الفصل 7 | من 38 فصل

رواية متى تخضعين لقلبي الفصل السابع 7 - بقلم chimaa youssef

المشاهدات
15
كلمة
5,679
وقت القراءة
29 د
التقدم في الرواية 18%
حجم الخط: 18

مضت الايام التالية على كلًا من حياة وفريد على نفس المنوال، تجنبت هى لقائه وتعمد هو الخروج باكرًا والعودة بعد منتصف الليل، وبالتالي كانت  تتناول وجباتها الثلاث يوميًا بمفردها، وتقضي ما تبقى من يومها بين البحث عن فرصة سفر مناسبة لأخيها لإخراجه من البلاد وما بين اكتشاف شيء جديد في المنزل...
وفي إحدى الأيام عندما لاحظت عفاف حالة الملل التى أصابتها نصحتها بالتوجه إلى مكتب السيد فريد إذا كانت من محبى القراءة فغرفة مكتبه تحتوي على كم هائل من الكتب، وبالفعل أبدت ترحاب شديد بتلك الفكرة وقررت اكتشافها على الفور...
دلفت داخل الغرفة بتوجس فمجرد تفكيرها أنها ملكية خاصة له ولا يستخدمها أحد غيره أربكتها كثيرًا، ولكن عفاف شجعتها على التقدم وأنه أبدًا لن يعارض على استخدامها هي بالذات لها، ورغم ذلك قررت الدخول فقط للبحث عن شيء ما تقرأه، ثم الخروج فورًا دون تلكأ...

رائحة عطره المميز تملئ المكان، هذا أول انطباع جال ببالها بمجرد دخولها، قبل أن تقع عيناها على محتويات الغرفة، فتحت عينيها بانبهار فالغرفة تجسيد حي للكمال والدفء بخشبها باهظ الثمن مع مكتب عصري، ومقعد جلدي مريح ووثير، مع الكثير من التحف العتيقة والأكسسورات الثمينة...
أما ما جعل حياة تشهق بأعجاب هي تلك المكتبة التي كانت تحتل أركان الغرفة، وتحاوط المكتب بنافذته، بل وتمتد حتى السقف حاوية مئات، بل آلالاف من الكتب المنظمة على حسب حقبتها الزمنية ونوعها وتراثها...

تقدمت أول شيء نحو رف الأدب العالمي، مبتغاها الأول دائمًا، فوجدته يحوي الكثير من الكتب الفرنسية!، زمت شفتيها معًا للأمام بتفكير وهي تلتقط أحد الكتب بتغليفها الجلدي العتيق بين يديها وتتأمله...
إذًا لقد أتقن الفرنسية فعلًا في النهاية!، لقد كانت تتذكر كم تذمر من كرهه لتلك اللغة وعدم قدرته على استيعابها، وكم من خلافات نشبت بينه وبين والده بسبب ذلك الأمر، ولكن غريب كان دائمًا يجبره على تلقى الدروس بحجة أن جميع تعاملاتهم مع شركات فرنسية وعلى ولي عهده أن يتقنها تمامًا كالعربية، حتى يستطيع التعامل معهم في المستقبل عند توليه إدارة الشركات...

هل يعلم إنها كرهت اللغة والبلد بأكملها من أجله!! ساذجة!...
فكم ألمها أن يكون صديقها المفضل مجبرًا في حياته، وبناءًا عليه رفضت هي الأخرى تلك اللغة، رغم  اضطرارها آسفة تعملها بحكم دراستها، ورغم ذلك لم تستغيثها أبدًا فى طفولتها تضامنًا معه...
تنهدت بعمق من أثر تلك الذكرى وأعادت الكتاب القيم إلى موضعه الأصلي فوق الرف، قبل أن يرن هاتفها داخل جيب ردائها، فالتقطته تنظر به أولًا قبل أن تبتسم فرحة، فيبدو أن مساعيها خلال الأيام الفائتة قد أتى بثماره أخيرًا...
أجابت بحماس على الطرف الأخر، ثم استمعت له قليلًا قبل أن تجيبه بسعاده قائلة :
-أيوه يا فندم تمام.. بالظبط زي ما بعت لحضرتك كده.. وإن شاء الله الورق هيكون جاهز في أقرب وقت..

صمتت قليلًا ثم أجابته بحرص :
-طبعًا طبعًا.. إن شاء هينهي الأوراق ويسافر لحضرتك قريب..

انهت المكالمة وأغلقت هاتفها، ثم قفزت عدة مرات متتالية في سعادة وفرح، فاخيرًا استطاعت التحصل على فرصة خارج البلاد لأخيها بمعاونة صديقتها في الخارج، والتى ما أن علمت بالتحول الذي حدث في حياتها وزواجها من شخص ثري، حتى أسرعت في مساعدتها على الفور..

***********

وفي تلك الأثناء كان فريد يجلس خلف مكتبه بمقر عمله وشئ وحيد يستحوذ على تفكيره، حياة خاصته...
لقد اشتاق إليها كثيرًا فمنذ حديثهم الأخير سويًا وهو يتعمد عدم مواجهتها، أو الاحتكاك بها حتى يعيد ترتيب أموره ويمهلها بعض الوقت للاعتياد على فكرة زواجهم ووجوده بجانبها، فقد كان يقضى يومه كاملًا في العمل ويعود للمنزل فقط بعد حلول المساء عندما يتأكد من خلودها للنوم وبعد فترة يتسلل إلى غرفتها بهدوء دون علمها ليتأملها قليلًا قبل أن يخلد هو الأخر إلى نوم متقطع يظهر في أغلبيته مقتطفات من الماضِ الحزين...

قاطع تفكيره دخول والده العاصف لغرفته، فلوى فريد فمه متشدقًا قبل أن يقول بسخرية واضحة :
-مادام دخلت عليا دخلة المخبرين دى يبقى في مصيبة.. قول اللي عندك..

حدقه والده بنظرة غيظ قبل أن يقول بحنق واضح :
-نفسى تبطل قلة أدب وتحترمني شوية!!!..

لوى فريد فمه متأففًا قبل أن يجيبه بتهكم مرير :
-معلش أصل محدش ربانى وأنت عارف.. أمي ماتت وأنا صغير ومرات أبويا كان كل همها إزاي أحصلها..

ارتبكت ملامح غريب من تلميحات فريد قبل أن يقول بنفاذ صبر هاربًا من الصدام مع إبنه الوحيد :
-خلاص خلاص.. مش هي دي مشكلتنا دلوقتي.. أنت إيه اللي عملته ده مع عيلة الجنيدي..

أجابه فريد بغرور وهو يعود بجسده إلى ظهر مقعده ويجلس في تعالي واضح بوضع ساق فوق الأخرى :
-عملت اللي المفروض يتعمل معاهم من زمان..

هز غريب رأسه عدة مرات بأسف قبل أن يقول في غضب جلى :
-أنت بتستعبببط!!! مش هيسبوك بعد اللي عملته فيهم!!.. أنت مش خايف على نفسك؟..

قال فريد وهو مازال محافظًا على نبرته الواثقة وهدوئه :
-أعلى ما في خيلهم يركبوه.. يبقوا يورونى يقدروا على إيه وروحهم في إيدى دلوقتي..

قال غريب متوسلًا :
-يابني لو أنت مش خايف على نفسك أنا خايف عليك.. بلاش عند مع ناس زي دي!!..

قفز فريد من مقعده بغضب، ثم توجه نحو والده يقف أمامه بشموخ، وهو يضع يديه في جيوب بنطاله قائلًا في شراسة :
-خلي خوفك لنفسك.. وبعدين أنا حلفت برحمة أغلى حاجة عندى... لازم ادفعه تمن اللي عمله قديم وجديد.. كفاية أندحسابه اتأخر لدلوقتي بسببك..

انهى جملته، ثم التفت بجسده يتجه نحو النافذة ينظر من وراءها بجسد متصلب، بينما وصله صوت والده يتنهد بيأس قبل أن يقول منهيًا ذلك الحديث :
-خلاص اللي أنت تشوفه اعمله.. بس على الأقل زود عدد الحراسة معاك شويه.. آه واعمل حسابك الأسبوع الجاى حفلة التجديد السنوى مع الشركة الفرنسية.. والحفلة هتكون على شرفك أنت ومراتك عشان يتعرفوا عليها..

أدار فريد جسده نحو والده بهدوء، ثم رفع إحدى حاجبيه مستنكرًا قبل أن يعقب في برود :
-لا مش عايز..

صاح به غريب وقد سأم من تصرفات إبنه اللامبالية تجاهه :
-هو إيه اللي مش عايز!!.. ده شغل ومستقبل شركات أنت المسئول عنها!!.. الخميس الجاى الحفلة في الفيلا.. تكون موجود أنت ومراتك ومش عايز اعتراض..

انهى أمره ثم استدار وانصرف صافقًا الباب خلفه في قوة..

**********

انتظرت حياة حتى المساء وعودة أخيها للمنزل كي تضمن تركيزه معها الكامل، قبل أن تقرر الاتصال بِه، وعليه جلست في غرفتها فوق حافة فراشها، ثم أمسكت هاتفها وانتظرت أن يأتيها الرد من الطرف الآخر، وحينما كانت على وشك خوض كافة التفاصيل معه تهادى إليها وقع خطوات قريبة من عتبة بابها، فلم تود المجازفة بأي حديث قد يفسد مخططها لذلك آثرت كبح لجام حماسها فقالت لأخيها في نبرة خفيضة :
-بص الكلام مش هينفع في التليفون.. أنا لازم أشوفك بكره.. فضى نفسك وقابلني في البيت..

في تلك اللحظة فُتح باب غرفتها بقوة ورأته يقف أمامها يسألها بوجه عابس وعيون مكفهرة بالغضب :
-أنتِ بتكلمي مين؟!..

انتفضت من جلستها على صوت اقتحامه الغرفة، ثم وضعت يدها فوق قلبها برعب قبل أن تمد يدها الممسكة بالهاتف نحوه متمتمة في رعب:
- محمد أخويا.. خد اتاكد بنفسك..

ارتبكت نظرته قليلًا وظهر التوتر على قسمات جسده، قبل أن تلين تلك النظرات ويدير جسده المتصلب لها هاربًا من المكان بأكمله.

بينما تنفست هي الصعداء بعد خروجه وأغلقت الهاتف متعجلة، ثم أخذت تذرع الغرفة ذهابًا وإيابًا في توتر، قبل أن تحرك رأسها في إصرار، ستذهب لتخبره ولن تتهاون في حريتها، بل وستقاتل من أجلها فعهد تحكم والدها انتهى وأبدًا لن تعيد التجربة معه، فوالدها كان يمنعها من الخروج بمفردها إلا من أجل الدراسة والعمل.. بالطبع بسبب العائد المادى للأخير حتى يرتاح من طلباتها، أما عن خروجها كـ مثيلتها من الفتيات فكان من الممنوعات، ففي منطقه.. البنت ذات الدين والُخلق الجيد مكانها فقط في المنزل وخلف جدرانه!

على كلًا تظل شاكرة لسماحه لها بإكمال دراستها دون تعنتات، ولكن الآن ولى عهد التحكمات، ولن تسمح لأحد آخر تسيير حياتها بدلًا عنها.

**********

بعد قليل هبطت إلى الطابق الأرضي بعدما استجمعت شجاعتها واستعدت للمواحهة، تبحث بعينيها عنه إلى أن لمحت فى الاسفل مدبرة منزله تخرج من غرفة مكتبه ممسكة بفنجان قهوة فارغط فعلمت أنه بداخلها لذلك توجهت على الفور تجاه الغرفه، ثم توقفت أمامها تسألها بهدوء :
- فريد جوه؟؟!!!..

أجابتها عزة بجفاء :
-أها فريد بيه في المكتب..

هزت حياة رأسها عدة مرات وكل تركيزها منصب على مواجهتهم القادمة، وعندما نفضت رأسها في تحدي ممسكة بقبضة الباب بينما تهم برفع الأخرى كي تطرقه، أوقفها صوت عزة مرة اخرى تقول في نبرة خالية:
-فريد بيه طلب محدش يزعجه..

نظرت إليها حياة من فوق كتفها وهي لازالت ممسكة بمقبض الباب، ثم رفعت إحدى حاجبيها متحدية، قبل أن تديرها وتدلف إلى الغرفة دون حتى استئذان، ثم وبابتسامة مغيظة دخلت وصفقت الباب في وجهها متعمدة

بينما كان فريد يجلس خلف مكتبه عاقدًا حاجبيه معًا بشدة أثناء نظره بتركيز في شاشة كمبيوتره المحمول عندما سمع باب غرفته يُفتح ويُغلق دون استئذان، فانتفض من مقعده يصيح ناهرًا:
-مين اللي بي...

ابتلع باقي جملته داخله بمجرد رؤيته لها تدلف الغرفة في ارتباك، فلانت ملامحه المتجهمة على الفور، قبل أن يتحرك في اتجاهها يسألها قلقًا :
-حياة!! في حاجة حصلت؟!...

أخذت نفسًا عميقًا قبل أن تبرر دخولها الهمجي ذلك :
-مفيش وأنا عارفة أنى دخلت من غير ما أخبط على الباب.. بس هما قالولى برة أنك مش عايز حد يزعجك.. وأنا كنت هقولك حاجة واطلع على طول مش هعطلك..

تبدلت ملامحه، ثم اضاف بنبرة حانية وهو يتأمل نظرتها المرتبكة رغم حركات جسدها المتصلبة :
-حياة.. أنا قصدي محدش يزعجني منهم..

اطرقت برأسها للأسفل في محاوله منها لكتم ابتسامة انتصار خفيفة كادت تهدد بالظهور على شفتيها من أثر ذلك الانتصار الصغير، ولكنها سيطرت عليها بالأخير، ثم تنحنحت عدة مرات قبل أن تقول بنبرة هجوميه استعدادًا لما هو آت :
- أنا عايزة أروح لماما بكره أزورها.. وعلى فكرة ده مش..........

قاطعها فريد قبل أن تكمل جملتها بنبرة هادئة :
-مفيش مشكلة شوفي عايزة تنزلي الساعة كام وبلغي السواق قبلها..

فتحت فمها دهشة، وهي من كانت تعد نفسها لرفضه!، فسألته مستنكرة :
-إيه ده يعني أنت موافق إنى أروح بسهولة كده؟!!...

ارتسمت ابتسامة أعجاب فوق ثغره من سؤالها الطفولي ذاك، ثم عقب قائلًا في مرونة :
-مفيش مشكلة زي ما قلتلك السواق هيوصلك وقت ما تحبي.. وأنا بليل بنفسي هاجى أوصلك..

عقدت حاجبيها معًا، ثم قالت معترضة :
-بس أنا مش عايزة حد يوصلنى!! أنا بعرف أمشى على فكرة ولوحدي..

وضع فريد يديه في جيوب بنطاله قائلاً بلا مبالاته المعتادة بينما تحولت نظراته من اللين إلى التحذير :
-حياااة.. مش عايز مناقشة كتير.. ده آخر كلام عندى.. والقرار قرارك يا حد يكون معاكي يا لاء من الأساس.. اختاري؟!!..

التفت بجسدها في حدة مبتعدة عنه، ثم واتجهت نحو الباب وهى تضرب الأرض بقدمها غيظًا وتتمتم بكلمات حانقة لم تلتقط أذنه منها شيء، ولكنه ابتسم لا إرادايًا من مظهرها الطفولي الغاضب، تنحنح محاوله تنقية حلقه والسيطرة على رغبته في احتضانها، ثم قال في نبرة آمرة يوقفها بينما هي على أعتاب الخروج :
-اعملى حسابك الخميس الجاي في حفلة للشركة على شرفنا.. حضري نفسك..

التفت تناظره بعيون غاضبة قبل أن ترفع رأسها في تمرد وتقول :
-مش هروح.. اتفضل احضرها مع نفسك..

رأت التسلية واضحة في بريق عينيه، قبل ان يعقب بنبرة تهديد منخفضة :
-تمااام براحتك.. اهي فرصة برضة البسك بأيدي وأشيلك لحد هناك..

شهقت بفزع وفرغ فاها مندهشة من وقاحته معها، ثم قالت بنبره حادة مرتبكة، بينما حمرة الخجل تزحف نحو وجنتها :
-أنت.. أنت إنسان مغرور.. ووو.. وقليل ذوق وأناااااا.......

قاطعها بمرح مقلدًا نبرتها وهو يلوي فمه بنصف ابتسامه ويتقدم منها حتى أصبح على بُعد خطوة واحدة منها :
-بتكرهيني عارف..

تشدقّت بحنق قائلة بأشمئزاز :
-كويس إنك عارف إني بكرهك وجدًا كمان..

ومضت عينيه ببريق غريب وهو ينظر لداخل عينيها مباشرةً، ثم قال وهو يمد كلتا ذراعيه يستند بهم فوق الجدار ليحكم حصارها ويمنع يدها من الامتداد لفتح الباب والخروج، قائلًا بصوت أجش وعينيه تضيق فوق وجهها :
-عارفه يا حياة إيه اللى مصبرني على كل اللي بتعمليه ده؟!...

لم تجيبه بل أغمضت عينيها بقوة تضغط على جفنيها محاولة بذلك تجاوز ذلك الشعور الذي بدأ يتسلل إليها بسبب أنفاسه الحارة الواقعة عليها، محركة رأسها ببطء نافية وهي تبتلع لعابها بصعوبة بالغة، فأضاف وهو يقترب بوجهه منها أكثر عن ذي قبل :
-عشان العيون دي اللي في كل مرة بتشوفني فيها بتقولي حاجة واحدة بس" محتجالك يا فريد ".. وأنا وعدتهم من زمان أن عمري ما هتخلى عنهم..

فتحت عيناها مصدومة،  قبل أن تشرد بنظرها نحو الفراغ ويشحب وجهها، بينما انتهز هو فرصة صمتها واقترب منها يطبع قبلة حانيه فوق وجنتها، فانتفضت بفزع من أثر قبلته المباغتة لها، وقد إعادتها لمسته للحياة، ثم فجأة دفعته بكلتا يديها وهي تصرخ به بقوة قائلة :
-متلمسنييييييش.. أنت فاهم أوعى تقرب مني أو تلمسني تاني..

ثم استدارت برعب لتفتح الباب بيد مرتعشة وتركض نحو الخارج بجسد منتفض، تاركة فريد غارقًا في صدمته من رد فعلها الغير مفهوم.

************

في صباح اليوم التالي، وبينما كانت آمنة تجلس فوق الطاولة الصغيرة وتقوم بتحضير أشهى المأكولات وهى تدندن أغنية قديمة في سعادة، خرج عبد السلام من غرفتهم يناظرها شرزًا، قبل أن يتشدق جملته في غيظ :
- أيوة ياختي حضري ما هي ست الحسن بتاعتك جاية النهاردة..

حركت آمنة رأسها يمينًا ويسارًا في حنق، ثم استغفرت ربها وآثرت الصمت، ولكنه تعمد استفزازها مضيفًا سمومه :
- إيـه مش عاجبك الكلام ولا بتكلم غلط.. ولا يمكن كلامي دلوقتي مبقاش جاي على هواكي بعد ما ناسبتى الباشا..

زفرت آمنة بضيق وهي تلوى فمها قبل أن تجيبه قائلة :
-يا حول الله يارب.. أنا عايزة أعرف أنت إيه!.. عايز تجر الشكل وخلاص!.. ما تسيب البت في حالها مش كفاية من ساعة ما اتجوزت محدش عبرها ولا سأل عليها!..

قاطعها وقد بدأت نوبة صياحه المعتادة صارخًا بصوت يصم الآذان :
-مالها ياختي.. ما هى قاعدة في فيلا والخدم تحت رجليها هتعوز إيه تاني.. أنا بقول بس بدل مانتي مهتمة بيها والأكل الحلو مظهرش غير بقدومها.. كنتي تعملي حاجة لأبني الغلبان الشقيان ده هو أولى..

قالت آمنة بنفاذ صبر معترضة :
-وهي مش بنتك يا راجل.. وكمان لو كنت نسيت أفكرك.. مين اللي أنقذ أبنك الغلبان ده..

قاطعها بصوته الجمهورى قائلًا في غل؛
-وهو مين اللي كان هيضيع أبني غير الست بنتك وعمايلها؟!..

أجابته آمنة بحنق :
-طب والوصولات اللي كانت عليك.. مين أنقذك منها يا عبد السلام.. ياخي اتقي الله بقي وكفاية كد ..

مر كفه داخل شعره يحكه بتفكير، ثم تمتم بخفوت :
-عندك حق بس المرة دي البت وقعت واقفة بجد.. شكلنا اتسرعنا المرة اللي فاتت بس الحمدلله إنها باظت..

صاحت به آمنة وهى تحدقه بنظرات اشمئزاز واضحة :
-عبد السلاااااام.. قفل ع السيرة الهباب دي لمصلحتك.. وتوكل على الله شوفْلك حاجة تعملها خليني أكمل شغلي..

رمقها بنظرات حانقة قبل أن يقول بغيظ :
-أديني سايبهالك وماشي.. هروح أقعد ع القهوة..

تمتمت آمنة بخفوت قائلة من خلفه :
-في ستـيــن....

ثم عادت للتركيز على ما كانت تقوم به قبل جدالها العقيم معه..

*********

انقضى يوم حياة سريعًا مع والدتها التي اهتمت بسؤالها عن أدق تفاصيل حياتها، فحاولت حياة قدر المستطاع إعطائها إجابات منطقية مختصرة دون التطرق إلى أي مواضيع جانبية، فظنت آمنة أن ابنتها تتجنب الحديث معها فيما يخص زواجها خجلًا منها...
أما عن حياة فقد تنهدت براحة عندما توقفت والدتها عن طرح سيل الاسئلة التي أغدقتها بها منذ وصولها، وبعدما صمتت قليلًا سألتها مستفسرة وهى تلكز في مرفقها بمرح :
-صحيح قوليلي.. عجبتك الهدوم اللي اخترنهالك؟!..

قطبت حياة حاجبيها معًا بتركيز قبل أن تسألها مستفسرة :
-هدوم إيه؟!.

أجابتها والدتها بحماس بينما الابتسامة تعلو ثغرها فخرًا :
-الهدوم بتاعتك اللي هناك في الفيلا..

ازدردت ريقها بعجالة، ثم أضافت مفسرة :
-فريد حب يعملهالك مفاجأة.. كلمني وقالي أقابله واختار معاه كل اللي بتحبيه عشان أنا أدرى بذوقك يعنى.. حتى فستان الفرح سألني لو بتحب حاجة معينة وافتكرت ساعتها الفستان اللي كنتي كل شوية تدوشيني بشكله وتوريني صور شبهه.. وخلانى أقابل واحدة مصممة كده.. آه ده أسمها.. ووصفتلها على قد ما أقدر.. بس الحق يا حياة أن الفستان طلع أحلى من اللي كنتي بتوصيفه.. أنا مرضتش احرقلك المفاجأة ساعتها بس دلوقتي أقدر اتكلم براحتي..

هزت حياة رأسها ببطء فقد حلت لغز تلك الملابس الرائعة القابعة في خزانتها، وحتى الآن ترفض ارتدائها بسببه، معيدها من شرود تفكيرها صوت أخيها يدلف المنزل، فقفزت على الفور تستقبله بسعادة وحماس، ثم تمتمت لوالدتها بعجالة :
-ماما أحنا فى الأوضة جوة.. متخليش حد يدخل علينا..

ثم جذبت أخيها من مرفقه تدفعه نحو الغرفة، وفي الداخل قصت عليه كافة تفاصيل تلك السفرية المنتظرة، بينما أطرق هو برأسه فى حزن متسائلًا :
-ماشى يا حياة بس أنا هجيب مصاريف السفر دي منين؟!.. أنتِ عارفة أن الشغل يادوب..

ربتت على كفه بحنو قبل أن تجيبه بنبرة مطمئنة :
-متشغلش بالك بكل ده أنت عارف إنى كنت محوشة شوية فلوس من شغلي وأنا هتكفل بكل حاجة..

ثم مدت يدها داخل إحدى جيوب بنطالها وأخرجت بطاقة إلكترونية وضعتها في كفه قبل أن تضيف :
-دى الفيزا بتاعتي إن شاء فيها اللي يكفي كل المصاريف.. خدها استخدمها وأتوكل على الله.. بس بالله عليك يا محمد في أسرع وقت أنا ما صدقت الفرصة دي تجيلي..

هز رأسه لها متفهمًا قبل أن يحتضنها ويطبع قبلة حانية على جبهتها ويقول :
-مش عارف أقولك إيه ع اللي بتعمليه معايا.. بس إن شاء الله هردلك كل فلوسك دي وزيادة..

ربتت بأصبعها فوق وجنته برفق معقبة في مرح :
-يا واد أنت هتكبر عليا.. يلا قوم شوف وراك إيه تعمله معندناش وقت..

قفز أخيها على الفور في حماس متمتمًا بسعادة غامرة :
-حاضر يا أجدع أخت في الدنيا..

ابتسمت حياة لرؤيتها سعادته واضحة فوق ملامحه، ثم أوقفته بصوتها الناعم ترجوه قائلة :
-محمد متنساش أنت وعدتني..  محدش يعرف حاجة لحد ما تسافر..

هز رأسه لها مؤكدًا قبل أن يخرج من غرفتها ويتركها تزفر براحة من تحقيقها أول خطوة في سبيل حريتها.


وفي المساء..
هاتف فريد حياة يطلب منها الاستعداد للخروج فهو على وشك الوصول إليها، وعليه ودعت والدتها التي قالت حزنة :

-ملحقتش اشبع منك يا حياة كنتي خليكي شويه كمان معانا..

قالت حياة وهي تربت على كتفها بحنان معتذرة :
-معلش يا ماما فريد كلمني و قالي أنه خلاص في الطريق.. وإن شاء الله هبقى أجيلك تاني.. وأنتِ كمان أبقى تعالي زوريني بلاش تسبيني لوحدي هناك..

وبينما كانت آمنة على وشك أجابتها، قطع حديثهم صوت والدها الساخر، إذ كان يقف على عتبه المنزل ويستمع لحديثهم :
-سبيها تروح لجوزها.. دلوقتي بقى فريد اللي كانت عاملة دوشة ١٠ سنين وهي تقول مش عايزاه مش عايزاه.. دلوقتي مش قادرة على بعده..

التفت حياة بحدة تنظر إليه وعلامات الحنق منه تبدو ظاهرة على كافة ملامحها، مقررة إثارة غيظه وذلك بقولها ساخرة، بينما ساقيها تتحرك في اتجاهه حتى وقفت على مقربة منه :
-طب وأنت زعلان ليه كده يا بابا.. يمكن عشان المرة دي معرفتش تطلع غير بوصولات الأمانة.. فالموضوع بالنسبالك خسران؟!..

صُدم عبد السلام من ردها، فتلك المرة الأولى التي تقف فيها إبنته أمامه وتتجرأ على الرد، وعليه صدح صوته بقوة يرج أركان المنزل :
-أنتِ قليلة أدب بنت ***.. وشكلك افتكرتي إنك اتجوزتي ومحدش هيقدر عليكي..

رفع كفه لأعلى استعدادًا لصفعها، بينما انكمشت هي على نفسها، قبل أن يوقفه صوت فريد الهادر وقد سارع بإمساك يده المرفوعة، قائلًا وعلامات الغضب تملأ محياه :
-عبد السلام بيييييه.. أنا مراتى متربية أحسن تربية..

ظل يضغط بكل ما أوتي من قوة على كف والدها المرفوع حتى شعر بالاحمرار قد بدأ يغزو وجه غريمه من شدة الألم، ثم أضاف بنبرة غاضبه منخفضة :
-ثم أن مش مرات فريد رسلان اللي حد يفكر يمد أيده عليها حتى لو كان أبوها فاهم..

نفض يده في عنف متعمدًا استخدام قوته المفرطة، حتى شعر والدها بذراعه على وشك الخروج من مفصله، بينما تحرك فريد من أمام الباب يحتضن يد حياة التي وقفت خلف والدتها مصدومة مما كان والدها على وشك فعله، ومن رد فعل فريد، ثم سحبها نحو الخارج وهو يقول بنبرته الآمرة :
-دادا آمنة.. لو عايزة تشوفى حياة هتلاقيها في بيتي..
قال جملته ثم سار بها للخارج نحو السياره دون النظر خلفهم...

دلفت حياة داخل السيارة بهدوء دون إبداء أي رد فعل، بينما صفق فريد الباب خلفها في عدائية، ثم استدار ليحتل المقعد المجاور لها ويأمر سائقه بالتحرك ولازال ذلك العرق بجانب صدغه ينبض دون هوادة من شدة الغضب، زفر بقوه عدة مرات في محاولة منه لاستعادة جزء من هدوئه، قبل هتافه اسمها بنبرة حاول قدر الإمكان إخراجها طبيعية وهو يمد يده ليحتضن كفها في توجس متأهبًا لرفضها، ولكنها فاجأته بتقبل يده بهدوء غير معتاد، هتف اسمها مرة أخرى بنفاذ صبر، ولكن أيضًا لم يصدر عنها أي إجابة، فقط ضغطة خفيفة على يده المحتضنة كفها، ثم استندت برأسها فوق النافذة سامح لذكرياتها بالعودة بها إلى سن السادسه..

" تذكرت ذلك اليوم في قصر غريب، عندما كانت تتلوى تحت قبضة والدتها وهي تمشط لها شعرها قائلة بطفولية :
-يا ماما يلا بسرعة عشان الحق أروح لفريد قبل الدرس ما يبدأ..

ضحكت آمنة وهي تحاول جاهدة إتمام مهمتها مع قلة صبر طفلتها قائلة بمرح :
-ايوه يا ست حياة.. كأن الدنيا دي مفيهاش غير فريد.. ليل ونهار عايزة تجرى عليه.. اتفضلي يا ستي روحيله أديني خلصت..

ركضت حياة على الفور في اتجاه الباب المؤدى إلى الحديقة قبل أن توقفها يد والدها الغليظة، وتسحبها للداخل مرة أخرى ويجرها خلفه بقسوة قائلًا :
-مفيش حاجة اسمها فريد تاني..

ثم توجه بحديثه لوالدتها :
-أنتِ يا ست آمنة معندكيش نخوة ولا إحساس.. بتشجعى البت على قلة الأدب!!.. عايزاها تحط رأسنا في الطين!...

سألته آمنة مستنكرة من بين حاجبيها المعقودان معًا :
-قلة أدب إيه دي يا عبد السلام اللي بتتكلم عليها؟!..

هدر يجيبها وهو لازال ممسكًا بذراع حياة التي كانت تحاول جاهدة الافلات من قبضته المؤلمة :
-أيوة قلة أدب.. ليل ونهار سيباها قاعدة لوحدها مع ابن الباشا ومحدش عارف بيعملوا إيه.. بتك دي مش هترتاح غير لما تجبلي العار وتخلي ناسي في البلد يعايروني بيها..

شهقت آمنة مصدومة، تحاول استيعاب حديث زوجها الغير متزن، ثم قالت بمزيج من الاستنكار والاشمئزاز :
-عار إيه يا راجل.. دول عيال!.. أنت بتتكلم على بنتك اللي مكملتش ٦ سنين.. أكيد جرى لمخك حاجة..

صاح بها بصوت جهوري افزع كلًا من حياة التي بدأت تبكي من شدة الألم ووالدتها :
-أيوة هو ده اللي عندي.. واعملي حسابك تلمي هدومك.. أنا خلاص جبت شقة إيجار ومن بكرة هنتنقل ليها.. وأقسم بالله لو بوقك اتفتح أو اعترضتي لارمي عليكي اليمين دلوقتى.. وارميكى في الشارع أنتِ وعيالك..

ازدرد ريقه بقوة قبل أن يضيف متوعدًا :
-ومن بكرة الحال المايل ده هيتعدل.. وهشوف البت دي اللى عايشة عيشة البشوات هتتربي إزاي..

ثم نفض ذراع حياة من قبضته وخرج صافقًا باب الملحق خلفه في عنف، انتظرت حياة خروجه، ثم ركضت نحو الحديقة وهي لازالت تبكى حتى وجدت فريد يجلس بهدوء تحت شجرته المفضلة، هتفت اسمه بصوت باكِ تشتكى له من والدها قائلة من بين شهقاتها المتلاحقة :
- فريد . بابا زعقلي.. وقـال.. قالـي إني هجيبله العار.. ووو.. وإنه هيخليني امشي وكمان بكرة.. هنـروح.. هنروح بيت جديد..

قاطعها صوت فريد الطفولي يهدهدها وهو يمسح فوق شعرها بحنان قائلًا في إصرار :
-متخافيش يا حياة.. أنا هحميكى منه ومش هخليه يعملك حاجة وبعدين أنا دلوقتي هكبر وهتجوزك واخليكي تعيشي معايا أنا وأنتِ وماما بس.. بعيد عنه وعن بابا..

طمأنتها نبرته ووعوده فهزت رأسها له بحماس موافقة بعدما مسحت بكف يدها دموعها المنسابة، فهي تثق به وتعلم أنه بطلها وحاميها الأوحد...

تنهدت بعمق مفكرة.. فيبدو أن قوة ذلك الصغير لم تكفى لردع والدها عما انتوى القيام بِه، وبالفعل في اليوم التالي انفصلت حياة عن فريد دون حتى وداع..
ا

فاقت من شرودها على توقف محرك السيارة وصوت فريد العميق يحثها على النزول، دلفت إلى الداخل فوجدت الهدوء يعم أرجاء المنزل فاستنتجت أن ساعات العمل قد انتهت وذهب كل موظفيه إلى مخدعهم، راقب فريد ردود أفعالها الهادئة بقلق، فشخصيًا يفضل حياة الثائرة عن تلك التي لا يصدر منها أي رد فعل، رفع رأسه للأعلى ثم تنهد بتعب ممررًا يده داخل خصلات شعره، قبل أن يقول آمراً بنبرة خرجت حادة دون وعى منه :

-حياة.. مفيش روح لهناك تاني.. فاهمه..

التفت تنظر إليه وعيونها تنطق بالشرر، قبل أن تنفجر وتصرخ به بقوة، بينما كلتا يديها يدفعانه للخلف :
-ملكش دعوووووووة.. أنت بالذات ملكش دعوة.. مش عايزة منك حاجة.. فاهم يعنى إيه مش عايزة منك حاجة.. متجيش دلوقتي تديني أوامر.. روح واختفى زي ما اختفيت زمان.. حياة كبرت ومش محتاجالك سامع.. أنا قادرة ادافع عن نفسي لوحدى متعملش فيها بطل ليا.. كنت فين زماااان.. ها!.. كنت فين وأنا عندي ١٤ سنه؟.. كنت فين وهو.............

ابتعلت ما بقي من الكلمات بداخلها، وقد خانها جسدها وصار يرتجف من شده الغضب، بينما ظل فريد ينظر إليها بصدمة يحاول استيعاب حديثها وسبب ذلك الهجوم الغير مبرر، ثم تقدم خطوة منها يمد كلتا يديه ويحاول احتضانها، ولكنه تفاجئ بها تلكمه فوق صدره صارخة بأستياء :
-متقربش مــنـي.. قلتلك مية مرة متقربش مني.. ابعد عني متقربش .. مش عايزة حد يلمسني.. سيبوني في حالي.. وأنت ارجع مكان ما كنت مختفي مش عايزاك في حياتي..

قاوم فريد لكماتها المتتالية وانهيارها وهو يشدد من احتضانه لها حتى استكانت وهدأت بين ذراعيه، ثم قامت بمسح عبراتها المنهمرة بكثرة قبل أن تدفعه برفق وهي تُتمتم بنبرة منهكة :
-أنا كويسة لو سمحت سبني..

فك حصارها من بين ذراعيه وتركها تتجه نحو الدرج، بينما ملامح وجهه يكسوها الصدمة يحاول عقله استيعاب كلماتها وما تفوهت به للتو.

ابق قريبًا من جديدنا

تابعنا وما يفوتك جديد

اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.

أكمل القراءة في التطبيق

تجربة قراءة أفضل مع إشعارات الفصول الجديدة والوضع الليلي المريح



التعليقات (0)

جاري تحميل التعليقات...