الفصل 2 | من 13 فصل

رواية مشكلتي مع كلمة ... الفصل الثاني 2 - بقلم Misoo

المشاهدات
21
كلمة
2,114
وقت القراءة
11 د
التقدم في الرواية 15%
حجم الخط: 18



ذهابها إلى معهد الفنون أصبح جزءا من الروتين بسرعة، تذهب إليه بعد الظهر وترجع منه قبيل المغرب. استفادت الكثير منه، تقضي الوقت بتطوير هوايتها المفضلة، الرسم. كان المعهد أفضل طريقة للابتعاد عن التفكير في عالمها الوحيد، هروبا مؤقتا من واقعها ذاك.

رجعت ميساء من المعهد لترى آخر شخص تود رؤيته واقفا عند باب قسمها.. أم زوجها عبير. بعباءتها الفضفاضة ونقابها، لم يظهر منها سوى عيونها، لكن.. شيء في نظرتها اختلف عن الماضي: عرس بشاير بيكون في الخميس هذا..

بشاير، تلك الشابة الرقيقة المدللة، أخت زوجها الصغرى والمغايرة له في كل أطباعه، وابنة عمها أيضا. كانت من القلة الذين ارتاحت ميساء لهم، كيف لا وهي كانت تحملها وتلاعبها كرضيعة، تعاملها كالأخت التي لم تحظى بها؟ لم تتخيل فكرة زواجها لصغر سنها برأيها، فبشاير كانت تصغرها بثمان سنوات، في التاسعة عشر من عمرها. لكن.. ربما كبرت في السنة التي لم تلتقي بها.

أفاقت من غمرة أفكارها لتقول قبل أن تخرج مفاتيح باب قسمها لتدلف إليه: مبروك..

استوقفتها تلك قبل أن تدخل: ما بتحضرين؟

شخرت ميساء بسخرية: أظنك تعرفين الجواب.

صمتت العمة عبير وأعطتها ظهرها مبتعدة، ربما لتدخل القسم الآخر، لتكون تلك إشارتها في غلق الباب.

توضأت وصلت المغرب، مفكرة بعدها بما ستحتاجه لمشروع المعرض الذي سيقام بعد أيام، لتسمع طرقا على باب قسمها الداخلي ويقطع خيط أفكارها.

توجهت إلى الباب متوجسة، ليأتي ذلك الصوت المحبب إلى قلبها يهتف لها: افتحي الباب عمة ميساء!

فتحت الباب لترى بكر ابن عمها المتوفي سعد ذات السنين الست، يارا. نزلت لمستواها لتحضنها، كم من أسابيع مرت لم ترها فيها؟

حضنتها يارا بكل ما تستطيع من قوة وهي تقول: اشتقتلك مرة مرة عمتي!

لترد هي بدفء وفرح مماثلين: وأنا بعد حبيبتي../ ابتعدت عنها لتسألها باستغراب: كيف قدرتي تدخلين؟

هذا البيت كان مقسما لقسمين، قسم لها.. وقسم لضرتها لمى. كل قسم كان له باب خارجي وداخلي تملك كل واحدة منهما النسخة الخاصة بها. لا يوجد سوى شخص واحد يمتلك كل المفاتيح.

أجابت يارا بابتسامة لتؤكد شكوكها: عمي جواد فتحلي!

تجمدت عند سماع ذاك الإسم.. اسم زوجها. شدت يارا على كم بلوزتها توقظها من عواصف أفكارها التي يحدثها ذكر أبسط خبر عنه.

أدخلتها إلى المطبخ، تعطيها صنف المثلجات الذي كانت تشتريه تحسبا لزيارات يارا.

قالت يارا تمثل الصلابة: قالولي لا تأكلي أيسكريم كثير..

غمزت لها ميساء: بيكون سر بيني وبينك.

أشرقت يارا بابتسامة ليزول آخر مانع يمنعها من التهام عشقها الأزلي. استمعت ميساء لها باهتمام وهي تحكي عن مغامراتها البسيطة ما بين المدرسة والبيت.

نقطة ضعفها كانت الأطفال، تحبهم وتفرط في تدليلهم. ترى فيهم رفقة مريحة، بعيدا عن لوث الناس وسواد قلوبهم. تحب هذه الصغيرة بالذات، فوالدها توفي في حادث سيارة وهي عمرها سنة، ووالدتها تركت مسؤولية تربيتها، ليتولى تلك المسؤولية جداها. رغم ذلك، كانت يارا مرحة لطيفة مشاكسة، تدخل القلب من أول لقاء..

كم تمنت ميساء أن يكون لها ابنة مثله—

منعت نفسها من التفكير أكثر عندما أدركت أين تقودها أفكارها.

:

سألها عمها عندما جلست جانبه في مجلس قسم العمة لمى: أعطتك أيسكريم صح؟

حاولت يارا الإنكار: لا..

لم يبدو عليه التصديق: وهذا اللي على فمك إيش؟

بسرعة مدت يارا يدها إلى وجهها تتفقده من آثار، لتدرك أنها وقعت في الفخ. رأته يكبح ابتسامة، متمتما: ما تتوب..

لم بدا عمها حزينا هذه اللحظة رغم أنه كان يبتسم؟

سألته بعتب وعدم فهم لهذا التفصيل الغريب المخالف لكل ما عرفته: عمي ليش ما أشوفك عند عمة ميساء؟ كل مرة ندخل عند عمة لمى—

قطع عليها دخول جدتها عليهما لتسكت، فجدتها لا تحب العمة ميساء لسبب ما.

/

/

المدرسة الأهلية التي تدرس فيها كانت من أرقى المدارس في المملكة، لا يدرس فيها إلا بنات ذوي المناصب والمكانات العليا. لم يهمها ذلك عندما تقدمت بطلب العمل هنا، كان جل همها قرب المدرسة من الشقة التي تقنطها وتوفير ثمن المواصلات. من حسن حظها أن خبراتها نالت إعجاب المديرة لتوظفها فورا، وهاهي قد مضت ست سنوات منذ خطوتها الأولى في هذا الحرم المدرسي.

كانت في مكتبها ما بين الحصص عندما دلفت إلى الداخل أحد الطالبات اللواتي تدرسهن من الصف الثاني الثانوي. توقفت الطالبة أمام مكتبها مسلمة بصوتها شديد الرقة والخفوت: السلام عليكم..

ابتسمت لها زينة، مسرورة لرؤيتها أخيرا بعد غياب دام أيام ثلاث: وعليكم السلام جود. أخبارك، طيبة؟ البنات قالولي إنك تعبتي فوسط الحصة..

أومأت لها جود بنعم: الحمد لله بخير.

قبل سنة لم تكن جود لتتقدم إليها هكذا، فالفتاة كانت شديدة الخجل والإنطواء، قليلة الكلام والمبادرة إلى درجة أثرت في مستواها الدراسي. لاحظت زينة كل ذلك وعملت على تخطي تلك الحواجز معها، ليتبين أن وراء خجلها يكمن ذهن فذ وأفكار فريدة من نوعها. بدأت جود تتفتح كوردة بديعة الجمال في محيطها، تكتسب الثقة لتطوير نفسها وعقد الصداقات مع زميلاتها. ساعدت مكانة أبيها كروائي مشهور في البلد على زيادة شعبيتها بين الطالبات، حتى لو كانت بمنتهى التواضع في ذلك الأمر. كم من مرة صادفت زميلة (وحتى معلمة) تطلب منها توقيعا من أبيها.

قدمت لها جود المجلد النحيف الذي كانت تحمله في يدها: هذا عشان بحث الأدب اللي طلبتيه..

أخذته زينة منها بابتسامة تتسع بحبور: تصدقين؟ إنتي الوحيدة اللي جابت له خبر. مشكورة يا بنتي..

كان نشاطا إضافيا كلفت به طالبات ثاني ثانوي بغض النظر عن التخصص. لم يكن إلزاميا، وللكل الحرية بأخذه أو تركه، لكنها وعدت من تحضر بحثا يبهرها بجائزة على جهودها.

مما قدمته لها جود حتى الآن، فزينة تعرف أن بحثها سيكون بمنتهى الروعة.

:

كانت زينة تهم بالخروج عندما رأت جود جالسة لوحدها، تنتظر عند الباب. تفقدت الساعة لتراها قد وصلت الثانية. "المدرسة فاضية.. ليش هي هنا للحين؟" توجهت إليها تسألها: جود؟ ليش ما رحتي.. وين أبوك عنك؟

أجابتها: بيجي بعد شوي إن شاء الله..

لاحظت زينة توترها من الجلوس لوحدها لتتوصل إلى قرار: تعالي معاي لغرفة المعلمات طيب على بال ما يجي.. أبغى أسألك شوي عن بحثك..

لم تتردد جود في اللحاق بها، لتمضي ساعة وهما يتناقشان في بحثها ومصادره، إلى أن أتت المعلمة المناوبة تنبههم على وصول والد جود.

ودعتها جود بابتسامة مرتاحة ومعها ما بقي من صحن الحلا الذي أعدته زينة لزميلاتها والذي أصرت على جود أن تأخذه.

:

إنهالت أعذار أبيها عليها عندما ركبت السيارة، متأسفا متعذرا. تعرف والدها، وتعرف أنه لا يقصد التأخر عليها، لكنه دائم الإنخراط في عمله مما يجعله ينسى العالم حوله. ابتسمت له: عادي بابا، ما صار شي..

سألها بشك: متأكدة؟

لتومئ له بنعم. عندها فقط لاحظ العلبة الصغير التي في يدها: وش هذا؟

-: حلا سوته أبلة زينة، أعطتني إياه وحنا كنا نصحح في بحثي.

ضحك بخفة: البحث اللي سويتي غزو في مكتبتي عشانه؟/ ليردف سائلا بعد لحظة: أبلة زينة.. مو هذي الأستاذة اللي دوم تتكلمي عنها؟

ردت بسرور لكونه تذكر ما تتكلم عنه: إيه، هي نفسها.

رأت والدها ينخرط في التفكير، في ماذا؟ لا تدري. يُقال أن عقول الروائيين تسلك طرقا أخرى، ربما كان هذا صحيحا في حالة والدها، فهي معظم المرات لا تفهم ما يدور في خلده.

/

/

دنياه كان يغطيها السواد، أطياف ظلال وهمس أصوات قطع عزلته المظلمة في أحيان متفرقة. لكن النور بدأ ينتشر أرجاءه، شيئا فشيئا إلى أن فتح عيونه بضيق من إضاءة السقف فوقه.

رمش لمرات لا تحصى قبل أن يلاحظ الأعين التي كانت عليه.. سألهم بعد معاناة: ويني فيه؟

مضت ساعات قبل أن يتعود على الضوء وعلى علو الأصوات، قبل أن يتعود على تحريك شفتيه ناطقا بكلمة خرجت بصوت مقطع لأشلاء.

عرف أنه كان في مستشفى بعد حادث في موقع بناء، وعرف أنه كان غائبا عن الوعي لأسبوعين. سأله الأطباء عدة أسئلة، اسمه وعمره ووظيفته وما إلى ذلك.. أجاب عن كل سؤال، ليستغرب من تقطيب حواجبهم بوجوم. سمع أحد الأطباء يسأل: اتصلتوا بزوجته؟

استوقفته تلك الكلمة، ليسأل بدوره: زوجة؟

:

"يتصلون فيني يفجعوني بعدين ما ألقاهم لما أدور عليهم!"

اتصال الدكتور المشرف عن حالة زوجها جعلها في حالة استنفار. رتبت أمورها بعجل، مرت بأمها تعطيها ساري لتعتني به ثم ذهبت مباشرة إلى المستشفى، ليخبروها أن الدكتور كان في اجتماع حاليا..

توجهت إلى غرفة زوجها، لترى أنه كان بخير. الأجهزة حوله تصدر أصواتها كالعادة ومؤشر النبض لديه ثابت طبيعي.

تنفست الصعداء وهي تقترب منه، كاشفة عن رأسها لتحكم ربط شعرها فوضوي المظهر من عجلتها: خوفوني عليك الله يهديهم..

تحسست تقاسيم وجهه كما صارت عادتها، تلك الملامح جميلة الشموخ والغرور، تلك الملامح التي تعشق. ربما كان هذا مثيرا للشفقة، كونها تستغل هذا الوقت بالذات لتجعل أناملها تحفظ تكوين وجهه.. لكنها لا تهتم. ابتسمت لرؤية نمو شعره لدرجة الوصول إلى جفنيه.

تكلمت وهي تبعد تلك الخصل عن جبينه: شكلي بجيب معاي مقص بكرة. ما نبغاك تصحى وتلقى شعرك داخل في عيونك.

لم تلاحظ اضطراب تنفس ذاك الراقد تحت لمستها، إلى أن فتح عيونه ورأت ذلك اللون العسلي المميز به. تسمرت بيان في مكانها للحظة، تستوعب ما يحدث، وترى ياسر ينظر إليها بمزيج من الذهول وعدم التعرف والذعر.. مع شيء آخر غير ملموس، ليبعد نظره عنها أخيرا.

"حتى وهو بذي الحالة.. يصد.."

تجاهلت جرحها لترسم ابتسامة على وجهها، هاتفة: الحمد لله على السلامة يا أبو ساري. طولت في نومتك.

سمعته يهمس بشيء ما بصوت مبحوح فاقتربت أكثر، ليتوضح ما كان يقوله: مين.. إنتي..؟

مين إنتي..؟

مين إنتي؟

تراجعت بيان للخلف مصدومة مصعوقة، ليأتي طرق الباب يقطع سكون اللحظة الجليدي.

بسرعة أعادت لف الطرحة على رأسها ولبست نقابها، لتأذن للطارق بالدخول.

دخل الدكتور المشرف وطلب منها دقيقة من وقتها.



ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...