الفصل 3 | من 13 فصل

رواية مشكلتي مع كلمة ... الفصل الثالث 3 - بقلم Misoo

المشاهدات
18
كلمة
5,069
وقت القراءة
26 د
التقدم في الرواية 23%
حجم الخط: 18



تنهدت بيان بضيق وهي تجلس جوار سرير ياسر: ليش قاعد تصعب الأمور على الدكاترة والممرضات؟

أجابها بنزق تعرفه: يعاملوني كأني عاجز.

حسنا، تستطيع فهم ما أثار غيظه، فياسر دائما كان حاد الطبع، عنيد الكبرياء. مكوثه في المستشفى كان تعذيبا بالنسبة إليه: تعاون معاهم طيب عشان تطلع بأسرع وقت. ولا عاجبتك القعدة هنا؟

شخر بسخرية: لأ..

يضحكها بعض المرات، كيف كان غيظه ظريفا. مدت ملعقة إليه تطعمه: يلا كل..

امتعضت ملامحه بضيق، لكنه في نهاية الأمر استسلم وبدأ يستجيب.

سمعت تمتمة الممرضة السخطة لأخرى جانبها:
With us, he throws the plates, but with his wife, he eats it all up like a hungry child
(معانا يرمي الصحون، لكن مع زوجته يأكل كنه طفل جيعان!)

منعت نفسها من الضحك من أجل مصلحة الممرضات المسكينات، لا تريد أن تلفت انتباه ياسر لهن ليحل سخطه عليهن.

مضى يومان منذ استيقاظ ياسر من غيبوبته، يومان قضى فيها ياسر وقته ما بين تحاليل وأسئلة وزيارات الأهل وبدايات إعادة تأهيله للمشي مجددا.

التزمت الحذر والبطء في أمر الوقت المفقود من ذاكرته، وأصرت على الكل اتباع المثل، لا تريد إغراقه بسيل من الأحداث وتضره. بدأت بالأمور البسيطة. مثل لائحة اتصالاته لليوم.

هذه المرة لم تحاول منع ضحكاتها من الانطلاق لرؤية الطريقة الفريدة من نوعها التي سمى بها ياسر الأفراد الذين لا يعرف أسمائهم. لائحة الشرف تتضمن أمثلة مثل *عارف للعطور*، *كسرت سكوتره*، و المفضل لها بكل جدارة: *أطعم موز*.

قالت لياسر الذي بدأ يحمر من الانحراج: مقدر أساعدك في ذولا بكل صراحة../ أردفت وهي تتذكر تفصيلا معينا: حق الموز ذا لازم تعيد اتصالك فيه، لأن بجد الموز اللي كنت تجيبه كان طعم!

تذكرت أيام وحامها، اشتهائها الجامح للموز. إذا ذاك كان مزوده!

رأته يضحك بدوره، لتبتسم له بحب أخفته بسرعة قبل أن يلحظها. أكملا مسيرتهما في لائحة اتصالاته، تزوده بمعلومات عن الذين عرفتهم وتنصحه بسؤال آخرين كلما واجهتهما عقبة، مضيا ومضيا إلى أن وصلا إلى.. وئام.

قطب ياسر حاجبيه باستغراب: وئام؟ هذي وئام بنت خالتي ولا..؟

انخمدت ابتسامتها، وحاولت بكل ما تستطيع عدم إظهار قبح الشعور الذي كان يجري في أوصالها، تومئ له بنعم: إيه.. هي نفسها.

همت بأخذ الجوال منه لتنتقل إلى الاسم بعده، لكنه منعها، يسألها بهدوء: وش جاب رقمها عندي..؟

أحست بالعبرة تخنقها، وبالقهر يطعن قلبها، لكنها قوت نفسها وأخذت نفسا عميقا تتمالك فيه نفسها قبل أن تجيب بنفس الهدوء: إنت مملك عليها من ثلاث شهور.. عرسكم محدد إنه يصير بعد شهر..

:

ككل مرة تزور فيها غرفة وحيدها في المستشفى، تشكلت الدموع في مقلتيها، ليتنهد ياسر بضيق: مو كل مرة تجين تبكين لك بحر يمه، شوفيني بخير وبألف عافية..!

هتفت شهد بنفس الضيق، تكف عن البكاء أخيرا: مقدر أمنع نفسي!

أحست زوجها جانبها يحاول تهدئة روعها كما صارت العادة في هذه الزيارات، يسأل ياسر عن أحواله وتقدمه في علاجه.

بدأ ياسر عندها: شفت رقم وئام في جوالي، وعرفت إني مملك عليها..

حاولت هي التخفيف عنه: وئام مسافرة اللحين، بس بتجي قريب لا تخاف.

رفع ياسر حاجبا: ما يهمني إذا هي مسافرة ولا لأ./ التفت إلى أبيه: كلم زوج خالتي يفسخ العقد.

الذهول ألجم لسانها للحظة، لتنطق أخيرا بـ: إيش؟!

رد ياسر عليها بنبرة أوحت بعدم الاكتراث: صحيت وسنين ناقصة من عمري ومتزوج، ليه أربط نفسي في زواج ثاني مدري عن أسبابه؟

الحق يُقال، هي حتى لا تدري لم أصر ياسر على التقدم لوئام. صحيح أنها كانت تشجعه على الزواج منها في الماضي، لكنه دائما ما كان يرفض بامتعاض، وبعد زواجه من بيان، توقفت عن طرح الفكرة كليا: بس العالم كلها تدري ومتوقعين..

هز كتفا: والله عندي عذري. خالتي بتتفهم.

كانت ستعترض أكثر لكن زوجها أشار إليها بترك الموضوع. بدا عليه الرضا التام من قرار ابنه، لم يكن عادل مؤيدا لفكرة زواج ياسر من وئام في بادئ الأمر: سويت خير بدل ما تظلم المسكينة معاك.

/

/

كانت تهم في الخروج مرتدية عباءتها ونقابها في يدها، لكن..

كما أصبحت عادتها منذ انتقالها لهذا القسم، توقفت ميساء عند الباب في آخر الرواق المؤدي إلى غرفة نومها.

"نفسي أعرف وش ورى هالباب.."

القسم الذي تسكنه كان مقسما إلى دورين، دور سفلي يحتوي على مطبخ وغرفة جلوس وصالة وحمامين، بالإضافة إلى غرفتين. ودور علوي فقط كان يحوي غرفة نومها.. والغرفة التي كانت وراء هذا الباب. للآن لم تعثر على مفتاحه، والقلة التي سألت أجابوها بعدم دراية.

لكنها ستعرف يوما ما. لن ترتاح إذا لم تفعل.

:

لم تفرط في التزين هذه الليلة، لكنها لم تخرج إلا وهي راضية تمام الرضى عن مظهرها، مرتدية لفستان طويل رصاصي اللون، حريري الملمس دون تطريز ونقوش. سرحت ولفت شعرها الأسود الفاحم بأناقة، واكتفت بملمع وكحل يبرز رسمة عيونها البندقية الحادة.

قطعت بين حشود الحاضرات لتصل إلى غايتها، وقع حذائها يصدر على أرضية القاعة الرخامية بكل ثقة، دارية تمام الدراية بما انطلقت الألسن لمرآها.

(جمالها يفجع سبحان الله!)

(ما كذبوا لما قالوا إنها أجمل حريم عايلة السيف..)

(بس شكلها مغرورة..)

(اسكتي بس! ذي تشوف الناس أصغر منها!)

(على إيش يا حظي..؟! صح حلوة، بس ما تجيب عيال..)

(ولا أزيدك من الشعر بيت: طلقها ولد عمها وتزوجها واحد ثاني وقبل الزفة طلقها هو بعد! رجعها ولد عمها لذمته بعدها يستر عليها، لكن بعد إيش..)

(الله اعلم أي بلوى شافوا فيها عشان تنعاف مرتين ورى بعض..)

(صدق إن ما ورى الجمال إلا المصايب!)

لم تكترث، أو ربما تناست. تمنت لو كانت مركبة أظافر اصطناعية الليلة، لعل ألم طعن باطن كفيها بهم سيشتت انتباهها من هذا القهر الثقيل الذي تكتمه.

إعترضت طريقها إمرأتان، تنظران إليها بازدراء يخالطه الشماتة: صدق إنك جريئة عشان تظهري وجهك الليلة ذي بالذات..

رفعت ميساء حاجبا، تبتسم ابتسامة مائلة: ما أجرأ مني إلا إنتي آنسة هنادي.. لساتك متلصقة فسندس أشوف. ليه، ما قدرتي على زوجها لسى؟

إنلجم لسان هنادي ورحل اللون عنها.

استحثتها سندس بريبة سخطة: وش قصدك؟

ازدادت ابتسامة ميساء مكرا: أظنك لاحظتي تغير من اليوم اللي صاحبتي فيه هنادي.. أحد يتدخل في مشاكلك..

نظرت سندس إلى هنادي بنظرة جديدة، كأنها ربطت كل الخيوط المؤدية إلى حل اللغز: إنتي.. إنتي اللي كنتي ترسليله ذيك الرسايل!

مشت ميساء مبتعدة عنهما، واثقة أنه كان لديهما الكثير الكثير لمناقشته بينهما.

ليس من الصعب سماع سر من الاسرار في هذا المجتمع المخملي الذي تعيش فيه، خصوصا لشخص مثلها فضل الجلوس بدل الاشتراك، السماع بدل الحديث.

عرفت بسر هنادي منذ دهر. حاولت نصحها وتجاهلتها فرفعت يدها منها، غير مكترثة بما ستؤول لها الحال، فالأمر لم يكن من شأنها. لسوء حظ هنادي، ميساء كانت مترنحة بغضبها الليلة، على أقصى حدها من التحمل. اختارت استفزازها هذه اللحظة بالذات، وعليها تحمل عواقب فعلتها.

أكملت المسيرة إلى الغرفة التي كانت تتجهز فيها بشاير، وعند وقوفها على عتبة الباب، أشارت بشاير لكل الحاضرات بالخروج. وقفت بشاير بفستان زفافها تنظر إليها، الدموع تترقرق في عيونها.

أخرجت ميساء منديلا من حقيبتها، تمسح تلك الدموع قبل أن تفسد مكياجها: لا تخربيها وزفتك بعد شوي. ناوية تفجعين قصي؟

ابتسمت عندها بشاير، تتمالك نفسها شيئا فشيئا، إلى أن سألتها بخجل وهي تضمها: كيف شكلي؟

ابتسمت عندها ميساء بحنو ودفء: ما شاء الله، ما شفت عروس أحلى. قصي ما راح يعرف وين أرضه..

قاطعهما طرق على الباب، لتكون تلك إشارتها في الذهاب. باركت لها ودعت لها بالتوفيق ثم خرجت.. تعرف أن بشاير أرادتها أن تبقى أطول، لكنها لا تستطيع.

ليس لها مكان هنا.

:

لن تنكر، فاجأها حضور ميساء الليلة. لم تتوقع أن تعتب ضرتها خطوة واحدة إلى تجمع كهذا مرة أخرى.

زفرت صديقتها غادة بضيق: هذا اللي ناقص، ننطرد عشان ذيك النسرة!

قالت لمى بفتور: دوم كانت بشاير تحبها. مانيب متفاجأة من سواتها.

قطبت صديقتها الأخرى سارة حاجبيها: وعادي عندك؟

ابتسمت: عادي..

قد يفاجئ الأمر الكثير، لكنها لا تعتبر ابنة عمها ميساء منافسة لها. ربما كانت أجمل منها بأشواط، لكنها كانت تفتقر إلى الكثير.

بينما كانت لمى محبوبة العائلة، قريبة إلى قلوب كبارها، كانت ميساء أشبه بالمنبوذة. بينما كانت لمى حلوة الطباع والمعشر، كانت ميساء صعبة المراس، غريبة الأطوار. بينما كانت لمى متخرجة جامعيا، كانت ميساء خريجة ثانوية فقط. بينما مضت لمى في حياتها وقراراتها بثبات، كانت ميساء تمضيها متخبطة لا هدف لها.

الأهم أن بينما كانت لمى زوجة فعلية، كانت ميساء تضحية من أجل ستر، ردع كلام الناس.

لم يكن لميساء سوى جمالها فقط. تثير شفقتها، بكل صراحة.

عندما خرجت ميساء أخيرا من حجرة بشاير، استوقفتها غادة هاتفة: ما تباركي لبنت عمك؟ وصلت الشهر الثاني في حملها.

نظرت ميساء إليهن كأنها تلاحظ وجودهن هذه اللحظة بالذات. كان هذا أمرا من الأمور التي نفرت الكثير منها، هذا الشرود. توجهت بالنظر إلى لمى قبل أن تقول بصوت باهت: مبروك..

ابتسمت لها لمى بعذوبة: الله يبارك فيك. عندك اسم لي؟ إلى اللحين ما لقيت شي يناسب.

صوت ميساء بالكاد سٌمع عندما أجابت: لأ.. ما عندي..

أدارت ظهرها ومشت مبتعدة عنهن دون كلمة أخرى.

:

همست بشاير بصوت متحشرج عندما خطا أخوها مبتعدا بعد سلامه المهنئ عليها: جت الليلة..

لم يلتفت جواد إليها، لكنه توقف. عرفت أنها حصلت على انتباهه: طلبت منها تجي، وجت../ سألته مستطردة: متى بتنهي هذا الوضع اللي إنت فيه؟

بدل أن يجيبها، خطا جواد خارجا، ولم يفاجئها ذلك.

:

شعرت ميساء ببوادر الشقيقة تنتابها، لتزفر بضيق سخط. فكرت بسخرية، "كملت الليلة الحلوة ذي.."

سمعت سائقها المسن شريف يتكلم في هاتفه، يكرر كلماته كأنه يؤكد شيئا ما. لم تعر تصرفه بالا، فلطالما كان لشريف تصرفات وعادات لا تفهمها، أبرزها توتره وشكواه من لحظة يتأخر في إيصالها، كأنه محاسب على ذلك.

خرجت من السيارة تمسي على شريف بصوت واهن، رافضة عرضه مساعدتها في إيصالها إلى عتبة الباب. لم تصل بها أعراض الشقيقة إلى ذاك الحد بعد..

/

/

حذف ليث مسودة أخرى، لتصبح الرقم سبعون في سلة مهملات حاسوبه.

"ممل.. كله ممل.."

منذ فترة وهو يشعر بالإحباط من كتاباته، على الرغم من أن كل من يلقاه يمدحها. يرى كل جملة رتيبة مملة، في سياق أكثر رتابة ومللا. الذي يثير إحباطه أكثر هو أن فكرة هذه الرواية والمحيط الذي ستقام أحداثها فيه كانا يدوران في خلده منذ روايته الأولى، مشروعه الأكثر طموحا.

سلسلة روايات العملاء بدأت من روايته الثانية، كلها تدور حول مغامرات عملاء في منظمات دولية والقوى التي تواجهها. كل رواية كانت تتضمن بطلا وعدوا مختلفين. في كل الرواية حاول التجديد، لكنه وجد رواياته الأخيرة تتبع نمط الرتابة رغما عنه.

روايته القادمة، برج نيرو، لم يكتب فيها كلمة بعد، ولن يكتب أبدا إن لم يكن راضيا عما كتبه. كفاه رضوخا لطلبات مدير أعماله ودور النشر والعامة.

أفاقه منبه جواله من كآبة إحباطه، ليرى أن الساعة كانت الرابعة والنصف فجرا. تنهد بضيق لكونه فعلها مجددا، استغرق في أمر هذه الرواية حتى سهر. نهض ليجهز نفسه للصلاة، سارح في أفكاره.

عشق الكتابة يجري فيه مجرى الدم، لكنه عشق كان له عواقب شتى، فهو ينسى نفسه كليا إذا كان في مكتبه، ينسى الأكل والشرب والنوم.. لولا الله ثم جود، ربما كان سيكون جثة هامدة على كرسيه. الأدهى أنه لاحظ عاداته السيئة قد انتقلت إلى جود كلما انشغلت واستغرقت في شيء. كم من مرة ذكرها بأن تأكل، وكم من مرة تحملت ابنته عواقب إهمالها في المدرسة.

آخر مرة أجبرها على البقاء في البيت ثلاثة أيام بعد سقوطها مغشيا عليها في المدرسة، يهتم بها إلى أن استعادت كامل عافيتها، تاركا روايته بالكلية.

كانت تلك الحادثة ما عزز رغبته في الزواج مرة أخرى. ربما سيخفق، ربما سيوفق، لكن هذا الوضع يجب ألا يستمر.

:

توجست زينة ريبة من طلب عمها الجلوس على انفراد معها، وكان حذرها في محله عندما قال: جاني خاطب لك يا بنيتي./ قاطعها قبل أن تعرب عن صدمتها حتى: صرت في مثابة أبوك الله يرحمه، وما بعطيك لأي من كان. بنشد أصله وفصله، لا تشيلين هم.

نظر إليها عندها بحنان حازم: لا ترفضين قبل ما تفكرين زين. مين يدري، يمكن بيكون هو العوض عن رائد..

كلماته تلك هدأتها، جعلتها تفكر في وضعها الحالي. لم تعد في بيت أبيها المرحوم، وحتى إن كان عمها وزوجته من أطيب الناس، تشعر بثقل حملها وابنتها عليهما.

حتى مع شعورها حيال كلمة زواج بعد تجربتها مع رائد، لديها الكثير لتأخذ به.

تنهدت، متوصلة إلى قرارها: يصير خير..

إذا وجد عمها هذا الخاطب سيئا، فسينتهي الأمر دون أي ضجة.

إذا وجده جديرا، عندها..: ما قلتلي عمي، وش اسمه؟

فكر عمها للحظة قبل أن يجيب ويصعقها: ليث الصائغ.



كما وعد عمها، فقد بذل قصارى جهده في السؤال عن ليث، وأتى بتقرير إيجابي في معظمه.


مط عمها شفتيه بتفكير وضيق: يمكن الشي اللي أقدر أعيبه عليه هو كثرة زواجاته وطلاقه..

فكرت للحظة قبل أن تقول، مفاجئة عمها: حدد موعد معاه عشان أقابله..

لطالما كانت ضعيفة تجاه حبها للمعرفة، في فضولها.

ومنذ معرفتها بهوية خاطبها، كان السؤال المتردد في بالها هو: ما الذي قد يجلب ليث الصائغ لعتبة بابها خاطبا؟

:

فقط عندما سمعت عمها ينبه بخروجه، تاركا لها مع ضيفه، رفعت زينة نظرها إليه.

الصور لم تعطي ليث الصائغ حقه.

إذا أمكنها وصفه بكلمة، فإنها ستكون الفخامة.

فخم في أناقته، فخم في وسامته، فخم حتى في طريقة جلوسه. بدا أصغر من سنوات عمره الثانية والأربعين، في أوج عنفوانه ونضارته.

بدا غريبا كليا عن محيط هذه الشقة البسيطة.

صفت حلقها كليا قبل أن تبدأ: إذا سمحت قبل كل شي، عندي لك سؤال أبغاك تجاوب عليه بكل صراحة..

أشر بيده يستحثها: تفضلي..

وهكذا سألت: إنت ما شاء الله عليك موب قاصرك شي، مشهور والله منعم عليك بالخير، تقدر تختار اللي تبغى من الحريم.. فالسؤال هو، ليش أنا بالذات..؟

ابتسم، ورأت في ابتسامته الرضا. أجابها: عشان بنتي جود../ استطرد: زي ما أظنك تعرفين، جود كانت منطوية على نفسها. مهما حاولت ما قدرت أتفاهم معاها بالكلية..

نظر إليها قبل أن يكمل: بس لما انتقلت للمدرسة اللي تدرسين فيها لاحظت تغير، صارت منفتحة أكثر، وصارت تذكر صديقات.. وبالأخص، صارت تذكرك..

فاجأها كلامه. صحيح أنها اهتمت بجود، لكنها لم تتوقع أن يكون لها هذا التأثير البالغ في حياتها خارج المدرسة حتى تذكرها عند أبيها: هذا مجرد واجبي كمعلمة..

اتسعت ابتسامته: أدري، بس ذا ما منع الفكرة إنها تخطر على البال، ومن إني أفكر بوجود داعم مثلك في بيتي./ نظر إليها بثبات واثق أريحي: أعترف إن تجاربي السابقة خلتني متردد، بس دعيت ربي يرشدني واستخرت وارتحت، وبصراحة، أنا متفاءل خير..

وجدت زينة تبتسم رغما عنها، كم كان لبق اللسان: وأنا مثلك وتجربتي خلتني متجنبة طاري الزواج مرة ثانية، وزي ما عرفت من عمي، عندي بنت..

ظهر في ابتسامته ونظرته معنى خفي: مين يدري؟ يمكن نكون لبعضنا البلسم اللي بيداوي مرارة تجاربنا.. / أردف يؤكد: وبنتك بتكون بحسبة بنت لي وأخت لجود بإذن الله..

لم تستشعر في صوته وملامحه الكذب، بل كل الثقة والوعد.

كم كانت تلك فكرة مغرية، تبادل المنفعة هذا. هي ستداري جود التي تحبها من الآن كطالبة مقربة لها، وهو سيكون سندا لها ولنوف.

لأول مرة، لم يكن الرفض أول خيار لها.

وقفت تستأذنه الخروج، ليقف هو احتراما: نشوف خير.. تشرفت بلقائك أستاذ ليث..

ابتسم بسرور ظاهر: الشرف كله كان لي، أستاذة زينة..

/

/

في اليوم الخامس بعد استيقاظه، أحضرت بيان معها ساري، أمر كانت تشعر بالرهبة منه رغم ضرورته.

مد ساري ذراعيه اتجاه ياسر لحظة رؤيته له مستيقظا، مصدرا أصواتا دلت على فرحته. أشار عندها ياسر أن تعطي ساري إياه، وبعد لحظة تردد أعطته.

راقبت الأب وابنه يتبادلان النظرات. ياسر بهدف الاستعياب، وساري كأنه مستغرب من تحديق أبيه إليه، ليسأم بعد لحظات كما كان حال الأطفال ويحول انتباهه إلى هدف آخر. مد يده الصغيرة وأمسك بما يستطيع من شعر ياسر على جبينه، شادا عليه بكل ما أوتي من قوة.

ابتسمت بيان بمكر وهي ترى ياسر يحاول فك قيد ساري عن شعره بكل رفق: حتى هو يوافقني الرأي إن شعرك يبغاله قص.

رد عليها عند تمكنه من إبعاد يد ساري بعد صراع عصيب: للمرة المليون ما راح تقصي شعري. أول ما بطلع بروح عند الحلاق./ أردف مخاطبا ساري بحزم: ولا إنت بتقصه، فاهم؟

ظهر على ساري السرور وهو يحرك ذراعيه بحماس، ليبتسم له ياسر بدفء. دفء تعرفه بيان جيدا، سائد على تعامله مع ابنه منذ ولادته. سألها: كنت أبو كويس..؟

أرغمت صوتها على التزام الثبات رغم اختناقها بالعبرة، مجيبة له بكل صدق: إيه..

:

ميلي عملت في هذا المستشفى كممرضة منذ سنوات طوال، ورأت من الحالات الطبية أنواعا وأشكال، الغريب والمعتاد. لطالما استهواها متابعة حالات فقدان الذاكرة، تراقب معاملة المرضى مع أحبائهم الذين أصبحوا في طيات النسيان.

المريض في غرفة رقم 506، ياسر السهم، كان أحد تلك الحالات. لا تدري أتعزيه لسوء الحظ أو حسنه، فهو قد نسي زوجته وابنه مع السنوات الأربع التي فقدها، لكنه كان متذكرا لكل شيء عدا ذلك من طفولته ووالديه حتى خبرات عمله.

لكن.. بالطريقة التي كان يعامل فيها زوجته، لهفته التي كان يحاول إخفائها بحرج لزياراتها، خضوعه لها بكل سهولة بدل الرفض القاطع الذي يقابل به الممرضات المشرفات عليه، تحسن مزاجه العكر بوجود زوجته.. ربما لن يكون عليهم القلق أو اعتبار نسيان زوجته كمأساة.

أترى هل بقي شيء من مشاعره لزوجته مدفونا لم يصله ضرر الحادث وعاد إلى السطح بحضورها، أم بدأ يقع في حبها مرة أخرى؟

/

/

فتحت عيونها بصعوبة، لتجد سقف غرفتها قد تغير.. لا، لم يكن هذا سقف غرفتها..

هتف صوت أبيها بفرح جعلها تدرك أنه كان جالسا جوارها: الحمد لله على سلامتك يا بنتي!

رمشت ميساء بعدم استعياب، تتغضن ملامحها بضيق للألم الحاد الذي خرق رأسها. أدركت بعد نظرة تأكد أنها كانت في غرفة مستشفى: وش جابني هنا؟

مسح أبوها على رأسها بحنان: طحتي من درج قسمك وإنتي نازلة، بس الحمد لله ما صارت لك كسور.

عندها تذكرت نزولها الدرج وهي بالكاد ترى من الصداع المؤلم الذي فتك برأسها هذا الصباح، ربما مكملا سابقه ليلة البارحة. تذكرت تعثرها بخطوة.. ثم لا شيء بعدها سوى شعور غريب بالدفء..

سألت أبيها باستغراب خالطه شعور آخر، شعور حاولت كبته: إنت اللي جبتني هنا؟

سكت أبوها للحظات ثم أجابها بلمحة تردد: إيه.. إيه أنا اللي جبتك هنا. ما رديتي علي وخفت عليك..

تعرف أنه كان هناك خطب ما في كلامه، لكن قبل أن تسأله قاطعهما دخول طبيب، ليشتت انتباهها بأسئلة وفحوصات..

:

خرج سند من غرفة ابنته ليتنهد بضيق.. "الله يهداك يا جواد.."

رأى لمعة اللهفة في عيون ابنته عندما سألته عن الذي أحضرها هنا، لهفة لا تبديها إلا عن شخص واحد.

لاحظ متأخرا تعلق ميساء بجواد. عاشت ميساء وحيدة معظم حياتها، دون إخوة تكبر معهم، فزوجته منى توفيت وميساء في الخامسة من عمرها، وهو ظل باقيا على ذكراها حتى وقت قريب، ولم يثمر زواجه حديث العهد سوى رضيعه ماجد. كان جواد أقرب أبناء عمومتها لديها بحكم قرب بيت أبيه منهم وزياراته المتكررة له. لكن سند لم يتوقع مقدار تعلقها ذاك وكيف سيتحول.

كانت اللحظة التي استوعب فيها هذا عندما خرجت العائلة كلها إلى مزرعة أبيه التي يعيش فيها، كما كانت عادتهم لفترات معينة من السنة.

في مغرب يومهم الأخير قبل العودة، لاحظ سند غياب ابنته عنهم. كلما سأل أحدا عنها كانت الإجابة أنه لم يرها أحد منذ العصر. بحث مع أخويه وأبناءهم في أرجاء المزرعة الشاسعة، ليجد جواد قد وجدها ووبخها قبلهم. عندما سُئلت عن السبب الذي جعلها تبتعد عنهم، أجابت بابتسامة غير مكترثة أنها كانت تبحث عن ساعة جواد المفقودة، الساعة التي أهدتها له جدته المرحومة من أمه.

كانت ميساء تبلغ حينها السادسة، وجواد الحادية عشرة.

تذكر حادثة أخرى أكثر طرافة لكن أكثر دلالة بعد سنة. هتف صديقه سامر مازحا أنه سيزوج ميساء من ولده البكر كمال، لكنها رفضت بغرور طفولي، آخذة يد جواد الجالس جانبها لتعلن أنها ستتزوج به هو. انفجر الكل بالضحك وأيدوها، بينما جواد المسكين احمر خجلا من الموقف الذي وُضع به.

كانت دائمة الحديث عنه، دائمة الدفاع عنه. صحيح أنها كفت الكلام عن جواد مع مرور السنين، لكنها ظلت تبدي بالغ اهتمامها لذكره، وتبتسم لحكايا الناس عنه.

يذكر أنها كانت الوحيدة التي كانت بصف جواد عندما قرر الخروج عن مجال عمل العائلة والدخول في مجال المحاماة. يذكر كلماتها: مو لازم الكل يشتغل في شركة العايلة. التنويع حلو..

وعندما كبرت وفطن الناس إلى جمالها، بدأت عروض الزواج تنهال على عتبة بابهم من كل حدب وصوب. لم تقبل ميساء أي منها، متحججة بأوهن الحجج. كانت مفاجأة له، قبولها عندما تقدم جواد إليها وهي في الثانية والعشربن. لم تتحجج عندها بالدراسة، ولا صغر سنها، ولا كبر عمر الخاطب، ولا كون الخاطب قريبا لها.

فقط قالت أنها ستستخير، ثم أعطت موافقتها الصباح التالي.

طيلة السنوات التي كانت متزوجة جواد، لم تبدُ ابنته أسعد. لتتغير الآية بعد أربع سنوات. طلق جواد ابنته وتزوج من ابنة عمه متعب، لمى. ومضت ميساء في زواج انتهى قبل الزفة، ليعيدها جواد في ذمته مرة أخرى.

لكن بعكس الماضي، لم تبدُ ابنته بتلك السعادة التي عرفها فيها مرة.

:

لحسن حظها، لم ينتج عن سقوطها أي ضرر دائم. نصحها الطبيب بالراحة والتقليل من الحركة، لكنها ما زالت متوجسة. خشيت أن سقطتها هذه ستبطل ما كانت تعمل على علاجه لسنتين. قررت أن تزور طبيبتها قبل موعدها المعتاد في أقرب فرصة ممكنة لتتأكد من وضعها.

أوصلها أبوها إلى البيت. لم ترد الاستناد عليه، فأبوها كان ضحية عدة حوادث أودته لاستعمال عصا في مشيه، فخرجت من السيارة لحظة إطفاء المحرك. لن تنكر، آلمها المشي في سرعتها هذه، لكنها كانت مضطرة لتتفادى تضحية أبيها. كادت تتعثر عندما أدركت أنه لم يكن معها مفتاح قسمها.

كادت.. لأن شخصا منع سقوطها، مسندا لها بجسده.. شخص تعرفه جيدا. تعرف هذا العطر، تعرف هذا القرب..

تعرف هذا الصوت، هذه النبرة الساحرة الساخرة: مصرة تكسرين روحك..؟

اقترب أكثر ليفتح الباب لها، مسندا لها لحظة قبل أن يتركها. بقيت واقفة في مكانها، تسمع وقع مشيه المبتعد عنها. احتاجت لحظة، دقيقة، ربما ساعة.. لتعيد توازن ذهنها قبل جسمها، لتعيد نبض قلبها المتفجر إلى طبيعته، لتنظر وراءها لترى ظهر جواد، واقفا يحيي أباها مع لمى الخارجة من سيارته السوداء.

فكرت وهي تمشي مبتعدة..

"غريب كيف ماني حاسة بآلام كدماتي.."

غريب، كيف كان الألم الوحيد الذي تحس به هو ألم روحها.

:

أزعج لمى منظر جواد وهو يسند ميساء ويفتح الباب لها. تظاهرت بعدم الملاحظة إلى أن اختلت به، لتسأله: مو إنت تكره ميساء..؟

ذاك كان رأي العامة، ذاك كان الجواب المنطقي.

الغموض اكتسى ابتسامته المائلة المتهكمة التي لم يصل ألقها إلى عيونه، ولم يجبها.

انتهى البارت..

 

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...