أنا معرفش إمتى بالظبط بدأت أحب المكتبات بالشكل ده.
يمكن من وأنا صغيرة، لما كنت بستخبى في أوضتي وأقرأ أي حاجة تقع تحت إيدي. روايات، مجلات قديمة، كتب مدرسية حتى… المهم إني أهرب شوية من الدوشة اللي برا.
اسمي ملاك.
وعندي عادة غريبة شوية.
كل يوم تقريبًا، بعد العصر، بلبس هدومي وأنزل أروح نفس المكتبة، مش عشان عندي أصحاب هناك، ولا عشان بذاكر، ولا حتى عشان لازم أرجع كتب، كنت بروح عشان أحس إني في مكان يشبهني.
المكتبة كانت قديمة، قديم أوي، بابها الخشبي بيطلع صوت خافت أول ما يتفتح، وريحتها خليط بين الورق القديم والقهوة اللي أمين المكتبة بيشربها طول الوقت، في أول مرة دخلتها، حسيت إني دخلت عالم تاني، ومن ساعتها بقيت جزء من يومي.
—————————-
ملاك! هتتأخري؟
صوت أمي رجعني للواقع، نازلة أهو
لبست الدريس البيچ بتاعي ولفيت الخمار، حطيت الرواية اللي كنت خلصتها في الشنطة، ونزلت.
الجو كان هادي على غير العادة، الشارع مليان ناس، بس كل واحد مستعجل على حاله، اشتريت عصير من الكشك اللي قبل المكتبة، وبعدها كملت طريقي،لحد ما وقفت قدام الباب الخشبي.
أخدت نفس عميق …. دخلت، جرس صغير رن فوق الباب.
أهلًا يا ملاك.
ابتسمت لأمين المكتبة: أهلًا يا عم عادل.
خلصتي الرواية؟
طلعت الكتاب من الشنطة وقولت : آه… بصراحة زعلت إنها خلصت.
ضحك عم عادل : طب دوري على غيرها.
هززت راسي ومشيت.
—
كالعادة، اتجهت للركن اللي بحبه.
جنب الشباك الكبير.
بس قبل ما أوصل، لاحظتها.
بنت، قاعدة لوحدها ولابسة كارديجان كحلي، مع لفة الحجاب ملفوفة بطريقة بسيطة.
كانت مركزة في كتاب قديم لدرجة إنها مرفعتش عينها لحظة.
عديت جنبها وقعدت، فتحت الرواية الجديدة لكن…
مش عارفة ليه كنت برفع عيني كل شوية أبصلها.
مش فضول،بس مجرد إحساس غريب إني شفتها قبل كده وفعلًا افتكرت !!
دي البنت اللي كانت هنا امبارح، وقبله.
وقبلهم، كل يوم تقريبًا، بس عمرنا ما اتكلمنا.
———————-
بعد نص ساعة تقريبًا، دخلت بنت تانية, دي بقى مستحيل متتاخدش بالك منها، كانت ماشية بسرعة وهي شايلة كومة كتب ضخمة، لحد ما… طخ، وقعوا كلهم على الأرض، اتخضيت، والبنت نفسها اتخضت.
يا نهار أبيض!
حاولت أجمع الكتب بسرعة، وفي نفس اللحظة، البنت اللي بالكارديجان قامت تساعدها، وقمت أنا كمان
خدي ده.
ميرسي.
وده كمان
البنت بصتلنا وضحكت بإحراج :أنا رنيم… وعندي موهبة إني أوقع أي حاجة في أي مكان
ضحكت رغمًا عني، والبنت التانية قالت بهدوء : ليان.
بصوا لي: وأنا ملاك.
رنيم ابتسمت.
(تشرفت بمعرفتكم). واتعرفنا على بعض وقتها
———————–
بعدها بحوالي عشر دقايق، دخلت بنت تانية.
كانت هادية جدًا، طويلة، وعينيها مركزة في الأرض وهي ماشية، راحت على طول ناحية قسم الشِعر، وقفت تدور بين الكتب ,ليان همست: هي دي مش البنت اللي بتيجي كل يوم برضو؟
بصيتلها.
..آه.
رنيم رفعت حاجبها.
إحنا طلعنا عصابة مكتبة ومش عارفين.
ضحكنا، وبعد شوية…
البنت قربت من الترابيزة.
ممكن آخد الكتاب ده؟
كان جنب ليان، ناولتهولها
أنا: اتفضلي
البنت: شكرًا
سكتت شوية.
أنا مريم …
ابتسمتلها…
وأنا ملاك
ودي ليان، والتانية رنيم
مريم ابتسمت بخجل،وقعدت بعيد شوية، بس المرة دي بقينا أربعة.
——————–
أنا جعانة! ،رنيم قالتها فجأة
بصينالها.
ايه؟ هو الجوع عيب؟
ضحكت.
أنا : في مكتبة؟
رنيم : أنا بقرأ أحسن وأنا باكل.
ليان لأول مرة ضحكت، ضحكتها كانت خفيفة.
ليان: حلوة.
رنيم: علفكرا دي نظرية جديدة … والله حقيقية.
بدأنا نتكلم، كلام عادي جدًا.
عن الكتب.
عن أكتر شخصيات كرهنها …
عن نهايات الروايات اللي بوظت أعصابنا … عن المؤلفين اللي بيقتلوا أبطالهم بدون سبب، ولأول مرة من وقت طويل…
حسيت إني مرتاحة وأنا بتكلم، من غير ما أحسب كل كلمة.
—————————-
(أنا آسفة…)
صوت جديد قطع كلامنا.
بصينا، كانت بنت واقفة قدامنا.
لابسة نضارة، وشكلها متردد.
البنت : كنت بسألكم… الكتاب ده حلو؟
كان في إيدها رواية، رنيم أخدتها.
رنيم: لا.
البنت: إيه؟
رنيم: لا يعني لا.
البنت: ليه؟
رنيم: المؤلف ده بيستفزني.
ضحكت البنت وقالت :
أول مرة حد يقيم كتاب على أساس شخصي.
مريم قالت بهدوء: أنا شايفه أنه كويس
ليان هزت كتفها :
حسب ذوقك.
البنت بصتلنا👀
امم، ممكن أقعد؟
بصينا لبعض، وبعدين قلت:
آه طبعًا.
ابتسمت، أنا غيداء.
رحبنا بيها كلنا
——————–
مش عارفة إمتى بالظبط بقينا بنتكلم كأننا نعرف بعض من زمان.
يمكن لأن كلنا كنا بنيجي نفس المكان، نفس الوقت.
ونفس الركن تقريبًا.
يمكن لأن الوحدة بتخلي الإنسان يلاحظ اللي شبهه.
رنيم كانت أكتر واحدة بتتكلم.
غيداء كانت فضولية، مريم هادية بشكل غريب، ليان بتسمع أكتر ما بتتكلم.
وأنا…
كنت بتفرج عليهم، وبشاركهم وبفكر…
إزاي ناس غرب عني من ساعة ونص بس ، حسيت معاهم براحة أكتر من ناس أعرفهم بقالي سنين؟!
———————–
رنيم : طب سؤال … إيه أكتر سبب خلاكم تحبوا المكتبات؟
سكتنا، غيداء قالت: عشان بحب أعرف الناس كانت بتفكر إزاي.
مريم ابتسمت: بحب الشعر.
ليان بصت للشباك: عشان هادية
رنيم قالت: عشان التكييف
ضربتها غيداء بخفة :بجد
رنيم : ما أنا بجد.
ضحكنا، بصوا لي:
وأنتِ يا ملاك؟
بصيت حواليّا، للرفوف، للورق، للشباك، وللضوء الأصفر وقلت: عشان هنا محدش بيطلب مني أبقى شخص غير نفسي.
سكتوا.
وبعدين مريم قالت بهدوء: إجابة حلوة
———————-
الساعة عدت بسرعة، أسرع من المعتاد، عم عادل بدأ يرتب الكتب، وده معناه إن المعاد قرب يخلص.
رنيم شهقت : إيه ده؟ الوقت جري!
غيداء قالت: أنا أصلًا مفكرتش إني هقعد كل ده.
ليان جمعت كتبها، ومريم قفلت الدفتر اللي كانت بتكتب فيه.
وأنا…
حسيت بضيق غريب، كأن اليوم مينفعش يخلص هنا !
رنيم بصتلنا: هو إحنا هنمثل إننا هنتقابل صدفة تاني ولا إيه؟
غيداء ضحكت: يعني؟
يعني ناخد أرقام بعض.
سكتنا ثانية، وبعدين…
ليان : فكرة حلوة.
أول مرة تقترح حاجة بنفسها.
طلعت موبايلي .. تمام.
رنيم قالت: أنا أول واحدة.
غيداء: لا أنا.
مريم ابتسمت بخجل وهي بتكتب رقمها، ليان كتبت رقمها آخر واحدة.
وأخيرًا…
بقى عندي أربع أرقام جديدة في موبايلي، أربع بنات كنت من ساعات قليلة معرفهمش أصلًا.
————————
وقفنا عند باب المكتبة, الهواء كان ألطف من الصبح، والشمس بدأت تغيب، رنيم رفعت موبايلها: هنعمل جروب.
غيداء :اسمه إيه؟
“ضحايا الكتب.”
لا.
“مدمنات القراءة.”
لا.
مريم قالت بهدوء : الهاربات إلى الرفوف.
سكتنا، وبعدين ابتسمنا.
ليان : خلاص ماشي ده أحسن اسم.
بصيت للبنات.
رنيم وهي بتضحك، غيداء وهي بتحاول تخبي حماسها، مريم بابتسامتها الهادية، ليان بنظرتها الساكنة، ومعرفش ليه…حسيت إن اللحظة دي مهمة، مهمة أكتر مما تبدو، كأن الحياة كانت بترتب خيوطها بهدوء عشان تجمعنا هنا، قدام مكتبة قديمة … وفي يوم عادي جدًا، ومن غير ما نعرف، كانت دي بداية الحكاية، الحكاية اللي هتغير حياة كل واحدة فينا، اللي هتخليني بعد شهور طويلة، أبص لأول يوم قابلت فيه البنات وأقول لنفسي: يا ريتني كنت عرفت إن الصدف البسيطة ساعات بتبقى أخطر من أي حاجة تاني، لأني لو كنت أعرف، كنت سألت نفسي سؤال واحد بس: إيه اللي جمع خمس بنات مختلفين تمامًا… في نفس المكتبة، ونفس الوقت، ونفس الأيام؟ وهل فعلًا كانت صدفة؟ ولا كان في حد مستنينا هناك من البداية؟؟
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!