دوام الحال من المُحال.. لكن..
لم يتصور للحظة أن حاله سيصير هكذا..
:
لا يدري كم تطلب الأمر ليستوعب..
سعد.. أخوه الكبير، أعز أصدقائه، قدوته.. مات.
قالوا أن حادث سيارة كان السبب. قالوا أنه لفظ أنفاسه الأخيرة قبل أن تصل سيارة الإسعاف.
الجميع حوله انهاروا لسماع الخبر، أمه كانت في حالة يرثى لها، بشاير لم تتوقف عن البكاء، حتى أبوه لم يستطع التجلد بصلابته المعتادة. كم من مرة رآه جواد يرتجف شجنا، ولمعة الدموع واضحة للكل في عيونه.
أما عنه هو، فقد جرد نفسه من الاحساس من أجلهم، أصبح صخرتهم الداعمة، لأنه يعرف أنه أصبح في محل سعد الآن، ويجب عليه ألا يظهر ضعفا وهم يتطلعون إليه سندا.
كانت ميساء هي الوحيدة التي رأت ما يختبئ وراء قناع صلابته، من كان يذكره بالاعتناء بنفسه عندما ينسى. كانت ميساء هي الوحيدة التي عرفت حرقة أحزانه، من مسحت على شعره حتى يداهمه النعاس، مستكينا في حضنها.
دائما ما همست له: لا تتظاهر وإنت معاي..
:
بدأت بعد شهور من وفاة سعد، ملاحظات ونغزات أمه.
في بادئ الأمر استغربت أمه اختياره ميساء كزوجة، لكنها لم تبد ذاك الاعتراض، بل حتى بدت سعيدة في العرس..
لكن حديثا، موقف أمه نحو ميساء تغير، وأصبحت تعلق شيئا فشيئا عنها، تنتقد كل مالا يرضيها في تصرفاتها.
كل مرة دافع جواد عنها، مصرحا أنه راض بها في كل شيء، لكن دفاعه ذاك لم يجد نفعا، بل زاد أمه اصرارا.
مضت سنة قبل أن تطرح أمه أمر الأطفال، وماطلها هو لسنتين أخرى عن الإجابة، خصوصا عندما عرف مدى مرارتها، كيف أن أمه ستستخدمها كذخيرة في حقدها الوليد ضد ميساء.
تمنى لو كان العيب منه عندما ذهب ليفحص نفسه، تمنى ذلك ليحمي ميساء من حقيقة موجعة. هي، من كانت دوما تريد طفلا .. كانت لا تستطيع إنجابه.
لكن فحصه أخبره أنه كان سليما لا خطب فيه.
لم يخبر أمه، ولم يخبر ميساء أيضا.
وكان ليستمر بهذا الوضع لولا استفزاز أمه لميساء أمامه، تخرجها من طورها حتى أصبحت تعترف بالأكاذيب.
جادلها، حاول إيقافها، لأن أكاذيبها ومكابرتها لم تؤذ شخصا غيرها هي.
:
القضية ضد جاسم الجسار كانت من أضخم القضايا التي تولاها. إثبات تعاملات شركته الغير قانونية لم يكن بالأمر السهل.
كان بعد أسبوعين من اعتقال الرأس المدبر للشركة، جاسم، عندما وصلته أول رسائل التهديد.
(يمدحون الحي اللي تعيش فيه. شكله بيكون لي جيرة عندكم..)
تتبع الرسالة إلى رقم مجهول، لتأتيه رسالة أخرى بعدها.
(لا تتعب نفسك تدور علي، بقابلك قريب..)
وهكذا أصبحت تلك الرسائل تتوالى، تلمح له أن المرسل صار على علم بحيه ثم شارعه ثم بيته ثم من يسكن فيه.
جن جنونه عندما أخذ المرسل يتكلم عن ميساء..
(يقولون إنها أجمل حريم عايلتكم. جاني فضول أشوفها..)
وزاد الطين بلة ملاحظة ميساء لسيارة شكت في أنها كانت تتبعها كلما خرجت مع السائق.
أصبح يحقق بمن في بيته، يغير الخدم بشكل دوري ويتفقد تاريخ كل منهم. إذا لاحظت ميساء غرابة تصرفاته وتشنج طبعه تلك أيام، لم تعلق بشيء.
عندها بدأ الحقير يرسل صورا، كدليل أنه كان يتتبع حياته. مرة بيت أبيه، مرة بيته، مرة ميساء وهي تركب السيارة..
شك في جاسم الجسار، فهو قد هدده بأن يرد ضربته بالمثل، فزوجتا جاسم كانتا من أهم الشهود في قضيته.
ألهذا كان المرسل مركزا على ميساء، ليلوي ذراعه بها؟
لا يهم، عليه إيجاده قبل فوات الأوان.
:
رمت أمه عند قدميه ملفا يحتوي تقارير طبية. لم يستمع لما كانت تقوله، فقد كان مشغولا بانفطار قلبه لتأكد حقيقة كان يشك فيها.
لماذا أخفت ميساء هذه التقارير عنه؟ لم يكن ليبعدها عنه بسببها. مشاعره ستظل كما هي مهما كانت الظروف.. لا يريد أطفالا بقدر ما يريدها هي.
قال لأمه كفى، كفى لنثر الملح على جروح لم تلتئم، لكن ميساء دخلت ورأت التقارير بين يديه، سمعت نغزات أمه المسمومة، لتخرج ويتبعها هو على عجل.
أعطته ظهرها وقالت بصوت تسلل إليه برود مؤلم لم يكن عادتها معه: اللحين عرفت..
كان ليأخذها بين ذراعيه، يهدئها، يؤكد لها أن تلك التقارير لم تغير شيئا بينهما، يحيطها بقوة تنسيها آلامها، لكن أتت له رسالة أنسته صوابه من غضبه، يخرج مسرعا من البيت لمركز الشرطة الذي أصبح منزله الثاني هذه الأيام..
(عرفت اسمها أخيرا.. ميساء. يا حلوه)
:
حال ميساء أصبح مزريا لا يسر، دائمة الإرهاق ورأسها كان لا يكف عن الوجع. أصبحت شبحا في حزنها، ولا زالت أمه لا ترحمها بتعليقاتها وضغطها كلما حدث والتقت بها.
رآها تغرق في شرودها المشجون، بالكاد تستجيب إليه، ولمعة انكسار.. استنقاص، لا تزول من عيونها. لا يتذكر متى كانت آخر مرة رأى السعادة في مُحياها..
والرسائل التي كانت تُرسل إليه زادت في تهديدها، في وعيدها.
خطرت له فكرة مجنونة، فكرة أدمته قهرا قبل أن يسترسل في التفكير فيها حتى..
ماذا لو طلقها؟
ماذا لو طلقها؟ لتعيش حياتها غير مهددة بسببه، بسبب الأعداء الذين اكتسبهم في مجال عمله، بسبب الأعداء الأكثر الذين ستتوجه أنظارهم إليه إذا أكمل في تحقيقه هذا.
ماذا لو طلقها؟ لتبني حياتها بعيدا عنه، مع رجل يعرف بحالتها من البداية، لتتوفر لها البيئة المناسبة للبدء في التعالج بدون ضغوطات.
ماذا لو طلقها؟ لتستعيد السعادة في حياتها من جديد.
يعرف، سيُساء فهم قصده من طلاقها، سيظنه الناس رميا. وربما، هذا ما كان يريده، يريد من مهدديه فهمه ليتركوا ميساء وشأنها.
داس على قلبه ورغباته وطلقها، نطق كلمة الطلاق ونبضاته تنطق حبا لها.
لم تمض أيام إلا وأمه تفاتحه في أمر الزواج ولم يعطها بالا، باله مشغول في التخطيط لتدمير أي أثر باق لجاسم.
اتضح أنه كان للحقير تحالفات مع شركات أخرى، كلها ساخطة من سجنه. في الأسابيع والشهور التي تلت، تتبع وحقق ودمر كل حليف. صحيح، رسائل تهديده ازدادت، لكنها كلها أصبحت موجهة عليه، لا ميساء، وتم القبض على الذين أرسلوها كلما نسوا أخذ حذرهم.
جعل اتصالاته بعائلته معدومة، ونصح أباه أن يتخذ مسكنا آخر هذه الأيام وأن يبتعد عن الأنظار، يقول له: يمكن إذا خلصت من هذي القضايا، بدور لي مكان في الشركة زي ما كنت تبغى..
لم يدري إلا وقد مضت شهور، خارجا إلى العيان مرة أخرى، التحقيقات التي ساهم فيها على وشك الانتهاء..
مضت شهور.. ومضى وقت عدة ميساء.
غضب قاتم اعتراه لمعرفة زيارات الخطاب لعمه سند، يريدون أن يسلبوه ميساء..
لا، لا..
"ما عادت لي.. ما عادت لي.."
كان صعبا تذكير نفسه بأن هذا كان خياره، أنه أراد لميساء إكمال حياتها بدونه. لكن التفكير شيء، ومواجهة واقع يحدث أمامه شيء آخر.
أمه فاتحته بأمر الزواج مرة أخرى، لكن هذه المرة ربطت الأمر برضاها.
وافق دون اكتراث.. دون احساس..
لعل هذا سيدفع ميساء في المضي قدما في حياتها.
:
سأل أباه: مين اللي خطبها؟
نظر أبوه له بأسى مشفق: ليه تعذب نفسك يا ولدي؟
جلد نفسه بالصلابة: عشان أتحقق منه.. زي ما قلت من قبل، بنت سند غالية. مو أي واحد بينالها.
تنهد أبوه بقلة حيلة: واحد اسمه بندر السليم..
بندر السليم..؟
لم بدا هذا الإسم مألوفا له؟
لم يرتح باله.. لم تكن هذه المرة كالمرات السابقة التي جاء خاطب إلى ميساء، يتلظى في فراشه من القهر.
لا، هذه المرة كانت مختلفة بالكلية. متأكد أنه رأى اسم بندر في مكان ما، وهذا ما أقلقه..
:
عرف أين رأى اسمه بعد أيام من عقد قرانه بابنة عمه لمى.
في الملف الذي يحتوي على كل تفاصيل القضية الشائكة التي كان هو في خضمها، رأى اسم بندر السليم في لائحة مستثمري جاسم الجسار، لكن، بعكس المستثمرين والشركاء الآخرين، لم يكن بندر بذاك الارتباط مع جاسم، بل كانت تعاملاتهما في بداياتها. يمكن ألا يكون له علاقة بالقضية إطلاقا.
حتى ولو.. حتى ولو!
لا يفاجئه توجس عمه منه، فمن يريد رؤية طليق ابنته على عتبة بابه، يحذره من خاطب لها؟ لكن جواد حاول وحاول حتى رأى شيء من الاقتناع في وجه عمه..
ليأتيه الخبر في اليوم التالي أن ميساء وافقت على بندر.
لم يهنأ بالراحة منذ سماعه بذاك الخبر، محروق بغيظه وقلقه وغيرته، غيرة أحالت جوفه إلى حمم لاهبة. أفكار توالت في مخليته، تحرمه طعم النوم وهدوء خاطره للحظة.
سيرى آخر ما كان له، سيكون لآخر ما كان له!
سيجن حتما من هياج تملكه العنيف هذا.
:
لم يحضر العرس، لكنه كان خارج القاعة. لا يدري لم. ربما كان يريد تعذيب نفسه أكثر؟
في ظل تخيلاته القاتمة سمع صوت جواله، يقطع عليه تفكيره. كان ليتجاهله لولا أنه رأى اسم بشاير ينبض في الشاشة.
هتفت بشاير بغضب لم يسمعه فيها قط: الخسيس طلقها قدامنا!
سيقتله..
سيقتله، سيقتله، سيقتله..!
وكان هذا ما كان في خضم فعله عندما وجد بندر خارجا من القاعة، يدميه ضربا سيحيله حالة ميؤوس منها في طوارئ مستشفى. لكن أبوه منعه قبل أن يفعلها بحق، يقول بحرقة غاضبة: يستاهل يا جواد، يستاهل أكثر، لكن لا تودي نفسك للهلاك وإنت تعطيه جزاته!
فقط هذا ما جعله يهدأ، ينهض عن بندر الذي أحاله إلى كتلة مدماة. لا يعرف حتى إذا كان يسمعه، لكنه لا يكترث. همس له بكل الوعيد بالذل: راح تندم..
:
اتخذ قراره، سيعيد ميساء إلى ذمته.
كل ما حدث كان ذنبه، وحتى يأخذ الله أمانته، سيظل يحاول إصلاح ما أفسد.
ربما لم يرد عمه إعادة ميساء إلى ذمته، ربما لم ترد ميساء ذلك أيضا.. لكنهما قبلا عرضه في النهاية.
:
فاجأه إهداء أبيه له بيتا. كان غريبا في تصميمه بعض الشيء وبقسمين منفصلين. قبل به لإصرار أبيه على ذلك.
قالت ميساء له قبل أن تدخل القسم المخصص لها لأول مرة، بخفوت منكسر يحكي عن حجم الجرح فيها: طلبتك.. اتركني لحالي..
كبت كل اعتراضاته، ليسألها بذات الخفوت: إلى متى..؟
أجابته كأنها تحلم، كأنها غير واعية: إلى أن أقولك أدخل..
داس على قلبه للمرة الثانية وامتثل لقولها.
تركها.. على الأقل، تركها ظاهريا..
لا يستطيع منع نفسه، لا يستطيع.
تفقد أحوالها من خلال مكتبه في الطابق العلوي في قسم لمى، والذي كان متصلا بالطابق العلوي لقسم ميساء عن طريق باب مشترك، يستمع من خلاله لأي تحرك خارج عن المألوف.
تفقد أحوالها عن طريق شريف عندما انضمت إلى معهد الفنون، يسأله عن كل دقيقة تأخير.
تفقد أحوالها بكل الطرق المحدودة التي يستطيع، ومضت سنة دون أن يرى وجهها مرة، سنة أضناه الشوق فيها لامرأة يفصله عنها مفتاح.
يغار من يارا لأن لها الحق في رؤيتها، في الحديث معها، في رؤية البسمة وطباعها القديمة تعود إليها.
يغار من بشاير التي بعد تردد تجرأت على الاتصال بميساء، بطلب حضورها لعرسها.
أراد أن يسأل بشاير عندها، كيف يمكنك أن تكوني بهذه الأنانية؟ بنفس النفس الذي أراد أن يسأل عن حالها، صحتها، كيف بدت، لماذا جاءت وهي لديها كل العذر؟!
عندما سألته بشاير متى سينهي وضعه هذا مع ميساء، كان جواب خاطره هو..
"لين تنهيه هي.."
:
في صباح اليوم التالي لعرس بشاير سمع صوتا غريبا من جهة قسم ميساء وهو في مكتبه.. كأنه كان صوت سقوط؟
فتح الباب الفاصل لأول مرة، يمسح محيطه بنظرة إلى أن وقعت عيونه على ميساء.. غائبة عن الوعي أسفل السلالم..
صحيح أنه أراد رؤيتها وبشدة، لكن ليس في هذه الظروف.
هرع بها إلى المستشفى، ليتنفس الصعداء عندما طمأنه الأطباء أن حالتها بسيطة ولم يحصل لها أي ضرر دائم.
كم مرة نبهها في الماضي ألا تنزل أي سلالم قبل أن تأخذ أدوية الصداع خاصتها؟ لم تكن المرة الأولى التي حصل لها ذلك. تذكر مرة عندما كانا يسكنان في بيت أبيه.. حصل معها نفس الشيء.
سألها بهمس، يتتبع بأنامله ملامح وجهها الغافية: ناوية تخلعي قلبي خوف عليك؟
عندما وصل عمه سند بعد اتصاله به بسرعة قياسية، أوصاه أن يجيب أنه هو من أحضرها إلى المستشفى إذا حدث وسألت ميساء عن ذلك.
سأله عمه مستغربا: ليه..؟
لم يجبه.. بماذا يجيب، صراحة؟
:
كاد يضحكه، سؤال لمى عن كرهه لميساء..
غريب كيف أن انطباع الناس كان أنه يكرهها، بينما الحقيقة كانت العكس.
كيف يكرهها وحبها استبد فيه استبدادا لا يرحم؟
:
ميساء هي من جعلته مهتما بعالم الفن، وحينما عرف أن المعهد الذي تدرس فيه كان يقيم معرضا تعرض فيه أعمال الطلاب ومن ضمنهم هي، حرص على حضوره.
عرف لوحتها دون السؤال، كم من مرة راقبها ترسم حتى تعرف على أسلوبها.
اشترى لوحتها دون تردد. لن ينالها غيره.
:
النظرة التي أعطاها أبوه له ذكرته بالماضي.. بمراهقته ووضوح مشاعره له ولسعد، لا عجب، فتصيده الفرص للقيا ميساء في هذه الرحلة لمزرعة جده أشعرته كأنه كان مراهقا. برر، يلوح بالقارورة التي أخذها من ميساء بخفة: كنت عطشان..
سمع أبوه يتمتم بشيء من التسلية، ليختنق: موب الموية اللي كنت عطشان لها..
:
لم يكن نادما على أي فعل فعله ليقوده إلى موضعه هذا، مستلقي في مقاعد سيارته الخلفية وجرح غائر اكتسبه من خاطف هائج، جرح قد يودي إلى موته نزيفا، في فخذه.
كيف يندم وهو يرى ميساء أمامه؟ تكلمه، تؤنبه، تظهر القلق عليه؟ كيف يمكنه الشعور بالألم وهو مسكر من دفء قربها؟
أخذ يهذي من الحمى أو ربما مما فقده من دم.. ينطلق لسانه مرة بحرية..
(متى بتبطل تسوي تضحيات عشاني؟!)
تطليقها وترك رجل آخر يتزوجها؟ هذه كانت تضحية.
استعادتها، حمايتها بكل ما عنده؟ هذه كانت أنانية صرفة، أنانية سيستمر عليها معها ما حيي.
كفاه صمتا. كفاه احتراقا لها حتى الترمد.
:
موقن هو أن الله فتح عليه، فوالده أتى ليخبره أنه سيقضي فترة تعافيه في قسم ميساء، بإصرار منها هي!
تصرف كالمريض المثالي، لا ينطق بما كان يفكر به، بعشرات المخططات التي بدرت لذهنه.
(إلى أن أقولك أدخل..)
كمحامي، فإن استخدام كلام الآخرين لتعزيز موقفه كان طبيعة له، وعندما تردد بتقصد عند عتبة باب قسم ميساء، عندما قالت له ميساء: أدخل..
ابتسم جواد بانتصار.
:
سرير ميساء الفردي أزعجه إلى أقصى حد، ليس بطبيعته، فهو كان مريحا بحق، بل لما كان يعنيه.
أول غرض يجب عليه تحقيقه كان استبداله.. وربما استبدال الفستان الذي أفسدته ميساء بسببه.
رأى ملفا موضوعا على تسريحة ميساء الأنيقة، وتوجس خيفة من التقارير الطبية الموجودة في طياته.. إلى أن قرأها..
لم يكن ليشكل معه فرقا، قدرة ميساء على الإنجاب من عدمها. كان يريد عودتها له بأي شكل.
لكن هي! هي من كانت تريد الأطفال! لماذا لم تخبره بتعالجها..؟
انتظرها على السرير المزدوج الذي اشتراه، في باله ألف سؤال وسؤال..
وعندما سألها وأجابته.. بشيء من المرارة في البداية، واعتراف صادق شابه الخجل في النهاية.. ضحك، ضحك عندما قالت أنها لا تريد أطفالا من غيره.. كأنها تقول أنها لا تريد غيره..
همس لها وهو يكاد يختنق من اندفاع مشاعره: بعطيك اللي تبغينه.. كل اللي تبغينه..
وفي خاطره كان يناجي..
"بس لا تحرميني منك، لا تحرميني منك.."
/:/
سألها عندها جواد: بعد كل هذا.. تظنين إني بتركك؟
أحكم من ضمه لها، يطبع قبلة دافئة على جبينها، يقول: آسف إني ما قدرت أقولك قبل ذي اللحظة.. آسف على اللي صار لك بسبتي..
كان لديها الكثير لتقوله.. الكثير لتصرخ وتهتف وتعبر وتهمس به.. لكن ثقل مشاعرها وهياجها قيد لسانها هذه اللحظة.
في الصباح قبل أن يذهب جواد إلى عمله، تقدمت إليه ولثمت شفتيه بكل تملك، بكل تذكير، تهمس عندما ابتعدت عنه قبل أن يرد جميلها، فهي لا تريده أن يتأخر عن عمله: ما تدري وش اللي سويته بكلامك أمس، وش اللي غيرته.. ما عمري حبيت أحد يشاركني في شي، فكيف لو صارت ثانية تشاركني فيك..؟
قربها منه، يحيطها بين ذراعيه: وأنا لك وبكون لك../ أردف بمزاح نادر: مو إنتي اللي صادرتيني من يوم ما كان عمرك ست سنوات..؟
لم تستطع منع نفسها من الابتسام، تذكر لحظات ماض جميل ونسيان الحاضر للحظة.
لن يكون سهلا أبدا، تعاملها مع فكرة أخرى تشاركها جواد. لكنها ستقاتل بكل ما عندها. ستقلب موازين هذا الوضع.
:
رجعت بشاير من شهر عسلها، وأقامت العمة عبير حفلة عائلية بمناسبة ذلك. بدت بشاير متفاجئة كل التفاجؤ عندما رأتها ضمن الحاضرين، تقفز في وقوفها وتحضنها بكل ما عندها من قوة: ميساء! أنا بحلم ولا بعلم؟!
ابتسمت ميساء بدفء، لا تعترض حتى على احتضان بشاير الخانق: وأنا على بالي الزواج بيهجدك. وش فايدة بعلك ذا؟
اعترضت بشاير بتمثيل سخط وهي تفك قيدها من حضنها، تجلسها جانبها: هيه، حدك على بعلي العزيز. مسكين هو كان يحاول يخليها رحلة رومانسية، بس أنا خليتها رحلة مغامرات واستكشاف..
نظرت لها ميساء بخبث: أها، بدينا بشغل الانحياز..
احمرت بشاير خجلا للحظة، قبل أن تسأل والجدية ترتسم على ملامحها: وش اللي خلاك تحضرين؟ تعرفين إني ما بشيل عليك إذا ما جيتي../ أطرقت برأسها للأسفل، تنظر إلى يديها بتوتر قبل أن تردف: يكفي إني أجبرتك ليلة عرسي..
جعلتها تنظر إليها بخفة، تؤكد لها: ما أجبرتيني على شي. كان خياري ذيك الليلة وهو خياري اللحين. وكمان، الأوضاع تغيرت شوي..
سألت بشاير فوريا: إنتي وجواد رجعتوا لبعض؟
أومأت لها بنعم، لتأخذها بشاير بحضن خانق آخر، بالكاد تمنع نفسها من الصراخ: وأنا اللي أتساءل ليه جواد منور وشاق الحلق ذي الأيام، أثاريه من بركاتك!
ظلا يتحدثان في زاويتهما المعزولة تلك. أخبرتها ميساء تفاصيل وأبقت أخرى سرا، على الأقل حتى يكون لديها ما تستند إليه.
تركتها بشاير مؤقتا لتحضر لها الضيافة، لا تكترث لاعتراضات ميساء بأن هذه الحفلة أقيمت من أجلها هي ويجب ألا يكون عليها العمل: ما عليه، إنتي ضيفة الشرف حقتي وبسوي اللي أبغاه..
وكأنها كانت تستغل غياب بشاير عنها، تقدمت لمى إليها، تنظر إليها بخليط من الازدراء والسخط والاستغراب: ظهورك مزداد هذي الأيام..
في السابق كانت تتجنب التعامل مع لمى، لأنها لم ترد تعكير صفو حياة جواد الجديدة معها، لكن بعد اعترافات جواد تلك الليلة، لم يكن بوسعها الصمت أو الاحتمال. ابتسمت بمعنى مبطن: أدري، صار عندي دافع..
بدت لمى متفاجئة من ردها، لتقطع عليهما بشاير ومعها الضيافة، مستغربة من وجود لمى عندها.
لمى بدورها بدت مغتاظة من بشاير: أفا يا بشاير، ما تضيفينا بعد؟
ضحكت بشاير بخفة، وهتفت بمرح متقصد: معليش، حقك علي. شفت الغوالي ونسيت الأصول.. تفضلي، تفضلي!
لم تعر لمى اعتذار بشاير بالا ومشت مبتعدة عنهما، السخط واضح في وقع كعبها على الأرضية الرخامية.
عندها كشرت بشاير بضيق: ما أطيق ذي الإنسانة. منافقة بشكل!
وافقتها ميساء الرأي.
حتى قبل زواجها بجواد، لم ترتح للمى، لم تحس بصدق كلامها معها مرة.
:
وجدت عبير نفسها تبتسم لرؤية صغيرتها تنخرط في الكلام بكل حماس مع ميساء.
صدقا، فاجأها حضور ميساء الليلة كما فاجأ الكل، لكنها تعترف أنها كانت مفاجأة سارة..
إذا كان لدى عبير أي شك بأهمية وجود ميساء في حياة جواد وبشاير، فإن ذلك الشك سيتلاشى أمام ما شهدته يجري أمامها.
الراحة المرتسمة، والسعادة المبطنة، في ملامح جواد هذه الأيام..
سعادة بشاير المفرطة لحضور ميساء هذه الحفلة..
كلها علامات دلت على أن مكان ميساء كان معهم.
/
/
صدق ما كتبه في يومياته..
البيت بدون بيان، بدون ساري، كان كالقبر في هدوءه ووحشته.
بعدما أنهى قراءة يومياته، ظلت بيان صامتة، حتى مع الاعتذارات التي تفوه بها. وعندما قال لها أنه كان بينهما كلام كثير وافقته الرأي، لكنها قالت مردفة بأن تلك اللحظة لم تكن المناسبة لذلك.
قالت له أنها تريد أخذ وقت لها بالتفكير.. بعيدا عنه. أخذت ساري معها إلى بيت أمها على وعد العودة بعد أيام، ليتناقشا ويضعا النقاط على الحروف بعد أن يصفو بالها من الصدمة.
مضت ساعات فقط منذ أن أوصلها إلى عتبة باب أمها، ومن الآن يريد إرجاعها له.
لكنه سيصبر، سيرى ما سينتهي بهما الأمر.
/
/
في غياب ليث لم تقصر أختاه في زيارتها، يتناوبان في كون أثقل الضيوف على الإطلاق. لكن زينة كانت لهما بالمرصاد، وتفادت الخوض في جدالات عقيمة معهما. كان أمرا سهلا، التأقلم مع تحفظاتهما. لم يصلا إلى درجة بعض الأمهات التي كان لها سوء الحظ في التعامل معهن في مسيرتها كمعلمة.
استفزتهما بابتسامة، لتنهيا كل زيارة خاليتي الوفاض.
قالت جود بتوجس حال خروج عمتيها: نظراتهم شوي وتذبحك، يا ساتر!
لم تخبئ الانتصار البادي في صوتها عن جود، فهي لم تكن راضية عن تعامل عمتيها معها: لاحظت. بس على الأقل ما يقصروا في الحلا اللي يجيبوه معاهم..
نظرت لها جود بشك: ذي الأيام صايرة متولعة بالحلا بزيادة يا خالة..
سألتها زينة بتمثيل العجب: مقدر اشتهي الحلا؟
هزت جود رأسها، تحاول شرح ما تعنيه: لا.. أقصد فيه شي غريب في تصرفاتك..
عليها الاعتراف، كان لجود نظرة ثاقبة، على عكس نوف التي لم تعلق على تغير طبعها بأي شيء.
بدأت تغير الموضوع: تدرين إن أبوك بيرجع بكرة؟
كان هذا كفيلا بتشتيت انتباه جود لتتسع عيونها وتهتف وهي خارجة: لسى ما وصيته على اللي بيجيبه لنا من دبي!
ابتسمت زينة لتلك الـ"لنا" التي قالتها جود، تخبرها أنها صارت تفكر بها وبنوف حتى في أمور بسيطة كهذه.
:
ظنت أنها تحلم عندما تسللت إلى أنفها رائحة ذلك العطر المميز، عندما أحست بإحتضان مألوف أدمنت عليه، عندما سمعت ذاك الصوت يهمس باسمها..
توقعت أن يواجهها الواقع بأن ما اختبرته كان محض حلم حيك من شوقها، لكنه لم يكن..
قفزت جالسة، تنظر لذاك الجالس جانبها، ينظر إليها بمزيج من التسلية والسعادة: ليث؟!
نظرت إلى ساعة جوالها، لترى أنها كانت الواحدة بعد منتصف الليل: مو رحلتك على الساعة اثنين في الظهر؟
هز كتفا بلا اكتراث، الرضا الكامل واضح من فعلته: حبيت أفاجئكم.
ضيقت عيونها بتهكم مصطنع، يخفي سعادتها برؤيته أمامها: وجود المسكينة اللي تعنت تتصل عليك وتوصيك..
رد: أمداني أشتري لها كل اللي طلبته وأكثر../ أردف وفي عيونه ألف معنى: وش فيها لو عجلت بالرجعة بعدها؟ خصوصا وأنا مستعجل.
كررت تستحثه، تعرف ما يرمي إليه لكنها تجاريه في اللعبة: مستعجل؟
ابتسم بخبث، يقربها إليه: فيه ناس وعدوني بكلام لما أرجع..
اكتست ملامحها الجدية عندها، تتذكر شيء آخر كانت تريد مصارحته به: فيه سؤال أبغى أسألك إياه..
استشعر هو جدية الموضوع، ليبتعد قليلا ويستحثها بصمت لتبدأ بالكلام: سألتني مرة إذا كنت آخذ موانع.. ليه، وش اللي خلاك تسأل؟
قطب ليث حاجبيه، ربما يفكر متى سألها ذلك، ليظهر التذكر بعد لحظة على ملامحه: إيه.. سألتك لأني ما شفت علب الموانع في الغرفة واستغربت..
استغربت هي بدورها: ليه تستغرب؟
ليجيب هو: تعودت السالفة مع طليقاتي.. كل وحدة كانت عندها أسبابها إنها ما تريد أطفال على طول وأنا ما اهتميت، خصوصا وأنا كنت مشغول في جود..
دق قلبها توجسا عندها، تسأله بخفوت: واللحين تقدر تصير مهتم؟
أمال رأسه بفضول: وش قصدك؟
أشاحت النظر عنه عندما أجابته: أنا ما كنت آخذ موانع.. وكان لذا عواقب..
تناول ذقنها يدير رأسها لترجع بالنظر إليه، ترى الفهم ينجلي شيئا فشيئا في عيونه: عواقب؟ إنتي..؟
أومأت له بنعم، على أقصاها من الترقب.
رأت الصدمة في ملامحه، ثم السعادة، سعادة لم تر زينة ما يضاهيها فيه حتى هذه اللحظة. قيدها حضنا، لسانه يلهج بشكر الله، ويرفرف بقبلات خاطفة على كل ما وصله منها، يسحب ضحكات السرور منها، يغمرها بسعادته وبالراحة التي هدأت عواصف أفكارها.
خشيت، ربما لدرجة غير منطقية، أن تكون ردة فعله كرائد عندما أخبرته بحملها بنوف..
(هذا اللي ناقصنا بعد!)
لكن ليث لم يكن كرائد. لم يكن كرائد على الإطلاق..
همست له عندها بكل يقين، ترد قوله: أحبك..
انتهى البارت..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!