن تضمها أكثر، فهي في أشد لحظات ضعفها الآن وتحتاج إلى عناقها الذي يخذل ألف وجع وألم لم يتحمله بشر.

ــ احضنيني قوي يا امي، إني اكتر واحدة في الدنيا محتاجة حضنك، اكتر واحدة محتاجة عطفك، إني حاسة إني هشة قوي من جواي، وأي حد لو نفخ فيا وفي مشاعري بكلمة هطب ساكتة، وياريت يوحصل وأرتاح وأروح للغاليين، خلاص ما عايزااش جواز ولا من دي ولا من دي، هقعد وياكي اهنه. شهقت سكون وماجدة وهتفن في آن واحد، وهي تشدد على احتضانها.

ــ بعد الشر عنك يابتي، يديم حسك وبسمتك وطلتك اللي كيف النسمة لامك يالغالية، دي إني يجرالي حاجة لو مسِّك الوجع دي، انتي بت عمري بكريتي اللي شافك قلبي قبل عيوني، ودايما كنتي حاملة هم خواتك وياي وربيتيهم معاي، طول عمرك حمالة القسية ياحبيبتي، اهدي يا أم الزين بعد الشر عليكي من الوجع وفطرة قلبك، لااا ياحبيبتي اتجوزي وحبي واتحبي واتهني، إني مهدومش ليكي العمر كله. وظلت كلتاهن يبكين، مما جعل سكون هي الأخرى تبكي لبكائهن.

وعندما رأى عمران دموعها جذبها إلى أحضانه على الفور، وهو يهدئها. ــ له يا حبيبي مهتحملش كله إلا دموعك، اهدى يادوك. تمسكت بأحضانه الحانية، فشدد عليها وقبلها من رأسها قبلة محب عاشق، ثم ترك ماجدة ومها تفرغان شحنة حزنهما، فالحضن الآن بمثابة الوطن يحتضن الوجع والألم، حضن بمثابة الاحتياج للرغبة في المعيشة. ثم ردد عمران أخيرًا.

ــ خلااااص بزيادة عاد بكا، إحنا عايزين الفرح مش الحزن الناقع دي، أهم الحريم اكده لما يمسكوا في النكد ملهمش كتالوج. خلاص يا أم الزين جواز إيه دي اللي مريداهوش واليتيم الغلبان اللي مستني على نار دي مين هتتجوزه غيرك، كانك أمك داعية لك والله بحق. ها يا أمي أتصل على جاسر وأقول له ياجي بكرة إن شاء الله؟ ربتت على ظهر مها متسائلة إياها. ــ ها يابتي موافقة نقول له ياجي؟ صمتت ولم تجب، فرددت سكون على الفور.

ــ وه يا ماجدة لساتك هتستني رد؟ السكوت علامة الرضا ياحاجة. ثم نظرت إلى عمران وطلبت منه. ــ يالا يا عمران كلمه دلوك، خير البر عاجله، خلى الفرح يدخل قلوبنا والحزن يبعد عنينا. نظر عمران إلى ماجدة متسائلاً بعينيه، فأومأت هي الأخرى برأسها للأمام ورمشت بأهدابها كعلامة للموافقة، فقام عمران وهاتف جاسر، الذي فور أن سمع الخبر هلل بسعادة، أخيرًا لنيل مبتغاه، ثم عبر عن سعادته لعمران.

ــ الله الوكيل لو أخوي ابن أمي وأبوي ما أحبه زيك يابن عمي، جميييل عمري ماهنساه لك أبدًا. زمجر عمران بضيق من كلمته. ــ جميييل إيه يابن عمي، إحنا أصلاً خوات، وإن مكنتش أقف جارك وأكون شقك اللي يتمنى لك السعادة والفرح من غيري ياجدع! ابتسم جاسر قائلاً بتسرع. ــ طب احنا لسه بدري أجي دلوك؟ منعه عمران بشدة. ــ لااااا دلوك إيه دي هتبكي هي وأمها لما شبعانة، خليك بكرة أحسن تكون هديت. ــ وه بكيتوا أم الزين يا عمران؟

والله حرام عليكم! كلمات استنكارية نطقها جاسر بنبرة معترضة حزينة على حبيبته، فعقب عليها عمران بنفي عن حاله. ــ وه وأني مالي ياجدع، واحدة وأمها هيبكوا مالي أنا! خلاص هقفل دلوك علشان أخد مرتي ونمشي، وبكرة عاد من النهاردة ميفرقش.

أغلق معه الهاتف، وظل جاسر يدور حول نفسه بغضب وهو يشعر بالضيق على حبيبته ومعشوقته، وهي تبكي الآن وحزينة، ويود أن يذهب إليها كي يخفف عنها آلامها وينهاها عن البكاء، فهو يشعر بأن قلبه يتمزق من الداخل لأجلها الآن. *** في الساعة العاشرة مساءً، خرجت فريدة من المشفى وانهت ورديتها، ثم هاتفت سكون قبل أن تصعد سيارتها، وبعد أن أجابتها. ــ اللي وحشاني وما بتسألش عليا، انتِ فين من ساعة ما أخدتي الإجازة؟

ما بتسأليش عني يا وحشة، عايزة أقعد معاكي نص ساعة لكده قبل ما أروح. اعتذرت لها سكون عن تقصيرها معها. ــ حبيبة قلبي انتِ عارفه ما أقدرش أستغنى عنك ولا أبعد، بس موضوع عمليتي وبعدين فرح رحمة وحوارات كتير اكده، هبقى أحكي لك عنها أول ما نقعد مع بعض وحدينا. تفهمت فريدة ظروفها، ثم طلبت منها.

ــ طب عايزة أقعد معاكي دلوك ضروري، عايزة أتي في موضوع مهم، قولي لعمران يجيبك وتعالي لي على البحيرة نقعد هناك شوي في الهوا ونتكلم مع بعض، الموضوع ضروري حبيبتي. كانت سكون مفعلة السماعة الخارجية، فسألت عمران بعينيها، فأومأ برأسه بموافقة، فاجابتها. ــ خلاص يا فيري عشر دقايق وهكون هناك في المكان اللي بنقعد فيه على طول، استنينا. أغلقت الهاتف، فسألها عمران بتعجب نظرًا لإلحاحها. ــ يا ترى في إيه اللي مخليها مستعجلة قوي اكده؟

استر يارب. ابتسمت له سكون وطمأنته. ــ ما تقلقش يا عمران، أكيد ما فيش حاجة صعبة، طريقة كلامها هتقول إنه خير بإذن الله. تعجل في سرعته كي لا يجعلاها تنتظر كثيرًا، ثم وصلا إليها في دقائق بسيطة، وجدوها تجلس أمام البحر تنتظرهم. ذهبوا إليها وبعد السلام والاطمئنان كل منهم على حال الآخر، تحمحت فريدة قبل أن تبدأ حديثها.

ــ أممممم… في حاجة زينة قوي عايزة أخبرك بيها يا صاحبتي يا حبيبتي، بس خلي صدرك واسع وياي، علشان خاطر إني هحبك وهتمنى لك الخير من كل قلبي. نظرت سكون إلى عمران نظرة اندهاش، وبالأخير أومأت برأسها بموافقة، فأكملت فريدة بوجه بشوش كي لا تصيبها بالذعر، لأن تلك المسألة أصبحت بالنسبة لسكون رعبها الأول والأخير.

ــ شوفي يا حبيبتي، في دكتور زميلنا جاي منتدب من بقاله شهر أكده في المستشفى، ولما شاف حالتك وسمع عنها لما كنت هتعملي العملية، فجالي بعد ما عملتيها، وكان عارف كل حاجة عن حالتك، وقال لي على دكتور كبير قوي في مصر، ووراني فيديوهات كتيرة قوي ليه، وبصراحة إني شفت الفيديوهات، حالات انتِ ما تجيش جنبها حاجة، وما شاء الله تبارك الله حملت وكملت حملها وبقيت أم، وانتِ الحمد لله مشكلتك مش معضلة قوي زيهم.

فقال لي إنه هيحجز لك هناك بنفسه هو والد صاحبه، وهيتابع معاكي الحالة، وبيقول كمان إن كل الحالات اللي عنده ما بتكملش خمس شهور، وبأمر الله بتحمل، لأنه دكتور شاطر جدًا، وكل الأجهزة اللي بيستخدمها من بره، وما فيش حالة بتستعصى عليه، ودايمًا يقول للحالة إن ربنا عنده الكتير والكتير، لدرجة إن في حالات حملت عنده وهي في سن الـ 45 بعد ما عملت عمليات ملهاش أول من آخر.

إني شايفة يا سكون إن انتِ تروحي له وربنا هيكرمك على يده بإذن الله، وممكن يكون ربنا بعت فارس في الوقت ده علشان خاطرك انتِ، هو في مشكلة واحدة بس، إن الكشف عنده غالي قوي والعمليات غالية، ودي طبعًا مش هتستعصى عليك يا عمران. تبسم وجه عمران بأمل، ثم نظر إلى سكون مرددًا بانتصار. ــ مش قلت لك ربنا ما بينساش حد أبدًا، مش قلت لك اصبري، الصبر جميل، وإني عارف إن ربنا مش هيكسر بخاطرنا أبدًا يا سكون. ثم نظر إلى فريدة مشجعًا إياها.

ــ انتِ لسه هتسألي؟ خليه يحجز طبعًا ونروح ونعمل كل اللازم، دي سكون يعني فداها كنوز الدنيا كلها، ولو هبيع عمري مش هستخسره فيها، كله اللي هي. كانت سكون في ذاك الوقت متمسكة بيده، فضغطت عليها بامتنان، وهي تشعر بالفخر بكون ذاك الرجل زوجها، بل أعظم انتصاراتها. ودقات قلبها أعلنت الطبول مما قاله، ولكنها خائفة وما زالت، فهتفت بنبرة ضائعة فاقدة للأمل.

ــ بلاش يا عمران نروح، مش عايزة أدي اللي حواليا أمل جديد، وفي الآخر لو ما حصلش نصيب يحسوا بالهزيمة، وساعتها الدنيا هتبقى وحشة قوي في عيني. لامها بنظراته بشدة، ثم نظر إلى فريدة وهو يشد يدها للقيام مؤكدًا عليها.

ــ خليه يحجز يا فريدة، واني هتابع معاكي أول بأول، وإن شاء الله نروح، واللي فيه الخير يقدمه ربنا، سواء كان بالجبر أو بالصبر، كل أقدار ربنا خير، وما حدش هيعرف بالموضوع دي خالص، إلا لما ربنا يكرمنا، ولا أمي ولا أبويا ولا أي حد في الدنيا، ولا حتى أهلها، هنروح مننا لنفسنا نتابع كل حاجة، ومعلش يا سكون ما تجيبيش سيرة لحد خالص، مش عشان خاطر يزعلوا أو ما يزعلوش، عايزين كل حاجة تتم في الدراما عشان ربنا يكرمنا، وعلشان نشيل همنا بنفسنا.

بعد أن أنهى كلامهما وشكرها، أخذها عمران، وطيلة طريقهما يلومها على كلامها وعلى إحساسها بالتشاؤم الذي أزعجه كثيرًا، حتى وصل إلى المنزل، فسبقته إلى الداخل، وبدور يصطف سيارته و سيطمئن على خيله قبل أن يدخل.

دخلت سكون وجدت زينب تنتظرها في بهو المنزل وحدها في ركن جانبي بعيدًا عن الأعين، وكانت شمس قد خرجت إلى البحيرة في جانب المنزل أو تبعد عنه بمسافة بسيطة، فقد أرسلت زينب معها الخادمة التي تعمل بالمنزل كونيس، فنادت على سكون تستدعيها للجلوس معها. وبعد أن اطمأنت على حالها وعلى والدتها، دخلت في صلب الموضوع الذي ستتحدث فيه على الفور، مما جعل سكون قلبها يهوى بين قدميها من كلمات زينب.

ــ شوفي يا سكون يا بتي، عمران لما يدخل دلوك هتكلم وياه في الموضوع اللي اتفقنا عليه، كل ما عليكي إنك تقولي إنك موافقة، ودي الوعد اللي انتِ وعدتيه لي قبل سابق لما اتكلمنا ويا بعض، أنا قلبي متشحتف على حفيد لولدي اللي خلاص داخل على الأربعين، ما تزعليش من كلامي زي ما قلت لك قبل أكده، والله قلبي بيتقطع وأنا بقولها لك، بس من جوه كل حتة في قلبي وفي كل كياني رايدة لولدي العزوة وزينة الحياة الدنيا.

أظلمت عيناي سكون بغشاوة الدمع، فهي الآن بين قاب قوسين أو أدنى، ماذا تفعل تلك الأم المحقة في إحساسها؟ وماذا تفعل في ذاك المرض اللعين المحيط برحمها؟ وجدت حالها تومئ رأسها للأمام بقلة حيلة، وهي لم تجد التفكير الآن، فقد حصرتها زينب في خانة أضيق الحدود، وتوقف عقلها الآن عن أي رد فعل، والأخرى تربت على ظهرها كي تستعطفها. ثم أتت اللحظة الحاسمة ودلف عمران إليهما، وجد سكونه في حالة يرثى لها، فشعر بوجود خطب ما، فسألهم.

ــ مالكم مبلمين أكده ليه؟ في حاجة حاصلت ولا إيه؟ ابتسمت زينب، ثم أمسكته من يده وجعلته يجلس بجانبها، وهي تنفي وجود شيء كي تجعله يهدأ وتستقر نفسه. وبعد طمأنتها له بأنه لم يكن شيئًا ووجدت معالمه هدأت واستقرت، حتى قالت أمامهما بما صدم عمران. ــ شوف يا ولدي، الموضوع دي كلمتك فيه قبل أكده، إني عايزك توبقى هادي، واني هتكلم وياك فيه، وخليت مراتك توبقى موجودة بالتحديد علشان كل حاجة تكون قدام عينيها وبرضاها وبدون غصبانية.

وأكملت حينما برزت عروق رقبته مما استشفه من حديثها ورأت ذلك، فقالت كلماتها دفعة واحدة جعلت ذاك الجالس يعلن عن ثورة عارمة لم تكن تتوقعها من ولدها الوحيد كي لا يتسبب في أزمة لزوجته، بل كل حياته وروحه عشقه الوحيد عشق العمران. ــ إني اتكلمت ويا سكون في موضوع جوازك تاني عشان رايدة الحفيد وعايزة لك عزوة وزينة الحياة الدنيا، وهي ما عندهاش مانع. ف ليه تكابر طالما مفيش مشكلة هتحصل بينك وبينها وربنا يكرمك والدنيا هتمشي.

هنا امتنعت عقارب الساعة عن الدوران إجلالاً لما نتج من تحدي العناد أمام جيوش الغضب. ثم تنهد بقوة، فأغلقت عيناها من هول زفيره، وهو يترك كلام والدته بأكمله ويتمسك في جملة واحدة. ــ حقيقي اللي هتقوله أمي دي ياسكون؟ حقيقي إنك موافقة إن إني أتزوج عليكِ؟

صمتت سكون ولم تعرف بما تجيبه، فقد غرزت زينب السكين في صدرها أمامه وقضي الأمر، وتقف الآن كالمتهم في قفص الجريمة ولا تعرف بما تجيبه، ليس لديها سوى الصمت هو الذي يتحدث عنها، سوى الدقات المرتفعة التي يعلن عنها صدرها صعودًا وهبوطًا هما فقط من يراهم.

فعلم أنها وافقت، فأمسكها من كتفيها يهزها بعنف، ولأول مرة ترى سكون غضب العمران بتلك الدرجة الشديدة، مما جعلها سقطت مغشيًا عليها من هول الموقف، ولأول مرة يحدث ذلك، وهو لا يتعاطف معها ولم يهتز لغفوانها، فهو كان جيش حامي بسيوف العشق الشديد لها، وهي أول من سن سيفه وطعنه به في صدره، حتى ردد قبل أن يغشى عليها. ــ وافقتي يا سكون؟! وافقتي إن حضن عمران يبقى لغيرك وكلام الحب اللي هيقوله لك عمران يبقى لواحدة تانية!

اتنازلتي عني بالسهولة دي؟! أكده حضني وحبي وعشقي ليكي ومحاوطتي ليكي في كل حاجة طلع تمنهم رخيص حفيد لأمي وابن ليا من واحدة غيرك؟!

خسرتي رهان قلبي عليكي، صدمتيني فيكي، كنت ردي عليها وقولي لها الا عمران، كنتي تسيبيني إني في وش المدفع وكنت هبقى الكفيل بكل حاجة بس ما توافقيش بالسهولة دي، كنت حصنك المنيع قدام أي حد مهما كان غلاوته عندي، بس كنت هاجي في آخر الليل وأترمى في حضنك وأشبع من حبك وعشقك وحنانك اللي ما كنتش عايز من الدنيا غيرهم، حسسيني إني عندك أغلى من كل حاجة في الدنيا وأغلى حتى من استعطاف اللي حواليكي ليكي، حتى لو كانت أمي، أنا مصدوم فيكِ صدمة العمر.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...