الفصل الأول
زفر قصي في إرتياح وتراجع في مقعده بعد أن انتهى أخيرًا من الأعمال التي تراكمت عليه، والتي كان من الضروري إنجازها فليس من شأن عملائه إنه رجل لا يستطيع أن يبتعد عن زوجته فيلقي بعمله في سبيل قضاء لحظات معها.
غادر مقعده مبتسمًا يرغب في الطيران إلى المنزل يتمنى ألا تكون قد نامت فقد أصر على مغادرتها للعمل مع موعد باقي الموظفين رغم رغبتها في البقاء معه لكنه رفض حتى ترتاح قليلا فقد كان يومًا شاقًا لكلاهما.
ركب سيارته مفكرًا بمكر إنه أكثر من راضٍ لإصرارها على الاستمرار في العمل كمساعدته الشخصية حتى بعد زواجهما برغم أن وجودها معه في المكتب يكون معطلا في بعض الأوقات إلا إنها حازمة وجادة عندما يأتي الأمر إلى العمل، ابتسم متذكرًا كلماتها ظهيرة اليوم في مكتبه "أنت مدير عابث فلتركز في عملك وإلا سوف نفلس"
اتسعت ابتسامته يتعجل الوصول للمنزل لرؤيتها فالتفكير بها جعل الشوق يملأ قلبه، وبالفعل ما أن أوقف سيارته أمام المدخل حتى شعر بالأمتنان لأن والدته تنام مبكرًا فلا تشهد إندفاعه فوق الدرج واتجاهه بلهفة إلى غرفة نومه لكنه توقف عندما سمع همسات أتت من خلف الباب المغلق.. شعورٌ بالقلق انتابه فمن سوف يهاتفها في هذا الوقت إن لم يكن الأمر ضروريًا.
ذلك القلق استحال أمرًا آخرعندما فتح باب الغرفة ليرى من خلال ضوء القمر المتسلل من النافذة المفتوحة رجل ينام فوق فراشه بينما زوجته الحبيبة تقف بجواره، ولم يكن هناك شك فيما قاطعه فنظرة واحدة إلى الفراش المبعثر جعلته غاضبًا.. بل أن "الغضب" هو ألطف ما قد يعبر عن مشاعره في تلك اللحظة..لقد كان الجنون.
اندفع إلى داخل الغرفة ودفعها أرضًا بعيدًا عن طريقه بدون أن يبال بصوت تحطم الزجاجات من فوق طاولة الزينة التي اصطدمت بها.
هدفه كان الرجل يلكمه بشراسة فلم يكن يرى أمامه إلا حمرة الدماء...سوف يقتله ويقتلها ولن يبالي بالنتائج حتى أن الضوء الذي ملأ الغرفة فجأة لم يوقفه.
كاد أن يدفع والدته التي مسكته لكن سرعان ما استعاد الرؤية الواضحة، نظر إلى كفيه الملطخين بالدماء ثم نظر إلى الخائنة وروبها الأبيض الحريري الذي لطخته بضعة قطرات من الدماء نتيجة وقوعها أرضًا، تأمل ملامحها فكانت عيناها تنظران إليه بدون أي ندم أو ذنب.
اقترب منها فلم تحاول والدته أن تمنعه ولم تتحرك هي بل نظرت إليه في صمت، وكأنها تمثال.. لم يتحدث وكأن الخذلان الذي يشعر به في تلك اللحظة يفوق أي كلمات.
استغل الرجل فرصة انشغاله بزوجته وفر هاربًا إلى الخارج كما دخل بعد أن تبادل معها نظرات ذات معنى ثم اختفى وكأنه لم يكن، ولم تحاول الأم أن تمنعه أو حتى تحذر الأمن الغافل في الخارج فمازالت تحت تأثير ذهولها وصدمتها.
في تلك اللحظة شعر أن بإمكانه أن يقتلها وهو يبتسم ضاحكًا.. أهذا كابوس؟ لماذا؟! لم يلاحظ أنه نطق بذلك السؤال بنبرة عالية حتى أجابته:-
-النساء يا عزيزي لديهن رغبات أيضًا.
أردفت بنبرة فجة:-
- وأنت لست بكافيًا.
ارتد وجهها نتيجة لتلك اللطمة القوية لكنها لم تصرخ بل نظرت إليه مجددًا بتعابير باردة برغم جرح شفتيها وإحمرار وجنتها.
لكنه لم يبادلها النظرات بل نظر إلى والدته وهتف بغضب مكتوم:-
- فلتبعديها من أمامي قبل أن أقتلها.
لم تحتاج سوسن أن يكرر كلامه فقد انتظرت ذلك اليوم كثيرًا، وها هي تنال ما أرادته فجذبتها من ذراعها تطردها من هذا المنزل، لتخرج "دارين" من القصر.. لقد دخلت هذا المكان طمعًا في تأسيس حياة سعيدة معه، وها هي تخرج الآن بدون أي شيء ولا حتى وجهة.
اقتربت منه سوسن تحاول أن تخفي راحتها، وقالت تخفف عنه:-
- لقد نجوت منها يا بني، لذلك لا تحزن أبدًا.
أضافت:-
-لقد عرفت حقيقة أصلها منذ أول يوم وطأت به قدمها هذا المنزل، الحقيرة إنها...
لم يستطع أن يسمع المزيد فأسرع إلى غرفته يعميه كلا من الغضب والكراهية، لأول مرة تسيطر عليه نزعة العنف منذ أن كان مراهقًا.. بدأ يكسر ويمزق كل ما يربط تلك الغرفة بها، كان يحارب بشراسة كأنه ينازع ليمحيها أيضًا من ذاكرته ومن قلبه، وبعد ساعة طويلة جلس أرضًا يلهث في تعب نظر إلى الغرفة التي أصبحت حطامًا بدون أن يشعر بالرضا أو الراحة.
استعاد هذا المشهد مجددًا وانعكس في عينيه مزيج من الألم والغضب.. سوف يحرص على أن تدفع الثمن غاليًا لقد منحها حبًا لم يكفيها والآن حان الوقت لتتذوق كراهيته.
***
كانت تسير بلا وجهة، سمحت لدموعها أن تنهمر وتغرق وجهها كأن حقيقة ما حدث لطمتها فجأة ممزقه ثباتها السابق.
يا للسخرية، فأمس كانت تحسد سعادتها وحياتها أما الآن فهي في الطرقات المظلمة وحيدة مفلسة، وقد كانت سوسن أكثر من سعيدة بتركها على هذه الحالة في الشارع.
ألتقطت هاتفها والذي حرصت على أن يكون معها قبل أن تلقيها سوسن في الخارج، ومن بين دموعها بدأت تبحث في قائمة معارفها عن صديقة واحدة تلجأ إليها، لكن هل امتلكت يومًا مثل تلك الصديقة؟
لقد اعتادت الوحدة طويلا متظاهرة بالقوة حتى تزوجته فتركت كل شيء حتى شقتها الصغيرة باعتها لتستطيع أن تشتري جهازًا من أموالها الخاصة برغم أنه لم يبخل عليها لكنها الإستقلالية اللعينة، وها هي تندم على ذلك الآن فعلى الأقل لكانت امتلكت شقة تلجأ إليها.
ازدحمت الأفكار والظنون في ذهنها، ضمت معطفها إلى جسدها، الذي ألقته سوسن في وجهها ربما شفقة عليها أو إمعانًا في إذلالها، وقد كان الشيء الوحيد الذي يقيها لسعات البرد القارصة التي تتسلل إليها عبر قميص نومها الحريري أسفله.
ارتجف ثغرها بينما تجلس على المقعد الخشبي في محطة القطار الفارغة، مزيج من الشفقة على الذات والأسى. واست نفسها فقد فعلت ما يجب عليها أن تفعله، وإذا عاد بها الزمن مجددًا لفعلته مرة أخرى.
لكنها لا تستطيع أن تنفض الحزن والألم عن جسدها الذي يتلوى في شوق إلى دفء أحضان زوجها وأمان غرفتهما.
اشتدت قبضتها على هاتفها وكأنها تتوسله أن يجد ملجأ، كانت الأرقام تمر أمام عينيها بدون أن تحمل أي مشاعر شخصية حتى وقفت أمام هذا الرقم الذي احتفظت به لفترة تخطت عقد من الزمن بدون أن تستعين به لكن ما البديل في تلك اللحظة؟!
ترددت قليلا لكن تلك النظرات التي شعرت بها تراقبها من طرفٍ بعيدٍ، وبجانب عينيها رأتهما شابين مشردين مؤكدا ليسا في وعيهما، دفعتها إلى أن تتصل ليأتيها صوته البارد لكن في طياته كانت دهشة وقلق:-
-دارين!
بللت شفتيها وهمست:-
-أخي..
أردفت تحاول أن تتحكم في نبرات صوتها:-
- أحتاج مساعدتك.
لم يطلب أي تفاصيل وكانت شاكره لذلك، واختصر قائلا:-
-ارسلي لي موقعك سأكون هناك.
ظلت دقائق في المحطة حذرة خائفة من هذا السكون، قبل الزواج لم يكن ليخيفها لكنها اعتادت نعيم حياتها الحالي حتى أصبح الماضي ووحدته مجرد ذكرى.
يبدو أن انتظارها الطويل قد شجع المشردين على أن يتحركا، حاولت أن تصمد لكن الخوف دفعها إلى أن تقف في تأهب تفكر في خطوتها التالية لكن لم يكن هناك أي حاجه لذلك فقد كان صرير السيارة خارج المحطة كافيًا ليوقفهما أما اندفاع الرجال في بدلاتهم السوداء فدفعهما إلى الهرب.
لم تجفل من منظر الرجال ونظرت إلى أوسطهم الذي كان يتقدمهم بينما الآخرين يحيطونه في حماية بينما أسلحتهم لا تفارق خصرهم.
تأملت ملامح وجهه التي بدت أصغر من أعوام عمره التي تناهز الثلاثون لكن مازالت كما عرفتها دائمًا في صغرهما، رفع كفه ليتوقف الرجلان عن اللحاق به وتقدم هو أمامها.
نظر إليها يتأملها مليًا في قلق، لامس بكفه الإصابة في شفتيها لتنكمش ملامحها ألمًا، لا تعرف ما الذي دمر سكونها، أهي ملامحه الشبيهة بملامح أمها أم تلك النظرة في عينيه؟! لكنها فقط أجهشت بالبكاء ليجذبها إلى أحضانه.
أحاطت خصره تبكي وقد عادت طفلة صغيرة تطلب حماية أخيها الأكبر، لامس رأسها بلطف يناقض ضخامة كفه الذي لا يعرف إلا العنف وحمل السلاح.
لم يسأل ولم يستفسر فقط أحاط خصرها يقودها إلى سيارته حيث فتح أحد الرجال الباب الخلفي لهما ثم انطلقت السيارة تشق الطرقات المظلمة تلحقها سيارتين آخرتين لكنها لم تشعر بذلك وقد ظلت تحتمي به من ذلك الكابوس الطويل الذي مرت به وهو تفهم ذلك فاكتفى بالصمت وإحاطة كتفها في حماية.
***
ارتدت روبها واستلقت فوق الفراش تنتظر عودة قصي لكن سرعان ما خدعها النوم وأصبحت تحت سيطرته.
ثقل فوق فمها ووكز بارد جعلها تفتح عينيها اتسعت حدقتاها، تململت في عنف تحاول أن تتخلص من قبضته لتصرخ ما أن ألتقت عيناها بهذا الرجل الذي كان يكمم فمها بينما يضع فوهة مسدسه الباردة بجوار خصرها.
قال:-
- انهضي ببطء، لا تحاولي أن تفعلي أي شيء، وإلا سوف تزين رصاصتي جسدكِ.
لم يبعد كفه عن فمها لتنهض بخطوات متعثرة وأعين مذعورة تنظر إلى فوهة مسدسه
همس:-
- سوف أنزع يدي لكن إذا صرختِ سوف أقتلك وأقتله أيضًا.
كانت خائفة ترتجف لم تكن أول مرة ترى سلاحًا لكنها الأولى التي يكون موجهًا تجاهها.
أبعد كفه عن فمها ثم رفع هاتفه أمام وجهها، لم تفهم في بادئ الأمر إلا أنه أشار بسلاحه أن تنظر إلى شاشته.
ارتجف كفها بينما تشاهد "قصي" على الشاشة يغادر سيارته متجهًا إلى داخل الشركة، لقد كان هذا الصباح وقد تعرفت على بدلته التي جهزتها له بنفسها، بينما هي تسبقه إلى داخل الشركة لكن لم يكن هذا ما أخافها بل تغير المشهد إلى السطح المقابل ورجل ملثم يحمل سلاحًا ويوجهه إليه. لم تكن بحاجة إلى أي ذكاء لتفهم التهديد لكنه تحدث:-
-الآن سوف تفعلين ما أقوله وإلا سوف يكون موته قريبًا.
طفرت الدموع من عينيها بينما تنظر إليه في ذعر أضاف:-
- والآن سوف تخبرين زوجكِ إنكِ على علاقة بآخر.
أضاف بسخرية:-
- بالطبع ليس هناك دليل أكثر من وجودي هنا.
تكلمت أخيرًا:-
- لماذا تفعل هذا؟
-لا يهم، ولا تقاطعيني مجددًا.
أردف:-
- سوف تجعليه يثق إنكِ خائنة بأي طريقة ممكنة، وما أن يطردك من هنا، وهذا ما سوف يحدث بالطبع، سوف تغادرين بدون أي رجعة ولا تحاولي أن تخبريه أي شيء، فإن قتله سوف يكون أسهل ما أفعله.
لم يكن هناك مجالا للتفكير فحياته مقابل موتها فاختارت بدون أي تردد وحسمت أمرها.
***
ألتقطت كوب الكاكاو الساخن ترتشف منه بعد أن انتهت من سرد ما حدث سابقًا.
قال إياس في محاولة لتجميع ما عرفه:-
-ذلك الرجل صعد إلى غرفتكِ، وهددكِ بقتل زوجكِ ما لم تفعلي ما يقوله.
أومأت في صمت لينطلق لسانه بسبابٍ جعل وجنتيها تتورد ورمقته بنظرة موبخة لم يملك إلا أن يبتسم على أثرها فائلا:-
- لم تتغيري يا صغيرة.
تنهدت دارين قائلة:-
- لقد كبرت منذ ذلك الحين.
صمت برهة متذكرًا انقطاع الأواصر بينهما فقد عاد بعد وفاة والديه ليكون بجوارها، وقد كانت في العشرين من عمرها وقتها لكنها رفضته كما فعل والده من قبل بسبب مهنته فاختارت البعد، وهكذا تركها كما تشاء يطمئن على أخبارها من بعيد يراقبها بأسى تعمل بجد لتعيل ذاتها وهي في هذا السن الصغير بينما تتباع دراستها.
نظر إليها فجأة ثم سألها بغضب:-
- هل هذا الوغد هو من فعل هذا بكِ؟
لمست شفتيها وهزت رأسها في أسى ثم قالت تخفف من غضبه:-
- إنه محقٌ فيما فعله، لقد جرحته بكلماتي.
أدرك إنها تتحدث عن زوجها، وبرغم غضبه من أن يمس أحدهم أخته بسوءٍ حتى ولو كان زوجها لكنه أيضًا لا يلومه فلو كان مكانه لقتلها بدون أن يرف له جفن.
تسائل مجددًا بتفكير:-
-هل هناك أعداء في حياتكِ يا صغيرة، أشخاص يتمنون السوء لكِ؟
هزت رأسها بدون تفكير قائلة:-
-لم أقترب من شخصٍ لدرجة الحب أو الكراهية.
صمت برهة ثم قال فجأة بنبرة جافة يستخدمها مع رجاله إلى ذلك الرجل الذي كان يقف بجوار الباب وكأنه جزء منه:-
- ارسل لي عزام.
أومأ الرجل وبعد دقائق دخل عزام، وبرغم قصر قامته إلا إن خشونة ملامحه والدهاء الذي يطل من عينيه جعلاه مخيفًا في عين دارين، كان فضوله شديدًا تجاه أخت سيده التي ظهرت فجأة إلا إنه لم ينظر إليها ووجه إهتمامه إلى إياس:-
قال إياس:-
- أوصفي ذلك الرجل، أي شيء تستطيعين تذكره.
قالت بينما تحاول وصفه جاهدة:-
-طويل القامة، شعر أسود خشن، وأعين...
قاطعها بنفاذ صبر ساخر:-
-لن أبحث له عن عروسة يا صغيرة، نريد علامات مميزة، ليس لون شعره وتلك التفاهات..
رمقته بغضب ثم قالت:-
-كان هناك ندبة في كفه، وكأنه جرح سكين، وعندما ألتفت لاحظت أثر حرق بجوار عنقه لكنه أثر طفيف كما أن قصي قد ضربه فلابد أن هناك علامة إصابات على وجهه.
قال لعزام:-
-أفعل المستحيل لإيجاد هذا الوغد، وابلغ جميع الرجال، أوقفوا كل شيء تفعلونه الآن واحضروه لي.
أردف:-
- ركز على كل شخص في نطاق "قصي القاضي"، أرسلت لك عنوان شركته ومنزله.
أضاف:-
- غالبًا سوف يكون شخصًا قريبًا منه.
كانت مهمة مستحيلة بتلك المواصفات لكنه كان يدرك أن عزام بإمكانه أن يجعل المستحيل ممكنًا، وما أن غادر حتى ألتفت إياس إلى دارين قائلا:-
-لا تقلقي سوف نجده ونعرف من ورائه.
نظرت إليه في أمتنان، فبرغم كل الأختلافات التي بينهما، والفراق الطويل الذي تسبب به والدها رحمه الله؛ فبعد أن عرف بطبيعة عمله وصفقاته المشبوهة حتى طرده ومنعه منعًا باتًا من لقاء أي فردٍ من العائلة خاصة هي، وبعد وفاة والديها لم تستطع أن تتقبل حياته خاصة وقد أوضح رفضه لتغييرها لكنه مازال أخاها.. تاجر سلاح أم غيره.
تسائلت فجأه وقد لاحظت الأمر:-
- كيف عرفت اسم زوجي؟
قال مبتسمًا:-
-ليس معني إننا اختلفنا أنني لا أعرف أخبارك يا صغيرة.
رغم كل شيء إنها تحبه حقًا فهو أخ جيد لكنها تلك البؤرة السوداء في حياته هي ما تلطخ كل شيء فتجبرها على البقاء بعيدة عنه.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!