الفصل 30 | من 75 فصل

رواية من نبض الوجع عشت غرامي الفصل الثلاثون 30 - بقلم فاطيما يوسف

المشاهدات
21
كلمة
7,607
وقت القراءة
39 د
التقدم في الرواية 40%
حجم الخط: 18

لم يجد منها رد غير البكاء. ثم ردد بنظرات جامدة بأمر لا يقبل النقاش: _قدامك ربع ساعة بالظبط تلبسي وتجيبي شنطتك وتنزل لي تحت. وأكمل بنبرة تحذيرية: _هما ربع ساعة بالظبط وتنزلي، أكتر من كده هتشوف وش عمرك ما شفته. ادعي ربك ماتشوفيهوش. تحدثت بصوت مختنق قبل أن يغادر الغرفة: _خلاص هتطلقني ياعمران؟

ما إن سمع تلك الكلمة بتلك النبرة، أغمض عينيه ثم استدار إليها ورجع بخطواته. وقف أمامها ثم احتضن وجنتيها بين يديه بقوة آلمتها وهو يردد بصوت أجش خشن وبنبرة صارمة: _مش قبل ما أرجع حق ابني اللي ضيعتيه وتجيبي لي غيره ياسكون. شعرت بالألم من احتضانه القوي لوجنتها. ثم حركت وجهها بين يديه وهي تغمض عينيها مرددة بألم هامس: _آااه بتوجعني ياعمران، حرام عليك. خفف يديه وما زال محتضناً وجنتيها قائلاً:

_ما انتِ كمان وجعتيني ياسكون، ولسة مكملة. ما زالت تغمض عينيها وهي خائفة من أن تفتحها وتسكنها داخل عينيه وتلقي بهمومها داخل صدره وتستريح هي وتتعبه هو. ثم أكمل بنفس الجمود وهو على نفس وضعه بنبرة حائرة: _ماهو مش قادر أتخيل كيف العيون دي خدعتني فيها بالطريقة دي! كيف الأحاسيس اللي أنا حسيتها في قربك تطلع وهم! طب لما انتِ ما بتحبيش عمران ومش عايزة تخلفي منه وعايزة تطلقي، ليه الدموع دي كلها؟

طب ليه مش قادرة تفتحي عينيكِ وتواجهي عيون عمران ياسكون؟ وأكمل وهو يبدل نبرته من صارمة إلى نبرة أهدأ: _اللي بيعشق عمره ما بيعرف يغدر، ولا بيعرف ينسى بالسهولة دي. ما زالت على بكائها وصمتها. داخله يؤكد له أن بها شيئاً ما لا يعرفه، فهذه سكون التي تتنفس عشق العمران ولا يمكن أن تفعل به هكذا. ما زال قلبه يعطي لها ألف عذر بدلاً عن السبعين. ثم أكد عليها: _البسي حاجة تقيلة عشان الجو برد بره والطريق طويل.

ثم تركها وغادر الغرفة وهبط إلى الأسفل وهو حزين على حالهما وعلى ما وصلا إليه. وبالرغم من اعترافها لإجهاضها لجنينه، إلا أنه ما زال متمسكاً بها وبوجودها في حياته. فبخروجها وابتعادها عنه لن يستطيع أن يحيا العمران. جلس على الأريكة وهو ينفث دخان سيجارته واحدة تلو الأخرى دون اكتراث لما يعبئه في صدره من ملوثات، وكأنها الإكسير التي تخفف غضبه. كان يجلس يفكر بها هي وحدها التي تقتحم صحوه وغفوته. هي وحدها من يريد من نساء العالم لا غيرها.

أما هي، ارتدت ملابسها ولا تعرف أين هي ذاهبة الآن معه؟

وأيضاً لم تعرف ما مصيرها مع عمران معشوقها الأبدي. أنهت ارتداء ملابسها الثقيلة ووضعت الحجاب وثبتته على رأسها وحملت حقيبة يدها وهبطت إليه. وجدته مستنداً على الأريكة ويبدو أنه غفى من شدة إرهاقه. وقفت أمامه ثم جلست أرضاً أمام وجهه مباشرة واقتربت منه وصارت تشتم رائحته المحببة إلى قلبها تعبئها داخل صدرها. أنفاسه التي لوثها بذاك الدخان أشهى العطور لديها الآن. وبالمثل شعر بأنفاسها هي الأخرى التي تلفح وجهه، فظل مغمض العينين

كي يعبئ رائحتها هي الأخرى في صدره فقد استوحشها كثيراً. لو كان الأمر بيده لجذبها الآن إلى أحضانه وتشبث بها ورمى وحشة الأيام الماضية لها داخل جسدها الهزيل. ولكن ليت كل ما يتمناه المرء يدركه. ليت كل الأيام الثقال تنتهي الآن ويأخذها بين ذراعيه يسقيها من شهد عشقه لها أشهى ما تتلذذ.

لم يستطع إغلاق عينيه أكثر من ذلك في قربها. فلو ظل هكذا سيضعف ويضرب بالمعقول واللامعقول عرض الحائط. ثم فتح عينيه فجأة وجدها مغمضة العينين تتنفس أنفاسه دون إرادة منها. شعرت بحركته فقامت على الفور. ولكنه سحبها بسرعة حتى وقعت وارتطمت بصدره الصلب وسألها بنبرة رجولية خشنة وهو متأثراً بقربها: _طب ليه كل ده يابت الناس! اللي يشوف أفعالك يستعجب. بتعملي فينا كده ليه؟

لم تقدر على النطق وهي بقربه بتلك الدرجة. ثم ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة وبنبرة هامسة سألته: _إحنا رايحين فين دلوقتي؟ أجابها وهو يثبت عينيه داخل عينيها: _نازلين مصر رايحين للشيخ صابر المداح. اندهشت وهي في مكانها فوق صدره ويداه تحتضن خصرها من الخلف. ثم رددت بنبرة استفهامية متعجبة: _الشيخ صابر المداح مين وبيعمل إيه ده؟ اعتدل بجلسته حتى صارت تجلس على قدميه ووجهها بالقرب من وجهه قائلاً بغموض:

_لما نروح هناك هتعرفي كل حاجة. ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة من قربه المهلك وكأنه يقصد فعل تلك الحركات عن قصد كي يضعفها بقربه. ثم هتفت بقلق: _طب ما ينفعش نأجلها للصبح؟ انت منمتش واحنا ماشيين على الطريق. في التأني السلامة. بنظرة ملامة قصدها عمران سألها: _ليه خايفة على روحك وأنتِ معايا؟ ولا خايفة أموتك زي ما عملتي في حتة مني جواكي؟ انتفضت من مكانها وهي لم تعد تتحمل ملامته واتهاماته لها هادرة به لأول مرة:

_كفاياك عاد تقطيع في وكل شوية تحسسني إني عملت جريمة. انتفض هو الآخر من مكانه وهزها بعنف: _هو إنتِ كمان ليكِ عين تعلي صوتك بعد اللي عملتيه فيا؟ جزت أسنانها بغضب ثم أردفت دون خشية وهي تريد أن تفهم سره المخفي عنها هو الآخر: _أنتم السابقون ياعمران، مش لما أعرف كنت في أحضان وجد كيف بالطريقة الحميمية دي حتى لو كنت مش في وعيك زي ما قلت؟ إزاي اتجرأت عليك بالشكل ده ياعمران؟

ثار هو الآخر من عصيانها أمامه فهو لم ولن يحكي لها عن ما حدث له على يد تلك العقرب. ثم هدر بها: _شوفي بقى متحاولش تقلبي الترابيزة، دي شئ ودي شئ تاني خالص. ما تيجي نروح لماجدة كده ونحكي اللي حصل مني ومنك ونشوف رد فعلها إيه لما تعرف إن بنتها حملت وموتت اللي في بطنها. اتسعت عيناها برعب مما قاله فهي ليست على استعداد لمواجهة أحدا عما بها ولا عن تقطيعهم لها. ثم ترجته بأعصاب منهكة مما تمر به الآن:

_إنت نويت تفضح اللي بينا ياعمران حتى لو كان لأمي! أرجوك ياعمران كفاية اللي أنا فيه، أكتر من كده ما هتلاقيش سكون. وأكملت وهي تنزل ببصرها للأسفل بنبرة ممزوجة بالدموع: _ممكن تصحى تلاقيني رحت مع اللي راحوا ووقتها هيأبقى ربنا ريحني. انتفض بهلع عليها من مجرد ذكرها سيرة الموت. ثم جذبها لأحضانه وهو يهمس بجانب أذنها: _بتقولي إيه أنتِ؟ حرام عليكِ بقي كفاية اللي أنا فيه، متزودهاش عاد.

شددت من احتضانه. فالآن هي في حضن الأمان، حضن اللقاء والوداع معاً كما هي تشعر. ثم أخرجها من أحضانه ولـوهـلـة غَـاص فـي عـيـنـيـهـا وفـي مـلامـحـهـا الـجـمـيـلـة التي وحشته بشدة. ولـوهـلـة أخـذه فـؤاده لـشـعـور لا يـنـاسـب خصامهم هذا. ولكن ما يأمله الآن أن تكون تلك الوجد أصابتها بشيء من سحرها الأسود جعلتها فعلت بجنينها هكذا. فهي امرأة ملعونة فعلت به ما لا يخطر على بال بشر، لذلك يضع لها ذاك العذر بداخله. بل هو ذاهب ذاك

المشوار خصيصاً كي يجد سبباً يجعله ينعم بأحضانها التي اشتــاقــها كثيراً. ثم وجد حاله يجذب شفتاها بين شفتيه في لحظة ضعف.. وله.. اشتياق.. لحظة يحلم بها ويتمناها منذ أن تفرق شملهم. كانت قبلة اجتياح مدمرة لكلاهما عصفت بالقوانين التي أخذاها كليهما على حاله، عاشقان محرومان من متعة اقترابهما ببعضهما.

ثم وجد حاله لم يستطع السيطرة على نفسه وهم في بهو المنزل. ابتعد عنها وتركها تلتقط أنفاسها بصعوبة من قبلته العاصفة. ثم تذكر ما فعلته وابتعد عنها متحمِّحماً بكبرياء: _حرام عليكِ، ليه عملتِ فينا كده؟

ما إن تفوه بها ارتجفت يدها لتقع الحقيبة منها. فبالرغم من إصرارها على الفراق، لكنها لم تكن تعلم أنها ستقع عليها هكذا وكأن انسكب فوقها دلواً من الثلج أو وقعت من فوق جبل مرتفع إلى الهاوية. ركضت من أمامه قبل أن تضعف وتبكي ويرى ندمها ويسمع لعنات قلبها لها. أما هو، لملم شتاته المبعثر من قربها. ثم خرج إلى السيارة ينتظرها كي يذهبا إلى ذاك المشوار الذي يعتقد أنه سيريحها من ناحيتها.

أما هي، جففت عبراتها ثم خرجت ووجدته ينتظرها. فدلفت إلى السيارة ليبدأ في القيادة. نظرت من النافذة على تلك الحديقة، تحفظها داخلها علها تكون المرة الأخيرة ولم تأتِ ذاك المنزل مرة أخرى. ثم اعتدلت لتنظر أمامها وأجهشت بالبكاء وقلبها يعتصر ألماً. تريد صفع نفسها آلاف المرات على قرارها الأحمق، لكن هل هذه نهاية المطاف؟ وماذا ستفعل بهما الأيام القادمة؟

أما هو، ازداد داخله وجعاً على بكائها وحالتها التي لا تبشر بالخير أبداً. ومن شدة بكائها شعرت بثقل عينيها وكأنها قررت أن تذهب بها في سبات عميق حتى ترتاح قليلاً وتشحن طاقة تكفي أيام الوجع القادمة. وهو يقود السيارة بجانبها وعيناه تنظر لها بين الحين والآخر. فالطريق سيأخذ أكثر من ست ساعات وهو لم يفصل فيهم مهما شعر بإنهاك.

وأخيراً، بعد مرور ساعات لم يعرف عددها، وصل الآن تلك المنطقة التي يمكث بها الشيخ صابر والتي يحفظها عن ظهر قلب. هاتفه عمران وأعلمه بوصوله، فهو قد أخذ منه موعداً قبل ذلك. فأذن له الشيخ بالصعود إليه. احتضن كفيه يدها المرتجفتين. ثم قالت له برجاء قبل أن يصعدا: _بلاش ياعمران، أنا مش حاسة براحة ومش متعودة على الحاجات دي. ارجوك بلاش. هدأها قائلاً:

_متقلقيش ياسكون، الشيخ صابر مش زي ما أنتِ فاكرة. دي راجل صالح ومالوش في أمور الدجل والشعوذة وجلساته كلها ذكر وقرآن. وإن نفعت مش هتضر. وبعدين أنا وياكي أهه ومش هسيبك لحظة لحالك.

أخذت نفساً عميقاً ثم استعاذت داخلها وصعدت لقدرها معه التي تعلم نتيجته جيداً. فهي تعلم أنها لن يصيبها سحر وأن ما بها ليس إلا قدراً من عند الله. وصل عند الشيخ وبعد جلسة دامت أكثر من نصف ساعة يتلو فيها الشيخ عليهما من آيات وأذكار وروحانيات. نظر إليهما مردداً ببشاشة: _انتوا الاتنين ماشاء الله، الحارس الله. لم يصبكم أي سحر أو أذى. وبإذن الله محدش يقدر يمسكم أبداً. وطول ما أنت بتعمل اللي قلت لك عليه متقلقش.

تيقن عمران من كلام الشيخ أن زوجته لم يصبها شيء. والأمل الذي سيشفع به قلبه لها لم يعد موجوداً وصار الفراق بينهم عاجلاً أم آجلاً على مشارف الأبواب. انقضت جلستهم مع الشيخ وغادروا المكان ثم استقلا السيارة وصعدا كلتاهما. وملامحهما يبدوا عليها الوجوم الشديد. أما هي صامتة الآن وتعد حالها لعاصفة عمران بها. وأثناء شرودها استمعت إلى صوته الصارم:

_هنروح دلوقتي فندق هنستريح فيه عشان على بالليل هنروح لدكتورة كبيرة. سألت عنيها هنا عشان أشوف وأطمئن إنك مبتاخديش الحبوب دي وهخليها تعمل لك فحص كامل شامل قدامي عشان ما يبقاش ليكِ حجة بعد كده. الداكتورة دي صاحبة مركز كبير وبيجي لها ناس من جميع أنحاء العالم. أنا بحثت عنها كويس قوي والحجز بتاعنا النهاردة.

وقع قلبها بين قدميها. فاليوم سيعرف عمران احتمال عقمها وسيعرف أنه سيتأخر حملها أو لم يحدث وسينقلب حزنه إلى مرار. أرادت راحته منه لأنها تعلم جيداً أن عمران لن يتركها مهما كان.

في مكتب ماهر الريان، تجلس تلك الرحمة على مكتبها في الخارج تشتاط غضباً. تجلس على الكرسي تتقلب فيه بهوجاء وكأنها تتقلب على جمر من النار. فقد مكثت تلك الشمس مع ماهر في الداخل أكثر من ساعة مما جعل غضبها وصل أبعد الحدود. ومن الأدهى أنه منع أحداً من الدخول عليهم. قامت من مكانها منتفضة بحدة فهي لم تستطع التحمل أكثر من ذلك. دلفت إليهم المكتب دون استئذان وضربت بقوانين ماهر الريان أرضاً. فالصبر يئس من صبرها وهي تتركه ساعة بأكملها وحدهم. وياليتها ما دخلت إليهم فقد رأت تلك الشمس تجلس على مكتبه وتتحدث بدلال جعلها تتسع عيناها بذهول. ويبدو أن تلك الشمس ستسطر في وثائق الوفيات اليوم مما قالته

وأذناي تلك الرحمة سمعته: _بس ما كنتش أعرف إنك بقيت جامد قوي كده وحاجة واو. يا متر، الرجالة لما تقرب توصل لسن الأربعين بيبقوا مجانين كده. لم يستطع الرد عليها فقد وقفت رحمة أمامها بغضب وصل معها أقصاه. ومن الواضح أنها استمعت إلى ما قالته شمس. وبات بداخلها الآن متأكداً من شراسة تلك الرحمة وأنها يستحيل أن تمرر الموقف مرور الكرام. ولكن ظل يجلس بثبات. ثم رمقتها رحمة بخضراويتها المشتعلتين بكل برود قبل أن تنفجر:

_وما كنتيش تعرفي برضه إن قعدتك هنا على مكتب راجل وأنتِ بالشكل ده متهبليش ولا حاجة. وإن حبة الحركات والكلام اللي بتعمليهم دلوقتي رخيص يا آنسة.

انتفضت شمس من مكانها ووقفت بطولها الفاره. فقد كانت طويلة ورحمة تصل إلى منتصفها وترتدي ذاك الرداء الأسود الخاطف للأنفاس وهو عبارة عن فستان طويل بدون أكمام ومفتوح الصدر ومزين ببعض النقوش المزخرفة بالدانتيل من الأعلى وضيق من منتصف خصرها ويهبط باتساع حتى غطى جميع قدمها ومزين بحزام باللون الفضي المزخرف بنفس الدانتيل من على الصدر وجسدها مرسوم بحرفية كعارضات الأزياء. ووجهها الأبيض المزخرف أيضاً بلمسات التجميل البسيطة للغاية

ولكنها ليست محتاجة لها فجمالها الطبيعي لا يحتاج اللعب فيه. شملتها رحمة بعيني الغيرة مما جعلها تفرز ملامحها بشدة. والآن تود سحقها بين يديها ولكن تحاول أن تظل على الثبات الانفعالي والهدوء. ولكن بداخلها يريد الهجوم عليها الآن وتلقينها درساً لن تنساه. فهي تقف أمام ماهرها وتغازله. وبدا لها أنها على ذلك الحالة من الدلع والإثارة له منذ أن وطأت قدمها ذاك المكتب.

أما تلك الشمس، هدرت بها بكبرياء فقد سحقها تلك الرحمة وأهانتها إهانة لن تغتفر: _أنتِ إزاي يابتاعة انتِ تتكلمي معايا بالأسلوب ده؟ شكلك اتجننتي عشان ما تعرفيش أنا مين؟ ثم استدارت إلى ماهر وهي ما زالت على عاصفتها وهي تسأله بذهول: _إنت إزاي ياماهر تشغل معاك سكرتيرة تقتحم مكتبك بالهمجية دي وكمان تتكلم مع ضيوفك بالطريقة غير المهذبة دي وتسمح لها تهينهم؟

ربعت تلك الرحمة ساعديها وبقامة مرفوعة تحركت حتى وصلت إليه. ولم تكتفي بذلك بل جلست مكان تلك الشمس على المكتب ونظرت إليه بعيني ما زالت تخفي شراستها إلى الآن قائلة له وهي تشاور بيدها على الأخرى باشمئزاز: _رد يامتر على سؤال عمود النور اللي واقفة دي وهي بتشتم رحمة سلطان المهدي. تحمحم ماهر كي يستدعي الهدوء ويخرج صوته أكثر طبيعياً وهو الآن متيقن أن تلك الشمس وقعت تحت قبضة الأسد:

_لو سمحتم انتوا الاتنين تهدوا ومفيش داعي لأن كل واحدة تهين التانية أكتر من كده. ثم قرر أن يعرفهن على بعضهن، موجهاً كلامه لشمس أولاً: _دي تبقى رحمة المهدي خطيبتي ياشمس والمسؤولة عن كل حاجة تخص مكتبي.

ثم نظر إلى رحمة الغاضبة بشدة يعرفها عليها. ولكن قبل أن ينطق بأي شيء نزلت من على المكتب مرددة بكبرياء ورفض قاطع جعل تلك الشمس تشتاط أكثر من أنها علمت أن رحمة خطيبته فقد أفسدت مخططها في أن تجعل ماهر يراها ويذوب بجمالها هياماً: _لا معايزة اتعرف على الأشكال دي. الكلام ده كان يحصل من البداية يامتر من أول ما الكونتيسا دخلت المكتب ودخلت لقيتها بتقول الكلام الأهبل ده وهي مبتخجلش. ثم أكملت وهي تقف أمامه وما زالت على اعتراضها:

_مش أدخل ألاقيها قاعدة على المكتب وبتتغزل في جناب المتر ومعندهاش ذرة من الحياء والأدب اللي شكل أهلها معرفوش يربوها عليه. واسترسلت بنفس غضبها: _دي أنا اللي خطيبتك مقلتلكش الكلام ده يامتر. حدجتها تلك الشمس بريبة لتنهرها بحدة: _إيه ده يابتاعة انتِ الطريقة السوقية اللي بتتكلمي بيها دي! المفروض أنتِ مخطوبة لماهر الريان تكوني أرقى من كده في التعامل مع ضيوفه وتسيبك من شغل حلقة وصل دي.

إلى هنا لم تتحمل رحمة سماجتها. ثم شمرت عن ساعديها وكادت أن تفترسها الآن وتخرجها من ذاك المكان على نقالة إلى المشفى مما ستفعله بها. إلا أن ماهر تدارك الموقف وعلم ما ستفعله رحمة وأنها الآن ستنقض عليها كالأسد والأخرى لن تسد مقابلها والأمر سينقلب الآن. فنهر تلك الشمس: _لو سمحتِ ياشمس تتكلمي معها بأدب ومتغلطيش فيها أي كان.

لم تصدق شمس ما قاله ماهر الآن. لقد أهانها وسمح لرحمة هي الأخرى بإهانتها. والتمعت عينيها بالدموع لتقول بملامة له جعلته يتأثر بلمعة عينيها الدامعتين: _بقي كده ياماهر! أتهان في مكتبك بالطريقة دي وكمان أنت كمان تزود معاها. واستطردت عتابها وهي تحمل حقيبتها وتنتوي المغادرة: _شكراً جداً على حسن ضيافتك واستقبالك ليا بالطريقة المهينة دي. أوعدك مش هتتكرر تاني. ابتسمت لها رحمة ابتسامة نصر وهتفت:

_مع السلامة ياغالية وخطوة رخيصة. يا ريت ما تتكررش تاني وتعتبريها يا أما هيبقى عندك بربع جنيه كرامة. أما ماهر، كاد أن يلحق بها إلا أن رحمة منعته بشدة قائلة: _رايح وراها تعمل إيه؟ إن شاء الله ما تسيبها تغور في داهية قليلة الحياء دي. واسترسلت وهي تضرب بقبضة يدها على المكتب: _عشان نعرف بقى نتحاسب يامتر على اللي حصل وسمعته بوداني من أم أربعة وأربعين دي.

أما شمس، نظرت له نظرة خذلان لإهانتها وطردها من مكتبه بتلك الدرجة. وغادرت المكتب وهي تبكي بغزارة. ويبدو أن أملها في ذاك الماهر تبخر وأن تلك الرحمة قد عشقها وأنها ليست لها مكانة في حياته. أما ماهر، بعد أن غادرت نظر إليها بغضب عارم. فهو لم يهينها أبداً أمام أحد. ولكن الآن أصبحا وحدهما. فتحرك بخطوات ثابتة تجاه الباب وأغلقه كي لا يسمع صوتهما أحداً بالخارج. ثم تحدث إليها بحدة:

_انتِ إزاي تعملي كده مع ضيف وياي في المكتب يارحمة؟ بنفس حدته وغضبه، ضربت بقوانينه دون أن تبالي أو تكترث لغضبه منها رعباً. ثم أجابته: _طب وهي دي ضيف عادي يامتر! وأكملت بغيرة عمياء مثله بل وزادت وهي تتحدث بنبرة سخرية وتقلد تلك الشمس: _أنا دخلت لقيت الهانم قاعدة على مكتبك وبتقول لك الرجالة لما بيوصلوا لسن الأربعين بيهبلوا! وانت قاعد فرحان بقى ونافش ريشك يامتر وفي الآخر تقول لي ينفع ولا مينفعش! وأكملت

حدتها وهي على نفس غضبها: _دي أنت تحمد ربنا إن ما جبتهاش من شعرها الكنيش اللي شبهها دي وما خليتش فيها حتة سليمة. نفخ بضيق وهو يضرب بقبضتي يديه في الأخرى معللاً: _يابنتي افهمي عاد وسيبك بقى من الهوجة اللي أنتِ فيها دي واصل. واسترسل حديثه وهو يعرفها عن كنية شمس:

_شمس دي تبقى أخت فرح وأنا اللي مربيها على يدي. كنت صديق لمحمد أخوهم أصلاً وكنت بروح عندهم كتير وأنا في الكلية ووقتها كانت في الابتدائية وكانت لما تعرف إني هناك تيجي تقعد وياي كتير. كانت واخدة عليّ وتحبني كيف أخوها. ومرت السنين واتجوزت أختها وتعلقها بيا زاد. وحتى لما المشاكل بيني وبين فرح زادت كانت هي كبرت وعرفت الصح من الغلط وبقت تنصحها كتير لحد ما حصل اللي انتِ تعرفيه. وقفت جنبي كتير. ولحد من أربع سنين فاتت ما شفتهاش لأنها سافرت بره تكمل علامها. ووصلت مصر من أسبوع وجت تسلم عليّ. هي دي كل الحكاية.

لم تتأثر بكلامه ولم تعطِ لها الحق في أن تجلس أمامه بتلك الطريقة ولا أن تقول له ذاك الكلام. وحتى نظرة عيني تلك الشمس لم تكن سهلة من وجهة نظرها. ثم تفوهت بغيرة لم تهدأ بعد حتى بعد أن سرد لها ما قاله الآن: _وهو ده يديها الحق تبص لك البصة اللي أنا شفتها دي! يديها الحق تقعد تدلع قدامك بمنظرها العريان المكشوف ده وتقول لك الكلام اللي سمعته!

مهما تكون ياماهر مش من حقك تقعد مع أي ست وتديها مساحة الحرية اللي الباردة دي كانت بتتكلم بيها وياك. وتابعت بنظرة شرسة أقرب لساخرة: _دي لو ما كنتش دخلت في الوقت ده كنت هدخل ألاقيها في حضنك إن شاء الله عشان تعبر لك عن مدى وحشتها واشتياقها ليك. خلل أصابعه بين شعره وهو يجز على أسنانه بغيظ من حماقة تلك الرحمة. ثم حذرها: _بلاش طريقتك دي يارحمة واوزني الكلام قبل ما تقوليه عشان أنتِ بدأتي تهبلي دلوقتي في الكلام.

لم تعطِ غضبه أدنى اهتمام لتقول بحماقة جعلته ثائراً عليها: _طب ما تيجي نبدل الأدوار كده وتدخل تلاقي بنت عمي اللي مربيني هو كمان قاعد قدامي كده وبيتغزل في جمالي وأنوثتي وقتها إيه هيكون رد فعلك ياماهر؟ أقترب منها وردد بتهديد لها كي يجعلها لا تهذي بكلماتها تلك: _أنتِ بتخرفي بتقولي إيه أنتِ! ممكن الهانم تهدى وتبطلي أي كلام هبل يتعب الأعصاب، مش ناقصة هي. أجابته بقوة وغيظ وهي تتذكر يجلس أمام تلم الشمس بذاك القرب:

_مش قبل ما تطلع موبايلك حالا وتتصل بالبت دي وتقطع علاقتك بيها ياماهر وبعد كده أهدى عادي. كانت تطلب منه ذاك الطلب بجدية وأصبح الأمر بالنسبة لها حياة أو موت. ثم حاول التحدث معها بنبرة لينة كي يقنعها أنه لا يصح فعل ذلك: _يعني يرضيكِ أكسر بخاطرها وهي عيلة ويعتبر إني اللي مربيها ومشفتش منها غير كل خير. أكمل وهو ينظر لها برجاء: _هي خلاص مشيت وبعد اللي أنتِ عملتيه فيها مش هتيجي تاني هنا يارحمة.

_ياحنين يابو قلب طيب.. جملة ساخرة نطقتها رحمة باقتضاب وأكملت برأس يابس: _طب إنك تعمل للبت دي حظر من عندك دلوقتي حالا وما تيجي هنا تاني يا إما أنا من طريق وأنت من طريق تاني ياماهر وأنا مصممة على اللي في دماغي، يا أنا يا البت الملزقة دي. تنهد بضيق وتحدث بغضب أخافها: _الزمي حدودك في الكلام معايا يارحمة ومتنسيش نفسك. شغل العند والتهديد دي مينفعش معايا أنا خالص. وأكمل بنبرة مرعبة أخافتها قليلاً:

_واعملي حسابك إني أنا من طريق وأنتِ من نفس الطريق وخلاص نفضها سيرة الموضوع اللي ملوش لازمة دي. أنتِ شبه طردتيها ومش هتيجي هنا تاني. شبكت يديها وأبتسمت ساخرة: _أمممم… وإن شاء الله الست المطرودة وأخت المرحومة هتروح تلاقيها قاعدة لك قدام باب الفيلا بتعيط ومستنية بابي اللي رباها أبو قلب حنين يمسح دموعها صح؟ ثم نظرت له بابتسامة ساخرة وأكملت: _الحاجات دي عارفاها شفتها في الأفلام الأبيض وأسود كتير قبل كده.

ضرب على المكتب بقبضة يده وبنبرة أرعبتها على صوته: _أنتِ عايزة إيه دلوقتي عشان اليوم ده يعدي على خير وميحصلش طيب النهاردة. ربعت ساعديها أمام صدرها وبنبرة حاسمة لا تقبل النقاش في قرارها: _تعمل لها حظر دلوقتي وقبل ما تعمله تبعت لها رسالة تعرفها إنك راجل خاطب دلوقتي وما ينفعش إنها تيجي لك تاني خالص. وهي لو عندها دم وإحساس لما يتعمل لها الحظر مش هنشوف طلتها البهية دي تاني. _يارحمة دي اسمها قلة ذوق… جملة اعتراضية

نطقها ماهر وعقب عليها: _ياستي لو جت هنا تاني ادخلي قبلها وخلاص. شمس عندها اعتزاز بنفسها وكرامتها عندها كبيرة قوي أنا متأكد. جزت على أسنانها بغضب جم وهدرت به فهي الأخرى تغار بشدة وتلك الفتاة وضعها بالنسبة له حساس فهي أخت زوجته الأولى وكما أنها فتاة جميلة وبالرغم من أن جمالها لا يقارن بجمال رحمة بضعة شيء إلا أنها رأتها جميلة الجميلات: _أنت مصمم تستفزني بقى وتغيظني. وأكملت وهي تحذره:

_لو سمحت متتطقش اسمها على لسانك تاني ياماهر. ولو سمحت إني بدأت أتخنق من الحوار ده. يا تبعت لها الرسالة حالا وتعمل كيف ما أنا رايدة يا إما أنا من طريق وأنت من طريق تاني ياماهر. رد بنبرة حادة غاضبة وهو غير راضٍ عن ما سيفعله ولكن هو لو كان مكانها ورأى ذاك المنظر لكان الجالس معها الآن في المشفى يُعالَج مما سيفعله به ذاك الماهر: _تمام هعمل لك اللي أنتِ عايزاه يا كش الجنان اللي عندك دي يهدى شوية يا أستاذة. ردت باقتضاب وهي

تكره نعته لها بذاك اللقب: _متقوليش يا أستاذة دي تاني لو سمحت أنت عارف إن الكلمة دي بتعصبني.

نفخ بضيق من حالتها وخناقهم اليوم بسبب ما حدث واتيان تلك الشمس فجأة. ثم حاول مراعاة غيرتها كما تفعل هي وامتصاص غضبها وقام بإرسال رسالة إلى شمس كما قالت. فهو لابد أن يفتح صفحة جديدة ويدثر الماضي الذي سيجلب له مشاكل. كما أن شمس أصبحت فتاة جميلة بجسد أنثوي وليست الطفلة التي كانت تجلس على قدميه ويلاعبها يوماً من الأيام. ولابد أن الأوضاع تصحح كل في مكانه فلا يصح إلا الصحيح. وبعد أن أرسل تلك الرسالة وضعها في قائمة الحظر وكل ذلك أمام عينيها. فتنهدت بارتياح ثم تركت له المكتب. ولكنه لحقها قبل أن تخرج مردداً

لها: _على فين ياحلوة؟ نظرت ليده التي أمسكتها من رسغها وهتفت باندهاش من نظرته لها غير المفهومة: _هروح فين يعني! خارجة رايحة مكتبي. اقترب منها بطوله وهيئته الرجولية وهو ينظر داخل عينيها نظرة غير مفهومة جعلتها تبتلع لعابها من هيئته المدمرة لأنوثتها. نظر إليها وجدها تبتلع لعابها فابتسم بانتشاء لهيئتها وتحدث متسائلاً بنبرة رجولية وصوت متأثر من قربها:

_طلعتِ بتغيري غيرة عمياء يازوجتي المستقبلية. بس تعرفي شكلك حلو قوي وأنتِ ثائرة عجبتيني قوي النهاردة يارحمتي. استجمعت قواها وتحركت بداخلها روح الأنثى المتمردة. نفضت يده عنها وابتعدت وهي تردد بتأكيد: _آه طبعاً بغير وجداً كمان وهبقى ست معنديش إحساس لو ما غيرتش ياماهر. وأرجوك متختبرش غيرتي تاني عشان ممكن أعمل حاجات خارجة عن إرادتي وقتها.

حرك رأسه للأمام وهو يغمز لها بعينين عاشقتين بحركة أذابتها وأوقعتها صريعة غرام ذاك الرجل القوي ذو الهيئة الرجولية المفرطة. وهو يتحدث بنفس نبرته الخشنة وبصوت مبحوح: _خلاص ياحبيبي علم وينفذ بس اعملي حسابك الحاج سلطان خلاص كلها أسبوع وراجع هنتجوز على طول مش لسه هنستنى كتب كتاب وحوارات ملهاش لازمة. وأكمل وهو ما زال مقترباً منها مما جعل مشاعرها ثارت داخلها من اقترابه لها ومحاصرته لأنفاسها ورائحته التي اخترقت رئتيها:

_إني عايزك جنبي، عايزك في حضن قلبي.

ابتلعت أنفاسها بصعوبة بالغة من كلماته المهلكة لحصونها وصارت لا تقوى على الحراك وكأن قدمها غرزت في أرض مملوءة بالطين ولم تستطيع التحرك من أمامه. والقابع بين أضلاعها على حافة هاوية الانهيار من كلماته التي ألقاها على مسامعها جعلتها ذابت واقتربت على الاختفاء داخل أحضانه كي تداري خجلها منه. ثم بللت شفتيها بتأثر وهتفت بنبرة شبه هامسة وهي تنهيه أن يتحدث معها بتلك الطريقة وعينيها نظرت أرضاً من شدة خجلها:

_ارجوك ياماهر افتح الباب وسيبني أخرج وبلاش طريقتك دي في الكلام واحنا وحدينا. باغتها بغمزة ووجهه مزين بابتسامة مهلكة لها ناطقاً بمداعبة رجولية: _إيه خايفة على نفسك دلوقتي ياهيرو ولا خايفة تسلمي من أول غمزة ونظرة؟ ما زالت على خجلها تنظر أرضاً من طريقته في الحديث معها. ثم همست باسمه بنبرة رقيقة: _ماهر. ردد بغرام: _عيونه وقلبه. بنفس رقتها نطقت برجاء: _سيبني أخرج بقى. رفع وجهها أمام عينيه ثم تحدث:

_عارفة أحلى حاجة فيكِ إيه اكتشفتها النهاردة؟ غمغمت بصوتها دون أن تتحدث. فأكمل هو: _طلعتِ بتدوبي من أول نظرة، طلعتِ خام يارحمتي ومحتاجة تدريب قاسي عشان تقدري بس تواجهي. شعرت بتفكك أعصابها الآن وأنها ليست قادرة على مجابهته في معركة عشقه لها. فهي إن نظرت في عينيه سترتمي في أحضانه ولن يصح ذلك. وفضلت السكوت أمامه. ثم أكمل وهو ما زال على مشاغبته: _أنتِ عندك دين على فكرة ما سديتيهوش. _دين! دين إيه ده؟

.. جملة استفهامية نطقتها وهي ترفع عينيها في عينيه أخيراً. وعقب هو والابتسامة الهادئة تزين ثغره: _عندك واحد كلمة بحبك ياماهر لحد دلوقتي منطقتيهاش يارحمتي. وعندك كمان رسوم تخبية عنيكي عني دلوقتي. عندك كمان رسوم عطف وحنان لفاقد الحنان زيك. عندك كمان حبة زكاة مشاعر وأنا أولي بيهم. وأكمل بنفس مداعبته: _مش الأقربون أولى بالمعروف برضه وأنا دلوقتي فاضل تكّة وأشدك لحضني لو مخرجتيش حالا.

أنهى كلامه وفتح الباب. وما إن استمعت إلى صوت الباب حتى فرت هاربة من أمامه وجلست على مكتبها تلتقط أنفاسها التي حبست في اقترابه منها وهي تستند برأسها على الكرسي ومغمضة العينين. فكم كان ذاك الماهر بارعاً في خطف حواسها بالكامل. لقد أرهقها بكل شيء في شخصه، أهلكها برجولته الرزينة وملامحه الوسيمة ورقيه في الحديث معها. فداخلها هي الأخرى أصبح متلهفاً لاقترابه. داخلها سعيداً بذاك الاختيار التي لم ولن تندم عليه أبداً مهما طال الزمان.

في منزل مجدي، كان الطبيب المختص بالعلاج الطبيعي جاء ليجري له جلسته الآن. وتلك الجلسة تمكث أكثر من ساعتين فهو له طقوس خاصة مرهقة. في الخارج كانت مها تجلس مع أبنائها تحذرهم: _دلوقتي أنا هدخل مع الدكتور وهو بيعمل الجلسة لبابا. خلو بالكم من حالكم ومتتشاقوش. اقعدوا اتفرجوا على الكرتون. وأنا كل شوية هخرج أطل عليكم تمام يا حبايبي؟

حرك الطفلان رأسهما بطاعة ووجههما مزين بالابتسامة. ثم دغدغت كلاهما بحنو اعتادت عليه معهما. ثم احتضنتهم بشدة فهم أثمن أشياءها في الحياة بل وأثمن من روحها. ثم تركتهم ودلفت إلى الطبيب فهي تساعده في بعض الأشياء وتقف بجانب مجدي تحسه على الصبر حين يتوجع. أما في الخارج، بعد مرور نصف ساعة، مل الطفلان من التلفاز. ثم اقترح زين ببراءة لأخيه: _إيه رأيك ندخل نملى البانيو ماية سخنة وشاور ونعوم فيه لحد ما ماما تخلص؟

ابتسم الآخر بسعادة لذاك الاقتراح ولكنه قال بتردد: _بس ماما مش بتحبنا نملى البانيو غير لما تكون معانا. وممكن تتضايق وتعاقبنا لو عملنا حاجة من وراها. شجعه زين وهو ينهي على خوفه: _طب هنقعد حبة صغيرين لحد ما نسمع صوت باب الشقة والداكتور مروح. وبعدين نقوم علطول ننشف جسمنا. وبعدين ماما لما تلاقينا كويسين مش هتعاقبنا. ماما طيبة وبتحبنا قوي ومش هتضربنا.

وبالفعل استجاب الطفلان لبعضهما ودلفا إلى الحمام وأغلقا الباب ورائهما. ثم قاما بوضع السدادة وفتحا صنبور المياه على الساخن وقاما بوضع سائل الاستحمام الخاص بهم بغزارة. وبعد قليل امتلأ البانيو ولكن ما زال الصنبور مفتوحاً. وهبطوا بسعادة داخل المياه وكل منهم يشاغب الآخر بسعادة في أحب الأوقات إلى الأطفال، أوقات الجلوس في المياه. ولكن مع مرور الوقت امتلأ الحمام بالبخار والنوافذ مغلقة والسخان الغاز في نفس المكان والمياه الساخنة المتكثفة بالبخار عبأت الحمام. وبدا الطفلان أنفاسهما تنسحب باختناق دون أن يدروا. وانغمرا الطفلان رويداً رويداً في المياه لا يستطيعان التحرك حتى فارقت أنفاسهما الحياة.

مضى أكثر من ساعة على وضعهما ذاك في البانيو. فخرجت والدتهم تطمئن عليهم وقد قاربت الجلسة على الانتهاء. فلم تجدهم مكان ما تركتهم. فنادت عليهم وهي تبحث في الغرف ولم تجدهم أيضاً. دلفت إلى المطبخ ولم تعثر عليهم. فذهبت إلى الحمام أخيراً. وكل ذلك في غصون نصف دقيقة. فتحت الباب وشهقت من منظرهم وهم يغفون تحت المياه. ولكنها ظنت أنهم يشاغبونها. ثم هرولت بخطوتها وأخرجت كل منهما بيديها، زين في اليمنى وزيدان في اليسرى وهي تردد لهم بقلب يخفق رعباً مما استنتجته

ولكنها لم تصدق حدسها: _زين.. زيدان فتحوا عيونكم بقى وبلاش الهزار التقيل والبايخ ده.

لم يستجب الطفلان لندائها وأصبحت تناديهم بأسمائهم. وقد نزعت السدادة كي تتصرف المياه. ثم أخرجتهم من المغطس وسترت أجسامهم برداء الحمام الخاص لكليهما. وكل ذلك وهي ما زالت تنادي بأسمائهم. وانقلب نداؤها الهادئ إلى صراخه شديد. سمعه مجدي والطبيب فهرول الطبيب إليها وذهب لمكانها وانصدم من المنظر الذي تقشعر له الأبدان. فراق أغلى الأحباب. فتُعد الحياة بمثابة حلم قد يكون جميلاً أو حزيناً. ولكن في النهاية يوقظنا الموت من هذا الحلم سواء طال أو قصر. لا بد لكل ابن آدم أن يستعد للموت. فهو موعد آت لا محالة فلا يمكن لأحد الفرار منه. فنحن عاجزين عن إدراك معنى الحياة، فكيف لنا أن ندرك الأمور المتعلقة بالموت؟

تعلق بالحياة الدنيا كما شئت، ولكن اعلم جيداً أن الموت هو النهاية الحتمية لكل حي. فكل ملوك الكون قد رحلوا، فهذه هي سنة الله في خلقه فأمر الله لا يرد. علينا أن لا نبكي على الراحلين من أحبائنا وأصدقائنا، فمن رحمة الله تعالى بنا أننا لم نفقدهم وهم على قيد الحياة. فلم يستطع أن يفرقنا عن بعضنا البعض سوى الموت. الشعار الذي يعمل به كل البشر هو الوجع مهما زاد أهون من الموت والفراق. كم من عزيز قوم كانت ترفع لأجله الرايات في

النهاية أذله الموت. الموت كالمرض الخبيث الذي عجزت فنون الطب عن علاجه. ولكن اعلم أن علاجه الوحيد هو صفاء قلب المرء وتقواه وما يلقى به ربه من أعمال صالحة. وتلك المها لم تفقد غير أعز الناس لديها في صدمة منها تقشعر لها الأبدان. اقترب الطبيب منهما وبدأ بفحصهما جيداً. وبعد دقائق تأكد من فراقهم الحياة فكتب لهم تقرير الدفن وهو على ثقة أن والدتهم لم تهمل بهم فهي كانت منشغلة معه في علاج أبيهم.

انهارت مها وهي ما زالت تحتضن الطفلين ومتشبسة بهم. وصارت تبكي بحرقة كما لم تكن بكت من قبل. صارت تقطع في شعرها وتفعل أفعالاً بهوجاء من شدة صدمتها وهي تهذي باسمائهم وترتمي في أحضانهم أرضاً: _زين يا زيدان اصحوا يا حبايبي حرام عليكم متعملوش في ماما كده. أنا خلصت الجلسة مع بابا وجت لكم. يااااااارب متعاقبنيش بيهم يااارب. متاخذهمش بذنبي يارب. اقبض روحي مكانهم يارب.

وظلت على حالتها تلك. بعد مرور ساعتين من انهيار مها ولقد أتت إليها والدتها واخوالها وانقلب منزلها الهادئ إلى أعداد من الناس والأقارب. ولكنها الآن غابت عن الوعي بصدمة عصبية بعد أن صممت الوقوف على غسل أبنائها. ووالدهم مجدي ظل يبكي مثلها بكاءً يكسر القلوب ويجعل العاصي يتوب ويتأكد أن ما بين رمشة العين وانتباهاتها تفارق أناساً عن حياتنا. فلا داعي للحقد أو البغض أو يحمل منا من الآخر. ففي النهاية الدنيا دار فناء والآخرة دار البقاء. ودفن زين وزيدان في حزن دفين خيم على أهل الكفر. فالحادثة موتهم رهبة يخشى الناس منها. وانقضت تلك الليلة على مها بأسوأ ليلة في حياتها. لن تشعر بأي حزن بعد كل ذاك الحزن.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...