الفصل الثاني
-لقد أرسلت إليه الخادم ليبلغه بقدومك.
أومأت سيلين بينما تتظاهر بالحزن وتبدي تعاطفها قائلة:-
-لقد حزنت كثيرًا لما حدث، فقصي لا يستحق هذا أبدًا.
أومأت سوسن في موافقة، وقالت بنفور:-
-لقد كنت رافضه لتلك العلاقة منذ البداية؛ فتلك المرأه لم تكن مناسبة أبدًا.
أومأت سيلين بدون تردد، وسألت في إهتمام:-
- كيف حاله الآن؟
ظهر الحزن على ملامح سوسن قائلة:-
- إنه كالأسد الجريح في غرفته القديمة.
أردفت برجاء:-
-تحدثي معه يا سيلين لعله يستمع إليكِ.
ربتت على كتفها قائلة:-
- لا تقلقي، لن أتركه أبدًا.
برقت عيناها فقد كان ذلك أكثر ما هي صادقة بشأنه، فلن تترك قصي أبدًا.. ليس بعد ما فعلته لتجعل الطريق خاليًا أمامها.
انتزعها ظهوره من أفكارها لتتأمله في إعجابٍ واضحٍ، وبرغم شحوب ملامحه إلا أن وسامته كانت تعوض ذلك خاصة في تلك البدلة السوداء التي أبرزت طول قامته وسحر عيونه السوداء التي توازي سواد شعره الذي كان مصففًا في رسمية أضافت عليه هالة من الجدية.
لم يبدي أي رد فعل عند رؤيتها لكنها لم تبالي بل اندفعت إليه تقول بحزن أجادت اصطناعه:-
-كيف حالك يا قصي؟
أردفت:-
- لقد حزنت كثيرًاعندما عرفت عما حدث من طنط أثناء مهاتفتي لها.
أومأ في عدم اكتراث، فوالدته أحبت دائمًا الثرثرة مع سيلين لذلك فلم يتعجب معرفتها بالأمر. نظر إلى والدته وقال بنبرة باردة لم يستخدمها معها قط:-
- سوف اذهب للشركة.
حاولت أن تمنعه لكنه لم يترك لها مجالا للتحدث، وألتفت مغادرًا لتهتف سيلين:-
- سوف آتي معك للتحدث مع أبي في الشركة.
ابتسمت سوسن براحة بينما تراقبها تلحق به، فتلك الفتاة معجبة بابنها منذ زمن ولم يُخفى ذلك عن عينيها..
لقد داوت بنفسها جروح كفه من تحطيم الغرفة ولكم الرجل قبلها لكن جروح قلبه ليس لها تأثيرعليها لكن من ممكن أن باستطاعة سيلين أن تخفف عنه، وربما سوف تعوضه عن تلك الملعونة.
مجرد التفكير في أن سيلين الرازي سوف تكون زوجة لابنها يملأ قلبها حبورًا؛ فهي ابنة شريك زوجها المرحوم كما أن والدها له شركته الخاصة أيضًا لذا فهي أكثر من مناسبة ككنة لها، عليها فقط أن تستغل كل فرصة لتدعوها حتى تقربها من ابنها وربما في القريب العاجل سوف يشهد هذا المنزل زفافًا سعيدًا.
مطت شفتيها بعدم رضا بينما تمر على الغرفة المغلقة منذ هذا اليوم، من أسبوع، والتي يتجنب دخولها كأنها مصدر للطاعون وقد أغلقها محتفظًا بمفتاحها بعيدًا عن الأعين..ربما بفضل سيلين سوف تفتحها قريبًا وتلقي بفضلات تلك الملعونة الخائنة خارج هذا المنزل لتلحق بصاحبتها.
***
ألتقط هاتفه بعدما أصدر طنينًا بقدوم رسالة ثم دفعه تجاهها لتنظر إلى الصور الملتقطة..
كم اشتاقت إليه، وكم يتألم قلبها على رؤية شحوب ملامحه لكن ذلك الشوق تحول إلى غضب وغيرة شديدة عندما لاحظت تلك العلقة التي تلتصق به في كل الصور.
انتبهت إلى سؤال إياس:-
-هل تعرفينها؟
أومأت قائلة:-
- إنها "سيلين الرازي"، ابنة شريك قصي في الشركة، كانت مسافرة وعادت منذ فترة قصيرة.. قد رأيتها مرة أو مرتين في الشركة لكن ليس لها أي علاقة بأعمال والدها.
أردفت بحنق:-
- لا أفهم سبب ذهابها إلى الشركة والمنزل أيضًا.
تسائلت مجددًا في إهتمام:-
- هل تعتقد أن الأمر له علاقة بها؟
هز إياس كتفه قائلا:-
- مازلنا نبحث..
استطرد بتفكير:-
-لكن من الغريب تلك الأحداث عقب عودتها من السفر..
خيم الصمت وكلاهما مشغول بأفكاره ثم قالت دارين بنبرة مفعمه بالقلق:-
- لن يصيبه مكروه أليس كذلك؟
ربت على كفها الموضوع فوق الطاولة قائلا:-
- لقد وضعت رجالا لمتابعة حركاته وحمايته، فلا تقلقي.
أومأت براحة ثم أعادت عيناها إلى الصور، إذا كانت تلك العلقة لها علاقة بالموضوع فسوف تمزقها أربًا.
لم تلاحظ الابتسامة التي اعتلت ثغر إياس بينما يحتسي فنجان قهوته، فالجنون والتملك جينات فى العائلة حتى وإن اختلفت حياتهما فأخته تبدو كنسخة ألطف قليلا منه لكن بنفس الجينات المقاتلة.
توقفت عن النظر إلى تلك الصورة عندما دخل عزام الغرفة مسرعًا، يهمس بجوار أذن إياس بكلمات لم تسمعها لكنها كانت كافية لتدفع إياس إلى النهوض سريعًا قائلا:-
-إذا احتجتي إلى أي شيء اخبري الرجال في الخارج يا صغيرة.
-إلى أين أنت ذاهب؟
قال مبتسمًا:-
- لدي عمل هام.
-أي عمل؟
زفر ثم وضع يده خلف ظهره أسفل معطف بدلته مخرجًا سلاحه وقال بسخرية:-
- أنا لست موظفًا حكوميًا كما ترين يا صغيرة.
أومأت في إمتعاض، ودفعت إليه هاتفه لتلتوي شفتيه في سخرية ويخرج من الغرفة تاركًا إياها تعود إلى شرنقة ذكرياتها وأحزانها.
تريد أن تراه مجددًا، هي لم تفعل أي شيء غير حمايته فلماذا هذا العقاب الذي تحصل عليه الآن؟! حتى وإن لم تستطع أن تخبره بالحقيقة والتهديدات التي تلقيتها فلماذا لا تستطيع أن تبقى بجواره؟ أليس هذا عملها كمساعدة شخصية؟!
كلا، لن تترك عملها والأهم إنها لن تترك زوجها إلى تلك العلقة التي تستغل غيابها لتلتصق به.. عديمة الحياء الوقحة!
صرت على اسنانها في غيظ بينما تستعيد الصور حيث تلتصق بزوجها في كل فرصة تسنح لها بل تجاوز الأمر حدود الشركة فتذهب بشكل يومي إلى المنزل أيضًا.
بالطبع لابد أن سوسن هانم رحبت بذلك كثيرًا فسوف تحب أن تجعل قطعة السردين العفنة تلك كنة لها.
زفرت في ضيق فلم يُخفى عليها أبدًا بغض حماتها لها لكن لم يعنيها ذلك كثيرًا ففي الصباح كانت تذهب إلى العمل وتعود بصحبة زوجها لذلك لم تختلط بها.. فقط بعض المواقف القليلة التي تستغلها سوسن لتوضح مشاعرها كالإشارة أثناء مساعدتها في تحضير الأفطار يوم الأجازه أن تلك وظيفة الخدم وتلميح خبيث إلى مكانتها الإجتماعية.
كان هذا لا يؤثر على دارين كثيرًا فقد كان قصي أكثر من قادرٍ على حمايتها من هجمات أمه ومنحها الإحترام الذي تستحقه وهذا ما كان يهمها بعد كل شيء.
تمتمت بحدة:-
- لن امنحك ذلك يا حماتي العزيزة، وتلك السردينه النتنه سوف تعود إلى مكانها في مكب النفايات عند عودتي إلى منزلي.
تنهدت في رضا عن قرارها، وانتظرت في ملل عودة إياس لتخبره ذلك بدون أن تعرف مدى انشغاله فعلى عمق أمتار طويلة أسفل المبنى، في القبو، كان يجلس إياس على مقعد خشبي ينفث دخان سيجارته في هدوء مبالغ به ثم انحنى بجذعه إلى الأمام ينظر إلى وجه الرجل الملطخ بالدماء أمامه متسائلا:-
-والآن يا رمزي، ألن تخبرني ما أريد معرفته؟
أجاب بصوت مرتجف النبرات:-
-أنا لا أعرف شيئًا يا باشا، أقسم على هذا.
هز رأسه في رفض وقال باستهجان:-
-لقد بحثنا جيدًا خلف سيدتك، وإلا ما كنت أصبحت ضيفنا يا عزيزي رمزي بالتالي فتلك ليست الإجابة التي أريدها.
أشار برأسه إلى أحد الرجال ليلكمه مرة أخرى ليقول رمزي في هلع:-
- أنا لا أعرف أي شيء لكن...
اعتدل إياس مرددًا:-
- لكن ...
قال بصوت خائف متلعثم:-
- لقد ذهبنا إلى مكان نائي لأول مرة لكنها أخبرتني أن أبقى في السيارة، وتابعت السير وحيدة، وعندما عادت أخبرتني ألا أذكر الأمر لأي شخص.
أومأ مبتسمًا:-
- جيد جدًا يا رمزي، احسنت.
نهض بكسل ثم اتجه إلى الدرج قائلا:-
- فلتعيدوه إلى مكانه لكن تأكدوا ألا يتحدث.
***
كانت تنتظر إياس عاصفة من القرارات المجنون من أخته والتي لم تنتظر إبدائه لأي رد فعل على كلماتها فقد تحولت ملامحها إلى الغضب عندما لاحظت قطرة الدم التي تناثرت سابقًا على طرف قميصه كادت أن توبخه لكن ما أن لاحظ نظراتها حتى عاجلها بقوله:-
-ليس هناك وقت لطريقتك يا صغيرة فدعيني استخدم أساليبي.
في تلك اللحظة تذكرت سبب خلافهما طيلة تلك الأعوام..
غير الموضوع قائلا:-
- هل سوف تفعلين حقًا ذلك؟
أومأت في تصميم ليقول ببرود:-
- إذا كان أنا لكنت قتلتك في اللحظة التي تظهرين بها أمامي.
نظرت إليه بصدمة ليهز كتفه قائلا:-
- الخيانة لا جزاء لها إلا القتل، هذا قانوني.
هتفت في إعتراض:-
- لكنني لم أخونه.
قال باستهجان:-
- هو لا يعرف هذا.
زفرت في ضيق ثم قالت:-
- أنا أرغب في البقاء بقربه، إنها المرة الأولى منذ أعوام التي أبقى بعيدة عنه سواء وأنا مساعدته فقط أو بعد زواجنا.
أشارت إلى هاتفها تتابع:-
- استطيع فقط رؤيته من الصور.
أضافت:-
- كما إنك تحميه لذلك يمكنني البقاء بجواره فقط، لن أفعل أي شيء آخر.
نظر إلى عينيها مستوعبًا لأول مرة التغير الذي أصابها..إنها تحب ذلك الرجل حقًا، لم يستطع منعها فأومأ قائلا:-
- لكن رجل من رجالي سوف يراقبك.
كادت أن تعترض لكن الإصرار في عينيه جعلها تدرك أن شرطه لن يتغير فوافقت.
***
كانت خطواتها واثقة هادئة بينما تقطع ممرات الشركة إلى مكتبها بينما بداخلها كانت ترغب في العدو تجاهه تخبره بحقيقة الأمر لكن يجب أن تصبر وتنتظر إشارة أخيها حتى لا تعرضه للخطر.
جلست خلف مكتبها الذي اشتاقت إليه خلال هذه الأيام التي لم تتجاوز الأسبوعين، وبدأت تنظم الملفات التي تكدست خلال تلك الفترة من الغياب بينما نظراتها لا تتوقف عن النظر في ترقب إلى الباب تنتظر ظهوره فقد هاتفت زميلة لها تتأكد من وجوده اليوم ولم تخلو المكالمة من اسئلة ومحاولات التطفل فاكتفت بالقول إنها اضطرت للسفر وتريد أن تصنع له مفاجأه لكنها لم تستطع أن تجد كذبة لتفسير غيابه عن العمل أو حالته الغريبة عند عودته أمس فغيرت الموضوع وانهت المكالمة تتمنى أن تكون اقتنعت بالجواب وحمدًا لله إن اصابة شفتيها قد شفيت تمامًا حتى لا تجذب النميمة في الشركة.
انتفضت واقفه عندما دخل من الباب، بدت هيئتها الخارجية هادئة لكن دقات
قلبها كانت ترقص طربًا لوجوده، اشتاقت إليه كثيرًا.
تأملت في ألم السواد حول عينيه لو
بإمكانها أن تلقي بنفسها بين ذراعيه فتضمه إليها وتقبل وجهه حتى لا يترك الألم أي
أثر عليه، وكأنه لم يكن، لكنها ظلت واقفه في مكانها تتأمل ذهوله الذي سرعان ما
تحول إلى إحتقار.
تقدم منها هاتفًا في هياج شديد:-
-ما الذي تفعلينه هنا؟
كادت أن تغلبها عواطفها لكن ملاحظتها للعلقة من خلفه جعلتها تسترد أنفاسها، وتقول ببرود:-
-أعمل.
نظر إليها بعدم تصديق وغضب بالغ لكن لمسة على ذراعه أثابته إلى رشده، قالت سيلين:-
- لا تنفعل يا عزيزي، فلا نريد أن يعرف الجميع في الشركة أسرار حياتك.
عزيزي!
تلك العلقة القذرة تستفزها، رمقتها بغل تتمنى لو تعرف مقدار التحكم في الذات التي تستهلكه حتى لا تهجم عليها فتمزق خصلات شعرها وتجعلها كدجاجة اُنتزع ريشها.
قالت دارين ببرود لا يمس بصلة إلى الثورة بداخلها:-
- العمل لا صلة له بالعلاقات الشخصية، وأنا بارعة في عملي.
ابتسم قصي بسخرية وقال بلهجة مهينة:-
- أنتِ بارعة في الكثير من الأشياء.
لم يزد عن تلك الكلمات واتجه إلى مكتبه بصحبة العلقة تاركًا إياها تأن في وجع من تلك الكلمات لا لفحواها لكن لألمه المستتر خلفها.
برقت عيناها في تصميم أيًا كان المتسبب في أن تكون في هذا الوضع سوف تمزقه أربًا وتجعله يدفع الثمن غاليًا.
***
بعد دقائق نهضت تحمل التقارير التي تحتاج إلى مراجعته وتوقيعه، وبأقصى ما تمتلكه من مهارة مهنية دخلت المكتب.
حاولت أن تسيطر على ملامحها التي تحمل من الغيرة والبغض الكثير وهي ترى العلقة تقوم بدورها الطبيعي في الإلتصاق بزوجها العزيز، والذي لم يبدو عليه أي ضيق من ذلك القرب أوهكذا ظنت.
-الملفات التي تحتاج إلى المراجعة والتوقيع يا قصي.
انساب اسمه بعفوية بالغة من بين شفتيها لكن كان تأثيره عنيفًا فقد انتفض من مكانه وقال بحزم:-
- من سمح لكِ أن تنطقي اسمي؟
كان السؤال مثيرًا للسخرية في أجواءٍ أخرى لكنه لم يبالي وأضاف:-
- فلتلتزمي بالحدود بيننا.
أومأت في هدوء مصطنع برغم رغبتها البالغة في أن تلعن تلك الحدود وتجذب ربطة عنقه تقبل وجهه الوسيم لكنها اكتفت بأن غادرت بدون أن تنسى أن تلقي نظرة إحتقار على العلقة.
لم تكد تجلس خلف مكتبها حتى رن الجرس يستدعيها فنهضت سريعًا، واتجهت إلى المكتب.
كان قصي غاضبًا منفعلا وصرخ باهتياج شديد:-
-ما تلك التراهات، وهذا الإهمال!
رددت بعدم فهم:-
- إهمال؟!
حرك يده التي تحمل التقارير التي سلمتها له سابقًا هاتفًا:-
- سوف تُعاد تلك التقارير مجددًا.
بدلا من الكلمات خرجت شهقة من فمها عندما اصطدم الورق بوجهها بعدما دفعه في انفعال بالغ.. تساقطت الأوراق أرضًا بينما هي فقد سيطر عليها غضبٌ لم يسبق أن أصابها من قبل.
عقدت ساعديها أمام صدرها وقالت:-
- هل في تلك الثوان تفحصت تلك الأوراق كلها لتحكم أنه يجب أن يُعاد؟!
تدخلت العلقة بصوت لزج، مثلها:-
- لا يجب أن تتحدث المساعدة مع رئيسها بتلك الطريقة.
تنفست دارين بعمق تمنع نفسها من الهجوم عليها، وثبتت أمامه تبادله نظراته لكنه قال بهدوء:-
- إذا كنتِ معترضة، غادري، لا أحد يمنعكِ.
أردف بابتسامة غرضها أن يؤلمها منتهزًا فرصة وجودها ليحصل على انتقامه فقد جائت بقدمها إليه:-
- لا أحد يريدكِ على أي حال.
تحقق غرضه لكنها حاولت أن تتظاهر بعدم التأثر وانحنت في هدوء تلتقط الأوراق قائلة:-
- سوف اراجعها، وأسلمها مجددًا.
لم يرد ولم تنتظر خلاف ذلك..غادرت المكتب تطفر الدموع من عينيها لكنها كانت تعذره فهذا أقل ما يمكن لرجل أن يفعله في موضعه لكنها لا تستطيع أن تتوقف عن الشعور بالألم المضاعف: ألم من ذلك القرب والذي جعلها تشعر ببعد لم يسبق أن شهدته، وألم لانكسار قلبه الثمين.
الصبر، فقط الصبر، وسوف يكون كل شيء على خير ما يرام..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!