_تتجوزني يا ياسين؟!
قال بصدمة بانت في ملامحه قبل نبرة صوته_ أيه؟!
فتحت عيوني ووجهت نظراتها لي، وحاولت تكون نبرتي أوضح وأنا بكرر طلبي من تاني وبقول_ تتجوزني؟
فضلت عيونه بيا ثواني طويلة، وكأنه بيحاول يستوعب إذا كنت بهزر ولا بتكلم جد، من بعدها قام وقف مرة واحدة، وقال بعدم تصديق لكلامي_ أستاذة مَريم حضرتك واعية للي بتقوليه؟!
قُمت من مكاني أنا كمان ووقفت قُصاده، وحاولت استجمع قوتي واداري بيها خوفي، وقُلت بنفس الثبات_ أيوه واعية ياسين وعارفة أنا بقولك أيه.
فضل باصصلي بعدم استيعاب، قبل ما يقول بنفس الإستغراب_ حضرتك تتجوزيني أنا، طب ليه أنا؟!
ضِحكت ضِحكة قصيرة باين فيها غُلبي وقلة حيلتي، وأنا بقول_ لأني مش قدامي غيرك دلوقتي.
وقبل ما ينطق بشيء زيادة كملت، وقُلت_ عارفة إن كلامي غريب، ويمكن كمان يبان مُهين ليك، بس صدقني مكانش هيطلع مني لو كنت لاقية حل تاني غيره.
سكتّ لحظة، فاستغلها هو، وقال وهو رافع حاجبه بإستنكار لكلامي_وأيه اللي يخلي واحدة في مكانة حضرتك تعرض علىٰ حد الجواز بالشكل ده؟!
وقتها مكانش في قدامي أي مفر من الحقيقة، وخدت نفس طويل بعده قُلت_ ببساطة لأن عمي عايز يجوزني ابنه.
سكتّ ثانية، وكملت وقُلت بانفعال واضح في ملامحي حتىٰ لو بحاول اداريه_ لا ده مش بس عايز، ده حدد وهينفذ وكتب كتابي عليه الخميس الجاي.
وسط ما كان بيسمعلي، قال_ وحضرتك موافقة.
ضِحكت بسُخرية، وقُلت_ وأنا لو موافقة جايباك وبقولك الكلام ده ليه، ليه ولا يكونش ببلغك عشان تشهد علىٰ العقد مثلًا.
اتنهدت وأنا بحاول اهدي من غضبي، ورجعت قعدت علىٰ كرسي المكتب من تاني، وقُلت_ ياسين أنا محاصرة ، وعمي مش سايبلي مساحة أتنفس فيها حتىٰ.
كان ساكت بيسمع لكلامي ومازال الاستغراب باين في ملامحه، وصدمة الطلب مفارقتهوش، فـ كملت أنا كلامي، وقُلت_ تقدر تقول عني ياسين غريق وأنت أخر قشاية بيتعلق بيها.
رد لحظتها وهو رافع حاجبه بإعتراض، وبيقول_ وأنتِ فاكرة الجواز لعبة يا أستاذة مَريم.
رديت بهدوء، وقُلت_ عارفة إنه مش لعبة، وفكرت كويس قبل ما اطلب منك الطلب ده، وعارفة كمان إن طلبي تقيل،
بس أنا مش بطلب منك تحبني، ولا حتىٰ تعتبرني مراتك بالمعنى اللي في بالك، أنا بس بطلب منك تنقذني.
سكت لثواني طويلة، للدرجة اللي أصبحت فيها دقات قلبي مسموعة، وعيوني مفارقتش ملامحه في انتظار رده، اللي وضح في هزة راسه بالنفي، وهو بيقوم من مكانه، وبيقول بعزة نفس واضحة_ أنا أسف يا استاذة مَريم بس لا عرضك مرفوض.
اتجمدت ملامحي لحظة، وأنا شايفاه هدم خطتي وحولها سراب، أما هو فـ كمل كلامه، وقال_أنا مقدر جدًا اللي حضرتك بتمري بيه، ومقدر ثقتك فيا، لكن الجواز بالشكل ده عمره ما كان حل.
قُلت بشفايف بترتجف من بُكايا المتداري علىٰ أخر أمل نجاة ليا ضاع بكلامه_بس…
قاطع كلامي، وقال بهدوء_ ولو وافقت النهاردة عشان فلوس عملية أمي، هبقى ببيع نفسي، ولو بيعتها عُمري ما هعرف ابصلها في المراية تاني، لأني وقتها مش هلاقي غير واحد رخيص ملوش قيمة، وأنا مش كده يا أستاذة مَريم.
لأول مرة من ساعة ما دخل مكتبي، معرفتش ألاقي رد، أصل الحقيقة إن هو مغلطش، ولا حتىٰ قال كلمة أقدر ألومه عليها، بالعكس كان بيدافع عن كرامته زي ما أنا بحاول أدافع عن حياتي.
لحظتها قُمت وقفت قدام الشباك، واديتله ضهري، وعيوني راحت للشارع، ووقتها خانتني دمعة وهربت منهم، وأنا بقول بصوت باين فيه خنقة قلبي وضيق الدنيا بيا_ أنت عندك حق.
سكتّ لحظة، ومسحت دمعتي اللي هربت مني بسُرعة قبل ما يلاحظ وجودها، وقُلت_وحقك كمان ترفض، وتزعل من طلبي أصلًا، أنا بس كنت متعلقة بأي أمل لنجاتي منه وخلاص.
كان ساكت، فـ ضِحكت بسُخرية من حالي وقلة حيلتي، وقُلت_ تقريبًا كُنت غبية أما فكرت إني هقدر امشي الكون علىٰ كيفي، وإن الموضوع ممكن يكون بالسهولة اللي تخيلتها، بس معلش.
خدت نفس طويل، وحاولت استعيد نبرة صوتي المتماسكة، وأنا بقول_ متشكرة إنك سمعتني يا ياسين.
ساد الصمت بينا لحظات، لحظات طويلة للدرجة اللي افتكرت فيها إنه مشي فعلًا وسابني، ولكن بان صوته من تاني وهو بيقول_ وابن عم حضرتك ده هيعمل أيه لو موافقتيش علىٰ جوازك منه؟
لفيتله من تاني، وأنا مرسوم علىٰ ملامحي إبتسامة مكسورة مدارية وجع قلبي، وبُكا عيوني المستخبي وراها_ مش محتاج يعمل لأن مفيش قدامي مجال للرفض، فـ الحرب بجندي واحد خسرانة خسرانة، وأنا في الأول وفي الأخر بنت ملهاش ضهر تتسند عليه بعد أبوها.
كان ساكت بيسمعلي، ولأول مرة يشوفني بعين مختلفة، فـ اللي قدامه مش صاحبة الشركة ولا رئيسة مجلس إدارتها، اللي قدامه إنسانة تايهة في الدنيا ومش لاقيالها مرسىٰ.
رجعت قعدت علىٰ مكتبي،وعيوني راحت للملفات اللي قدامي، وحاولت استعيد جديتي وثباتي المعروف ، وقُلت_ علىٰ العموم اعتبر إن مفيش شيء اتقال، وتقدر تتفضل علىٰ شغلك.
متحركش، ولا رد، ولا حتىٰ فتح الباب، وده كان أول شيء خلاني أحس إنه رغم رفضه لسه بيفكر.
___
_ست مَريم عُمر بيه موجود تحت، وعايز يشوفك.
جملة قالتها فاطمة، في الوقت اللي كُنت قاعدة فيه علىٰ سريري ضامة رجلي لصدري، ودافنة وشي مابين كفوفي، ودموعي غالباني ومش راضية للحظة تجف، وقتها رفعت عيوني ليها بإرهاق أثر البُكا، وأنا بقول بصوت يكاد يكون مسموع_ مش عايزة اقابل حد.
وقبل ما تخرج دادة فاطمة من اوضتي حتىٰ عشان تبلغه، دخل لحظتها عليا بدون أي استأذن، وهو بيقول بـ سخافته المُعتادة_ لا ملكيش حق يا مريوم، بقىٰ مش عايزة تشوفي عُمر حبيبك اللي جايلك بفستانك يا عروسة.
اتحول انكساري لحظتها لغضب من فعله، وقُمت بعصبية وقُلت_ أنت إزاي تجرُأ تدخل أوضة نومي.
طبطب علىٰ خدي وهو بيصطنع الحنية، ولكن باين نواياه القذرة في لمسته، وقال_ كلها يومين وتكون أوضتي معاكِ يا حبيبتي.
رميت إيده عني بغضب من لمسته، وأنا ببعد عنه، وبقول بصوت باين فيه عصبيتي_ نجوم السما أقربلك يابن عاصم، سامع مش هتطول مني شعرة.
ضِحك بإستهزاء، هو بيقول بسُخرية_ اهو مفيش أقرب من الأيام يا بنت عمي، ولو إني نفسي اثبتلك دلوقتي إني طولت نجمتي خلاص، بس يلا الله يسامحه أبويا بقى منبه عليا إني اتقل علىٰ الرز لما يستوي ويحين أوان أكله.
علي صوتي، وبان انفعالي، وأنا بقول_ اطلع بره، يلا بره.
فضل واقف لحظة، بيبصلي بابتسامة مستفزة، كأنه مستمتع بانهياري أكتر ما هو مُهتم بغضبي، وقبل ما يطلع قرب مني أكتر، وقال بنبرة رغم هدوئها باردة_ متتعبيش نفسك كتير يا حلوة، الموضوع خلاص محسوم، وهي مسألة أيام.
رجعت بضهري خطوة ورا، وقلبي رغم إنه بيتنفض من خوفه، إلا إني مبينتش ده وكملت بنفس الثبات وأنا بقول_ محسوم عندك أنت وبس، أما عندي لا وألف لا ومش هيحصل يا عُمر.
ضِحك ضِحكته البايخة، وهو بيقول بنفس أسلوبه_ وأهو الخميس قريب وهنشوف مين اللي هيكسب رهانه ومين فينا اللي هيطلع خسران، سلام يا…، يا حرمي العزيز.
ختم كلامه بـ خروجه من الأوضة، في الوقت اللي كانت عصبيتي وصلت لأقصى حدودها، وبان ده في رعشة رجلي، وإيدي اللي اتشدت أعصابها جوا كفوفي، ومستحملتش اتماسك أكتر، فـ أول فازة ورد طالتها إيدي اترمت في مراية التسريحة، لأجل يعلي صوت تكسيرها علىٰ الدوشة اللي جوايا، وتنزل قصاد عيني فتات، تشبه لحال روحي وقتها، ويصبح لحظتها لشهقات بُكايا مجال.
___
في مكان تاني وبالتحديد في قسم الأبحاث والتطوير الخاص بـ الشركة كان واقف مع زميل لي، بيتناقشوا في الأوضاع الغامضة اللي بقت بتحصل فيها مؤخرًا.
وقتها قال بانفعال واضح عليه _إزاي ينقلوا دكتور عماد ودكتور طارق لأبحاث تانية لا تقارن من الأساس بأهمية بحث دكتور نور الدين الله يرحمه؟!
وقتها مد زميله إيده لي بفنجان القهوة، وهو بيقول بضيق واضح_مش دي الحاجة الوحيدة الغريبة يا ياسين.
خده منه وهو بياخد أول رشفة منه، في الوقت اللي كمل زميله، وقال_ الطلبات اللي كنا باعتينها للمعمل من شهر اترفضت، والأجهزة اللي محتاجينها واقفة بقالها أسابيع من غير سبب مفهوم.
ساب ياسين الفنجان من إيده، وهو بيقول بعصبية بانت في ملامحه_يعني إيه اترفضت، المشروع ده كان أولىٰ أولويات الشركة.
رد عليه بخفوت وهو بيبص حواليه، و كأنه خايف حد يسمعه_كان أول أولوياتها أيام الدكتور نور، إنما دلوقتي الله أعلم في أيه بيحصل فيها.
قرب زميله منه أكتر، وبنفس الهمس قال_ بقالي أسبوع بحاول أوصل لملفات المرحلة الأخيرة من البحث، ومش لاقيها.
اتعدل ياسين في وقفته مرة واحدة، وقال بحدة_إزاي مش لاقيها؟!
هز التاني كتفه، وقال_زي ما بقولك، الملفات اختفت من الأرشيف الإلكتروني، وحتىٰ النسخ الورقية مش موجودة في أماكنها.
سكت ياسين لحظة، وهو بيحاول يستوعب كلامه، قبل ما يقول_أكيد في سوء تفاهم.
ضحك التاني بسُخرية من حال الشركة، وهو بيقول_وأنا كمان قُلت كده في الأول، لحد ما عرفت إن في أوامر جديدة طالعة بوقف أي تطوير في المشروع لحين إشعار أخر.
بان في عيونه صدمتهم، وقال بعدم استيعاب_ وقف، إزاي، وليه؟!
اتنهد التاني، ورد، وقال بضيق واضح_ علمي علمك، كل ما نسأل يقولوا أوامر إدارة.
قال ياسين بإنفعال وضح في ملامحه_ وهنسكت؟!
طبطب علىٰ كتفه بخبطات بسيطة، وهو بيقول بيأس_ ما باليد حيلة يا صاحبي.
سكت زميله، ورجع كمل شغله، أما ياسين فـ فضل واقف مكانه، عيونه متعلقة بنقطة من فراغ، وعقله فيه ألف علامة استفهام.
___
كُنت قاعدة في جنينة الڤيلا، شاردة البال، وعيوني متعلقة بالبوم صور قديم، دموعي كانت بتهرب مني وبتسكن تفاصيله، فـ كل صورة فيه كانت بتاخدني لزمن فات وبتحكيلي عن أيام حنينة كانت بتجمعني بأهلي، أيام كنت حاسة فيها بالأمان، وكان ضهري مسنود بيهم، أما دلوقتي فـ مفيش إحساس بيروادني غير الخوف، الخوف من المستقبل واللي مستخبيلي وراه، والوحدة اللي اتكتبت عليا بعد فراق بابا، أماني الوحيد اللي عاش عمره كله عشاني، واديني أهو من بعده بخوض معركة قصاد جيش ومفيش في صفي غيري، وحان أوان الراية البيضا تترفع واعلن استسلامي، فـ مبقيش غير ساعات الليل والصبح يهل عليا، ويبدأ معاه فصل جديد مختارتوش من حياتي، فصل هيتربط اسمي فيه باسم واحد لا لي في قلبي مكان ولا حتىٰ ممكن يدخله.
مقطعش شرودي إلا صوت فاطمة، وهي بتقول_ ست مَريم، ست مَريم سامعاني؟
لحظتها أدركت وجودها، ورديت بصوت هادي باين في نبرته يأسي_ أيه يا فاطمة؟
كملت، وقالت_ في واحد بره علىٰ الباب عايز يقابلك.
قُلت بإستغراب_ واحد، واحد مين؟!
ردت وقالت_ واحد بيقول إنه بيشتغل في الشركة عند حضرتك، وعايز يقابل حضرتك ضروري.
ورغم إستغرابي، خدت نفس طويل، وأنا بمسح بكفوفي وشي، من بعدها قُمت، وروحت معاها لأجل اشوف مين اللي مستنيني، ولحظتها كانت المُفاجأة بالنسبة ليا، فـ كان ياسين!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!