النهاردة لما كنت مع صحابي في مطعم وخارجين منه شفت العربية دي، يمكن معرفش عن العربيات كتير، بس اللي أعرفه إن نفسي في واحدة من دول..
ولإن عمري صغير ماكملتش حتى العشرين وبشتغل جنب الجامعة علشان أنا عايشة لوحدي..
من ساعة ما اتولدت ماكانش ليّ عيلة، كنت في دار الأيتام، ولسة خارجة منه بمجرد ما كملت 18 سنة.. كانت سنين صعبة مش عندي كل اللي أنا عاوزاه، كنا ناس أبسط من أي حد، بس على الأقل عندنا لقمتنا وبنحسّ بدفى بعضنا لما بنام أنا و4 بنات معايا في أوضة واحدة صغيرة.
ودلوقتي؟؟ عدى سنتين كاملين، طلعت من المدرسة بدرجة ممتازة وكنت الأولى عليها، مش عارفة أجزم دا حظّ ولا توفيق من ربنا، بس أنا حطيت جُهد كبير في المذاكرة، رغم إن ماكانش عندي أي مصدر غير كتاب المدرسة..
ـ “ناردين”! مش هتيجي يلا علشان نروّح؟
بعدت عينيّ من على العربية وأنا ببص لـ”آلاء” أعزّ صديقة ليّ هيّ و”سارة”، خرجنا في نفس اليوم من دار الأيتام..
رحت لهم وأنا بضحك وبقول:
ـ ها؟ ناويين على ايه لما نروح؟
“سارة” قالت بكلّ حماس:
ـ هنعمل فشار ونسمع فيلم كرتون.
“آلاء” عينيها لمعت وهي بتوافقها على كل حاجة بتقولها زي كل مرة:
ـ وأنا اللي هختاره.
وبكلّ أسف ماقدرش أسهر معاهم، قلت لهم بجدية:
ـ اسمعوا براحتكم بقى، أنا هروّح أنام على طول.
ـ ليه كدا يا مدمّرة الأحلام!
رفعت حاجبي لـ”سارة” اللي كانت متضايقة ولسة هتكلم لقيت “آلاء” بتقول بلسانها المعسول على عكس التانية المعووجة:
ـ أنتِ عارفة إن القعدة مش بتحلى غير بيكِ!
اتنهّدت وقلت بهدوء:
ـ أنتِ عارفة إن ورايا شغل الصبح بدري، وبقعد كتير ولازم أركّز قبل ما أروح الامتحان الضهر، دا أنا استأذنت منهم بالعافية.
“سارة” قالت باستياء:
ـ نفسي أفهم ليه دايمًا بتحبي الشغل المتعب! سيبك من شغلانة الكافيه واشتغلي بمهاراتك، أنتِ بتعرفي تتكلمي لُغتين مهمين!
قلت بسخرية:
ـ ومين اللي هيوظف بنت مالهاش خبرة ولسة ماتخرجتش حتى؟ هنشوف الكلام دا بعد 3 أو 4 سنين بقى.
كملت كلامي بهدوء وأنا بحاول أقنعها:
ـ وبعدين دايمًا لازم نعمل اللي مش بنحبه، علشان نوصل للي بنحبه.
روّحنا مع بعض للشقة الإيجار اللي بقى لنا فيها السنتين دول، صغيرة أوضتين وصالة ومطبخ بحمام صغير، وأكتر من كافية لينا!
قعدوا همّ الاتنين في أوضة الضيوف الخارجية سهرانين، وأنا برضه كنت سهرانة.. بس علشان حاجة تانية!
كنت فاتحة التابلت اللي أخدته من الثانوية واللي اكتشفت إنه كان حديث فكان عادي أضيف له كيبورد ويشتغل زي اللابتوب، قعدت أبحث عن فرص عمل زيادة، علشان الإيجار زاد جدًّا، ودخلي من الكافيه محدود جدا.
ضيّقت عيني بعدم تصديق وأنا ببص على الكلام اللي شايفاه قدامي، مطلوب مدرّس خصوصي للغة الإنجليزية، واللي بكل تأكيد أنا ممتازة فيها!
قدّمت إيميل وأنا بعرّف بيه عن نفسي وإمكانياتي، وطبعا مع مصداقية سنّي وخلفيتي التعليمية.. ومش عارفة.. هل فعلا ممكن أتقبل؟ ولا.. هترفض زي كل مرة بقدم فيها على شغل جديد؟
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
صحيت من النوم على صوت “آلاء” اللي بصت لي وقالت:
ـ احنا هنروح الجامعة بدري علشان نتقابل مع صحابنا وهنراجع شوية قبل الامتحان، ماتنسيش تيجي في الميعاد.
قلت لها بصوت كسول كله نوم:
ـ هي.. الساعة كام؟
بصت لموبايلها وقالت:
ـ قرّبت على تمانية.
اتفزعت وأنا بقوم فجأة.. دا شغلي الساعة تمانية ونصّ ولو اتأخرت مش هلاقي حجة أروح بيها الامتحان!!
قمت بسرعة وأنا بلبس في حين إن “سارة” و”آلاء” مشيوا، كنت أنا الوحيدة الطموحة فيهم، “آلاء” طموحاتها عادية، مش أكتر من مكان مستقر وشغل مستقلّ بروتين بيتكرر كل يوم.. أما “سارة” فبالنسبة لها بتعيش اليوم بيومه.. مش شايلة همّ بكرة.. وعندها فرط حركة أتمنى تكون بتطلعه على المذاكرة أكتر من اللعب!
أما أنا؟؟ حاسة إني عاوزة أعمل حاجة مختلفة، حاجة الناس مش متعودة عليها، مش كلهم قادرين يوصلوا لها.. بحب الإحساس دا.. إني أكون مميزة عن الكلّ.. مش مجرد بنت عادية مستنية فتى أحلامها بفستانها الأبيض!!
خلصت لبسي بسرعة وأنا بجري على السلّم بكل طاقتي، أخدت مواصلتين لحدّ ما وصلت لمكان الشغل، قبل ما أدخل بصيت في الساعة.. كانت 8 و24 دقيقة.. مش عارفة عملتها ازاي! بس عملتها!!!
دخلت وقلت بابتسامة:
ـ السلام عليكم يا “نورين”، صباح الخير.
ردت عليّ السلام وهي بتبتسم:
ـ صباحو فُلّ، يلا نجهّز الحاجات علشان الناس هتبدأ تيجي.
” نورين” دي شخص أقدم مني في المكان، بقى لها 5 سنين على نفس الشغلانة، وبتاخد شيفتين، ومعتبرة المكان كأنه ليها، طبعا.. ما هي مرات صاحب المكان! ورغم إنه كِشري ونكدي بس مراته عكسه تماما، وهي اللي اتوسطت لي عنده علشان امتحاناتي وقالت إنها هتاخد شيفتي.. قد ايه بحب شخصيتها!!
قعدت أقدّم الطلبات والمشاريب للناس، بقابل كل يوم عشرات الناس بس عمري.. أبدا.. ما حسّيت بالراحة وأنا بكلمهم! شخصيتي اللي في الأساس انطوائية.. مضطرة تتأقلم مع الشغل دا.
خلص وقتي وفاضل أقل من ساعة على الامتحان، قلت بسرعة:
ـ “نورين” أنا همشي بقى، معلش هتعبك معايا.
لوّحت لي بإيديها وهي بتقول:
ـ مع السلامة يا قلبي.
في الوقت دا في وقت خروجي لقيت صاحب الكافيه طلع من المكتب وبيقول:
ـ اعملي حسابك تيجي شيفت بالليل علشان تعوضي النهاردة.
قالها بحزم فمالحقتش أتكلم لقيت “نورين” بتقول له بضيق:
ـ سيبها وراها مذاكرة الليلة دي.
ـ دا مش مبرر يا “نور”، ياما ذاكرنا واشتغلنا في نفس الوقت.
ـ بطّل كلام بس وتعالى ساعدني.
ـ “نور”!!
ـ قلب “نور” والله، تعالى ساعدني بقى.. علشان خاطـري!
قالتها له ببراءة فهو اتنهّد باستياء ولبس المريلة ووقف جنبها، كتمت ضحكتي عليهم وسيبت الكافيه، وجريت على الامتحان وبتمنى ألحقه.
وصلت هناك على اللحظة الأخيرة، ومن سوء حظي اللي عارفاه كويّس! كنت في البنش اللي قدام المراقب مباشرة! كمّية توتر لا نهاية لها، أنا بحب دايما أكون في الآخر!!
الامتحان ماكانش سهل، والمادة ماكانتش سهلة، قعدت أعصر دماغي وأفتكر كل كلمة علّمت عليها بهايلايتر وحلّيت أسئلة.. ولحسن حظي المرة دي.. توتري ماتغلّبش عليّ وحلّيت!!
كنت في جنينة الكلية والكل خارج من الامتحان يا إما يلوم الدكتورة يا إما يلوم نفسه علشان ماذاكرش، وأنا منغمسة في موبايلي!!
فتحت الإيميل أشوف أي حاجة وصلت..
ـ “ناردين”!! عملتِ ايه في الامتحان يا “ناردي”؟
رفعت عيني لـ”آلاء” اللي كانت باصة لي بترقّب وقلت بابتسامة:
ـ هيكون عامل ازاي يعني؟ عدّى زي كل مرة ويا رب ننجح.
جات ف ياللحظة دي “سارة” وهي بتقول:
ـ أهو كل مرة بتقولي كدا وبتجيبي امتياز يا مكّارة.
ضحكت وأنا بقول
باستفزاز:
ـ علشان بذاكر مش زي ناس.
كانت لسة هتتخانق معايا لولا إن “آلاء” وقفتها وقعدوا يتكلموا في موضوع، فتحت أنا موبايلي تاني وشفت الإيميل.. دا بجد اللي أنا شايفاه؟ أنا اتقبلت؟ ولأول مرة أتقبل في شغل زي دا؟ أيوة كنت بدّي حصص أونلاين للغات بس دا درس خصوصي في البيت!! والمرتّب مش وحش خالص.
ـ أنا لازم أمشي يا بنات، أشوفكم على العَشاء بقى، لو أخرت اتعشوا من غيري.
ـ ايه دا رايحة فين بدري كدا؟ هترجعي الكافيه؟
ـ لا مكان تاني، ماتتصلوش عليّ علشان ماتقاطعونيش.
سبتهم وأخدت مواصلة بسرعة للعنوان المكتوب في الردّ، لما وصلت هناك ماكنتش متوقعة، كانت شقّة في عمارة على النيل، والظاهر إنها لناس حالهم كويس.. وجدا كمان!
قلت البسملة وأنا برنّ الجرس، فتحت لي الباب ستّ في خمسيناتها، بس شكلها كويس وصحتها كويسة مش زي كل اللي في الخمسين!
ـ السلام عليكم، ازيّ حضرتك؟ أنا الميس الجديدة تبع الدرس الخصوصي.
ابتسمت لي بهدوء وهي بتقول:
ـ اتفضلي يا بنتي.
كان شكلها شغالة هنا مدبّرة منزل مش مالكة خالص، دخلتني قعدت في أوضة الضيوف، كان مكان كبير وحسيت بالتوتر.. لأن دي أول مرة أجرب الشعور دا في بيت غريب وهدّي درس خاص أوفلاين!!
بعد دقايق جه راجل، شكله يوحي بأنه فوق الـ25 سنة أو أكتر وشكله أنيق ولابس فورمال، بس فيه شيء فيه غريب خلاني أعتدل في قعدتي وقلبي بينبض بسرعة، شكله خارج برة.. سلّم بهدوء وقعد قصادي.
كنت متوترة بس مش مبيّنة دا على وشي، وكنت قاعدة بثقة وبهدوء، بدأ كلامه:
ـ شكلك أصغر مما تخيلت.
ابتسمت بهدوء وهو كمل كلامه بجدية وباهتمام:
ـ لما شفت الإيميل بتاعك وبمهاراتك من ضمن كل اللي بعت، كنتِ أنتِ الوحيدة اللي احتياجاتي متوافقة معاها.
قعدت مستنياه يكمل كلامه وهو بينادي وبيقول:
ـ أم عاطف، نادي لـ”بسملـة” لو سمحتِ.
بعد شوية دخلت بنوتة عمرها تقريبا 7 سنين، قعدت على جنبه وهو طبطب على راسها بإيده الشمال، فاكرين لما قلت إنه فيه شيء مختلف وتّرني؟ كانت إنه.. ماعندوش غير إيده الشمال! إيده اليمين.. مبتورة!!!
تابعنا وما يفوتك جديد
اختر المنصة اللي تناسبك وتوصلك الفصول أول بأول.
التعليقات (0)
جاري تحميل التعليقات...
لا توجد تعليقات بعد
كن أول من يشارك برأيه!