اليوم خلينا نغير الإيقاع، لأني بصراحة مقدر أفكر بشي له علاقة بشغل أبدا.
أبوي استدعاني لمكتبه اليوم، كان فوجهه كلام كثير وباين إنه مهم. لما سألته عن اللي خلاه يناديني عنده، بدا يقولي قصة.
لما كان أبوي في بداياته في التجارة، ما لقى مستثمرين يدعمونه. في اللحظة اللي بدا يستسلم فيها، صديقه جا واستثمر عنده، وساعده بفلوسه اللين ما فتح الله عليه. سنين تمضي وأبوي يحاول يرد الدين، بس صديقه يرفض، حتى لما كان يواجه ظروف صعبة في شغله وصحته. بعدها فكر أبوي إنه يقدر يرد الدين بطريقة ثانية.
أبوي طلب مني أتزوج بنت صديقه.
لحظة.. طلب؟ لا، ما طلب. أبوي غصبني أقبل، ربط رضاه ومساعدته لي بقبولي.
لأني وحيده، تعودت ما تنرفض طلباتي. تعودت احترام قراراتي، حتى لما اخترت أدخل في مجال الهندسة بدل التجارة معه، دعمني أبوي بكل ما عنده.
وفي أهم قرارات حياتي، بالارتباط بأنثى بتكون لي زوجة، أبوي حرمني حرية قرار.. عشان قضاء دين؟
هو الناس صاروا سلعة، عملة تتبادل بيناتهم؟
-
قبلت، وش أسوي غير كذا؟
مقدر أفرط في رضا أبوي علي مهما كان..
أملي كان بس إن البنت بترفض.
-
البنت قبلت. البنت كان اسمها بيان.
بيان اللي بتصير زوجتي غصبا عني.
أثاري الغصيبة طعمها مر، ووزنها ثقيل على الروح.
أبوي وأبوها تشاوروا على كل شي، وأنا كنت زي الأطرش في الزفة. الشي الوحيد اللي ساهمت فيه هو تأثيث بيتي اللي اشتريته من فترة عن طريق قرض.
-
ما كنت أظن إني حطيت السجل ذا مع أغراضي.. ما عليه، صار عندي مكتب أقدر أكمل الكتابة فيه. بصراحة أحس إني أرتاح شوي لما أكتب وأفضفض.. أثاري الأطباء النفسيين لما ينصحوا الواحد يكتب يومياته شافوا شي..
مضت ثلاثة أيام من زواجي ببيان، واللحين اثنيننا مستقرين في بيتي.
عرفت بيان إن زواجي بها ما كان برضاي.
ما قلتلها بخياري، صراحة. كنت أتكلم مع أبوي في التلفون لما رحنا الفندق بعد العرس، وسمعتني وأنا أقوله ما يغصبني على سفر لشهر العسل زي ما غصبني على هذا الزواج.
سألتني هي بتعبير جامد إذا اللي سمعته كان صحيح، وقلتلها إيه. ما تكلمت معاي طول الليلة ذيك، وما ألومها. نامت هي على السرير وأنا على الكنب، أفكر بالحياة اللي انربطت فيها.
مابي أظلمها، ومابي أكسر فرحتها. لو الود ودي ما خليتها تسمع المكالمة بيني وبين أبوي. بس ما دامها عرفت، ما بكذب عليها. على الأقل بتعرف سبب غرابة تصرفاتي.
لأني إلا اللحين مقدر أتقبلها، مقدر أفكر إلا بالظروف اللي أدت لارتباطنا ببعض، مقدر أخدع نفسي بوهم إن هذي السالفة بكبرها كانت باختياري.
على الأقل.. بيان متقبلة الوضع بشكل غريب. لما سألتها قالت إنه عادي، في زواجات تأسست على أردى. اقترحت نعيش كرفقاء سكن..
عجيب، أمر ذي البنت..
-
بيان كثيرة المزح، ماعرف جدها من هزلها.
أحيانا أحس إنها تستهزئ فيني بلامبالاتها بوضعنا. يمكن هذا من حقها، يمكن هذا جزاتي لأني كسرت فرحتها كأي عروس طبيعية. بس هذا ما منعني إني أتضايق من فكرة إنها ما تعتبرني شي حصل في حياتها.
صديت وصديت عنها، لعل وعسى إذا بقيت مسافة بيننا، ما بتأثر فيها.
ولفترة، بقى الوضع بيننا كذا. كل واحد فينا فغرفة، هي تمزح وتتصرف كأنها تبغى تستفزني وتطلعني من طوري، وأنا متمسك بقناع الصد..
قناع، لأن رغما عني.. بديت أتأثر، بديت ابتسم وأنا لحالي لما أتذكر تعليق قالته بيان عن شي. بديت أحس بالرضا لشوفة الحنان والطاعة فصوتها لما تكلم أبوها وأمها. بديت أطيل بالنظر فيها وهي ما تحس. بديت أحس بالفضول.. أسأل نفسي سؤال..
لو كان الأمر هذا كله برضاي، كيف كانت بتكون حياتنا؟
-
كل مرة أشوف بيان مبتسمة، أحس بشي داخلي يتصدع. وكل ما جاني ذاك الإحساس، كل ما زدت صد وبعد. لأن استسلامي لذي الأحاسيس الوليدة بيكون لي النهاية.
صعبة المقاومة. صعبة المقاومة لما تكون بمواجهة شخص مثل بيان، مليان روح وحياة.
-
أبو بيان توفي اليوم، الله يرحمه.
ما أعرف شي عن ذاك الرجال، بس من كلام أبوي عنه، من كلام بيان، نادر العايض كان رجال يضرب له المثل في الشهامة والعطاء.
انهارت بيان ذاك اليوم، شفت الضعف فيها بطريقة ما شفتها أبد. كانت تهذي بلا وعي فصرت أضمها على صدري، أحاول أخفف ولو شيء بسيط من اللي في قلبها.
قالتلي إنها بتبيت فبيت أمها لأيام.
أدركت شي لما اختليت في البيت بدونها.
أدركت إني اشتقتلها.
-
طولت بيان في بيت أمها، إلى أن جاء اليوم واتصلت بي تطلب مني توصيلة.
(أمي كانت شوي وتجرني عندك..)
قالتها بضحكة مالها لون ولا طعم لما ركبت سيارتي. ما عمري التقيت بأحد يحسسك إنه مستغني عنك زي بيان.
بعض المرات أتساءل مين فينا المغصوب على الثاني..
-
شوي شوي، بدت ترجع بيان لطبعها الأول، وردت الروح لابتسامتها مرة ثانية..
ارتحت بطريقة ما ارتحت فيها من قبل، وما فكرت تحت أي مصطلح بحط ذي الراحة. ما أبغى.
-
اليوم قريت اللي كتبت في ذا السجل، واللحين بس حسيت بكثر ما أكتب عن بيان.
-
كان صعب إني أقاوم غريزتي وهذيان عقلي وقلبي مع بيان وهي على طبيعتها، مرات بقمصان قطنية وتنانير، مرات بجلابيات، مرات بجينزات.
كيف أقدر أقاوم وهي تتمايل قدامي بأحسن زينة، بأجمل منظر؟
ما قدرت، وضعفت، واستسلمت للحظة هوى.
-
كرهت ضعفي، كرهت جسدي اللي ما طاع كبرياء روحي.
كرهت إني ما ندمت لحظة على اللي سويته، كرهت إني أعرف إن مقاومتي بتكون سراب بعد ما عرفت وش اللي كنت أصبر عنه.
ومرت الأيام كذا، أكابر في اليوم، وانهار في الليل.
اللين ما جت عندي بيان بخبر.
(أنا حامل..)
فرحت.. فرحت فرحة ما توقعتها، ومن تعابير بيان المصدومة، فرحة هي بعد ما توقعتها.
متحمس بشكل غير معقول!
-
ذي الأيام عرفت وش اللي أصحابي يقصدونه لما يشتكون من وحام زوجاتهم.
السالفة ردية، ويبغالها بال وصبر طويل.
على الأقل بيان ما توحمت على شي يضرها، ما شاء الله على اللي في بطنها، يداري صحتها بشكل، ما خلاها تتوحم إلا على فواكه وخضروات.
أهمها الموز. الموز اللي بيان شوي وتكتب قصائد مدح فيه.
توني راجع للبيت الساعة وحدة، بعد ما فرفرت في شوارع الرياض عن سوبر ماركت مفتوح أقدر أشتري منه الموز المنشود. للأسف مورد الموز جارنا اللي على بعد شارع خذلني بإقفال محله. حشى دجاجة هو عشان يسكر محله على المغرب؟
من قلة النوم عبرت لبيان عن خوفي المبرر المدعوم بالأدلة العلمية إن اللي في بطنها يكون قرد.
ما دريت إلا وبيان تضحك بقوة، وتبتسم لي ذيك الابتسامة وتنظر لي بذيك العيون المليانة دفى.
تمنيت لحظتها إن ولدنا بيطلع عليها.
-
ما يفيد الإنكار على هذا الورق، فخليني أعترف بدل ما أخنق روحي.
أحب بيان. أحبها. أعشقها وأموت فيها.
أقدار الناس لها أطوار.. أنا اللي انجبرت أتزوجها، وأنا اللي انتهى المطاف بحبها. هي اللي كان لها حرية القرار، وهي اللي كانت عايفتتي.
الشيء الوحيد اللي أقدر أتمسك فيه هو كبريائي، برودي الظاهري.. مقدر أتخيل فكرة إنها تدري بحبي لها، لأن ما كان لذيك الاحتمالية إلا خيارين..
يا إما تتشمت فيني، أو بتشفق علي.
مدري أي واحد فيهم أردى.
-
صار عندي ولد.
اسمه ساري. وأنا مستعد أدخل في مضاربات عشان أثبت إن أظرف منه مافي.
بيان هي اللي سمته وأنا وافقتها. من كثر الأسماء اللي جت فبالي ما قدرت أختار منها شي، ولو كان الأمر علي كان اللحين ساري قضى سنته الأولى بدون اسم. الحمد لله بيان ريحتني من ذيك المهمة الصعبة.
بتقضي بيان الأربعين في بيت أمها. وأنا طبعا حدث ولا حرج، حالة من الشوق المستنفر. صرت أزورهم كل عصر، أتطمن على أحوالهم وأرجع لبيتي. الوحشة لحالي كأنها قبر استغفر الله.
مضى أسبوعان من ولادة بيان، وأنا بس أعد الأيام لرجعتها مع ساري.
-
صحيح إن عمر ساري شهرين وحاجة، بس بصراحة هو نعم الونيس والمستمع.
مضت أسابيع من رجعة بيان لبيتي، أسابيع تعودنا فيها روتين مختلف مع ساكن البيت الجديد.
ما أقول إن التعود على ساري كان سهل، أبد ما كان سهل. كان متعب بكل ما في الكلمة من معنى. لكنه كان تعب حلو. تعب تخوض فيه وإنت راضي..
لما تكون بيان تعبانة أو ناقصها نوم، أقعد أنا أهتم بساري طول الليل، أقعد أفضفض له عن مشاعري تجاه أمه. طبعا ساري ما يرد، بس يبتسم لي ابتسامة أمه. أحمد ربي إنه رزقني أمنيتي ذيك.
-
الشي اللي يثير استغرابي أكثر من أي شي ثاني هو ليه ما طلبت بيان الطلاق مني. سمعت قصص كثيرة عن ناس انغصبوا على بعض، و النطق بطلب الطلاق دوم كانت ردة الفعل السائدة.
بس بيان أبد ما سوتها.
سألتها، وجاوبتني إن السبب الوحيد اللي خلاها تصبر علي، تصبر على فكرة إني مغصوب عليها، هو وصية أبوها بإنها تكون زوجة لي.
اللحين عرفت مفهوم الأسئلة اللي تندم معرفة أجوبتها.
كأن زواجنا كان غرفة.. أنا انجبرت أدخلها، وبيان انجبرت تبقى فيها.
كانت ذيك القشة اللي قصمت ظهر البعير.
-
خطبت بنت خالتي وئام. كانت خطوة غبية متهورة بجميع المقاييس، بس هي اللي بدرت فبالي ذيك اللحظة. شي يعالج نار القهر المحترقة فصدري. شي أتمنى يأثر فبيان في سري حتى لو كنت موقن إنها ما راح تهتم.
ألفت لبيان رواية عن سبب خطبتي لوئام، خرابيط ما لها صحة عن حبي لها من يوم ما كنت في الجامعة. أكابر وأنا أندم في اللحظة مليون مرة، خصوصا لما وئام وافقت.
-
قالتلي بيان مبروك ببرود الثلج، ولأول مرة من سماعها لمكالمتي مع أبوي، شفت الجرح في عيونها.
تعاملها معي صار رسمي، بارد، مافي أثر للحياة أو الإنسانة اللي عرفتها فيه. كانت تقوم بواجباتها بكل آلية.
تركتها لحالها، ما ألومها. يمكن ما كانت تكترث لي لشخصي، بس يقولون إن الضرة مرة مهما حصل. ليتني فكرت بكذا قبل ما اتبعت كبريائي الغبي..
أمي أعطتني رقم وئام أكلمها.. ما أذكر إذا كلمتها أكثر من مرتين..
-
اكتشفت حقيقة إن الواحد يقدر يشتاق لشخص حتى وهو واقف قدامه.
اشتقت لك يا بيان.
اشتقت لك..
:
كان هذا آخر ما كتبه في السجل، قبل أيام قليلة من الحادثة التي أودت به إلى غيبوبة.
أغلق ياسر السجل، لينظر إلى بيان الجالسة على طاولة المكتب، تستمع لما كان يقرأه من سجل يومياته.
لديهما الكثير ليتحدثا عنه.
عزت ميساء تغير الوضع بينها وبين جواد إلى اتفاقية صامتة قامت بينهما بأساس حصولها على طفل. لم ترد التفكير بغير هذا، لأن الخيار الآخر سيكون أن جواد يريد إرجاع الأمور كما كانت عليه في سنين زواجهما.
لا تريد ذلك الواقع، لأنه يعني الاعتراف بحقيقة أن جواد تشاركها به أخرى. لا تريد ذلك الواقع، لأن وهم الاتفاقية البارد كان أسهل على قلبها التعامل معه، أبرد على لهيب غيرتها المميتة.
لكن تواجد جواد معها بهذا الشكل دمر حصونها التي كانت تحمي نفسها بها من الحقيقة.
سألته ليلة، تشعر به يلعب بخفة في شعرها: إذا ما قدرت أحمل، وش بتسوي؟ بتبقى لسى معي ولا..؟
ظل صامتا للحظات بدت كالسنين، ثم قال: بقولك قصة، وإنتي أحكمي..
/:/
لم يكن جواد قريبا لأي أحد من أقربائه كما كان مع جدته من أمه سارة. كانت تعرف ما يفكر فيه بنظرة، تفهم ما يريد قوله دون الكلام. كان يحبها حبا عظيما، وكانت هي تكن له نفس الحب في قلبها.
قلبها الضعيف الذي استسلم للسكون وهو في العاشرة من عمره.
لم يستطع الاستعياب، الاعتراف، بأن هذه الجنازة التي هو حاضر لها كانت لجدته. قد حضر جنازة من قبل، قبل شهور قليلة. يعرف أن الراحل لن يعود.
رأى نظرات القلق في أمه، في أبيه، في أخيه الأكبر.. حاول منع دموعه إلى أن اختلى بنفسه في زاوية، ليطلق العنان لها.
سمع عندها وقع خطوات خفيفة، ليرى ابنة عمه الصغيرة ميساء. سألته: إنت تبكي؟
فاجأه حضورها إلى درجة أنه لم يلاحظ أن دموعه ما زالت مرتسمه على خده، تفضحه، مسحها بسرعة وقال بصوت بالكاد يُسمع: لا..
مطت هي شفتيها بعدم رضا: كذاب، كنت تبكي./ ثم أردفت بعد أن تفقدت عدم وجود شخص آخر معهما بهمس: ما بقول لأحد، وعد. ابكي..
ضحك هو رغما عنه قبل أن وجد نفسه يمتثل لقولها، منزلا رأسه على ركبتيه مغطيا وجهه، باكيا بصمت.
أحس بها تمسح على رأسه بيدها الصغيرة. يعرف أنها لم تكن تفعل هذا لشفقة، بل كأنه رد معروف، تقلده، فتركها تفعل ما تشاء.
رفع رأسه ليراها تبتسم له، تمسح دموعه الباقية كما فعل هو في جنازة أمها: خلاص؟
تنهد بحزن.. وشيء غريب من الراحة، يرد: خلاص..
:
عادة، هو لا يحب الاختلاط بالناس، خصوصا بمن هم أصغر منه.
لكن، كلما سأله والده إذا كان يريد مرافقته لبيت عمه سند بدلا من أخيه سعد الذي كان برفقة أصحابه كالمعتاد، وجد جواد نفسه يجاوب بنعم.
كان يرتاح برفقة ابنة عمه ميساء، لم تكن مزعجة كباقي أبناء عمومته.
رآها اليوم ترسم على أرضية غرفة الجلوس، تركز على كراستها الصغيرة وألوانها الشمعية متناثرة حولها. بصراحة، بالنسبة لطفلة في الخامسة، يعترف أنها كانت ترسم أفضل منه. مدرس مادة الفنية دائما كان يوبخه على بشاعة رسمه. ما ذنبه إذا لم يمتلك الموهبة؟: وش قاعدة ترسمين..؟
أجابته دون النظر إليه: إنت.
أمعن النظر في الرسمة، ليقطب حاجبيه: عيوني مو سودة كذا..
عندها فقط نظرت إليه، ورأى الإصرار في ملامحها: إلا هي كذا، زي الليل!
لم يعترض بعدها، يعرف أنها معركة لن يفوز فيها. وقبل خروجهم، أعطته رسمتها، قالت أنها هدية.
أزعجه سعد بالسؤال عما كان ينظر إليه عند عودته، عازما على رؤية الرسمة التي أهديت له. وفي خضم عزمه شق زاوية بسيطة من الورقة دون قصد.
هتف رادا على النظرة التي أعطاها جواد كردة فعل: آسف، آسف يا شيخ! لا تأكلني!
:
ركض أرجاء المزرعة بحثا عن ميساء. كانت رجلاه بالكاد تقويان على حمله عندما وجدها. شعر بالغيظ لعدم رؤية علائم الخوف على وجهها، فقط الرضا الباسم: هلا جواد!
الدنيا كانت مظلمة، وهي كانت مفقودة منذ صلاة العصر، ألا تحس هذه الغبية؟
وبخها على تهورها بينما هي فقط ظلت صامتة، تنظر له بعدم فهم واكتراث بما صار لها.
عندما لحق بهما الآخرون، سألها عمه سند عن سبب اختفائها، لتشير هي بفخر إلى الساعة التي كانت بحوزتها، ساعته.. تلك التي أهدته إياه جدته سارة قبل وفاتها، تلك التي فقدها في الظهر، التي ظل يبحث عنها بحزن، غاضب من نفسه لفقدها.
رأى جواد ثياب ميساء متسخة بطريقة لم يعهدها فيها تحت أضواء الكشافات، فهي أبدا لا تطيق فكرة إفساد ثيابها باللعب. والآن.. والآن كان ثوبها ملطخا بالطين والتراب والحشائش، ولم يبدو عليها الاهتمام بذلك..
أكل ذلك كان من أجل إيجاد ساعته..؟
وجد نفسه يتمتم في طريق العودة: غبية، غبية!
ليسأله سعد: ورى وجهك محمر كذا؟
:
أخذ ميساء على جنب بعد إعلانها، يؤنبها: لا تقولي أشياء زي كذا للناس. عيب!
قطبت هي حاجبيها باستغراب، تسأله: ليه عيب؟
لم يجد إجابة مناسبة واكتفى بـ: بس كذا.
تكتفت هي بسخط: بس أنا أبغى أتزوجك ونسكن بيت كبير واشتري فساتين كثيرة زي ما العم سامر قال!
رد هو، لا يدري لم يشعر بالغيظ: بس هو كان يقصد تتزوجين ولده كمال، مو أنا.
لتهتف هي بحيرة، كأنه شيء بديهي لا يستطيع الناس فهمه: بس أنا ما أبغى غير جواد..
احمر بشدة، وفقد القدرة على تشكيل أي رد، يشعر برضا غريب من سماع كلامها.
أخذت ميساء صمته كعلامة لانتهاء تأنيبه، لتذهب إلى أبيها حين سمعته يناديها.
ككل مرة حاول تنبيهها، غلبته..
:
بعد زلته في زيارة عمه للتهنئة بمولد بشاير، أصبح سعد لا يُطاق، صار يشير لميساء بـ"حرم أخوي المصون".
صحيح أن سعد كان يكبره بأربعة أعوام، لكن هذا لم يمنع جواد من إسكاته خوفا من أن يسمع كلامه الآخرون.
:
مرت بضع سنين، وكف أبوه عن سؤاله مرافقته لبيت عمه سند. سمعه مرة يقول لعمه سند أن ميساء كبرت، وليس من اللائق اصطحاب جواد معه، ليهتف عمه أن ميساء ما زالت صغيرة على كل ذلك. لكن أباه لم يتزحزح عن موقفه.
لطالما كان أبوه الأكثر صرامة بين إخوانه، بينما عمه سند الأقل في ذلك.
وجد نفسه يتصيد أخبار ميساء من عمه، يبتسم لسماع شيء فعلته لم يكن غريبا عليها، ليرى أن سعد لاحظه، يهز رأسه بقلة حيلة: حالتك صعبة يا أخوي..
كان صعبا، منع نفسه من ضرب سعد بأقرب وسادة كنب.
:
كان عليه إيصال ميساء إلى البيت كما طلب منه عمه سند. مهمة سهلة. لكن من اللحظة التي دخلت فيها ميساء سيارته، وجد جواد نفسه في حالة استنفار.
يكره كيف لاحظ حسنها الفتي، المنبئ بازدياد باذخ بعد سنين، يكره أكثر ملاحظة آخرين لذاك الحسن، أن يفكر ذهن رجل بما فكر. أخذ يتكلم عن التحجب، وارتاح لعدم رؤية ذاك الإعتراض في ملامح ميساء.
صحيح أن الثمن كان حرمانه من رؤية وجهها، لكنه ارتاح.
وبأية حال، إذا قدر الله له، لن يظل محروما إلى الأبد..
:
أتى عمه سند سفر طارئ لعمل، وترك ميساء تبقى عندهم أيام غيابه.
أبوه وأمه لم يمانعا، بشاير كانت بالغة السرور، وسعد..
"سعد شكله ناوي القبر اليوم.."
من اللحظة التي أعلن أبوه خبر سفر عمه وبقاء ميساء عندهم، بدأ سعد مهمته بإيصاله إلى أقصى درجات الغيظ والحرج.
سأله، لعل وعسى سيستطيع إيقاف حملة أخيه هذه: ما عندك شي ثاني تقدر تغثني فيه؟
ابتسم سعد بانتصار: أنا إنسان استراتيجي، وشايف إن مافي شي يقلب حالك زي طاري بنت العم./ تنهد بدرامية مبالغ فيها: صدق من قال إن الحب يذوب أقسى القلوب، قلب حال أخوي الصغنن من لوح إلى روميو..
أبوه اتخذ كل الإجراءات اللازمة، وجعله مع سعد يبيتان في ملحق الضيوف المنعزل عن البيت..
واساه سعد تلك الليلة: يا فرحة ما تمت.
لم يمنعه شيء حينها من رميه بالوسادة جانبه.
:
تنهد عمه سند، كعادته يعامله بأريحية الأخ الكبير بدلا من العم: معناته اللي سمعته صحيح، العايلة كلها متفقة ضد قرارك..
توقع هذا الاعتراض عندما أصر على إتخاذ المحاماة كمهنة بدلا من الانخراط في العمل في شركة العايلة. أبوه كان أول المعارضين، ومن بعد أبيه عمه متعب. سأل عمه سند بفضول: حتى إنت معارض يا عمي؟
فكر عمه للحظة قبل أن يجيب: أنا نص ونص، ما بتسرع في الحكم، خصوصا وأنا شايف إنك قدها./ ابتسم بحب وهو يردف: على الأقل بنتي موافقتك الرأي. على قولتها مو لازم الكل يشتغل في الشركة، التنويع حلو.
بالكاد منع جواد ابتسامة مفرطة السرور من الانفلات منه.
:
أصبحت بشاير شخصا آخر يتصيد أخبار ميساء منه. بحكم جيرة بيت أبيه لبيت عمه، كان من السهل إيصال بشاير على فترات متقاربة له.
اعتبرت بشاير ميساء أختها الكبيرة التي لم تحظى بها، واعتبرتها ميساء بمثل الأخوة. كل مرة ترجع فيها بشاير إلى البيت، بدت مختلفة، شعرها مربوط بتسريحات طفولية أنيقة تناسب عمرها الصغير، ومعها أغراض أكثر من التي ذهبت بها. كانت ميساء من تلجأ لها بالنصيحة، من تأخذ رأيها في كل شيء.
كعادتها حين عودتها من عند ميساء، بدأت بشاير تتكلم عن كل ما فعلته.
نهض سعد وابتسامة متسلية مرتسمة على شفتيه: استأذنكم، ودي أقعد بس أحس إن فيه ناس بيشرشحوني لو سمعت طاري حبايب القلب.
حرك حواجبه بمعنى كان هو المقصود فيه، ليخرج ضاحكا عندما اكفهرت ملامح جواد بغيظ مكتوم، يتساءل لم كان سعد من انتهى المطاف بمعرفة ماهية مشاعره؟
:
جلس جانب أبيه بكل رزانة وهدوء، يفاتحه بالأمر الذي كان يفكر به منذ سنين مراهقته: أبوي، نويت أتزوج..
لم ينظر أبوه من الجريدة التي كان يقرأها عندما رد: خلص دراستك واشتغلك كم سنة بعدين أخطب لك بنت سند، ما برميها عليك وأنا مو ضامن مستقبلك..
تلعثم ثم وجه نظرات متهمة إلى سعد الجالس جانبه، ليدافع سعد عن نفسه قائلا: موب أنا اللي قلتله والله. أنا حافظ سرك كيف أخونك كذا؟/ استطرد بضحكة: مشكلتك يا أخوي إنك مسوي فيها غامض وإنت فضيحة.
عندها توسط له سعد، وعرف جواد أن الأمر وصل إلى القاع: يا أبوي زوجه، زوجه وارحمه حالته مستعصية.
لكن أبوه ظل ملتزما موقفه: بنت سند غالية ومانيب مرتاح لسالفة المحاماة ذي..
إلى متى سيلوي ذراعه بمجال دراسته؟: طيب بخطبها..
"وبوقف سيل الخطاب المرتسين قدام بيت عمي سند.. كأن مافي بنات في العالم إلا ميساء.."
رد أبوه عندها، باقي على نفس البرود: ما بقطع رزق البنت.
ليقول سعد بدلا عنه: ذبحته يا أبوي، ذبحته..
لم يعطي أبوه بالا لدرامية سعد، ولا لاحتمالية أنه صدقا قد قتله ببروده هذا.
:
أصبح سعد ينظر إليه بنظرات الشفقة، وبعض المرات كانت تنضم له بشاير وهي بالكاد تفهم ما يجري. كانا قريبان من بعض، سعد وبشاير، على الرغم من السنوات السبعة عشر الفاصلة بينهما.
تنهد سعد بحرقة: آه يا بنت عمي المصون وش هببتي في قلب أخوي..؟ ارحمي الضعيف من لهيب هواك!
قلدته بشاير: آه!
كونه الأوسط بينهما كان مزعجا بحق.
:
عندما أعلن سعد أنه سيتزوج قريبا، كاد جواد يتفجر فرحة.
"أخيرا بيجي شخص يشغلك عني.."
وكأنه أحس بمسار أفكاره، ابتسم سعد بخبث: فيه اختراع اسمه الجوال./ أردف قبل أن يستطيع الرد: وإذا حصل وسويت لي حظر، أختي الحبيبة بشاير موجودة..
تنهد جواد باستسلام: أكرهك.
ربت سعد على كتفه بتفهم: أدري بك معقد وما تبين مشاعرك، وأدري إن معزتك لي في القلب..
أبعد جواد يده عنه.. ثم ابتسم: مبروك يا سعد..
عبث سعد بشعره بتسلي كما كان يفعل في طفولتهما، لا يكترث بواقع أن جواد كان في الخامسة والعشرين من عمره: الله يبارك فيك، وعقبال أبوي يفك الحصار عنك..
:
تم فك الحصار عنه بعد سنتين.
كان عليه إبعاد أذنه عن جواله بسبب الهتاف العالي الذي انخرط فيه سعد لسماع الخبر: أخيرا! أخيرا حن قلب أبو سعد عليك!
رد هو بابتسامة: اللي يسمعك بيقول إنك إنت اللي بتعرس.
عندها شاب صوت سعد تمثيل الجدية: أكثر من عشر سنين وأنا أشوفك متبهذل. اسمح لي، بفرح زي اللي أبغى. حتى يارا شقت الحلق لما سمعت الخبر.
اكتسى صوته الدفء لذكر ابنة أخيه الصغيرة ذات الشهور العشر: يحق لها، بتكون هي ضيفة الشرف.
:
مرت مراسم الزواج بسرعة خاطفة، وهاهو الآن جالس جانب ميساء في السيارة التي كانت تتجه بهما إلى الفندق الذي تم حجز جناح لهما فيه.
رأى يديها ترتجفان، فأمسك بهما يخفف عنها، ليسرع قلبه هو في دقه لمعرفته الآن بنعومة كفيها.
سعد الذي أصر على قيادة السيارة، كان يدندن بسرور، يقطع الصمت المشحون بينه وبين ميساء.
(جانا الهنا.. لقينا المنى..)
نظر بطرف عينه إلى ميساء التي لم تتكلم بحرف، مطرقة رأسها نحو يديها، وتشد بقبضتها بتوتر على يده.
صدقا، قد لقي مناه.
:
اكتشف جواد حقيقة أن ما كان يكنه لميساء سابقا كان لا شيء مقارنة مع الذي أصبح يكنه لها بعد زواجه بها.
لم يكن أسعد، لم يكن أكثر غرقا إلى أذنيه.
شهور قليلة معها وعرف أنها امتلكت قلبه امتلاكا لا رجعة فيه.
صحيح، كانت ميساء مدللة بإفراط، لكن كان لديها قلب صاف، فيه براءة عجيبة لا تخونها شموخ ملامحها. ربما لم تكن الأسهل في التقرب منها، لكن أولئك الذين نجحوا حكوا عن حنان غامر، ووفاء خالص.
ماذا يريد بالكمال وعنده هي؟
انتهى البارت..
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!