اليوم هو يوم عطلتها.....
استيقظت من أحلامها كعادة كل عطلة على صوت صياح آتيًا من خارج غرفتها، تنهدت بألم وهي تضغط على عينيها بقوة رافضة تقبل أمر استيقاظها أو التحرك من فراشها ألا بعد خروجه، ولكنها تعلم جيدًا أن أمنيتها تلك دون جدوى فهو مقيم في المنزل ما يقارب الأربع وعشرون ساعة، وبالرغم من انتظارها كل عطلة أسبوع بفارغ الصبر حتى يتسنى لجسدها الارتياح قليلًا ألا أنها تكرهها بسببه!!....
شعور غريب ينتابها وهي تستمع إلى كل ذلك الصياح والانتقاد والسخط الخارج من فمه عليهم جميعًا!، كانت كل صرخة تخرج منه مقتحمة أُذنها تشعر بأنها مرت أولًا على قلبها تاركة به ندبة دائمة لا تزول... تنهدت بألم مرة أخرى تتمنى لو أن لها منزل خاص، لو تستيقظ ذات يوم فتجد كل تلك التقاليد العقيمة قد اختفت فجأة فتستطيع التحرر من قبضته والاستقلال بعيدًا عنه، التقطت أذنها اسمها يُلفظ من قبل والدتها فعلمت أن كل سخطه الأن سيتحول إليها، تنهدت بألم للمرة الثالثة على التوالي تستعد لاستقبال ما لا يسرها كالعادة، بينما تحدثت والدتها برجاء تستجديه :
-ماشى يا عبد السلام.. بس وطى صوتك شوية ملهوش لازمة زعيقك ده.. خلينا نتكلم بالراحة.. وبعدين حياة نايمة جوة سيبها تنام شوية النهاردة أجازتها..
صاح بها بصوت يرج أركان المنزل من قوته :
-متقوليييش وطي صوتك أنا حر اعمل اللي أنا عايزه.. اللي عايز ينام هينام في الطبل.. الساعة كام والهانم اللي أنتِ خايفة منها لسة نايمة!..
تنهدت آمنة يائسة تعلم أنه لا سبيل للنقاش معه بهدوء :
-أنت عايز منها إيه.. النهاردة أجازتها من الشغل وده اليوم اللي بتنام فيه سيبها ترتاح شوية!..
عقد عبد السلام حاجبيه معًا وهو لايزال محافظًا على نبرته الساخطة بصراخ :
-ايوة ياختي دلعيها مانتي عينوكى المحامي بتاعها.. وبعدين محدش قالها تشتغل.. هو أنا كنت مستفاد إيه من شغلها ده.. مبتصرفش عليا منه ومش بتحوش يبقى تقعد أحسن..
هزت آمنة رأسها بحزن قبل أن تجيبه ونبرة الضيق ظاهرة عليها :
-يا حول الله يارب.. أنت عايز منها إيه ماهي شايلة نفسها بنفسها ومبتطلبش منك حاجة وكل اللي عايزاه بتجيبه لنفسها ده غير دراستها مش مكلفاك حاجة.. وأي حاجة بتحتاجها بتجيبها على طول.. عايز إيه تاني ناقص تحاسبها على اللقمة اللى بتأكلهالها يا عبد السلام!!!..
اهتزت نبرته قليلًا ولكنه عاود الحديث بنفس السخط :
-أنا مش عاوز منها.. بس أنا خلاص الحمل تقل عليا.. أنا مش هفضل اصرف عليهم طول عمري.. وعشان يكون في علمك أنا مش هصرف على جوازة حد تاني.. اللي عايز يتجوز يحوش ويجوز نفسه كفاية عليا قاعدة لدلوقتي.. أنتِ أهلك رموكي عليا من وأنتِ عندك ١٨ سنة وبتك أهي عدت ال٢٥ ولسة قاعدالي!..
قالت آمنة باستحقار جلي :
-إيه اللي أنت بتقوله ده!!.. أنت بتعاير بنتك عشان لسة لحد دلوقتي متجوزتش يا عبد السلام!! وبعدين انت بتصرف علي مين؟!.. ما هي شايلة نفسها بنفسها والتانية متجوزة وبعيدة هي وجوزها حتى الولا شايل نفسه وأنا بشتغل!!.. أنت شكلك كبرت وخرفت.. عيب عليك لو حد سمع الكلام ده يقول إيه!.. وبعدين أنا أهلي مرمونيش على حد أنت اللي حفيت ورايا سنين وياريتني ما كنت وافقت!..
لم يجد ما يجيبها به بعد تلك الجملة فتحرك بنفاذ صبر للخارج مدعي العصبية صافقًا الباب خلفه بقوة.
بينما كانت حياه تستمع إلى كل ذلك الحديث شاعرة بأن كل حرف يتفوه به كالرصاص يستقر بقوة داخل قلبها ليحدث به ضرر دائم من أقرب رجل إليها، من بطلها الأول وسندها في تلك الحياة والدها!!....
مسحت دموعها بكف يدها قبل أن تقرر النهوض فأمامها يوم طويل عليها قضاءه، تحركت للخارج تُلقي تحية الصباح على والدتها بحب، فبرغم كرهها لكل ما يحدث في ذلك المنزل وأكثرهم ضعف والدتها وقلة حيلتها إلا أنها كانت الأقرب إليها، ابتسمت لها آمنة تسألها بحنان :
-حياة هتفطري ولا زي كل يوم ..
أجابتها حياة بقلب مثقل ف ذكرى كلمات والدها لازالت تترد داخل أذنها بقوة :
-لا يا ماما.. مليش نفس يادوب استغل اليوم في إني اروح الجامعة أستلم شهادة الماجستير ولقابل محمود واشترى شوية حاجات نقصاني وأحضر لاجتماع بكرة.. عندي إجتماع مهم جدًا في الشركة وعلى أساسه هتتقرر ترقيتي.. ادعيلى والنبي يا ماما ربنا يكرمني فيه واترقى..
عقدت والدتها حاجبيها معًا بقوة بعد دعواتها لها بالتوفيق فعلمت حياة مصدر قلقها، لذا سألتها بخفوت تعلم الإجابة مسبقًا :
-ها يا ماما.. في إيه بس..
اندفعت آمنة في الحديث فور سؤالها :
-أنتِ عارفة يا حياة في إيه كويس.. والله يابنتي لو عرف بموضوع محمود هيخرب الدنيا فوق دماغنا كلنا.. ما توافقي يا حياة وتريحي قلبي وتريحيه..
ثم اقتربت منها تمسح على شعرها بحنان وهي تُضيف :
-يابنتي من زمان قالولنا خدي اللي بيحبك.. وهو مش بس بيحبك ده بيموت في التراب اللي بتمشي عليه عايزة إيه تاني بقى؟!..
حدجتها حياة بنظرة استنكار قبل التعليق على حديثها :
-ماما حب إيه اللي بتتكلمى عليه!!.. أنتِ بجد مصدقة!!.. ده إنسان اتشال قلبه من مكانه من زمان واتحط بداله حجر وياريت حجر ده حتى الحجر ممكن يلين لكن ده لأ!! وكمان احنا مش قرينا فاتحة مع محمود امبارح وخلاص.. فاضل إيه تاني؟..
أجابتها آمنة بلهفة يشوبها الكثير من القلق :
-باقي أنه مش هيستخبى.. هيعرف يعني هيعرف ده جواز.. ومفيش جواز بيدارى.. ووقت ما يعرف هيهد الدنيا علينا.. ده كل ده مستنيكي يا حياة.. استناكي تكبرى وبعدها استناكي تتخرجي وأخر حاجة تخلصي الماجستير بتاعك وهو صابر علينا وساكت لو كان الموضوع فيه حد غيرك مكنش سكت كل ده أبدًا ولا كان استحمل دلعه عليه كده.. ميغركيش سكوته يا حياة أنا أدرى واحدة بيه لو صبره خلص هيحرقنا كلنا وأولهم محمود..
ارتعشت حياة داخليًا من حديث والدتها فهى تعلم جيدًا إنه لا ينتمى لعالم الإنسانية، هو فقط مخلوق بدون قلب، نسى مصطلح الرحمة منذ زمن طويل، ويبدو أن لا مجال لتذكرها مرة أخرى...
ولكنها لن تتزوجه، حتى لو كان أخر شخص على وجه الأرض لن تتزوجه فالموت أفضل لها من معاشرة إنسان دون قلب، لن تخرج من سجن والدها لتدخل سجن وحش لا يعرف معنى الرأفة!، حاولت طمأنة والدتها بشيء هي شخصيًا تفتقده :
-سبيها على ربنا وربنا يستر المهم بس ميعرفش حاجة وخلاص..
كانت على وشك توديع والدتها عندما رأتها تلتقط حقيبة يدها وتستعد للذهاب معها، فسألتها حياة مستنكرة :
-ماما! أنتِ رايحة فين؟..
تنهدت أمنه بنفاذ صبر :
-هكون رايحة فين يا حياة يعنى.. مانتِ عارفة!.
زفرت حياة بحنق مُبدية اعتراضها :
-يا ماما كفايه بقى.. الله يخليكي ابعدي عنه واقعدي وكفاية كده..
أجابتها آمنة في حدة :
-أقعد ازاي يا حياة!!.. مانتِ عارفة كويس اللي فيها!! عايزاني اسيبله الشغل عشان ينفذ تهديده ويسجن أبوكي!..
اجابتها حياة والكره يمليء نبرتها :
-أيوة سبيه.. أنتوا اللي بتدوله الفرصة يتحكم فيكم ويوصل للي هو عايزه لما بتوافقوا على ابتزازه ده.. لو كلكم بتفقوا قدامه وتقولوله لأ بعلو صوتكم مكنش عرف يتحكم فيكم بالشكل ده!..
قاطعتها آمنة بتأنيب واضح :
-أنتِ بتقولي كده بس عشان أبوكي ميهمكيش.. لو كان بيضغط عليكي بحد مهم كان زمان رأيك اختلف..
اطرقت حياة برأسها للأسفل خجلة تقر داخلها بصحة حديث والدتها حتى لو لم تعترف بذلك، فمن أكثر الأشياء التى تمد فريد رسلان بقوته هي قدرته على معرفة نقط ضعف من أمامه ثم استخدامها ضده دون رحمة حتى يخضع لطلباته، وهذا ما فعله مع والدتها فهو يعلم جيدًا أن حياة لن تهتم بما يصيب والدها لذلك تحول تهديده إلى من يهتم لأمره، اللعنة عليه لو فقط يعلم كم تمقتة وتحتقره.
*****************
تحركت حياة للخارج بجانب والدتها فرأت محمود واقفًا ينتظرها عند مقدمة الشارع، ابتسمت بخجل وهي تراه ينظر لها بأعجاب واضح...
فقد كانت حياة فتاة عادية قصيرة القامة ذو جسد ضئيل ولكن متناسق بشكل مغري، ذو بشرة حنطية ناعمه ووجه مستدير تزينه ملامح صغيرة بعيون سوداء فاحمة وأهداب طويلة للغاية، وشعر ناعم نسبيًا كثيف يماثلها في السواد...
وكانت أيضًا مثل جميع الفتيات تمتلك جمالها الخاص الذي يُميزها عن غيرها، وأهم ما كان يميز حياة إلي جانب شخصيتها الأنثوية الرقيقة للغاية والمتناقضة ما بين القوة والحساسية هي نظرة عينيها، فقد أنعم الله عليها بنظرة عين حالمة تجذب الجميع إليها، وكم سمعت عبارات كثيرة ما بين المتعجبة والحاسدة لتلك النظرة!....
تقدم منها محمود يلقى التحيه بأدب على والدتها أولًا ثم خصها بالحديث متسائلًا :
-حياة.. جاهزة؟..
اومأت له برأسها موافقة قبل ان تودع والدتها ويذهب كلَا في طريقه.....
كان محمود موظف شئون الطلبة في الجامعة التي تدرس بها يكبرها بأربع سنوات وذو شخصية حنونة مستقيمة وهذا بالظبط ما دفع حياة للقبول به، لم تكن علاقتهم مبنية على قصة حب، فقد اقتصر تعاملها معه على دراستها فقط حتى فوجئت به في إحدى الأيام يطلب منها موعد رسمي لمقابلة والدها وطلب يدها وبناءًا عليه وافقت، لم تدرى أهو عنادًا بوالدتها التى ارتعدت أوصالها بمجرد سماعها خبر طلب شخص أخر خطبتها، أو تحديًا لذلك المتجبر الذي يخشاه الجميع وينتظرها، أم عنادًا بشخصها...
كل ذلك ليس مهم، المهم أنها وافقت وأن محمود شخص جيد يعاملها بحنان افتقدته من بطلها الاول....
وصلا إلى حرم الجامعة فالتقت بصديقتها مريم تنتظرها بتأفف :
-إيه يابننننتى أتاخرتى لييه بقالي ساعة مستنياكي..
ثم التفت إلي محمود تلقى عليه التحية باقتضاب فانسحب من بينهم متمتمًا :
-حياة.. أنا هروح اخلصلك الشهادة وارجع على طول مش هتاخر..
اومأت برأسها له موافقة :
-تمام وأنا ومريم قاعدين هنا لحد ما تخلص..
تحرك على الفور يصعد الدرج عندما التفتت حياة تؤنب رفيقتها :
-يابنتي في إيه مالك؟.. مش طايقة محمود ليه؟..
أجابتها مريم بصدق :
-بصراحة يا حياة دمه تقيل.. وبعدين مش حاساه لايق عليكي خالص.. يابنتي ادى لنفسك فرصة تحبي وتتحبي.. ليه قافلة على نفسك كده؟.. حرام تتجوزي من غير حب ولا مشاعر..
نظرت إليها حياة بجفاء :
-مشاعر إيه وكلام فارغ إيه!! الحياه الواقعية مفيهاش الكلام ده.. وبعدين مش يمكن أحبه بعد الجواز؟!.. مادام هو شخص كويس ومتفاهم مش هحتاج أكتر من كده.. وبعدين يا فيلسوفة عصرك أنا مفطرتش لدلوقتي..ممكن تسيبك من نصايحك دي وتيجى نشوف أي حاجة اكلها..
هزت مريم رأسها بيأس وهي تدفعها للأمام :
-اتفضلي.. أنا مش عارفة أنتِ إيه!! إنسانة معدومة الأحساس!!..
ثم رفعت رأسها تنظر للسماء متمتمة بطريقة درامية :
-يارب البت دي توقع على رقبتها وتحب واحد وتيجى تعيطلي وتقولي مقدرش أعيش من غيره يا مريم.. وإنك يا مريم كان عندك حق وإن الحب ده أحلى حاجة في الدنيا يا مريم..
حدقتها حياة متهكمة :
-في أحلامك..
تفوهت بجملتها ثم ركضت أمامها تتبعها مريم، تدب بأرجلها فى الارض من شدة الغيظ..
*****************
التقط فريد هاتفه مجيبًا بنفاذ صبر ووقاحة معتادة :
-اتكلم!!..
صمت قليلًا يستمع باهتمام وعينيه تضيق بتركيز مع كل كلمة تخرج من الطرف الأخر ثم هب واقفًا يسأل بغضب :
-أنت متأكد من الكلام اللي قلته ده!!.. أقسم بالله لو طلع مش حقيقي لأدفنك مكانك..
صمت مرة أخرى ثم سأل وهو يتحرك من مقعده داخل المكتب يلتقط بيده الفارغة معطفه ومفاتيح سيارته :
-يعني هي في الكلية دلوقتي وهو معاها؟..
جاءته الإجابة من الطرف الأخر قبل أن يغلق هاتفه دون وداع وينطلق للخارج بوجه غاضب وجسد منتفض..
وبينما كانت حياة واقة مع زميلتها مريم شعرت بقبضة قوية داخل صدرها لم تدرى ما سببها ولكنها عندما رفعت رأسها علمت جيدًا لم شعرت بها، فهناك زوج من العيون النارية تحدق بها بقوة، فشهقت بفزع وهي تتمسك بمعصم مريم التي التفت فورًا على حركة صديقتها كي تسألها ما أصابها، بينما تمتمت حياة بكلمات غير مفهومة التقطت منها مريم اسم فريد فسألتها مستفسرة :
-ماله فريد يابنتي؟!..
همست حياة برعب غير قادرة عن تحريك عينيها من أمامه :
-فريد هنا..
شهقت مريم بدورها قبل أن ترفع رأسها للبحث عنه، وبالطبع لم تكن مهمة صعبة فها هو يقف باسترخاء وتفاخر على مقدمة سيارته يرتدى بذلته الفخمة ونظارته الشمسية عاقدًا كلا ذراعيه أمام قفصه الصدري بتأهب، سمعت حياة مريم تتمتم بأعجاب :
-واو.. ده حلو أوي يا حياة مكنتش متوقعة أن شكله حلو كده..
نهرتها حياة بعنف :
-أنا في إيه وأنتِ في إيه يا مريم.. إيه اللي جابه هنا دلوقتي بس!..
ثم شهقت بفزع :
-يانهار منيل!!.. محمود!!.. ده لو شافه هتبقى ليلتنا مش معدية..
ارتبكت مريم بدورها هي الأخرى، فكم سمعت من حياة عن ردات فعله المتسلطة إذا علم بأعجاب شخص آخر بها فمابالك بخطوبة!..
ورغم ذلك حاولت طمأنة صديقتها بهدوء بدأت تفقده :
-متخافيش أنا هروح دلوقتي أعطل محمود ومش هخليه ينزل وأنتِ حاولي تخرجي بيه برة الكلية.. واقلعى الخاتم ده بسرعة..
أطاعتها حياة على الفور وفي حركة ألية منها قامت بخلع محبسها ووضعه داخل جيب ردائها بسرية، أوشكت مريم على تركها ولكن أمتدت يد حياة تتمسك بها بكل قوة وهي تراه يترك سيارته ويتحرك في اتجاهها متمتمة :
-متسبنيش لوحدي ده جاي علينا!...
بدأ الذعر يدب داخل أوصالها بشدة وهي تراه يتقدم نحوها، لم تكن تخشاه لشخصه ولكن كانت تخشي قوته وجبروته وقدرته على إيلام أي شخص دون أدنى إحساس بالذنب....
راقبته وهو يتقدم منها ببطء لاوية فمها بسخرية فـ مريم محقة، إنه يبدو وسيم فعلًا ببذلته الأنيقة وساعته الرولكس وعضلاته البارزة وخطواته الواثقة، بحيث تعجب به أي فتاة من الوهلة الأولى، ولكن لا أحد يعلم أن خلف هذا المظهر الرائع إنسان مصنوع من الحجر، لا يتألم ولا يرحم ولا يحب، فقط يمتلك!..
وقف أمامها بطوله الفارغ يتفحصها عن قرب، فكتمت أنفاسها تعد بداخلها للعشرة في محاولة لاستعادة هدوءها، بينما لوى فمه بابتسامة جانبية قبل أن يوجه حديثه لها بتسلية :
-لو مكنتش أعرفك كويس كنت قلت النظرة اللي في عينيك دي نظرة أرنب مرعوب من مصيبة عملها وخايف حد يكتشفها..
رفعت عينيها تواجه نظراته بتحدي وكره دون حديث، ولكن ما سرعان ما استحوذ على نظرة عينيها شيء آخر، إنه محمود يهبط الدرج في أتجاهها...
يالله ألا يوجد مخرج من هذا المأزق، اتسعت عينيها بصدمة مفكرة، أيعقل أنه لديه علم بخطبتها البارحة؟ دعت ربها داخليًا أن تكون تلك هواجسها الخاصة، بينما وقف محمود أمامها بابتسامة عريضة كعادته وهو يمد يده ليعطيها شهادتها الدراسية متمتمًا في فخر :
-حياة اتفضلي الشهاده أهي.. ولو احتاجتي أي حاجة تاني مش محتاجة تيجي بلغيني بس وأنا هتصرف..
بالطبع من وقت وصوله أمامهم وقد استحوذ على انتباه فريد بالكامل وها هو الآن ينظر له شرزًا كأنه قط برى يستعد للهجوم نحو فأره في أي لحظة...
فكرت بيأس لو تظاهرت الآن بفقدانها للوعي هل ستتمكن من إنهاء هذا اللقاء؟!، أعادها من أفكارها صوت فريد القوى يسأل محمود متأهبًا :
-مين حضرتك بقى؟!..
أجابه محمود على عجل بتفاخر :
-أنا محمود خطيب حياة وزميلها..
الآن ستفقد وعيها حقًا وليس تظاهرًا، التفت فريد ينظر إليها بحاجب مرفوع يهز رأسه لها متوعدًا ببطء قبل أن يعود بنظره إلى محمود متأهبًا وهو يرفع كلتا يديه يستند بها على كتفه :
-خطيبها!! لأ مبروك.. بس يا خطيبها محدش قالك أنك مينفعش تخطب واحدة مخطوبة!!..
كان يضغط بقوة على كل حرف يخرج منه مما جعل حياة ترتجف داخليًا من القادم، بينما أجابه محمود مستنكرًا :
-خطيبها!!.. ازاي الكلام ده!..
ثم وجه باقي حديثه لحياة :
-حياة.. الكلام اللي بيقوله الأستاذ ده صحيح؟..
فتحت فمها تجيبه ولكن أوقفها نبره فريد الهادرة :
-لما أكون بتكلم معاك متوجهلهاش كلام.. لا أنت أصلًا متتكلمش معاها تاني لا وأنا موجود ولا مش موجود!..
ثم انقض عليه في اللحظة التالية يلكمه بكل ما أوتي من قوة حتى صرعه أرضًا غير آبهًا باحتجاجات حياة.
ولا بتجمهر العديد من الطلاب حولهم كي يشاهدوا ذلك الصراع الدامي بين زميلهم وهذا الشخص الغريب دون تحرك من أحدهم للتدخل لفض ذلك الاشتباك بما في ذلك حرس الجامعة!!..
كانت حياة تصرخ به بقوة متوسلة من بين دموعها المنهارة ليتركه ولكن دون جدوى، فجلست بجواره وهو لايزال يسدد لكماته لمحمود الذي أوشك على فقدان وعيه تتوسّله وهي تمسك بكتفه :
-سيبه.. هيموت في أيديك.. الله يخليك سيبه.. عشان خاطري كفاية..
نظر لها أولًا بغضب قبل أن يتحرك من فوق محمود الذي كانت الدماء تملأ وجهه وثيابه، اعتدل في وقفته وحاول إصلاح هيئته بغرور قبل أن يحدثها محذرًا :
-دى عينة صغيرة من اللي هعمله في أي حد يفكر يقربلك..
ثم تقدم عدة خطوات يقترب منها قبل أن يضيف :
-أنتِ بتاعتي أنا وبس.. حطي ده في دماغك عشان ترتاحي وتريحيني..
دفعته بذراعيها بكل ما أوتيت من قوة صائحة في غضب :
-مش هتجوزك يا فريد.. صدقني لو أنت أخر راجل في الدنيا مش هتجوزك.. أنا أفضل إني أموت ألف مرة على إني أتجوز واحد زيك معندهوش لا قلب ولا إحساس..
التوى فمه بابتسامة تحدى ثم أجابها بثقة :
-هنشوف.. كلام مين اللي هيمشي..
ثم تركها واتجه نحو سيارته يصعد بها أولًا، ثم يقودها بجنون إلي الخارج، كانت لاتزال ترتجف من هول ما رأته عندما اقتربت منها مريم تحتضنها بقوة وتخبرها أن سيارة الإسعاف في الطريق لنقل محمود لأقرب مشفى.
***************
وقفت داخل أحد أروقة المشفى بجانب صديقتها مريم تنتظر خروج الطبيب من الداخل بتوتر، وصلت والدة محمود برفقته والده وأخواته تلهث وهي تقف أمام حياة تستفسر منها عما حدث معه، ولم تستطع حياة ألا قول الحقيقة كاملة لوالديه دون تحريف، انتفضت والدته تصرخ بها مع صدور اخر الكلمات من فمها :
-وأنتِ مستنية إيه!! لما يموت ابني عشان ترتاحي!..
حاولت مريم التدخل للمدافعة عن صديقتها ولكن أوقفتها يد حياة متمتمة في خجل :
-عندك حق.. انا آسفة وياريت تبلغي أسفي ده لمحمود وصدقيني مكنش قصدي أبدًا إني آذيه وبكرر اعتذاري لتاني مرة..
ثم وضعت يدها داخل جيب ردائها وأخرجت منه محبسها وأعطته لوالدته، ثم انصرفت دون كلمة أخرى.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!