مرت الأيام سريعًا وجاء موعد عقد القران، لم تقم أو تهتم بأي شيء ولم يتركها فريد تنشغل بشيء، حتى فستان زفافها الذي أرتده بعد توسلات كثيرة من والدتها كان من اختياره...
تم عقد القران في الفيلا خاصته وسط حضور عدد بسيط من المدعوين، ولكن في النهاية كان كل شيء مثالي وراقي لأقصى حد تحلم به كل فتاة عداها، هذا ما فكرت به حياة وهي تنظر حولها متأملة، انتهت الحفلة سريعًا ولم يحاول فريد خلالها الاقتراب منها أو لمسها، حتى بعد عقد قرانهم اقترب منها يطبع قبلة بسيطة فوق جبهتها، ثم ابتعد فورًا عند شعوره بتململها تحت قبضته، انقضى الحفل وودعت حياة الجميع، ثم بعدها جاء وقت توديع والدتها التي بكت من أعماقها قبل أن تتمتم هامسة في أُذن حياة :
- أنا آسفة يا بنتي بس مكنش في حل تاني..
شددت حياة من احتضانها لوالدتها مُتمتمة لها مطمئنة :
- عارفة وصدقيني مش مضايقة..
كانت حياة صادقة فيما تفوهت به فهي لا تشعر بالضيق نحو أي أحدًا منهم على الاطلاق فلقد اختارت حماية أخاها دون أدنى ضغط من أي طرف، وقرارها ذلك نابع من قلبها فقط ولو عاد الزمن لفعلت نفس الشيء مجددًا من آجله، ثم إنها لا تدرى لعل ذلك هو الخير، ربتت آمنة على شعرها وظهرها بحنان قبل أن تُقبل جبينها وترحل، بينما سألها فريد بنبرة خالية بعد رحيل الجميع :
-تحبي تدخلي دلوقتي؟!..
هزت رأسها له موافقة دون إضافة، ثم دلفت إلى الداخل وطلبت منه أن يُريها غرفتها فورًا فأكثر ما توده هو الخلاص من ذلك الرداء بأسرع ما يمكن، تقدمها نحو الدرج ليرشدها ثم توقف أمام غرفة ما في الطابق العلوي ويفتحها، دلفت حياة للداخل أولًا ثم تبعها فريد بهدوء، فقد كانت غرفة واسعة رائعة الجمال بألوانها الكريمية الهادئة مع أثاثها الخشبي المريح من الطابع الفيكتوري، وأول شيء استرعى انتباه حياة هو وجود بابين داخل الغرفة، فسألته بتوجس وهي تشير برأسها نحو الباب الآخر :
-إيه الباب ده؟!..
أجابها فريد بلامبالاة وقد وضع كلتا يديه داخل جيوب بنطاله :
-ده باب أوضتي، أو بمعنى أصح باقي جناحي..
شعرت حياة بالدم يتدفق بقوة داخل عروقها فأجابته بنبرة حادة :
-يعنى إيه الكلام ده!! وبعدين أنت وعدتني!...
نظر إليها فريد مطولًا حتى ظنت أنه لن يُجيبها قبل أن يقول في هدوء :
-وأنا لسه عند وعدى.. أنتِ طلبتي يبقي ليكي أوضة خاصة.. أهي أوضة خاصة بباب مقفول ومفتاحه معاكي..
ضربت الأرض بقدمها غيظًا صائحة في حنق :
-أوضة خاصة إزاى وأنا في نفس جناحك وبيني وبينك باب!!..
نظر إليها بتسلية قبل أن يجيبها قائلًا :
-الباب مقفول ومش هيتفتح إلا بإذنك.. وبعدين المرة الجاية أبقي حددى طلبك أكتر...
رمي الحديث في وجهها ثم تحرك دون انتظار الرد، يدير قبضة الباب بيده، ثم اختفى داخل غرفته، بينما نظرت حياة إلى أثره بغضب... وهى التي ظنت إنها ستقطن في طابق غير الذي يقطن به ولكن كل ما تحصلت عليه هو جناح واحد والفاصل بينهم هو باب مشترك!!..
اللعنة على هفوتها فالخطأ منها، كيف لم يخطر في عقلها أن فريد سيتلاعب بالكلمات كعادته ويستغلها لصالحه، تحركت بغضب نحو المرآة تقف أمامها لبرُهة قبل أن تحاول فك سحاب فستان زفافها تمهيدًا لخلعه...
زفافها!! يالها من كلمة كبيرة الآن!، تأملت نفسها بالمرأة قليلًا، حسنًا فلتكن واقعية إنّ ذلك الفستان الذي ترتديه غاية في الروعة تمامًا كالذي حدثت والدتها عنه أيامًا وأيامًا، كأنه خرج من مخيلتها وتجسد أمامها!...
رفعت يدها تتأمل ذلك المحبس الموضوع داخل إصبعها بعناية، قبل أن تلوي فمها في سخرية فأي فتاة أخرى كانت ستقفز فرحًا من فرط سعادتها لحصولها على زوج غنى ووسيم كفريد فالحقيقة أنه كان وسيمًا للغاية ببذلته الأنيقة وابتسامته الهادئة وعيونه العسلية التي تشع إصرار وقوة، ولكن ذلك لا يشفع عن طباعه المهلكة...
ربما هي أيضًا إذا حدث ما يحدث الآن منذ عشرة سنوات مضت أو يزيد كانت لتقفز فرحًا بفكرة زواجها من حاميها الأول ولكن الآن الوضع تغير... فها هي متزوجة فعليًا من صديق طفولتها ونقمة حياتها معًا!...
حتى أنه لم يُكلف نفسه عناء التعليق على مظهرها كأي عروس متألقة!، عنفت نفسها مستنكرة بقوة، أتنتظر منه مدح أو تعليق!!!، ليحل البؤس والشقاء على حياتها قبل أن تنتظر منه شيئًا بسيطًا كهذا!...
مقاطعًا أفكارها طرقات خفيفة على الباب المشترك فعلمت أنه هو، وعليه أغمضت عينيها وأخذت نفسًا عميقًا قبل أن تُمسد على ثوبها الناعم وتتحرك لتواجهه، واضعة كفها فوق المقبض ثم حركته على مهل ووقفت تنظر إليه بهدوء منتظرة أن يدلو بما فى جعبته أولًا، فناظرها مطولًا بينما يضع يديه في جيويه مفكرًا في إعجاب، كم إنها صغيرة وجميلة!..
أميرته الخاصة، هل تعلم كم تبدو فاتنة بذلك الثوب الأبيض؟!، بل هل تعلم كم حلم وتمنى تلك اللحظه؟!، سنوات نسي حتى أحصاءها..
هل تعلم أنه طوال حياته لم يقترب من أي إمرأه أخرى فقط ينتظر إشارتها؟!، زفر في لوعة فمظهرها الرقيق بنظرة عينيها الحائرة التي تفصح عن أكثر بكثير مما تصمت عنه تجعله يفقد السيطرة على أعصابه ومنحنى تفكيره، وبعد لحظات تنحنح محاولًا تنقية حلقه قبل أن يقول بنبرة حانية :
-أنتِ جميلة أوي النهاردة.. لأ أنتِ جميلة كل يوم وأجمل في عيني يوم عن يوم بس النهاردة جمالك من نوع تاني...
شعرت حياة بالخجل من تفكيرها أيعقل أنه علم بما كانت تفكر به منذ قليل، تُرى هل يمتلك تلك الميزة حقًا!...
أسفلت بأهدابها للأسفل تهرب منه حتى لا يرى ارتباك نظرتها، ولم تدري بأنه ليس بحاجة إلى أن يراها ليعلم رد فعلها، هذا ما فكر به وهو ينظر إلى احمرار وجنتيها قبل أن يحرك يده داخل جيب بنطاله يلتقط شيئًا ما من داخلها، ثم مد يده بعد إخراجها في اتجاهها، عبست حياة في حيرة وهي ترى يده ممدودة أمامها بورقة تبدو كقطعة قماش مطوية بعناية، فرفعت رأسها تسأله وهي لازالت محافظة على تقطيبة الجبين :
-إيه ده؟!..
أجابها فريد في هدوء :
-ده الورق اللي يخص والدك وطلبتي مني أقطعه...
تمتمت حياة وقد تذكرت :
-آه أنا نسيت حكاية الورق ده خالص...
أجابها فريد في هوادة :
-بس أنا منستش.. أنا وعدتك أنى هنفذ اللي طلبتيه كله بس ملقتش فرصة أديهولك قبل كتب الكتاب لأنك كنتى بتتهربي من إنك تشوفيني...
شعرت بالخجل يزحف نحو وجنتيها مجددًا فهو محق في ملاحظته العابرة تلك، فطوال يومها حاولت الهروب من رؤيته أو مصادفته بأي شكلًا كان، بينما أضاف فريد بثبات وقد تبدلت ملامحه :
-عمتًا الورق قدامك أهو تقدرى تعملي فيه اللي أنتِ عايزاه...
مدت يدها ببطء تأخذ منه الأوراق مع قطعة القماش المطوية والمخفية أسفله تاركة له المجال ليعود إلي غرفته، ذلك قبل أن يتوقف مرة أخرى عائدًا إليها ومتحدثًا في هدوء :
-حياة .. لو حبيتي تاكلي هتلاقي العشا تحت جاهز .. أنا مطلبتش منهم يطلعوه هنا عشان متأكد إنك مش هتحبي تتعشي معايا وطبعًا مش منطقي من أول ليلة هطلب منهم يطلعوا عشا لكل حد فينا لوحده...
أنهى حديثه دون انتظاره تعقيبها بل مد يده يلتقط مقبض الباب المشترك بينهم ويغلقه، تاركها تشعر بالخجل للمرة الثالثة على التوالي من حديثه ولكن لا...
لن تنخدع بكل ذلك، ذكرت نفسها أنه هو من ابتزها ليتزوجها، إذًا فليتحمل شروطها وأسلوبها مهما كان فظ، ثم أنه لا يمتلك قلب مثل البشر ليشعر أو يتألم!..
زفرت ثم تحركت نحو المنضدة تضع الورق فوقها ثم منه إلى خزانة الملابس لتبديل ثيابها، وما أن فتحت الخزانه حتى شهقت في عدم تصديق، فهي تحتوي على الكثير والكثير من الملابس بألوانها وأقمشتها المفضلة لديها، يالله لقد وقعت في حبهم على الفور!، كيف استطاع معرفة ذوقها لذلك الحد؟!...
لا..... ذكرت نفسها للمرة الثانية بحزم، لن ترتدي من ملابسه ولن تنصاع لأغواءه الخفي، فهي قد أحضرت معها بالفعل جميع ملابسها التي كانت تدخرها لزواجها، ستستخدمها عوضًا عن تلك الملابس التي أبتاعها لها ولتبقي ثيابه له!...
التقطت إحدى البيجامات الناعمة من حقيبتها، ثم تحركت نحو الحمام لتغيير ملابسها... فقط للاحتياط...
وبعد قليل خرجت وقد بدلت ملابسها وأزالت آثار المكياج الذي غطى وجهها بعدما أخذت حمامًا سريعًا تُريح به أعصابها وربطت شعرها على هيئة كعكة بسيطة وجلست على حافة الفراش بجوار المنضدة في صمت تسحب الورق الذي أعطاه لها منذ قليل، فتحته ووجدت توقيع والدها يقبع هناك بهدوء، تنهدت في ارتياح ممزوج بالألم ثم قامت بتمزيقه إلى قصاصات صغيرة وألقته في سلة المهملات في اشمئزاز بجوار فراشها، وبعدها مدت يدها مرة أخرى تلتقط قطعة القماش المطوية وفتحتها على مضض متوجسة...
ثم سرعات ما شهقت في إعجاب فور وقوع عينيها على المحرمة الحريرية، ولم يكن ما أثار دهشتها الحسنة سوى منديل عقد قرانهم!، لمعت عينيها بانبهار صريح إذ كان تحفة فنية رائعة، وقد زُينت أطرافه في مهارة بالجُبير الرائع ونُقش بداخله يدويًا بخيوط من الذهب....
"قلْبي يُحدّثُني بأنّكَ مُتلِفي"
في بداية الأمر أرادت إلقائه مع باقي الأوراق في سلة المهملات ولكن براعة تنفيذه منعتها من ذلك، لذلك قامت بطيهِ بعناية مرةً أخرى، ثم وضعته بحرص داخل أحد أدراج الخزانة، ثم عادت إلى الفراش تستلقي فوقه في محاولة فاشلة منها للنوم...
تأففت بعد مدة تنظر في ساعتها وقد فشلت مساعيها، فوجدتها قد تجاوزت الواحدة صباحًا، حسنًا لن تستلقي هناك طيلة الليل فيبدو أن كل محاولاتها البائسة في النوم ذهبت جفاء، وعليه أضاءت مصباح الغرفة قبل أن تقرر استكشاف الشرفة، ففتحت النافذة ودلفت إليها وإذا بها تشهق في سعادة، فغرفتها مطلة تمامًا على البحر، ابتسمت بعمق وهي تتقدم إلى الأمام بداخلها حتى استندت على جدارها تستمع بذلك الهواء البارد الذي يلفح وجهها مُغلف برائحة اليود المنبعثة بقوة من رذاذ البحر، التفت يمينًا تنظر إلى الضوء المنبعث فتسمرت مكانها، إن شرفتها أيضًا مشتركة معه!....
لقد قام بعزل الغرفة ولكنه ترك الشرفة مشتركة كما هي، ارتبكت بشدة عندما سمعت وقع خطوات تقترب منها آتية من غرفته فعادت راكضة إلى غرفتها تُغلق نافذة الشرفة خلفها جيدًا وتندس داخل الفراش، وهي تفكر حانقة... اللعنة عليه أن غضبها منه يزداد مع مرور الوقت فكيف ستتحمل عشرته كل ذلك الوقت حتى يأتي يوم الخلاص؟!...
***********
فتحت عينيها في الصباح بثقل بعد نوم ليلة متقطعة لم تغفي سوى في أخرها، تناظر ما حولها وهي مستلقية فوق الفراش تحاول إجبار عقلها على تقبل ما مرت به منذ البارحة حتى تستطيع التعامل مع كل تلك التغييرات حديثة العهد، قبل أن تزفر بيأس فليس هناك أمل فى التظاهر بالنوم حتى يصبح كل شيء على ما يرام، حثت نفسها على القيام ومواجهة قدرها فليست "حياة" من تتهرب من عقبات حياتها، وبعد قليل كانت تقف أمام مرأة غرفتها تصفف شعرها جيدًا ثم عقدته للأعلى على هيئة كعكه بسيطة أبرزت نعومته، ثم لوت فمها بسخرية وهي تنظر في انعكاس صورتها تتفحص هيئتها البسيطة بهذا البنطال من الجينز الفاتح مع تيشرت قطني خفيف فكان مظهرها أبعد ما يكون عن عروس جديدة، تنهدت بثقل وقد عادت إليها تلك الأفكار التي تحاول الهرب منها منذ البارحة، كيف ستتعامل معه؟!... فبرغم تظاهرها بالقوة أمامه إلا إنها في الحقيقة تخشاه للغاية، أو بالأدق تخشى التواجد معه في نفس المنزل فهي لا تعلم أبدًا ردود أفعاله عن أي شيء إذ انقطعت علاقتها به منذ ما يقارب الخمسة عشر عامًا، وما تعلمه عنه في تعامله مع غيره لا يبشر بالخير على الإطلاق، هل سيفي بوعده لها أم هو فقط يجاريها؟!، هل سيستخدم العنف معها مثلما كان يفعل والده مع والدته؟!، كان هذا أكثر ما تخشاه وقد أصبحت الآن في عرينه بمفردها وليس لديها من يدافع عنها أو يحميها من بطشه...
تذكرت بأمل أن دائمًا لديها الله، لذلك تضرعت له بقلب مفعم بالرجاء أن يحميها من بطشه وقوته، ثم رفعت رأسها بكبرياء تستعد لاستقبال أول يوم في أسرها وأول شيء قررت القيام به هو استكشاف سجنها، وعليه فتحت باب غرفتها بهدوء تخشي إصدار أي صوت قد يُعلن عن وجودها فيذكره بها وكأنها ينساها!!...
التفتت يمينًا ويسارًا تبحث عنه فلم تلمح له أثر، تنهدت براحة ثم استأنفت طريقها للأسفل، وأول ما لفت انتباهها بمجرد وصولها للأسفل هو كل تلك الأجساد الضخمة التي تقف متأهبة داخل الحديقة وعلى أعتاب المنزل الداخلية!...
بالطبع لم يكن الأمر يحتاج لذكاء خارق لتدرك أن كل هؤلاء الرجال للحماية ولن تتفاجيء إذا علمت أن نصفهم للحرص على إبقائها داخل أسوار ذلك القفص، وأثناء تفحصها لهم استرعى انتباهها زوج من العيون يتأملها بحذر، فالتفتت تتقدم للأمام مدققة النظر فإذا بها ترى امرأة في منتصف الثلاثينيات على أقصى تقدير ذات قوام متناسق ووجه أبيض رائع الجمال ترتدي زي رسمي وتنظر إلي حياة بتفحص من رأسها حتى أخمص قدميها...
توقفت الأخيرة عن السير ولم تدرِ لمً لم تُعجبها نظرات تلك المرأة لها!!، على كل حال تجاهلت حدسها وسألتها بفضول :
-مين حضرتك؟؟!!!..
أجابتها المرأه بنبرة رسمية خالية من أي عاطفة :
-أنا عزة.. مديرة البيت هنا...
لوت حياة فمها بيأس فيبدو أن إقامتها هنا لن تكون سهلة على الإطلاق، على كلًا هزت كتفيها بعدم اهتمام ثم استأنفت طريقها عدة خطوات للأمام قبل أن تتوقف فجأة وتعقد حاجبيها معًا في عبوس وقد رأت إحدى زجاجات الخمر موضوعة فوق بار للمشروبات بعشوائية، وبالطبع لم تتخذ الكثير من الوقت قبل أن تقرر ما عليها فعله، لذا استدارت بجذعها للخلف مرةً أخرى توجه حديثها إلى تلك التي لحقت بها :
-مدام عزة لو سمحتي خدى الازايز دي بالكاسات بتاعتها أرميهم...
اجابتها مدبرة المنزل بكبرياء محافظة على نبرتها الجامدة معها :
-آسفة يا هانم.. دى حاجات فريد بيه ومقدرش أتصرف فيها غير بأمره هو...
رفعت حياة أحد حاجبيها باندهاش قبل أن تحرك راسها موافقة في سخرية، بينما تلوى طرف فمها بابتسامة هازئة قائلة في إصرار :
-طب تمام.. تقدري تندهيلي حد من الحرس اللي واقف بره دول.. بيتهيألى مش محتاجة إذن فريد بيه في حاجة زي دي صح؟!!...
نظرت إليها عزة بتشكك واضح قبل أن تتحرك نحو الحديقة، ثم اختفت لثوانِ عائدة بعد قليل وبصحبتها أحد الأفراد مرتديًا بذلة سوداء ويحمل أحد الأسلحة فوق خصره بوضوح، تشدقّت حياة حانقة وهي تنظر إلى مظهره المرعب تشعر وكأنها سقطت في إحدى دور المافيا الإيطالية!!،... تُرى هل كل ذلك حلم ستفيق منه بعد قليل؟!!...
كان ذلك اقصى أمانيها في الوقت الحالي، على كلًا أغمضت عينيها لبرهة قبل أن تفتحهم مرة أخرى وتطلب من الحارس بهدوء :
-لو سمحت ممكن تجيبلي صندوق خشب مقفول أو برميل؟!.. عايزة أي حاجة متسربش مياة...
حرك الحارس رأسه على الفور باحترام قبل أن يجيبها بالإيجاب :
-حالًا يافندم ويكون عند حضرتك...
ثم تحرك للخلف وهو لازال يعطيها وجهه حتى اختفى عن الأنظار، وقتها التفتت حياة مرةً أخرى بعد ذهابه تسأل من تصاحبها بنبرة متحدية :
-عايزة جوانتي.. أكيد عندك..
أومأت عزة لها برأسها قبل أن تختفى هي الأخرى لتحضر طلبها، بينما زفرت حياة حانقة وهى تفكر في تلك المرأة وطريقتها العدائية في التعامل معها.. ألا يكفيها ما تُلاقيه!..
أعادها من شرود أفكارها عودة الحارس حاملًا وعاد أزرق عميق فابتسمت له بسعادة، ثم طلبت منه وضعه أمامها والانصراف، فنفذ على الفور دون جدال، ثم بعد ذلك جاءتها مدبرة المنزل تحمل لها القفازات فارتدتها على الفور ، وعندما همت بإمساك الزجاجة الموضوعة فوق البار شعرت بعيون تحدق بها، فالتفتت نحوها متفاجئة بها لازالت واقفة مكانها تراقبها، زفرت حياة مطولًا ثم قالت في هدوء يشوبه الكثير والكثير من تمردها المعهود :
-على فكرة تقدرى تتفضلي أنا مش محتاجة حاجة..
أومأت لها مدبرة المنزل بنفاذ صبر قبل أن تتحرك للداخل بتردد وتتركها بمفردها تعلم جيدًا ما تنتوى الضيفة الجديدة فعله...
*************
كان فريد يجلس في غرفه مكتبه المطلة مباشرةً على البحر خلف مكتبه الواسع في مقعده الجلدي المريح يدقق في إحدى الملفات الموضوعة أمامه عندما تناهي لمسامعه أصوات تحطم قادمة من الخارج، أرهف سمعه فإذا بها أصوات تحطم زجاج، ركض على الفور نحو الخارج يتبع مصدر الصوت وقلبه ينتفض رعبًا عليها ظنًا منه أن أحد أعدائه قد تجرأ على مهاجمه المنزل، صرخً باسم أحد الحراس بقوة مما جعل حياة تنتفض قبل أن يتوقف مصدومًا أمام صغيرته التي تناظره بتحدي واضعة يدها فوق خصرها،بينما تزم شفتيها للأمام ويدها الأخرى تلقى بما تحمله من زجاجات الخمر في وعاء أزرق عميق واحدة تلو الأخرى دون إزاحة عدستاها بعيدًا عنه، جابت عينيه جسدها ونظرات الإعجاب ظاهرة عليه، كم سيسعده ترويضها!.. هذا إن استطاع التفريط بها أساسًا!، رفعت حياة رأسها على صوته العميق الغاضب :
-حياة!!! هتجرحي نفسك!!..
استعادت هدوئها ثم نظرت إليه بعيون متحدية تتفحصه وهو يقف أمامها يرتدى تيشرت أزرق يبرز عضلاته بقوة ويضع كلتا يديه داخل جيوب بنطاله، ثم رفعت حاجبيها مع نظرة مغيظة له قبل أن تتحرك نحو البار تلتقط آخر زجاجة موضوعه به، ثم رفعتها بتحدي أمام وجهه وتحركت بها حتى توقفت امام الوعاء مرة أخرى وقامت بإلقائها من ارتفاع عالي فأصدرت ضجيج قوى من ارتطامها ببقايا الزجاج الملقى بالداخل...
حاول جاهدًا كبت ضحكته ولم تلاحظ هي بريق التسلية في عينيه، قائلًا بعدما تنحنح لتنقيه حلقه وإخراج صوته حازمًا :
-على أساس إنك لما تكسريهم مش هعرف أجيب غيرهم تاني!!...
عقدت كلتا ذراعيها أمام صدرها في تأهب، ثم تحركت ببطء في خطوات ثابتة نحوه قبل أن تقف أمامه مباشرةً وترفع راسها بكبرياء حتى تصل لعينيه، ثم تحدثت بنبرة ثابتة قوية عكس ما تشعر بداخلها تمامًا وتقول :
-من اللحظة اللي أجبرتني فيها على إنى أكون مراتك ودخلتني بيتك وبقى اسمى مرتبط بأسمك والبيت ده بقى بيتي أنا كمان.. وأنا معنديش استعداد لحظة واحدة أقعد فى بيت بيتعصى فيه ربنا بالشكل ده.. وأوعى في يوم تفكر أن قبولى بيك معناه قبولى لشياطينك معاك.. البيت اللي هكون موجودة فيه لازم يكون نضيف...
صمتت قليلًا تطالع عرق خفيف بدء ينتفض في جانب صدغه ولكنها كانت تغلى غضبًا من كل ما حدث منذ البارحة ولن تستطيع التوقف الآن، أضافت محافظة على نفس نبرتها وتحديها :
-عايز تشرب هنا اتفضل.. بس ساعتها هتكون ملزم تجبلي بيت تانى أعيش فيه حتى لو أوضة واحدة.. وخليك متأكد إنى هحارب على طهارتها بروحي...
أنهت حديثها وصدرها يعلو ويهبط أمامها من شدة التوتر والغضب معًا، بينما ظل فريد ينظر إليها مطولًا دون أن ينبس ببنت شفة وهي أيضًا، لم تستطيع إزاحة عينيها من أمام عينيه فقد كانت مسألة إرادة بالنسبة لها وشعرت إنها لو حركتها بعيدًا عنه لأعلنت بذلك هزيمتها، وهي أبدًا لن تُهزم أمامه...
ظلا هكذا لمدة دقيقة أو يزيد، ينظر إليها بشرر يتطاير من عينيه قبل أن تلين نظراته وتتحول إلى شيء آخر يعلم أنه لن يستطيع تحقيقه ولو بعد حين، ولكن.... ليس بيده حيله فوقوفها أمامه الآن بكل ذلك التحدي يثيره إلى أقصى درجة ممكنة، مقاطعًا أفكاره دخول الحارس يسأله بقلق :
-فريد بيه.. في حاجة حصلت؟!.
صاح به فريد بغضب بعد أن حول نظره عن حياة وقد تبدلت ملامحه ونبرته :
-مين الحيوان اللي دخل البرميل ده هنا؟!.
هبت حياة تجيبه بشجاعة وهي تنظر للحارس نظرة ذات مغزى من وراء فريد قائلة :
-محدش جابه.. أنا اللى جبته لوحدي!..
التفت فريد ينظر إليها نظرة متشككة قبل أن يعود بغضبه للحارس :
-لما أسألك ترد علياااا!! .. مين اللي دخله هنا انطق!!! ..
فتح الحارس فمه ليجيب قبل أن يسكته صوت حياة الهاتف للمرة الثانية :
-أنا قلتلك إنى جبته لوحدي.. روحت الجنينة جبته ورجعت..
بالرغم من نبرتها القوية ونظرتها الثابتة فوقه ألا أنه استطاع أن يرى الخوف في عينيها، لانت نظرته أمام حيرة نظرتها وطول أهدابها فوقهم، مقاطعًا للمرة الثانية تأمله بها صوت مدبرة منزله تقول في وقار :
-فريد بيه.. الفطار جاهز ..
أجابها فريد دون أن يحول عينيه عن حياة التي التفتت تنظر إلى مصدر الصوت بتركيز بمجرد سماعه :
-تمام.. روحي أنتِ وأحنا هنحصلك...
شدد على حروف جملته الأخيرة بقوة مما جعل حياة تفكر في الرفض إغاظة له، ولكن كان لمعدتها رأيي آخر فهي لم تتناول شيء منذ صباح البارحة، لذا وعندما أشار فريد لها بيده نحو غرفة الطعام كي تتقدمه تحركت أمامه في صمت وكبرياء منتهزة الفرصة للهروب من الموقف، بينما التفت هو يحدث حارسه بنبرة متوعدة :
-حسابك معايا مخلصش بس خليه لبعدين...
أنهى جملته ثم استدار يكمل طريقه ويتبعها، دلفت حياة للغرفة فتفاجئت بعزة مدبرة منزله تقف خلف الطاولة في هدوء، فتوقفت الأخيرة تفكر بيأس كيف ستتمكن بتمرير الطعام داخل حلقها في ذلك الجو المتوتر المشحون، كانت غارقة في تلك الفكرة فلم تشعر بتحرك فريد خلفها يسحب لها إحدى مقاعد الطاولة للجلوس، اندهشت من فعلته تلك والحقيقة إنها أعُجبت بها فهي لم تتوقع أبدًا أن يصدر منه مثل ذلك الفعل تجهاها بعد ما حدث بينهم منذ قليل، ولكنها سرعان ما حذرت نفسها فهو يفعل ذلك فقط من أجل خداعها، تحركت تخفض جسدها قليلًا لتجلس غافلة عن نظرات الحقد التي تخترق ظهرها، وبمجرد جلوسهم أومأ فريد لمديرة منزله برأسه متمتمًا :
- تقدري ترجعي للمطبخ مش محتاجينك معانا..
لم يصدر منها أى رد فعل ولكنها سألته باهتمام :
-حضرتك تحب تطلب أو تضيف حاجة معينة للغدا النهاردة؟!..
نظر فريد باتجاه حياة ثم أجاب بنبرة حانية :
-لا .. تقدري تسألى حياة هانم.. ومن هنا ورايح تنسقي معاها كل يوم وتشوفي هي هتقولك إيه..
رفعت حياة رأسها لأعلى تنظر إليه باندهاش قبل أن تحول نظرتها نحو مدبرة المنزل وقد انقبضت معدتها من سهام النظرة القوية الجافة المنطلقة نحوها...
اللعنة!! ماذا يحدث هنا؟!!، لماذا توجه إليها تلك المرأة كل تلك النظرات الغير مريحة؟، تنهدت حياة بإحباط فقد ضاع أملها في أن يصبح لديها صديق داخل ذلك المنزل!، شردت في تلك الفكرة وهي تنظر إلى وجه عزة قبل أن يلفت انتباهها نظرة الأخيرة لفريد، لقد كانت النقيض لنظرتها له!، كان هو مستغرق في تناول طعامه ولم يعي تلك النظرة المبهورة الموجهه نحوه من مدبرة منزله....
وضعت حياة كفيها بأحباط فوق وجهها وهي تعود بظهرها إلى الوراء لتستند على ظهر المقعد، حسنًا ما الذي يحدث هنا الآن؟!، أيُعقل أنها عشيقته أو أي شيء من ذلك القبيل!!، إنها ليست غبية وتعرف نظرات الإعجاب جيدًا حين تراها!، جعدت جبينها بحزن وهي تفكر بقلق هذا ما كان ينقصها!، لا يكفيه ما سببه لها من تعقيدات حتى الآن ليجمعها مع عشيقته أو أيا كان مسماها تحت سقف واحد!...
هزت رأسها مستنكرة ماهذا الذى تفكر به!! إنها تتهم امرأة مثلها بالسوء فقط من أجل نظرة لاحظتها!، كيف تفعل ذلك!!!، ربما كل ذلك من وحي خيالها وربما هو مجرد إعجاب من طرف واحد لم يتعدى تلك النظرة، شعرت بالذنب من نفسها وقررت تجاهل الأمر بأكمله فذلك لا يعنيها...
لاحظ فريد صراع المشاعر المرسوم بدقة على وجهها ونظرتها ولاحظ أيضًا عدم تناولها للطعام، ففتح فمه ليتحدث إليها ولكنه أغلقه مرةً أخرى فهو يعرفها جيدًا ويعلم أنه إذا طلب منها تناول طعامها ستعانده، بينما حاولت هي دس أي شيء داخل فمها ولكن كان لحلقها رأيي آخر مخالف لها، فوضعت شوكتها بإحباط متراجعة،ثم نظرت له تسأله ولم تستطع في الأخير جمح ركاب فضولها لأكثر من ذلك، وعليه تحدثت بهدوء محاولة إخفاء فضولها بعد خروج مديرة المنزل :
-هي عزة شغاله هنا من زمان؟!..
أجابها بعدم اهتمام مرتشفًا قهوته دون النظر نحوها :
-مش فاكر.. يمكن ٣ سنين...
علمت من نبرته أنه لا يريد الاستمرار في ذلك الحديث، ولكنها لن تتركه حتى تحصل على أجوبتها فأضافت :
-مع أن شكلها صغير.. يمكن قدي أو أكبر شويه!...
رفع رأسه ينظر إليها بنظرة متشككة ثم أجاب بتركيز :
-لما أتوظفت هنا كان عمرها ٣٠..
شهقت حياة بصدمة دون وعى متمتمة :
-دي قدك تقريبًا!!!!!...
عقد حاجبيه معًا وضاقت عينيه فوقها يتأملها فأضافت مبررة بعد شعورها بشكه من كثرة أسئلتها :
-أصل أنا مستغربة أنها عرفتني بنفسها على إنها مديرة البيت في الوقت اللي ماما كانت فيه هنا!! يعنى ماما كان لازمتها إيه؟!...
نظر لها مطولًا وهو يعود بظهره ليسترخي فوق المقعد حتى شعرت أنه لن يجيب عن سؤالها ثم تحدث باقتضاب :
-كانت جنبي..
هزت رأسها فقد أدركت معنى إجابته قبل أن تزم شفتيها معًا للأمام في حركه طفولية، فتحرك من مقعده ليقف أمامها بنفاذ صبر ثم حدثها آمرًا في ضيق :
-متعمليش الحركة تاني...
أساءت فهم مقصده وظنت إنها تغضبه فعقدت النية في قرارة نفسها أن تفعلها أمامه كلما أتاحت لها الفرصة عنادًا به.
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!